العودة   حوار الخيمة العربية > القسم الثقافي > خيمة التنمية البشرية والتعليم

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: الطور فى الإسلام (آخر رد :رضا البطاوى)       :: التلو فى الإسلام (آخر رد :رضا البطاوى)       :: قراءة فى جزء في مرويات دعاء ختم القرآن (آخر رد :رضا البطاوى)       :: الجوع فى الإسلام (آخر رد :رضا البطاوى)       :: النذر فى الإسلام (آخر رد :رضا البطاوى)       :: الذنب فى الإسلام (آخر رد :رضا البطاوى)       :: الغنى فى الإسلام (آخر رد :رضا البطاوى)       :: سلاح التفاؤل (آخر رد :عبداللطيف أحمد فؤاد)       :: الوزير المحبوب و الملهم طارق المهدى (آخر رد :عبداللطيف أحمد فؤاد)       :: الوزير طارق المهدى (آخر رد :عبداللطيف أحمد فؤاد)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
غير مقروءة 04-05-2008, 11:37 PM   #1
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,483
إفتراضي

4ـ توقف تراكم الخبرات الموروثة وإحلال خبرات جديدة لم يستطع الفلاح التعامل معها بشكل جيد.

التعلم البدائي، يأتي مع العادات والبيئة والحاجة للتعايش مع قسوة المحيط، وهو شبيه بتناقل الخبرات عند حيوانات البرية، فالهرب من الأخطار والاستدلال على ما يصلح للأكل، كلها مهارات بدائية. لكن الرقي يتم في وضع أسس لكل شيء ويتم نقلها للآخرين من خلال الإرشادات والمحاذير المكتوبة أو المنقولة بالمشافهة. فعدم سحق السنابل في صباح باكر بعد ليلة كلها ندى، سيعيق عملية استخراج القمح من سنبلته، والرعي في الصباح الباكر بأعشاب بقولية قد يسبب حالات نفوق عند المواشي، وأكل الفول الأخضر بكثرة من الحقول قد يؤدي الى الوفاة، ودق الحجارة السوداء الخشنة في ثقوب ألواح الدرس تحتاج الى تبييت الماء في تلك الثقوب، والتعامل مع لدغات العقارب والأفاعي له مهارات قد يكون عمرها آلاف السنين.

كلما زاد الرقي زادت معه فروع العلم وكثرت التخصصات، فإن كان الطبيب في العهد العباسي يهتم باللغة والفلك والموسيقى، فإن فرعا واحدا من الطب هذه الأيام له عشرات الاختصاصات التي يتفرغ الطبيب لها وحدها دون غيرها، وكذلك هي الهندسة والمحاماة والزراعة.

معلومات منقطعة عن الواقع

كما أنه لا يجوز للأمي أن يتقدم لامتحان الشهادة الثانوية، إذ يُفترض التدرج بتأسيسه حسب الأصول التعليمية، فإنه لا يجوز تعميم علوم الزراعة على العاملين بالزراعة لا ترتبط مع ما كانوا يعرفون ويمارسون، سواء بطرق الزراعة أو بأصناف المزروعات أو الوسائل المستخدمة في العمليات الزراعية.

هي ليست دعوة للتشبث بالقديم وترك الجديد، بل هي دعوة ـ وإن كانت متأخرة ـ لصنع مقتربات مفهومة لدى العاملين بالزراعة لتقبل الجديد والتعامل معه بكفاءة عالية. وهذا يتطلب مجموعة من الاستعدادات ـ مع الأسف ـ لم تقم دولة عربية واحدة بالانتباه لها كما يجب.

فعمليات التطوير والانتقال من الأساليب القديمة تحتاج الى تهيئة مجموعة من العوامل نذكر منها:

المبشرين بالحداثة الزراعية

نعم، لقد انتشرت كليات الزراعة ومحطات البحث العلمي التي تعني بالزراعة في البلدان العربية، وأصبحت علوم الزراعة بمتناول اليد بالنسبة للجميع، ولكن ذلك لم يحل المشاكل الزراعية ولم يرتق بالمزارع للمستوى المعروف عالميا، رغم أن هناك من سيقول غير ذلك، مستدلا بارتفاع مستوى الإنتاج في بعض القطاعات كالدواجن والألبان والخضراوات وغيرها، ومستدلا بأن النسبة العاملة في الزراعة الآن في معظم البلدان العربية تقل كثيرا عما كانت عليه قبل عقود، وإن إنتاجية الوحدة الواحدة يزيد عما كانت عليه. لكن لا بد من تثبيت الملاحظات التي تجعل من أداء المؤسسات العلمية أقل مستوى منه في البلدان المتقدمة:

1ـ تأخر تعيين خريجي الزراعة في وظائفهم، سواء الحكومية أو الأهلية، مما يجعلهم يبتعدون عما تعلموه في جامعاتهم ومعاهدهم. وقد يكون الحل لهذه المشكلة، بتشريع نظام يشبه (الخدمة الإجبارية العسكرية) يوضع به هؤلاء الخريجون في حقول أو منشئات زراعية مع محترفين ينقلون هؤلاء من كونهم طلابا الى حالة يمكن الاستفادة منها بسرعة أكبر.

2ـ نمطية تعيين هؤلاء الخريجين، حيث لوحظ أن تعيينهم يكون في أمكنة بعيدة عن العمل الفعلي، ويكونون مسئولين مباشرين، وتبقى فترة خدمتهم عدة سنوات حتى يتم نقلهم الى أمكنة أكثر احتياجا للفنيين، فيكون الوهم أنهم خبراء (بحكم مدة خدمتهم السابقة) في حين أن نفعهم يكون معدوما. ويمكن حل تلك المسألة بالتنسيق مع نقابات المهندسين الزراعيين ومؤسسات التدريب لجعلهم معاونين لمهندسين زراعيين أكثر احترافا حتى يصبح وضعهم مطمئنا في أداء دورهم. هذا في الدوائر الحكومية.

