عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 08-03-2021, 07:43 AM   #2
رضا البطاوى
من كبار الكتّاب
 
تاريخ التّسجيل: Aug 2008
المشاركات: 3,724
إفتراضي


السفيه فى القرآن يطلق على المجنون كما يطلق على الطفل قبل الرشد كما قال تعالى "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا"
ثم قال:
"وقد اختلف الفقهاء في السفيه هل يحجر عليه - مما يترتب عليه إقامة ولي عليه - على قولين :
القول الأول : لا يحجر على الحر البالغ وإن كان سفيها وإنما يوقف تسليم المال إليه حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة ، فإذا بلغها سلم إليه ماله وإن كان مبذرا
وبه قال أبو حنيفة
القول الثاني : يحجر على السفيه مطلقا وبه قاله أبو يوسف ومحمد بن الحسن ، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة
الأدلة :
استدل أصحاب القول الأول بعدة أدلة منها ما يلي :

1- عمومات الأدلة في البيع والهبة والإقرار من نحو قوله تعالى : { وأحل الله البيع } فقد شرع الله هذه التصرفات شرعا عاما والحجر على السفيه يناقض هذه الأدلة
يمكن أن يناقش : بأن عمومات النصوص خص منها المجنون والصغير بالاتفاق ، فليكن السفيه مخصوصا كذلك بالأدلة الدالة على الحجر عليه
2- عن ابن عمر أن رجلا ذكر للنبي أنه يخدع في البيع فقال إذا بايعت فقل : لا خلابة وعن أنس بن مالك أن رجلا كان يبايع وكان في عقدته ضعف ، فدعاه النبي (ص)فنهاه عن البيع ، فقال يا رسول الله إني لا أصبر عن البيع فقال رسول الله (ص): إن كنت غير تارك للبيع فقل هاء وهاء ولا خلابة
ففي الحديثين دليل على أنه لا يحجر على الكبير ولو تبين سفهه
نوقش : بأن عدم الحجر عليه لا يدل على منع الحجر على السفيه ، لأنه لو كان الحجر عليه لا يصح لأنكر عليهم طلبهم الحجر عليه
3- أن في الحجر عليه سلب لولايته ، وسلبها إهدار لآدميته وإلحاق بالبهائم وهو أشد ضررا من التبذير فلا يتحمل الأعلى لدفع الأدنى فلا يحجر عليه ولو كان مبذرا منعا للضرر الأعلى
يمكن أن يناقش : بأن الحجر عليه لحظ نفسه حفظا لأمواله ، وإلحاقه بالبهائم منتقض بالعبد والصغير والمجنون فإنهم يحجر عليه مع آدميتهم
4- أن منع المال منه يراد منه التأديب ، ومنع المال منه بعد بلوغ خمس وعشرين لا فائدة منه إذ لا يتأدب بعد هذا السن غالبا ، إذ قد يصير جدا في مثل هذا السن
نوقش : أن ما ذكر من كونه جدا متصور فيمن له دون هذا السن فإن المرأة تكون جدة لإحدى وعشرين سنة فظهر بهذا عدم صحة تعليق الحكم بهذا الوصف وهو بلوغ خمس وعشرين سنة
5- أن السفيه حر بالغ عاقل مكلف ، فلا يحجر عليه كالرشيد
نوقش : بأن القياس منتقض بمن له دون خمس وعشرين سنة فإنه بالغ حر عاقل مكلف ويمنع من ماله لسفهه اتفاقا وما أوجب الحجر قبل خمس وعشرين يوجبه بعدها
واستدل أصحاب القول الثاني بعدة أدلة منها ما يلي :
1- قوله تعالى : { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } فقد علق الدفع على شرطين ، والحكم المعلق على شرطين لا يثبت بدونهما فلا يدفع المال إلا للرشيد البالغ
2- قوله تعالى : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما }

فقد بين أن السفيه لا يجوز دفع ماله إليه ، فدل على أن سبب الحجر هو السفه
نوقش :
1- بأن المراد بالسفهاء النساء والأولاد الصغار
2- كما نوقش بأن المراد لا تؤتوهم مال أنفسكم ؛ لأن الله سبحانه أضاف المال إلى المعطي وأجيب : بأن القول بأن السفهاء النساء غير صحيح ؛ فإنما تقول العرب في النساء سفائه أو سفيهات كما أجيب بأن إضافة المال للمخاطبين لأنها بأيديهم وهم الناظرون فيها فنسبت إليهم مع كونها للسفهاء
3- قوله تعالى : { فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل } فأثبت الولاية على السفيه كما أثبتها على الضعيف ، وكان معنى الضعيف راجعا إلى الصغير ومعنى السفيه إلى الكبير البالغ ؛ لأن السفه اسم ذم ولا يذم الإنسان على مالم يكتسبه
4- روى عروة بن الزبير أن عبد الله بن جعفر ابتاع بيعا ، فقال علي رضي الله عنه لآتين عثمان ليحجر عليك فأتى عبد الله بن جعفر الزبير ، فقال قد ابتعت بيعا ، وإن عليا يريد أن يأتي أمير المؤمنين عثمان فيسأله الحجر علي فقال الزبير : أنا شريكك في البيع فقال عثمان : كيف أحجر على رجل شريكه الزبير وهذه قصة يشتهر مثلها ، ولم يخالفها أحد في عصرهم ، فتكون إجماعا