3ـ أما في المؤسسات الأهلية، فيكون التعيين الأول لديهم لدى أشخاص أو مؤسسات لا تقدر أن تقيم جودة أدائهم، ولكن انخفاض قيمة الراتب الأولي تجعل صاحب العمل يغض النظر عن كفاءة المهندس، كما تجعل المهندس الذي أرهقه الانتظار القبول بالراتب. ولكن ـ مع الأسف ـ قد يتم تصدير هؤلاء لدولة عربية أخرى بشهادات خبرة مزيفة، أو حتى يمكن تصديرهم لمؤسسة في نفس البلد، بحجة أن له مدة خدمة (كذا سنة) .. والنتيجة النهائية هي ضخ فنيين غير ممتازين في البلدان العربية. إلا ما ندر، والنادر لا يقاس عليه.

4ـ رسائل الماجستير والدكتوراه، تبقى حبيسة مختبرات وصالات الكليات ولا يتم تحويلها الى برنامج يخدم قطاع الزراعة بشكل جيد. وسنعود لاحقا لتلك النقطة.

5ـ أساليب تناقل المعلومات من الفنيين الى من يحتاجها من المزارعين لا تتم بوجه طيب، لعدم تطبيق أساليب يتقبلها المزارعون .. وسأنقل شكلا كان متبعا في محطات البحث العلمي بمحافظة نينوى بأواسط السبعينات من القرن الماضي:

كان هناك مجمع لمحطات البحث العلمي الزراعي، تضم محطة بحوث بساتين ومحطة تنقية البذور والتقاوي ومحطة وقاية المزروعات ومحطة للأنواء الجوية ومحطة للغابات ومحطة لبحوث الإنتاج الحيواني..

كان ملحق بتلك المحطات فندق لاستقبال القادة الريفيين وهم أفضل المزارعين في مناطقهم وقراهم، وكان ملحق لهذه المحطات فرقة مسرح ريفي.. وقاعات خاصة للمحاضرات، لم يكن الجلوس فيها على مقاعد (كالتلاميذ) بل كانت الجلسة بشكل حرف U ، وتكون اللهجة بالعامية والمحاضرة كأنها قصة، فإن كان القصد التحذير من ذبابة الباميا (ذكر فيها تشريب الباميا) ليشترك كل الحضور بالاستفسار والانتباه دون ملل.

وإن استطاع أعضاء فرقة المسرح الريفي تحويل تلك المحاضرات الى عمل مسرحي يقدم في المساء للقادة المقيمين بالفندق فإن الفائدة ستكون مضاعفة.

المزارعون لا يلبون دعوات التثقيف الزراعي

في أواسط الثمانينات من القرن الماضي، أقمنا ورشة في مدينة (الرمثا بالأردن) بالتعاون مع 16 من حاملي الدكتوراه في مختلف المجالات الزراعية، ودعونا 400 مزارع للاستماع لأوراق البحث المقدمة من المحاضرين، حضر كل المحاضرين ولم يحضر أي مزارع، وبعد مرور أكثر من ساعة تذمر بها المحاضرون، انطلقت الى الجالسين في الدكاكين وأحضرت ما يقرب من العشرين وعندما حضروا أرهقوا المحاضرين بأسئلة عن أي شيء ـ عدا موضوع الورقة ـ فأحدهم يسأل عن عدم انتظام إسالة المياه، وآخر يسأل عن قروض مؤسسة ليس للمحاضرين شأنا بها!

في عام 1994 حاولنا(في بلدية الرمثا) ابتكار طريقة لنقل المعلومات الزراعية، عن طريق المهرجانات (آخذين درسا من الفشل السابق)، فحاولنا تنظيم أسبوعا ثقافيا شاملا، يُكرم فيه أفضل مزارع للزيتون وأفضل مربي للدواجن وأفضل مربي للنحل وهكذا .. ليترافق هذا مع المهرجان الثقافي وقمنا بالتنسيق مع غرفة التجارة والبنوك والجامعات المحيطة، لتخصيص جوائز قيمة للمبدعين في تلك المجالات، ولنجعل الآخرين يتساءلون عن السبب في حصول فلان على الجائزة، لندفع المهتمين من الفلاحين في طلب المعونات الفنية، لكن مع الأسف لم ننجز ذلك لحل البلديات في وقتها.

خلاصة:

ليس المهم أن يكون عندنا مختصين، بل المهم أن نجعل خبراتهم في متناول أيدي العاملين في قطاع الزراعة، وهذا يتطلب مزيد من وضع البرامج في مختلف المجالات حتى تحل المعرفة الزراعية الحديثة محل القديمة، والتي أصلا لم تعد باقية!
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 19-05-2008, 02:04 PM   #2
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,483
إفتراضي





شاهدت قبل شهور عينة من بذور (القمح) أحضرها أحد الأصدقاء العاملين في أحد مراكز البحث العلمي بوزارة الزراعة، وقد أخبرني أن تلك العينة هي نتاج جيل ثاني من بذور عثر عليها أحد المنقبين في آثار منطقة (طبقة فحل)*1 وقد وجدت محفوظة بطريقة معينة في أحد الأوعية الفخارية، وقد قدر الخبراء عمر تلك البذور بحوالي ألفي عام، ومع ذلك أنتجت بعد زراعتها بعض السنابل التي شاهدت حبوبها (وهي أمامي الآن على المنضدة) كانت بذرة القمح تزيد بطولها عن مرتين ونصف عن بذرة القمح الاعتيادية.

ما هو الصنف

في التقسيم النباتي والحيواني، تقسم المملكة الحيوانية الى أقسام وصفوف ورتب وعائلات وأنواع وأصناف وتحت أصناف. فإذا كان التفاح مثلا، نوع يتبع للعائلة التفاحية التي تتبع للرتبة الوردية، فإن (أحمر مايس أو الجولدن) هما صنفان من نوع، ويكون صنف للأبقار هذا (جيرسي) وهذا (فريزيان)، وللدجاج اللاحم، هذا (لوهمان) وهذا (هبرد) ويكون تحت الصنف تطويرا للصنف فنقول: أن (جيفي هبرد) لون أو تحت صنف من (هبرد) .

هذا باختصار شديد، من يكون من أعمارنا ويحاول تذكر أصناف الدجاج السائدة بالخمسينات والستينات من القرن الماضي، سيتذكر الدجاج (الأندلسي) وهو ما كان يُطلق عليه (بلدي). كذلك كان يرى أصنافا من الأبقار ضئيلة الحجم قليلة الإنتاج، عجولها صغيرة جدا بحجم (الجدي الصغير)، وكان يتذوق بعض أصناف البندورة (الطماطم) حامضة صغيرة الحجم، وكان يطبخ أصناف من البطاطا (البطاطس) والقرع مختلفة عما هي عليه الآن.

لسنا بصدد المذاق الذي هو على علاقة بالذاكرة الموظفة للتقييم، وهي مهمة، وغالبا ما نسمع من ينتقد أصناف هذه الأيام ويقارنها مع ما كان منتشرا في السابق، فيترحم على خيار أيام زمان وعلى البيض البلدي الخ، وهذه مسألة لا وزن لها، عندما نناقش موضوع ملائمة الصنف للبيئة وغزارة إنتاجه، والكيفية التي يكون لدينا قليل من العاملين في الزراعة باستطاعتهم تأمين الغذاء لباقي المواطنين، الذين ينصرفون لتغطية أعمال أخرى.

كيفية تطوير الأصناف

الصنف الموجود في المنطقة أصلا، هو أكثر الأصناف الملائمة للمنطقة، وهي نقطة أساسية لا يمكن إغفالها حتى في البحث العلمي. فالأصناف البرية من التفاح والكمثرى في شمال العراق، موجودة بصورة وحشية، دون تدخل الإنسان في تكثيرها ورعايتها. وأغنام (العواسي) الموجودة في غرب العراق وكامل بلاد الشام أكثر ملائمة للبيئة من تلك المستوردة كما هي أصناف (النعيمي) في جنوب العراق وعموم بلدان الجزيرة العربية، كما هي الأصناف الموجودة في السودان والصومال من (السواكن).

هذا بالأساس، لكن، يبحث المنتج باستمرار لتطوير الأصناف لديه، فهذا يشتري كبشا شُهد لأمه بكثرة الإنتاج، وهذا يشتري فحلا من الإبل، وهذا يختار سنابل من القمح داخل حقله ليحسن البذور لديه. هذا على الصعيد الأهلي والتطوعي للمزارعين والمربين.

أما على صعيد الحكومات، فقد ظهر نشاط لا يمكن الانتقاص من أهميته في عموم الأقطار العربية. فتم إنشاء محطات البحث العلمي، وتم التعاون مع المنظمات الدولية كالأمم المتحدة أو منظمة الزراعة والغذاء التابعة للجامعة العربية، وتلك الجهود ساهمت وتسهم في تطوير الأصناف وإيجاد تقليد علمي اقتصادي يسير على بداية طريق لحل مشاكل الغذاء في المنطقة العربية.

ماذا نريد من الصنف؟

1ـ زيادة إنتاجه، فإن كان أصنف (شملالي) من الزيتون (تونسي)، و(الليصي) أو (الصوري) الموجود في بلاد الشام، تمتاز بارتفاع نسبة الزيت فيها، فإنها قليلة الإنتاج، مقارنة مع أصناف (كاردينال وجرافة و نابالي).

2ـ تغطية أطول فترة ممكنة من التسويق، فلا يهم حسن مذاق صنف (دكس رد) من الخوخ (الدراق) أو صنف (شدة سوداء) من العنب، إذا كانت فترة وجوده بالسوق لا تتعدى عشرة أيام، فلا بد من اختيار سلسلة من الأصناف تغطي أطول فترة ممكنة، فيتم اختيار (ديس العنز) و (الحلواني) الى جانب (شدة سوداء) لبقاء أصناف العنب 4ـ 5 شهور وهكذا.

3ـ مقاومة الأمراض والظروف الجوية. هناك أصناف تعيش في مناطق مختلفة في العالم بنجاح، ولكن عند نقلها الى قطر عربي، يسوء إنتاجها، فبرتقال (بعقوبة) في العراق أكثر ملائمة من (أبو صرة) مثلا. وصنف الأبقار الشامية التي كانت في (غوطة دمشق) أكثر ملائمة من صنف (هولشتاين فريزيان) التي غزت المنطقة. وهذا يقال عن أصناف دجاج (لوهمان) الأكثر ملائمة من (الروس).

4ـ الاستساغة، هناك أصناف يقبل عليها الأوروبيون، لا يستسيغها المستهلك العربي، لخاصية في عاداته وارتباطها بالذاكرة وطرق تحضير الطعام.

ماذا عن الأصناف المحلية؟

رغم تفوق الكثير من الأصناف العالمية في غزارة إنتاجها على الأصناف المحلية، فإن الدعوة للحفاظ على الأصناف المحلية تبقى جديرة بالاهتمام، لأغراض البحث العلمي وتهجينها مع الأصناف المستوردة.

لذا، ندعو وزارات الزراعة في تأسيس متاحف أو حدائق أو مؤسسات تحصر فيها الأصناف المحلية وتعزلها عن الخلط مع الأصناف المستوردة، للرجوع إليها في عمليات البحث، خيرا من أن تنقرض ونعلن الندم في وقت لا يفيد فيه.


هامش
ـــــــ
*1ـ طبقة فحل، موقع أثري في الأردن كان من (الديكا بولس) أي المدن العشرة المهمة في العهد الروماني
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 05-06-2008, 12:52 PM   #3
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,483
إفتراضي

6ـ تدني البحث العلمي، وانقطاع هيئاته العاملة عن التواصل شعبيا مع المزارعين والمنتجين المحليين.

البحث بحد ذاته، هو إعمال العقل لإيجاد مخرج من ورطة أو مشكلة ما. في العراق يطلق الأهالي هناك على الدجاج البلدي اسم (بحاث) أي الذي يجتهد للعثور على رزقه، وهناك من يقول : لا، إن الأصل في البحث هو (البحش) أي نبش التربة لالتقاط الرزق من تحتها، على العموم لا فرق بين المنحيين.

في القطاع الاقتصادي، يكتشف من يقوم بالإنتاج أن هناك انخفاضا في مبيعاته، نتيجة وجود سلع مشابهة يطرحها آخرون بسعر أقل، فيقبل المشترون على تلك السلع ويمتنعون عن السلع التي ترتفع أسعارها.