5- أن الحجر على الصغار إنما وجب لمعنى التبذير وعدم الرشد الذي يوجد فيهم غالبا فوجب أن يكون الحجر على من وجد فيه هذا المعنى وإن لم يكن صغيرا
الترجيح :
بعد تأمل ما سبق يظهر لي رجحان القول الثاني لشهرة الحجر على السفيه عند الصحابة كما في حديث لا خلابة ، وقصة عبد الله بن جعفر ، مع ما ورد على أدلة القول الأول من مناقشات "

لا يوجد شىء اسمه الحجر فالموجود هو الولاية التى تعنى كما قلت حفظ حقوق الفرد العاجز عن التصرف السليم ومن ثم فهى لا تعنى الاستيىء على مال الفرد العاجز وإنما تعنى الحفاظ عليها حيث تكون كما هى أمواله وليست أموال الولى فإن أفسد الولى فيها طولب برد المال لصاحبه وإلا كان سارقا تقطع يده ولذا حرم الله افساد فيها بالإسراف فقال " ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا"
وكل ما يجوز للولى فيها هو أخذ أجر على القيام بحفظ المال إن كان فقيرا وأما عن كان غنيا فلا يجوز أن يأخذ شىء منها
ثم قال :
"الفصل الثاني : الأحق بالولاية:
يقسم فقهاء المذهب الحنفي الولاية إلى قسمين : ولاية على النفس ، وولاية على المال والولاية على النفس هي الإشراف على شئون القاصر الشخصية من صيانة ، وحفظ ، وتأديب ، وتعليم ، وتزويج ، وتطبيب
والولاية على المال هي الإشراف على شئون القاصر المالية من حفظ المال ، وإبرام العقود ، وسائر التصرفات المتعلقة بالمال
أما الجمهور فإن الولي على النفس عندهم هو الولي على المال ويظهر ذلك من خلال تأمل ما يلي :
1- أنني لم أجد منهم من قسم الولاية إلى قسمين كما فعل فقهاء الحنفية
2- أن الولي على المال عندهم هو الذي يملك حق الإجبار على التزويج ، كل على حسب ما اختاره من ترتيب الأولياء وهذا يعني أن الولي على النفس هو الولي على المال

3- أن المالكية قسموا الحجر إلى قسمين : حجر بالنسبة للنفس ، وحجر بالنسبة للمال وعنوا بالحجر على النفس تدبير نفس الصبي وصيانته وجعلوا الولي فيهما واحدا
4- وأن الحنابلة جعلوا الولي على المال في باب الحجر هو الولي على النفس ، الذي من حقه الإذن في الإجراء الطبي للقاصر ، فقد قال ابن قدامة: ( وإن قطع طرفا من إنسان فيه أكلة ، أو سلعة ، بإذنه ، وهو كبير عاقل فلا ضمان عليه ، إن كان من قطعت منه صبيا أو مجنونا وقطعها أجنبي ، فعليه القصاص ؛ لأنه لا ولاية له عليه ، وإن قطعها وليه ، وهو الأب ، أو وصيه ، أو الحاكم , أو أمينه المتولي عليه ، فلا ضمان عليه ) وقد قال قبل ذلك في باب الحجر : ( ولا ينظر في مال الصبي والمجنون ما داما في الحجر ، إلا الأب أو وصيه بعده ، أو الحاكم عند عدمهما )

فبناء على ما سبق فقد اختلف الفقهاء في الأحق بالولاية على أربعة أقوال :
القول الأول : أن الولاية تثبت للأب ، ثم لوصيه ، ثم الحاكم ، وهو مذهب المالكية ، والحنابلة
القول الثاني : أنها بعد الأب للجد - أب الأب - ثم وصي من تأخر موته منهما ، ثم الحاكم ، وهو مذهب الشافعي ، ورواية عن الإمام أحمد
القول الثالث : أن الولاية – على النفس – تكون للأقرب فالأقرب من العصبات بالنفس على ترتيبهم في الإرث ، والولاية على المال تكون للأب ، ثم وصيه ثم الجد – أب الأب – ثم وصيه ، ثم القاضي وهو مذهب الحنفية
القول الرابع : أن الولاية تثبت للأم بعد الأب والجد ، ثم تكون للأقرب من العصبات بالنفس ، وهو قول أبي سعيد الإصطخري من الشافعية ، ورواية عن أحمد ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية
رضا البطاوى غير متصل   الرد مع إقتباس