تتركز مهمة بحث المنتجين الصغار، على تقليل الكلفة في إنتاج السلعة، مع تحسين مواصفاتها، من حيث الاستساغة والتغليف والقيمة الغذائية (في منتجات الغذاء). وهذا يتطلب البحث في كل عنصر من عناصر إنتاج السلعة، المواد الخام العمالة، النقل، الخ.

أما بالنسبة للدول، فالبحث يأخذ منحى أكثر شمولا من البحث الذي يقوم به الأفراد أو الشركات الخاصة. فهو يعني الأمن بالدرجة الأولى، فتحقيق الأمن الغذائي، يقلل من المعاناة المرضية الناتجة من نقص الغذاء، ويقلل من الجنوح الى الجريمة التي تكون أحد مسبباتها ضيق الرزق. وتسمى الدول المتخلفة بذاك الاسم، عندما تقل قدرتها على تأمين الغذاء لأبنائها، وتعتبر متخلفة حتى لو كانت غنية إذا ما جاء دخلها من نوع معين من النشاط الاقتصادي، فإن كانت تعتمد على القمح وحده أو الفوسفات وحدها أو النفط وحده أو الألماس وحده، فهي متخلفة. فالتنوع بالاقتصاد والحضور الاقتصادي في مجالات مختلفة عالميا، هو ما يعطي الدولة صفة التقدم والريادة.

هل نحن بحاجة الى البحث العلمي الزراعي؟

قد يستغرب البعض من طرح هذا السؤال، ولكن ما دفعني الى طرحه هما سببان:

الأول: أن هناك من السياسيين والمسئولين في البلدان العربية من طرح مثل هذا السؤال وآمن به، ودفع من يؤمن به ليؤثر على الأداء الحكومي في المجال الزراعي وحجة هؤلاء تنبع من اعتقادين:
أ ـ أن عمومية العلم (مشاعيته العالمية) تجعلنا نستفيد ممن قطعوا شأوا بعيدا في هذا المجال، وليس بإمكاننا اللحاق بهم لضعف كوادرنا وإمكانياتنا، فلماذا نصرف أموالا طائلة في مجالات لسنا في وضع يسمح لنا بها، إضافة الى أن المجال الزراعي هو من المجالات التي يمكن تغطيتها بالاستيراد، خصوصا أن مردود الإنتاج في بلادنا أضعف من أنه يبقي العاملين متشبثين فيه، إضافة الى أن كلفته هي أكثر من الناتج المحصل عليه.

لقد واجه الذين أطلقوا شعار (الزراعة بديل النفط) في العراق أواسط السبعينات من القرن الماضي، حملات انتقاد كبيرة، حيث قيل في وقتها أن إنتاج ثلاثة أيام من النفط كفيل لأن نحضر القمح من أستراليا للعراقيين بما يكفيهم طوال العام. واكتشف هؤلاء أنهم كانوا على خطأ عندما أثيرت عملية منع توريد القمح للعراق، التي رافقت الحملة الغربية ضد ما أسموه (المدفع العملاق) وأسلحة الدمار الشامل (في الثلث الأول من عام 1990 أي قبل غزو الكويت!)

ب ـ إن البحث العلمي، لن يكون ذا فائدة، في بلد لم يستكمل أسس بناءه العام على مختلف الأصعدة، وهذا نراه في الأقسام المخصصة للدراسات النووية خصوصا في بلدان المغرب العربي، حيث يعاني الخريجون من انعدام فرص العمل، فيضطرون للهجرة، فما فائدة أن تصرف دولة نامية على تهيئة كوادرها لتصدرهم أخيرا (مجانا) الى الدول المتقدمة؟

هل هناك أبحاث في الدول العربية؟

نعم هناك أبحاث، لكنها لا ترتقي الى درجة تغطية الحاجة الى البحث. فما الفائدة من أن يخرج علينا أحدهم ويقول : (لقد اكتشفت الجوارب أو معجون الأسنان؟) والعالم اكتشفها منذ أمد. فالبحث النافع هو كإشارة المرور، يجب أن يكون قريبا من النقطة الواجب التحذير منها، ويسبقها، لا يتبعها، (أمامك منعطف، أمامك منحدر، ممنوع المرور)، ولن يكون من تلك الإشارات فائدة إذا كان وجودها بعد المنعطف أو المنحدر أو بمنتصف الطريق الممنوع المرور من خلاله.

حاولت الأمم المتحدة، من خلال منظمة الزراعة والغذاء الدولية FAO أن تلزم (أدبيا) الدول بتخصيص 2% من ميزانياتها للبحث العلمي، ولكن في بلادنا لم تصل هذه النسبة عشر هذا التخصيص المنصوح فيه. وحتى تلك النسبة الضئيلة لا يستفاد منها تلك الاستفادة الموازية لما خصص لها من أموال.

ولو ألقينا نظرة على الأرقام التالية المأخوذة قبل انهيار الاتحاد السوفييتي والمجموعة الشرقية، لتبين لنا فداحة الأوضاع المتخلفة لدينا:*1


صرفت البلدان المتقدمة 81 مليار دولار للبحث العلمي، بمعدل111دولار/مواطن
صرفت دول أوروبا الشرقية 40مليار دولار، بمعدل 114دولار/مواطن
صرفت كل الدول النامية 2مليار دولار بمعدل 1دولار/مواطن.
أستراليا 880 مليون دولار بمعدل 76 دولار/مواطن
كندا 1.350 مليار دولار بمعدل 61 دولار /مواطن
الولايات المتحدة 31 مليار بمعدل 146 دولار/مواطن
السودان 9 ملايين دولار بمعدل نصف دولار /مواطن
العراق 25 مليون دولار بمعدل 2.3 دولار/مواطن
مصر 47 مليون دولار بمعدل 1.5دولار/مواطن

عناصر العلوم والتكنولوجيا تتمثل في :

1ـ مكانة العلوم والتكنولوجيا في جميع مراحل التعليم وأنواعه في المجتمع. وهذه تبدأ عادة بالمرحلة الدراسية المتوسطة وتستمر حتى التخصص في أعلى المعاهد والجامعات.

2ـ البحوث العلمية وعمليات التطوير. وتناط مهامها بكليات الزراعة ومعاهدها ومراكز البحث العلمي بوزارات الزراعة. كما يمكن للاتحادات الزراعية النوعية (اتحاد منتجي الدواجن، الأسماك، الأشتال، الخ) القيام بتلك البحوث وتمويلها بالتعاون مع النقابات المهنية والدولة.


3ـ تسخير نتائج البحوث وتطبيقها فورا. وهذا يتم عبر محطات البحث العلمي ونقل التجارب من خلال فرق الإرشاد المتدربة على النقلات العلمية النوعية.

4ـ الخدمات العلمية والتكنولوجية: وهذا ممكن أن يكون بشكل مختبرات تلحق بالكليات ومعاهد الزراعة العالية تكون على صلة بالجمهور لترشده وتحل مشاكله.




هوامش
*1ـ جدول ذكره غانم سعد الله/ ورد في المؤتمر الفني الدوري السادس لاتحاد المهندسين الزراعيين العرب/صفحة 631
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 18-06-2008, 07:00 AM   #4
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,483
إفتراضي

7ـ انخفاض مهارات العاملين في الزراعة.

مما يميز تواصل تقدم اليابانيين هو اعتمادهم لأسلوب (النمطية) في العمل، حيث إذا عمل أحدهم في شركة (تويوتا) مثلا، في شد (براغي الدولاب) فلن ينتقل من هذا العمل حتى تقاعده أو مماته، لأنه بذلك سيكتسب مهارات تراكمية في شد تلك البراغي، قد تكون محصلتها ثانية أو جزء من الثانية، لكنها بجمعها مع الزمن ولكل العاملين سيكون لها شأن. وتتعاهد الشركات الإنتاجية الكبرى في اليابان على عدم استخدام العاملين التاركين لعملهم لضمان استمرار النمطية.

ما هي المهارات الزراعية؟

لو حاول أي مبتدئ ليس له علاقة بالعمل الزراعي وأمسك بمقص لتقليم الأشجار، وهَمَ بقص غصن من شجرة، فإن الجهد الذي سيبذله يعادل خمسة أضعاف الجهد الذي يبذله عامل محترف، وأن هذا المبتدئ سيكره العمل وسيصيب يده الأذى، وقد يجرح نفسه من حيث لا يدري.

يتم اكتساب المهارات الزراعية، من تكرار عملية عدة مرات، ومحاولة تجنب الخسارة التي وقع بها صاحبها، أو الجهد الذي بذله بطريقة مبالغ فيها، أو توقيت العملية الزراعية، ويفيد في اكتساب المهارة تناقل المعلومات الخاصة بين العاملين، أو انتقاد القائمين على رأس العمل من مهندسين أو أصحاب عمل، أو زوار وتنبيههم من قام بالعمل الخاطئ، فيكون أداؤه بالمرة القادمة أكثر جودة وأقل أخطاء.

فمثلا، لو قام أحدهم بتقليم أشجار العنب في الثلث الأخير من شهر فبراير/ شباط فإن نزف الشجرة لسائلها سيحدث، وستقل فرص عقد الثمار ويتفاوت حجمها. وقد يأتي التنبيه من مهندس له دراية بذلك، أو صاحب البستان الذي يقف على عمله بشكل دءوب، أو من رجل مسن يضرب مثلا (في سعد السعود تدب الماوية في العود) فينتبه من وقع بالخطأ ولا يعود يكرره.

وقد يفتح أحد العاملين بحقل الدجاج اللاحم، نوافذ قاعة التربية عندما يكون الجو حارا، ولا ينتبه لإغلاقها إذا (هب الهواء) وعندها ستصاب طيوره بأمراض تنفسية قد تفني ثلث القطيع ويذهب ربحه كاملا، أو يتحمل خسارة قد تخرجه من مجال العمل نهائيا.

وهناك أخطاء لها صفة (إستراتيجية) تتعلق بتصميم المباني، أو طرق تربية الأشجار، فقد يربي أحدهم أشجاره على الطريقة الكأسية (القلب المفتوح للشجرة) في مناطق تتساقط بها الثلوج فتتجمع الثلوج في وسطها وتكسر فروعها، فتقضي على البستان، فيأتي أحدهم ويقول له: كان عليك أن تربيها على طريقة (الساق الرئيسي المحور).

وحتى لا نطيل في هذا المجال التخصصي الذي لا يعني شيئا للمطلعين من غير المختصين، وحتى نبقي على رسالتنا في إيصال الفكرة العامة من بحثنا العام للطالبين لهذا النوع من المواد الثقافية الهامة، سنعود الى محور الحديث عن فكرة المهارات.

من هم المعنيون بالمهارات؟

أولا: أصحاب المشاريع:

قد يُقبل أحد الموسرين أو من يريدون استثمار أموالهم في المجال الزراعي، على القيام بتأسيس مشروع زراعي ما، بساتين، مزارع أبقار حلوب، مزارع دواجن، استصلاح أراضي، مسالخ دجاج الخ. ولكن ليس لديه من مقومات المشروع سوى (المال والأرض) أو حتى المستلزمات كاملة. سيقوم باختيار مدير أو مدراء فنيين لمشروعه، ولكنه لا يستطيع معرفة إمكانيات هؤلاء لأنه بكل بساطة لا يستطيع تقييم أيهم أكثر كفاءة من الآخر، وسيختار هؤلاء عمالهم وفنييهم بما يمليه عليهم واجبهم (فقط). وإن خسر المشروع أو ربح المشروع ولكن ربحه قليل أو حتى كثير، فإن صاحب المشروع لن يدخل الى نفسه الرضا ولن يقوم بحماسة توسيع مشروعه، إلا إذا وصل لقناعة أن مشروعه ناجح. وكيف له أن يعرف ذلك إذا لم تكن له مهارات في التقييم؟

إن هذه المعضلة، قد تكون أحد الأسباب التي تكمن وراء عدم إقبال أصحاب الأموال باستثمار أموالهم في المشاريع الزراعية. فأصحاب الأموال قد يقبلون على شراء الأراضي وإنشاء البنايات العقارية، أو استثمار أموالهم في الأسهم، ولكنهم يترددون في استثمارها في المجال الزراعي، لعدم قدرتهم على تصور ما سيئول إليه المشروع.

إن هذه المسألة قد حلت في الكثير من الدول. في بلغاريا مثلا، ينشر كتابا سنويا يبين فيه (كم يحتاج الهكتار من ماء وسماد وعمال وكل شيء، حسب ما مزروع في تلك المساحة وعمر المحصول) فإن جاء مدير وقال لقد دفعنا رواتب 50 عاملا بمبلغ كذا، فلا يستطيع صاحب المشروع في بلادنا معرفة أن الأمر كان يحتاج 50 عاملا أو 20 عامل، ولكنه بالرجوع الى الكتاب (على الطريقة البلغارية) فإنه سيعلم أن كلام كاتب التقرير أو الناقل له بالمشافهة صحيح.

ثانيا: الفنيون (مهندسون .. أطباء بياطرة .. مراقبون الخ)

لا زلت أذكر، أنه عندما تعينت في محطة أبحاث البساتين في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1974، وخرجت بعدها لأشرف على عمال التقليم في بستان، فقلت للعامل ليس هكذا يقلم الخوخ (الدراق) فقال لي : العفو أستاذ هذا ليس خوخ!. لقد كانت تلك الهزة من أكبر ما تعرضت له، فكيف لي سأوجه عاملا يتفوق علي بشيء؟

دأبت الإدارات العربية، سواء في الكليات الزراعية أو دوائر وزارات الزراعة على تدريب الفنيين، من طلبة على وجه (تخرج) الى مستخدمين جدد الى عمال فنيين. ومن خلال مشاهداتنا للنمط الذي يتم فيه التدريب سواء حكوميا أو أهليا أو من خلال الوفود خارج البلدان العربية نستطيع تثبيت تلك الملاحظات:

1ـ لا أدري لماذا يحب المتدرب اختصار وقت التدريب، فإن كان الدوام 8 ساعات رغب أن يكون نصف ساعة، وإن قام أحد المتدربين بسؤال مدربه عن شيء، أشار إليه بقية المتدربين بأن يختصر ويكف عن السؤال، هذه الملاحظة شاهدتها لدى طلاب إحدى كليات الزراعة في العراق، والأردن (حيث يتدرب لدى مؤسستنا منذ 10 سنوات طلاب خريجين).

2ـ لم يقتصر الأمر على سلوك المتدربين في بلادنا، بل كنت ألاحظها في هولندا وإيطاليا، عندما تستضيف الشركات الأوروبية بعض العاملين في المجال الزراعي.

3ـ لكن، ليس الأمر يتوقف على المتدربين، بل امتد للمدربين أنفسهم، فلم يعودوا يهتموا بالوقت ولا نوعية المهارات التي سينقلونها للمتدربين.

4ـ لم تطور الجهات المعنية بالتدريب في بلادنا أساليبها للاستفادة من التدريب، ولم تجعله شرطا يتصل بما بعده.

5ـ يتم تعيين الخريجين الجدد بأماكن نائية، وقليلة الاحتكاك بآخرين، وما أن تمضي سنوات حتى يتم نقل هؤلاء ليكونوا في مناطق عمل تحتاج الى فنيين لديهم مهارات.. لكن من أين اكتسبوا تلك المهارات؟

ثالثا: العمال والفلاحون

سبق وذكرنا مسألة الرواتب المتدنية للعاملين في القطاع الزراعي واستنكاف العمال من العمل في هذا القطاع لأسباب مختلفة، وجعل عملهم في هذا القطاع محطة مؤقتة ريثما يتم إيجاد محطة عمل أكثر جودة. فعليه لا أحد يهتم بتدريب العمال، لا العمال ولا حتى القائمين على العمل الذين استسلموا لفكرة احتمالية ترك العامل الزراعي لعمله بأي لحظة.

خلاصة:

من كل ما تقدم، تبين لنا أهمية حلقة المهارات في سلسلة العملية الزراعية، في مختلف المجالات، (القطاع الحيواني أو النباتي).
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 04-07-2008, 04:03 PM   #5
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,483
إفتراضي

8ـ سوء التخطيط الزراعي، وتذبذب الاهتمام بنوع وصنف من مرة الى مرة.

الخطة من الخط أو من الخطوة، وهي رسم نظري لما يؤول إليه العمل، وتبدأ بفكرة شفوية، ثم إن خُطت على الورق وتمت مناقشتها من خبير أو خبراء، تفحصوا مواقع الخطأ فيها فيعدلون عليها.

اللص يضع خطة، والمقاول يضع خطة، والأعداء يضعون خطة، والمدافعون يضعون خطة، والفرد يضع خطة والجماعة تضع خطة والدولة تضع خطة. وهناك خطة لكل شيء، فخطة تطوير الشباب تختلف عن خطة تطوير الزراعة والصحة والدفاع المدني، لكن وزارة التخطيط أو المجلس الأعلى للتخطيط هو من ينسق الخطط بين الهيئات المختلفة حكومية كانت أم أهلية. ينبري الأهالي لوضع خطط لأنفسهم عندما تعجز الدول عن فعل ذلك. وإن كان هناك تضاربٌ بين خطط الأهالي والحكومات، عمت الفوضى واختل نظام الأمن (الغذائي) في مجالنا الآن.

كان آباؤنا في منتصف القرن الماضي هم من يقومون بوضع الخطط الزراعية، وكان هدفهم الأول هو إطعام أُسرهم وحيواناتهم التي كانت تمثل جانبا مهما في اقتصادهم (توفير اللحم والحليب والنقل وحرث الأرض الخ). فإن كان محصول أحدهم لموسم 5 أطنان من القمح (مثلا)، وكان استهلاك الأسرة طنا واحدا، فإن رب الأسرة سيبيع في أعلى الاحتمالات طنين من المحصول، ويحتفظ بثلاثة، واحد لمئونة السنة والثاني (بذور التقاوي) والثالث تحسبا لموسم قحط لا يأتي فيه من المحصول شيء.

الدولة تتكلف بالتخطيط الزراعي العام

بعد تطور الحياة الاقتصادية و التعليمية وتنوع مصادر الرزق، اتكل الناس على الدولة، دونما تفويض واضح من الشعب لها، أو دونما استعداد ملائم من قبل الدولة للقيام بهذا الدور، فاكتفت بعض الدول بتحديد أسعار المنتجات وتسليمها للمخابز التي حلت محل صناعة الخبز في البيوت، واتسعت قائمة السلع المشمولة برعاية الدولة فكانت الحبوب الأخرى (فول، عدس، حمص، رز الخ) واللحوم والأسماك والألبان، فاطمأن المواطن لهذا الدور الذي أراحه من عناء العمل الشاق لإنتاجه أصلا، وتناغمت القوانين البلدية في منع تربية المواشي والدجاج داخل حدود البلديات، فتصلبت حالة عاشت عدة عقود دون مشاكل واضحة.

العمل الزراعي يتذبذب بين الهواية والاحتراف

تراجعت أعداد الفلاحين الذين امتهنوا تاريخيا الزراعة النمطية. وانتبه بعض الناس قسم من بقايا الفلاحين وقسم مستجد على تلك المهنة، وهذا القسم أخذ طابع الهواية المدرة للربح في بعض الأحيان، وطابعا اجتماعيا مكملا لبعض السلوك البرجوازي، كأن يؤسس أحد الأغنياء مزرعة فيها بعض أصناف الفواكه والطيور والحيوانات الأخرى، ليقضي فيها بعض الوقت مع ضيوفه.

أما أولئك الذين وجدوا في الزراعة مصدرا للربح، فكانوا، ولا يزالون يتخبطون بالتخطيط لما يقومون به من نشاطات زراعية. سأورد بعض الأمثلة التي لا زلت أراها قائمة حتى اليوم تدلل على تخبط التخطيط الزراعي الأهلي:

يلاحظ أحد مزارعي الخضراوات أن سعر الباذنجان كان جيدا في موسم من المواسم، لقلة من زرع الباذنجان في ذلك الموسم، فيضمر بنفسه أنه سيزرع الباذنجان، ويكون في الوقت نفسه آلاف الفلاحين الذين لاحظوا نفس الملاحظة، فتكون النتيجة خسارات واضحة لزيادة المعروض من النوع، فيمتنع المزارعون عن زراعة النوع في الموسم المقبل.

تتدنى أسعار الدجاج اللاحم في عينة من الوقت، لامتلاء قاعات التربية بالكتاكيت، فيعزف المربون عن التربية، ويبيع أصحاب مزارع (الأمهات) قطعانهم لمحلات (الشاورما)، فيقل المعروض من الكتاكيت وترتفع الأسعار، فيستنفر كل من لديه قاعة لملأها من جديد، فتهبط الأسعار، ويلفظ السوق من يلفظ من المهتمين ويخرجهم للأبد. وتبقى أحوال من يزاولون المهنة حرجة لا استقرار فيها.

كيف السبيل لوضع خطط زراعية ناجعة؟

إن تراكم خسارات الأفراد، هو تراكم لخسارة الناتج القومي على صعيد البلد الواحد. لذا فالتخطيط يتطلب حماية المنتج (كفرد) لينهض بمشروعه تقنيا بعد توفر أموال الربح من ناتج مشروعه. لكن الأفراد والشركات التي تعيش داخل حدود بلد ما، سيبقى تخطيطها قاصرا أمام تخطيط الدولة والتي يكتمل تخطيطها عندما تأخذ الاعتبارات التالية:

1ـ ضبط الإحصاءات العامة ومعرفة استهلاك الفرد من كل مادة غذائية، ومعرفة نسبة النمو السكاني وتطور عادات الاستهلاك.

2ـ معرفة كُلف مثيل المُنتج محليا في دول أخرى قريبة أو بعيدة، بالإمكان الاستيراد منها أو مبادلتها بسلع محلية تقل كلفة إنتاجها في بلادنا عن البلدان المصدرة إليها. فإن كانت كلفة إنتاج طن من البطاطا تزيد عن استيراده من دولة مجاورة، فلنتوقف عن زراعة البطاطا أو تحسين أصنافها وتقليل كلفة إنتاجها، وهذا يحتاج مزيدا من البحوث بين هيئات مختلفة (محطات التجارب، الجامعات والمعاهد، منظمات عربية ودولية الخ).

3ـ رصد ما سيزرع من الأصناف ومعرفة ما يُتوقع من الإنتاج، ومناقشة ذلك مع هيئات حكومية ومدنية (الوزارات و النقابات واتحاد المزارعين الخ) والوصول لقناعة علمية بضرورة تعديل المخطط لإنتاجه. وبإمكان الدولة ضبط ذلك من خلال منح رخص استقدام العمال الوافدين أو من خلال أدوار المياه الخ، فلا ماء لمن زرع صنفا خارج الخطة.

4ـ عمل موازنة بين ربحية المزارعين وتوزيع حصص الزراعة بما يضمن العدالة في الربح. كيف؟ قد تكون خطة الدولة في إنتاج (البنجر السكري) لتوريده لمعامل إنتاج السكر، ويعلم المزارعون كما تعلم الدولة إن زراعة (البطيخ) تدر ربحا أكثر من زراعة البنجر، فيتملصون من زراعته، ولكن عندما يرى المزارعون أن تلك الضريبة عامة على كل المزارعين فسيقبلون بها.

5ـ دراسة البدائل الغذائية وتعميمها على المزارعين، فمثلا، هناك أراضي تقع في منطقة أمطار لا تضمن إنتاج القمح فيها، ولكنها ممكن أن تنتج بعض أصناف الشعير أو (البيكيا : الهرطمان)، ولكن معظم المزارعين لا يدركون مثل تلك البدائل، وهذا يمكن قوله في الدورات الزراعية وغيرها.

خلاصة:

إن التخطيط الزراعي، يستلزم حشد كل أطراف العملية الزراعية، ودفعها لعمل تنظيمات تكون حاضرة في كل مناقشة على صعيد البلاد، والامتناع عن ملاحقة تلك التنظيمات من باب (الهاجس الأمني).
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 16-07-2008, 11:35 AM   #6
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,483
إفتراضي

9ـ ضعف إمكانات العاملين بالزراعة، وانعكاسه على تطوير وسائل ومستلزمات الإنتاج التي تزيد من الإنتاجية.

يتوزع العاملون في الزراعة في العالم على صنفين رئيسيين، صنف يرتبط بالعجلة الرأسمالية العالمية، يوظف أموالا هائلة ترتبط بسياسات عالمية، ولا ينحصر نشاط هؤلاء في بلدانهم، بل يتنقلون في مختلف أنحاء العالم، وبالذات البلدان التي تحتاج الى إدخال الأموال (كحالة الذرة في أوكرانيا والبلدان الاشتراكية السابقة). وصنف معدم بالكاد يحافظ على حياة العاملين به وحياة أسرهم.

في بلداننا، كما في بلدان العالم الثالث، لا يجتذب القطاع الزراعي أصحاب رأس المال المحليين للأسباب التالية:

1ـ عدم وضوح الجدوى الاقتصادية من الاستثمار بذلك القطاع.

2ـ ارتباط العمل الزراعي، اجتماعيا، بدنو مكانة العاملين فيه وفق السُلَمْ الاجتماعي.

3ـ هروب شرائح المجتمع المحسوبة على القطاع الزراعي، من ملاكي الأراضي، الى الفلاحين، من العمل الزراعي الى أعمال أخرى. فالكثير من ملاك الأراضي باعوا أراضيهم، خصوصا مع توسع رقعة المدن وارتفاع أسعار الأراضي، وانصرفوا الى تعليم أبناءهم في الجامعات، وأسسوا لأنفسهم متاجر كبرى أو اشتغلوا في قطاعات بعيدة عن الزراعة.

4ـ تحول الأطباء البيطريين والمهندسين الزراعيين الى وكلاء لبيع مواد مستوردة، لصغار المزارعين، وابتعادهم عن فكرة الإنتاج الفعلي، وتركيز همهم في جني الأرباح من المتاجرة بالبذور والأسمدة واللقاحات والعلاجات البيطرية.

5ـ تسهم الحكومات في امتصاص ما يتبقى من كوادر فنية وتحويلها الى موظفين قليلي الفائدة العملية.

6ـ ابتعاد المؤسسات المصرفية والبنوك من إقراض المزارعين، لعدم ثقتهم بنجاح تلك المشاريع.

7ـ معظم الأموال التي تأتي كمساعدات من دول متقدمة أو من مؤسسات مالية تحت إشراف أجهزة دولية كمنظمة الزراعة والغذاء (FAO ) تذهب لصالح أشخاص لا علاقة لهم بالزراعة، وأما القليل منها فيتم إقراضها للمزارعين دون جدية تُذكر، لا من الجهات المقرضة ولا من الجهات المقترضة.

8ـ يمكن إضافة عامل مستجد آخر، وهو انتقال الأموال السريع بين الدول العربية فيما بينها (خصوصا بعد أحداث 11/9/2001)، وتدفق بعض الرساميل العالمية للمنطقة، واستثمارها في قطاعات السياحة والصناعات التحويلية وما رافق ذلك من اهتمامات محلية (عربية) للتعايش مع تلك الظاهرة، وأن نصيب المشاريع الزراعية من هذه الأنشطة يكاد يكون معدوما.

9ـ انعدام تقليد التأمين على المشاريع الزراعية، يجعل من العمل بها أقرب ما يكون للمغامرة غير مضمونة العواقب.

المشاريع الزراعية الكبرى

على ضوء ما تقدم، فإن المشاريع الزراعية المتوسطة قد اختفت أو بطريقها الى الاختفاء. وقد ظهر بدلا منها مشاريع كُبرى لم يُعرف مصدر تمويلها وجنسيات المؤسسين لها، ويمكن أن نوصف تلك المشاريع بما يلي:

1ـ تفوقها على المشاريع المتوسطة والصغرى في الإمكانات والأجهزة مما قلل من كلفة الوحدة المُنْتَجَة عند تلك المشاريع عنها في مشاريع الأفراد والمؤسسات الصغرى، مما جعل التنافس بالأسواق لصالح أصحاب المشاريع الكبرى، وتردد أصحاب المشاريع الصغرى في الاستمرار.

2ـ ابتعاد أهداف أصحاب تلك المشاريع عن (المصلحة الوطنية المركزية) وعدم خضوعهم للتخطيط المركزي للدول التي يتواجدون فيها. فقد تتجه تلك المشاريع لإنتاج (التفاح) أو (الفراولة) في حين تطلب عامة الناس إشباعهم من الخبز والعدس.

3ـ تتعامل تلك المشاريع مع السوق المحلي بما ينفعها هي، فقد تفرغ السوق من السلع المنتجة وتقوم بتصديرها، حتى تتأكد من خلو السوق من تلك السلع فتبيع بأسعار تثقل كاهل الجمهور. ومن هنا فإنه لا يمكن الاعتماد على مثل تلك المشاريع (ضمن سياسة السوق وتشجيع الاستثمار) في ديمومة توفر الأصناف والتخطيط على ضوء ذلك.

4ـ تطور تلك المشاريع إمكاناتها العلمية والفنية باطراد، في حين تتضاءل إمكانات صغار المشاريع حتى تختفي نهائيا. فمثلا تكون كلفة تدفئة الكتكوت في فصل الشتاء عند صغار المزارعين ما يقارب ربع دولار، في حين أن كلفته عند أصحاب المشاريع الكبرى لا تتعدى ثلثها عند صغار المزارعين.

خلاصة:

إن هذا الوضع والذي يرتبط بالخصخصة وسياسة السوق المفتوح والخضوع لاتفاقات دولية (الجات) سيخرج ملايين العاملين في الزراعة من قطاعهم الذي ارتبطوا به اجتماعيا واقتصاديا، وهم بالتالي سيضافون الى جيوش العاطلين عن العمل، والراغبين في الهجرة من ريفهم الى المدن أو الى خارج بلادهم، وكل ذلك مصدرا جديدا لمنظومة خلل اجتماعية واقتصادية جديدة.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .