العودة   حوار الخيمة العربية > القسم الثقافي > صالون الخيمة الثقافي

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: نقد كتاب جزء في ذم المكس (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب الأربعين لأبي سعد النيسابوري (آخر رد :رضا البطاوى)       :: عمليات مجاهدي المقاومة العراقية (آخر رد :اقبـال)       :: قراءة فى كتاب تسلية الأعمى عن بلية العمى (آخر رد :رضا البطاوى)       :: هل غياب العـرب كان هو السبب (آخر رد :اقبـال)       :: قراءة فى كتاب مسألة الطائفين (آخر رد :رضا البطاوى)       :: اعــتــــرافــــــــــــــــــــــات أهل الخيـــام.....!!! (آخر رد :عادل محمد سيد)       :: سجائر ناطقة (آخر رد :عبداللطيف أحمد فؤاد)       :: بنت الصحراء (هند الغيث) فى ذمة الله (آخر رد :عين العقل)       :: جيت استريح من صخب الفيسبوك والتوتير (آخر رد :عين العقل)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 12-09-2009, 04:35 PM   #41
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

الفصل الثاني والثلاثون: صور الإسلام في اليابان: الماضي والحاضر..

تقديم: أيري طامورا .. أستاذ بالجامعة الدولية ـ طوكيو

ملخص:

إن الياباني المتوسط، يجهل كل شيء عن الإسلام أو الشرق الأوسط. ولكن لدى الياباني أو اليابانية صورة جاهزة عنهما. ولم تتغير الصورة التي يحملها اليابانيون عن العرب والإسلام منذ الثلاثينات من القرن العشرين، رغم انتشار القومية العربية ورغم أن حرب 1973 قد استعملت النفط كسلاح، ورغم أزمة الخليج الأخيرة.

بل بالعكس، فقد زاد تأثير الإعلام من الصور المشوهة التي يحملها اليابانيون عن العرب والمسلمين. فصورة الإسلام والشرق الأوسط عند اليابانيين، إنما هي مجرد انعكاس لرؤية اليابانيين للعالم وهي رؤية شديدة التأثر بالحداثة!

أولا: الصورة بحسب البحث

يقول الباحث: لقد ظللت طيلة عدة سنوات أجري أبحاثاً حول تصورات الإسلام والشرق الأوسط لدى اليابانيين بواسطة استخدام الاستمارة، وكنت أطرح الأسئلة نفسها لعدة سنوات على طلبة الجامعات والمدارس الثانوية.

فالسؤال الأول: (( أذكر ثلاثة أمثلة للصور التي تتبادر الى ذهنك فور سماعك لكلمة الإسلام والعرب والشرق الأوسط))

والسؤال الثاني: (( أذكر ثلاثة أمثلة من معلوماتك التاريخية حول الإسلام والعرب والشرق الأوسط)).

والسؤال الثالث: ((أذكر أسماء ثلاثة من السياسيين المعاصرين من العرب والشرق الأوسط)).

والسؤال الأخير: ((أذكر ثلاث صفات ترى أنها مناسبة لنعت الإسلام والعرب والشرق الأوسط)).

كان مجموع الطلبة الذين خضعوا الى الاستبيانات يزيد عن 600 طالب. وكان 90% منهم من تصورهم المباشر للإسلام والعرب والشرق الأوسط هو: النفط، الصحراء، الرحيل وما يتبعه (جمل، عمامة الخ).

كان أكثر من 80% يجهلون تاريخ المنطقة، وقلة منهم فقط تذكروا (محمد صلوات الله عليه) وقلة من تذكرت إمبراطورية العرب، وقلة تذكرت الحروب الصليبية.

أما في العصر الحديث، فلم يشر أي طالب الى أنه يتذكر جمال عبد الناصر أو السادات أو حسني مبارك أو الأسد. ولكن هناك من يتذكر الخميني وصدام حسين الذي أصبح مشهوراً.

وأكثر النعوت رواجا هي (( مخيف، خطير، حاد المزاج، متزمت، وغامض))

ثانيا: رؤى اليابانيين للإسلام والشرق الأوسط

إن أزمة الخليج لم تكن أول فرصة لينشغل بعض المهتمين الإعلاميين بالمنطقة، فقد انشغلوا قبلها عندما سادت موجة التيار القومي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وكذلك استخدام النفط كسلاح في حرب أكتوبر/تشرين أول 1973، وقد كانت الدراسات موجهة من الحكومة اليابانية، ويقول الباحث: أن تلك الدراسات كانت مع ذلك نزيهة ومستقلة، رغم أنها تتلمس طريق المصالح القومية اليابانية.

في عام 1990ـ 1991، انقسمت النخب المثقفة في اليابان الى قسمين حول أزمة الخليج، فالقسم الذي ظهر إعلاميا بشكل قوي هو الذي يقف الى جانب الموقف الرسمي للحكومة اليابانية، من أن العراق هو خارج على الإرادة الدولية ويسبب مشاكل في استتباب الأمن في المنطقة.

أما القسم الثاني من المثقفين والنخبويين، فكانوا يروا وجوب الاصطفاف الى جانب العراق، كون أن أمريكا هي التي تفتعل المشاكل في العالم وليس العراق.

ثالثا: المعرفة والصورة

يقول الباحث: بالرغم من أن بحوثه زادت مدتها عن 20 سنة، إلا أنه في كل مرة لا يرى تغييراً في موقف اليابانيين تجاه العرب والمسلمين والشرق الأوسط، وبالعكس فإن أحداث الخليج الأخيرة جعلت اليابانيين يتمسكون بتقييماتهم القديمة عن شعوب هذه المنطقة.





__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 05-10-2009, 07:13 PM   #42
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

القسم الرابع: ما بين الحدود: المهاجر العربي


الفصل الثالث والثلاثون: العربي كبش الفداء ..

تقديم: روبار شارفان .. أستاذ في جامعة نيس ـ فرنسا

((... كُنت غريباً فما آويتموني، عارياً فما دثرتموني، مريضاً وسجيناً فما زرتموني... فاغربوا عني بعيداً نازلةً بكم اللعنة في النار الأبدية))*1

في يوم 13/6/1987، اغتال ستة شبان من ذوي (الرؤوس المحلوقة) شاباً تونسياً من العمال في مدينة (نيس) وهو (حمة العييدي)، المقيم في فرنسا منذ عشر سنوات. وتذكر الصحافة أن أحد القتلة أجاب لما سُئل عند إيقافه عن سبب القتل، أجاب: (لقد قُتل العربي، فما الأمر في ذلك؟)

صار العربي منذ سنوات عديدة عرضة لظاهرة رفض جماعي، ليس من حزب سياسي معين مع أنصاره، بل من رقعة تتسع يوما بعد يوم، وأصبح العربي هو من يستحق الإشارة له بالبنان بأنه الآخر الملعون والمتواجد في أرض فرنسا.

أولاً: الإرث المزمن

إن تاريخ فرنسا مصنوع من المخاوف الجماعية المتواترة، والمتعللة بالخطر الذي يتهددها من هذه الظاهرة أو تلك، ومن هذه الجماعة أو تلك. لقد التصق وباء الطاعون الذي حل بفرنسا بالقرون الوسطى، باليهود الذين اتهمهم الفرنسيون أنهم أدخلوا هذا الوباء ونشروه في فرنسا، ولقي عددٌ من اليهود حتفهم جراء غضب الفرنسيين.

وفي الحقبة المعاصرة وبالذات في فترة حكم نظام (فيشي: أثناء الاحتلال الألماني لفرنسا بين عامي 1940ـ1944)، ساد شعورٌ من الكراهية في الأوساط الفرنسية يحمل فيه جهات ثلاث خسران فرنسا للحرب وهزيمتها أمام ألمانيا.

والجهات الثلاث هي: السامية المتمثلة باليهود، والتي تحظى بكراهية شديدة من الأوساط الكاثوليكية، ويلتف حول تلك النزعة في كراهية اليهود، الوسط البرجوازي الفرنسي والذي يعتقد أن اليهود يمثلون الرأسمالية التي تعادي البرجوازية الوطنية الفرنسية. والجهة الثانية (الماسونية) والتي تحاول بعث أفكار بغيضة تكونت في العهد الجمهوري الأول الذي جاء على إثر الثورة الفرنسية، وهو في نظر الأوساط البرجوازية المسئول عن انحطاط فرنسا. وفي الجهة الثالثة يأتي الشيوعيون الذين يبشرون باقتسام خيرات البلاد بين من يستحقها ومن لا يستحقها.

وقد ساد نوع من الهذيان، كل أوساط الفرنسيين، عندما توالت خسائرهم في فيتنام والجزائر، وأرجعوا سبب هزيمتهم في فيتنام الى الشيوعيين الكريهين. أما خروجهم من الجزائر فكان نتيجة تحالف الشيوعيين مع أعداء أوروبا من كل أنحاء العالم.

ثانياً: في الأزمة يكمن المصدر الآني

مع بداية التأزم الاقتصادي والاجتماعي الذي ساد في فرنسا، كما ساد معظم الدول الرأسمالية منذ السبعينات من القرن الماضي، والذي تزامن مع بداية أفول الوهج الشيوعي العالمي، شعر الفرنسيون وبالذات من كان يحلل منهم وينظر للسياسة والاقتصاد، بالحيرة الشديدة، فقد تم حرمانهم من (شماعة) يعلقون عليها إخفاقاتهم ومسبباتها، فبعد أن كان الانحراف الشيوعي السبب الأساسي وراء كل مصيبة رأسمالية، أصبح الفرنسيون يبحثون عن محفز جديد لدفاعهم الشرعي عن بلادهم ومعتقداتهم.

من رحم تلك الأوضاع، استفاقت نزعات العداء العنصرية، التي كانت في حالة سبات أثناء مقارعة الشيوعية البغيضة والماركسية الدنيئة (حسب وصف الباحث أو تهكمه). وكان العربي أسهل جهة يمكن تشخيص مزيتها، بعكس الاعتقاد (غير المرئي) الذي يصنف الناس على أفكارهم. فالعربي عدو لا يقف بالظل بل هو قائم بهيئته وسلوكه وما يلف ماضيه من معتقدات محلية قابلة للاستنهاض.

لكن، لم يكن من السهل تصفية العربي ك (آخر)، فمعاداة الشيوعي والماركسي كانت تأخذ بعداً راقياً ونبيلاً، في حين أن معاداة العربي وما تبعه من معاداة (العالم الثالث) اصطدم باعتراض محاربي العنصرية وأصحاب المبادئ التي تحاول فرنسا تمثيل دور ريادتها.

من هنا، تشكلت منظمات يمينية قومية متطرفة، تتحمل ظاهريا دناءة أعمالها في مضايقة العرب والمهاجرين من دول العالم الثالث، وتحظى باطنيا بأريحية تجعل من ملاحقة هؤلاء المتطرفين جهداً متلكئاً غير مؤثر وكابح.

ثالثاً: الحاجة الى عدو

إن مجتمعاً متأزماً هو مجتمعٌ في حاجة عاجلة الى أعداء. فالعدو هو، بالفعل، ذلك الذي يمتلك حلول الأزمة، وإن لم يحصل ذلك، تتقطع عُرى المجموعة بحثاً في داخلها عن أسباب تناقضاتها. وهذا سيتجسد في (آخر) يتم صناعته وتأطيره لتلك الأغراض.

فالعربي، على الصعيد الاقتصادي، يتهمه الرأي العام بأنه مسبب الأزمات النفطية، ابتداءً من عام 1973. والعربي هو موجود في (موضوع ثِقَل المهاجرين) الذين يسحبون مال فرنسا من أجل رعايتهم وإدامة وجودهم. والعربي هو من يستحوذ مساحات شاسعة من العالم ويكره قبول (إسرائيل) في محيطه ويتطلع باستمرار للهجرة واحتلال مناطق أخرى في العالم.

وعلى الصعيد الأيديولوجي، فلا فرق بين عربي ومسلم متطرف، يرى في الآخرين أهدافاً يجب التغلب عليها وإبادتها. وفي جانب آخر يطلق الفرنسيون على العرب (عالم رابع) أي يتخلف علميا وحضاريا عن العالم الثالث (المتخلف أصلا).

لقد وجد المروجون لنظرية العداء للعربي، في تكدس الأموال في بعض الدول العربية، وتصنيف الجيش العراقي (آنذاك) كرابع جيش في العالم سنداً قويا في تثبيت تهمة خطورة العربي على أوروبا.

إن العربي في نهاية المطاف هو (العكاز) الذي تتعكز عليه الجهات الموكلة في إدارة أزمات فرنسا، أي أنه هو من سيرمم الوضع السياسي والأيديولوجي المأزوم!

رابعاً: صورة العدو

ليست التمثلات حول العربي في فرنسا مبنية على الاحتكاك به، بل تتبلور من خلال الموقف السائد إزاءه. لقد تطورت القوالب الجاهزة انطلاقا من حرب الجزائر ثم انطلاقا من العمال المهاجرين (عندما لم يعد الاقتصاد الفرنسي محتاجا إليهم).

لم تلغِ معاداة الشيوعية أثناء أوجها معاداة اليهود، لكنها غطت عليها. ولم تلغ معاداة العرب معاداة الشيوعية واليهود ولكنها غطت عليهما. وتأتي التغطية من تضخيم التهديد الآني بوسائل الإعلام وإرادة من يريد من ذلك التضخيم. فليبيا التي لا يزيد عدد سكانها عن أربعة ملايين، يتم تصويرها كوحش هائل يريد تكسير هيبة المتحضرين، فملابس العقيد القذافي وطريقته العصبية في الكلام يتم استغلالها لتغطي كل العرب على تلك الهيئة، إنهم يصورونه كما كان يصور زعماء الهنود الحمر في القرون الوسطى على أنهم زعماء يرفضون كل ما هو متحضر.

وفي جانب آخر عندما يطعن أحد الفلسطينيين صهيونيا بخنجر، فإن الإعلام الفرنسي يشير الى وحشية هذا العمل ويربط السلاح الأبيض بالهمجية (عند الهنود الحمر والقبائل البدائية)، في حين عندما يتم قتل فلسطيني على يد الصهاينة، يأتي الخبر (أن فلسطينيا مات مصروعا) وهو لفظ يطلق على الطرائد (في الصيد).

إن تلك الثقافة الغريبة (كما يقول الباحث) تكشف النقاب عن غرب (مُنتصِر ومبلبل في آن واحد) (غني ومنهك القوى) (قوي ومريض بالهذيان الذهاني) (متطور تقنيا ومتأثرا بالتفسيرات السحرية).

إن ثورة هائلة هي الآن بصدد الحدوث (هكذا ينهي الباحث بحثه) وهذا ما يؤكد عليه مؤلف كتاب (كبش الفداء)، [جيرار] بقوله: (إن بعض الناس لم تعد تستهويهم ممارسة الاضطهادات النابعة من معتقداتهم بالذات).

(كان هذا الفصل من الكتاب يقع بين صفحات 587ـ 597).

هوامش:
* الكتاب المقدس، (إنجيل متي) الإصحاح 25 ـ نقلا عن الفرنسية
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 13-10-2009, 08:21 AM   #43
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

الفصل الرابع والثلاثون: صورة الآخر في النزاع العرقي..

تقديم: فيكتوريو كوتاستا ..أستاذ في جامعة سالارنو ـ إيطاليا
(الصفحات من 599 الى 609)

أولاً: صورة الآخر والتجربة الإنسانية

اعتمد الباحث الإيطالي في دراسته على تشخيص ردود الفعل التي جاءت على أحداث للمهاجرين في خمس مدن إيطالية، محللا ما تناقلته الصحف حول تلك الأحداث، وقد أشار في هوامشه الى تواريخ نشر التعليقات وأسماء الصحف وأين صدرت، ولكثرة تلك الهوامش التي زادت على 25 هامش، فإننا لن نذكرها مكتفين بالإشارة الى أرقام الصفحات في الكتاب الذي بين يدينا والتي ثبتناها أعلاه.

والمناطق الإيطالية الخمس هي: (لومبارديا) و (إيميليا رومانيا) و (توسكانيا) و (لاتيوم) و (كامبنيا). وقد راقب الباحث آراء وأقوال الفاعلين والناشطين من الإيطاليين إزاء المهاجرين، من خلال تقييمهم لثقافات هؤلاء المهاجرين، وطرائق عيشهم وأساليب تفكيرهم، باعتبار كل ناحية من تلك النواحي تعطي إشارة رمزية عن هؤلاء المهاجرين.

ثانياً: صور الآخر داخل النزاع العرقي

صور الآخر السائدة في النزاع العرقي هي ثلاثة، هذا من طرف الطليان، وسنضيف صورة مجملة رابعة ولكن من المهاجرين تجاه الطليان.

أما الإستراتيجية الأولى، فأطلق عليها الباحث تسمية (الرفض والطرد)، وتتخذ مشروعيتها شكل صورة سلبية عن الآخر. والثانية أسماها (الاحتواء بالتبعية)، وتكتسب مشروعيتها من نوع من عدم المبالاة بالآخر. وأما الثالثة فأسماها (إستراتيجية التعاون والمواطنة).
1ـ الآخر هو عدوي

رصد الباحث ما جاء في الصحف في أعقاب قضية (بانتيلا). وبانتيلا هذه عبارة عن بناية مهجورة منذ أمد طويل، كان يلجأ إليها المهاجرون الذين لا مأوى ولا مسكن لهم، حتى عُثر ذات يوم فيها على ما بين ألفين الى ثلاثة آلاف مهاجر. فأرادت الحكومة الإيطالية حل مشكلة هؤلاء المهاجرين للتخلص من الحرج الإنساني وغيره، فحاولت توزيعهم على الأحياء، وهنا يرصد الباحث عينة من ردود فعل المواطنين الإيطاليين التي نشرتها الصحف كمقالات أو (ريبورتاجات).

· نحن لسنا بالعنصريين، ولكن مكان هنا للمهاجرين.
· نحن لسنا بالعنصريين، ولكنا لا طاقة لنا بتحمل عواقب حل مناوئ لمصالحنا.
· لا مكان لهؤلاء.
· لا مسكن هنا للزائدين عن الجماعة القومية.
· فيما لو تخيرنا بين قبول هؤلاء في مدارسنا أو إحراق تلك المدارس سنختار إحراقها.
· نحن لا نرغب في وجودهم بيننا فهم لصوص ومروجو مخدرات.
· اذهب من هنا أيها الأجنبي.
· هؤلاء يسرقون ويغتصبون نساءنا.
· هؤلاء يصبحون إيطاليين والإيطاليون يصبحون غرباء في بلدهم.
· إن بلدانهم ترسلهم إلينا لأنها لا ترغب بهم. أما نحن فقد ضقنا ذرعا بهم.

2ـ اللامبالاة بالآخر

تناول الباحث أحداثا جرت في منطقة (لاتيوم)، ولاتيوم تلك منطقة أنشأ بها النظام الفاشي أربع مدن جديدة، أكبرها مدينة (لاتينا) [سكانها 100 ألف نسمة] وحيث أنها مدن جديدة، فسكانها استوطنوها حديثا سواء من داخل إيطاليا أو من خارجها، فالمستوطن الإيطالي طالما أنه انتقل إليها حديثا، فلا يتحرى كثيراً عن نوعية الساكنين الآخرين، فهو لا يكره المهاجرين ولا يحبهم، وقد يكرههم في عينة من الوقت وقد يحبهم.

3ـ الآخر بما هو أخ لي

هذه الصورة إيجابية من طرف الطليان، فهو يعتبر المهاجر أخ أو صديق، والصديق يحضر كلما جاء (عطاياه) سواء كانت من جهوده بالعمل أو من ثقافته التي تزيد من تعرف الإيطالي عليها لتثري تجربته وذاته. فلذلك له حق على الإيطاليين بالنظر إليه نظرة المواطنة.

وعندما تضيق الظروف على الإيطاليين، فإنهم يهاجموا (المُشغلين) الذين يلجئوا للمهاجرين الذين يقبلون بأجور أقل على حساب القوى العاملة المحلية، ولن يكتفي هؤلاء بهذا الانتقاد بل قد يضيفون عليه مسألة التهديد الثقافي.

4ـ صورة الإيطالي لدى العمال المهاجرين

فرغ الباحث استماراته الاستبيانية فوجد أن 39.1% من التونسيين ينظرون الى الإيطاليين على أنهم أناس (على أحسن ما يرام)، في حين أجاب بنفس الإجابة 43.6% من المغاربة، و 35.5% من بلدان أخرى.

وكان من اعتبر أن الإيطاليين (أناس عاديين) 7.4% من تونس، و 2.1% من المغرب، و 9% من بلدان أخرى.

وكان من اعتبر أن الإيطاليين (أناس عنصريون) 8.9% من تونس، و 13.9% من المغرب، و 15.5% من بلدان أخرى.

وكان من اعتبر أن الإيطاليين (أناس بلهاء) 1.5% من تونس، و 3.2% من المغرب، و 5.5% من بلدان أخرى.

وكان من اعتبر أن الإيطاليين (أناس أشرار) 11.4% من تونس، و 3.2% من المغرب، و 1.1% من بلدان أخرى.

أما من امتنع عن إعطاء رأي 5.5% من تونس، و 7.4% من المغرب، و 8.9% من بلدان أخرى.

ثم فصل الباحث تفريغ استماراته، فذهب الى التفريق في تاريخ وصول المهاجرين (قبل عام 1980 وبعدها) وفصل العينات بالنسبة للأعمار. ولم أجد فروقا كبيرة في تلك الجداول، والتي حدد مكان الدراسة فيها بمنطقة قرى (آغرو بونتينو).


__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 27-10-2009, 08:40 AM   #44
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

الفصل الخامس والثلاثون: معاينة أزمة معلنة: صورة الذات وصورة الآخر أثناء حرب الخليج ..

تقديم: آني بينفينيست .. أستاذة في جامعة باريس ..

(الصفحات 611ـ 621 من الكتاب)

تعتبر هذه الدراسة كأنها معاينة لخبير في لوحات الرسم الذي يقف ملياً أمام لوحة، يفسر كل لون وكل ظل وكل خط. فاختيار الباحثة لحي (القوت دُورْ: وترجمته قطرة الذهب). ويعيش في هذا الحي الذي ينظر إليه الفرنسيون كأنه وحدة واحدة متجانسة، مسلمون ويهود من المغرب والجزائر وتونس وأقطار أخرى.

وتأخذ الدراسة أهميتها لأنها جاءت بعد انتهاء حرب الخليج (خروج الجيش العراقي من الكويت) في آذار/مارس 1991، لتفحص عن قرب مشاعر هؤلاء المهاجرين (الفرنسيين) وترتيب ولاءاتهم.

بالرغم من أن الفرنسيين ينظرون الى هذا الحي نظرة واحدة، على أنه حياً شعبياً خطيراً، فإن الباحثة نبشت على الثنائيات بين مكونات هذا الحي الدينية والعرقية وتقديمهم لمصالحهم وفق ولاءاتهم الثقافية.

أولاً: صورة الحي وصورة الذات وصورة الآخر

لم تمنع العلاقات العدائية بين البلدان وبين العرقيات وبين الأديان من إقامة علاقات بين سكان الحي الواحد.

يوصف نشاط الحي الاقتصادي باقتصاد (البازار)، وهو نمط اقتصادي شرقي، فمثلاً يقوم اليهود المغاربة بتجارة النسيج والمجوهرات، ويهود المغرب هؤلاء كلهم أصلا من مدينة (وجدة المغربية)، ويحتلون فوهة السوق (أعلى شارع القوت دور) حيث يستقبلون تدفقات القادمين على ذلك السوق، ولكنهم لا يبيعون مباشرة، بل من يبيع هم من العرب الذين يحتكون مع المشترين ويتعاملون معهم بلغة عربية لا يتقنها اليهود إتقاناً كاملاً، أو لعلهم لا يريدون تعريف المشترين بأن أصحاب تلك البضائع من اليهود.

أما اليهود من أصل تونسي فهم يلجئون الى التجارة (ليس بالمنسوجات والجواهر) بل بأعمال أخرى، ويحبون الإقامة في هذا الحي لأنه يوفر لهم جواً من الألفة واحتكاك أوسع مع من يطلب خدماتهم من إفريقيا، ويوكلون للعرب مهمة تمثيلهم.

والجزائريون من اليهود والمسلمين، لا يحبذون الأسلوبين السابقين، بل ينظرون لأصحابهما نظرة دونية وأنهم متخلفون، فهم يحبذون الاندماج الكامل بالمجتمع الفرنسي.

وهناك المقاهي، وهي (بنظر الباحثة) عبارة عن مكان للانطواء على الهوية، كما أن لها دور يمثل استقبال المهاجرين وتأمين العمل لهم بقدر الإمكان.

تؤشر الباحثة على شكلين (كعينتين) لما تريد قوله
الشكل الأول: ويمثله يهودي تونسي كان قد ترك تونس وهو في الخامسة عشرة من عمره، ولكنه لم يقدر على تجاوز جرح المنفى (( أنا من أبويين فرنسيين، لكني لم أقدر على الانصهار تماما)). في مؤخرة متجره وضع (مكتباً) مفروشاً على الطريقة الشرقية، وكان يقلب فوقه رموز انتمائه العاطفي (صور العائلة، صور لممثلين سينمائيين من الستينات، رموز يهودية وإسرائيلية). والمكتب هو موطن الذكرى التي يفصلها المتجر عن الشارع. وينقسم الفضاء الخارجي الى عدة أقسام مثله مثل الفضاء الداخلي: فثمة فضاء التعارف والتآزر مع ابن البلد: (( عندما يعتدي جزائري، حتى ولو كان يهوديا على تونسي، فإني أدافع عن التونسي)).

الشكل الثاني: وتمثله فتاة (20 عاما) يشرف أبوها المغربي على مقهى ـ مطعم. وللفتاة جنسيتها الفرنسية، ولكنها تجد صعوبة في الاختيار بين فرنسا والمغرب، وتبغي العيش في المستقبل بين فرنسا والمغرب. وهي مرتبطة بفرنسا من جهة اللغة والإمكانات الثقافية المتنوعة وما توفره من أموال. وتحب المغرب لأسلوبه في التعامل مع الوقت وبالطريقة التي يستخدم فيها الشرق هذه القيمة السامية. وهنا اختلاف مع المثال السابق حيث لا تعيش الفتاة ازدواجية الانتماء وتمزقاته، وإنما تجد نفسها إزاء مرجعيتين ثقافيتين.

ثانياً: الأزمة

لم تكن تظهر قبل 2/8/1990 (غزو العراق للكويت) مشاكل في حي (القوت دور)، ولكن تلك الأزمة قسمت الناس الى قسمين، حيث كان النقاش حول الموضوع يتم في الساحات والمقاهي، ولكن دون الإخلال بالتوازن العام بين المجموعات.

وقد قادت أزمة الخليج، سكان الحي الى التأشير على مصادر الخطر التي تؤثر على سكان الحي، فقد تم الاتفاق على عدم إقحام أهل الحي بالخلافات السياسية، كما تم الاتفاق على طرد وعدم السماح للمتطرفين الأصوليين من دخول الحي، هم ومن يروج للمخدرات!

ثالثاً: الكونية أم الإقليمية؟

ما من فرد من أفراد الجاليات التي التقينا بها (تقول الباحثة)، إلا وأكد على أن ضرورة الحسم في المواقف والانحياز الى أحد المعسكرين، العراق للبعض، وإسرائيل للبعض الآخر، لا تعني البتة أنه يضع موضع الشك اندماجه في المجتمع الفرنسي وانتماءه الى ثقافته. وتعرف (دومينيك شنابر) الأمة (مهما كانت أيديولوجيتها القومية بمقتضى سيرورة اندماج متواصل. إن السياسة المسماة (سياسة الاندماج) موضوع نقاش في الوقت الحاضر يتناول المهاجرين، ولكن لا يجب اعتبارها اختيارا من بين اختيارات أخرى، وإنما هي واقع وضرورة لا مناص منهما).

لقد وصف اليهود الذين ينحدرون من أصول (شمال إفريقية) (بيار شوفانمان) وزير الدفاع الفرنسي (أثناء الأزمة وبعهد فرانسوا ميتران) اتهموه بأنه عميل للعراق، في حين وصفه الشباب العربي والمسلم بأنه رجل شريف.

لقد انتشر بين الشباب العربي شعور هائل بعروبتهم فيكتب طالب من أصل جزائري (عربي أنا لما أستيقظ في الصباح ولما أنام في المساء. وفرنسي أنا من المساء الى الصباح. وكما يوجد فرنسيون بروتون. فأنا فرنسي عربي).

لقد أحس المهاجرون القدامى أن رصانتهم وتوازنهم القديم أصبح مهددا من المهاجرين الجدد الذين اعتبروهم عناصر عدم استقرار.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 20-11-2009, 03:52 PM   #45
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

الفصل السادس والثلاثون: وجهات نظر المغاربة والأفارقة في فرنسا، بالفرنسيين ..

تقديم: ماري ـ جوزيف باريزاي .. باحثة بالمركز الوطني للبحث العلمي cnrc باريس .

أن نفهم نظرة الآخر إلينا، وأن ننصت الى ما يقوله عنا، هذا أمر فائدته بينة بنفسها. ولكن أن نرى باحثة غربية تنتمي الى مجتمع بينه وبين المجتمع الذي ينحدر منه هذا الآخر تركة تاريخية ثقيلة، ساعية الى استجلاء هذه النظرة، فهذا أمرٌ ليس بيناً ولا متأكداً في حد ذاته، ذلك أن تعقد العلاقات القائمة عليها تمثلات المغاربة والأفارقة للفرنسيين تجد صداها في تعقد فهمهم وفي الصعوبات النظرية والمنهجية التي تحف بمقاربتهم. من هنا جاء هذا البحث ليرسم باقتضاب معالم الصورة التي نحن بصددها.


أولا: الصعوبات القائمة أمام إدراك صورة الآخر

الصعوبات هي أولاً من طبيعة منهجية، ذلك أن بلوغ هذه الصورة يشترط مسبقاً حذق الأحاديث، مما قد يستفز (مجرد ذكرها) المستجوَب (بفتح الواو) ويترك لديه آثاراً سيكولوجية ويفجر مكبوتات مسكوت عنها.

لذا، سيكون المستجوِب (بكسر الواو) في وضع ليس بالسهل، عندما ينتمي للآخر الذي من أجله عُملت تلك الاستبيانات.

ثانياً: استمارات ثلاث في أوساط المغاربة والأفارقة

أُنجزت الاستمارات التي تُستمد منها المعطيات التي يعتمدها البحث، في أعوام 1979 وفي عام 1985 ثم في عام 1992. وقد تناولت تلك الاستمارات عينات من جمهور المغاربة الذين لهم تجارب تعارف متبادلة مع سكان فرنسيين في حي من أحياء مدينة (ليون) وكان الى جانب تلك العينات مجاميع من طلاب ومثقفين مغاربة وأفارقة.

من الواضح أنه لا يجوز تعميم نتائج هذه الاستمارات لا من جهة حجمها، ولا من جهة طابعها المخصوص، بيد أن فائدتها الفعلية تكمن في مستويين اثنين: فهي من ناحية أولى تتناول مسألة ملاقاة الآخر، لا فقط من منظور العلاقة التنازعية، وهي معروفة، بل أيضا من منظور الروابط الجيدة بينهما وشروط إنجاحها. وهي مفيدة أيضا من منظور صلاحية النتائج.

ثالثاً: التباين والمفارقة في صورة الآخر

تطابقت بيانات استمارات 1975، و 1979، بالنسبة لمن وجهت لهم الأسئلة، سواء كانوا مغاربة أو أفارقة، فالكل يُجمع على أن الفرنسي يمارس تسلطه السياسي والعنصري والثقافي والاقتصادي، فلا أجور الأفارقة الذين يحملون الجنسية الفرنسية كأجور الفرنسيين الأصليين، ولن يُسمح لهم بتبوء مراكز قيادية، ولا يُنظر الى ثقافتهم على أنها ثقافة ذات بال.

وأحد أبناء الكمرون أضاف: أن الفرنسيين لا يسمون الآخر باسمه فلا يقولون للكمروني أنه كمروني ولا لمغربي على أنه كذلك، بل يطلق عليهم أسماء كلها عنصرية ودونية: ذاك الزنجي أو ذاك الأسود.

رابعاً: وراء الصورة الظاهرة ((صورة باطنية))

يستنتج الباحث من الاستمارات التي بين يديه، أن وراء الصورة الظاهرة تكمن (صورة باطنية)، صورة نسجتها الحسرات وعبارات الشعور بالمرارة التي فاه بها العمال المغاربة والطلاب الأفارقة على وجه الخصوص، كما لو جاءت الخيبة كبيرة على قدر ما كان الأمل من قبلها كبيراً!

خامساً: إستراتيجيات تغيير العلاقة بالآخر ورؤيتها الديناميكية

لكن الخاصيات السلبية لصورة الآخر بدلاً من أن تولد الاستسلام والجمود ولدت حركة ديناميكية من أجل تغيير الآخر. ففي إحدى اللقاءات التي نظمها العمال المغاربة في أحد أحياء (ليون) حضره أربعة آلاف شخص (ما يعادل ربع سكان الحي)، من المغاربة والفرنسيين والصناعيين ورجال الدين والمفكرين وغيرهم، وكان الانطباع النهائي أن هناك إمكانية لتقريب وشائج الأخوة بين الشعوب، من خلال ترويض الاعتراف المتبادل وتقبل الآخر. ومن خلال التمسك بالأصالة ولوازمها والانفتاح على الآخر بنفس الوقت.

سادساً: فرضيات في شروط إنتاج صورة الآخر

على نحو ما رأينا آنفاً، فإن إعمال الفكر في هذه الشروط يرجعنا الى الشروط التي نشأت في حضنها العلاقات مع الآخر، وهو ما يقتضي تحديدها والتعرف عليها أولاً وقبل كل شيء.

تعترف الباحثة أن حظوظ الأجانب في العمل دون حظ الفرنسيين، فإنه أسوأ بالنسبة للأفارقة حتى من غير الفرنسيين من غير الأفارقة. ففي تقرير (المجلس الأعلى للاندماج الفرنسي) كانت نسبة البطالة عام 1992 بين الفرنسيين 11% في حين أنها كانت 27% من الأفارقة. ووجدت نسبة تعاطف الفرنسيين مع القادمين من دول أوروبا (الشرقية وغيرها) 81% في حين أن التعاطف مع المغاربة كان 42% وأبنائهم المولودون في فرنسا 50%.

سابعاً: (الصورة العلامة)

للمسيطر صورة مركزية تردنا كما رأينا آنفاً الى (فانتازمات)*1 المستعمر القديم، وواسم الشعوب المستعمرة ومستغل العالم الثالث. أما السمة الرئيسية فيه، فلا تتمثل فقط في إقصاء عموم الأجانب ـ وهو إقصاء يتفاقم مع تصاعد العنصرية وتفشي الظاهرة التمييز العنصري الفاحش.
الى جانب ذلك، تعلن الحكومات الفرنسية المتعاقبة الى سياسة الاندماج، وإن كانت تلك الدعوات تلقى معارضة من قبل المهاجرين الذين يرفضون إلغاء ذواتهم فإنها ستبقى ذريعة بيد الفرنسيين لتفقيه تسلطهم.

خلاصة:

تقول الباحثة: بالنسبة لنا نحن الفرنسيين، فوجود هؤلاء المهاجرين في بلادنا من شأنه أن يحثنا على التفكير بتروٍ كبير في الجوانب الإيجابية لهذا الحضور وفي التغييرات التي يحدثها داخل المجتمع الفرنسي. مع التوصية بجعل الاندماج محببا لهؤلاء المهاجرين مع احترام احتفاظهم بملامح هويتهم الأصلية.




هوامش:
*1ـ يُقصد بالفانتازمات ما يشبه الشعور عند الرجل الشرقي بضرورة تلبية الزوجة لمتطلباته حتى لو كان مزاجها لا يتماشى مع متطلباته، فمعارضة الزوج هنا تخالف التعاليم السماوية والدينية (حتى عند البوذيين)، والفانتازمات عند الأوروبيين تجاه شعوب العالم الثالث مطابق لهذا الشعور، أي لا يجوز معاندتهم ورفض ما يأمرونا به (من عندي).
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 04-12-2009, 08:15 PM   #46
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

الفصل السابع والثلاثون: التفاعلات الاجتماعية بين الإيطاليين والمغاربة في ميلانو ..
تقديم: فرانكا بيتزيني وكلوديو بوسي .. أستاذان في جامعة ميلانو ـ إيطاليا

(( إن تفكيري مُنشغل يا بني. ماذا سأسرد عليه الليلة هذه؟ سأسرد على سمعه، مثلاً، العرب عاشوا عصرهم الذهبي، وأنهم اخترعوا الصفر والجبر، وأنهم نقلوا الى أوروبا النصرانية، الفلسفة الإغريقية والاكتشافات الطبية الكبرى... سأسرد عليه مجد الماضي، ثم الهزيمة التي تتلوها الهزائم، ومعارك الاستقلال، ومن بعد هذا التخلف الذي نستشعره مثل الوسم على الجلد، وهذا الحاضر البائس، والبائس جداً حد شل قدرتهم على الحلم))
..................................... الطاهر بن جلون

مقدمة

بعدما تم تصدير البحث بمقولة (الطاهر بن جلون)، طلب الباحثان إعمال الرأي في القيمة الاستكشافية لبعض المفاهيم النظرية والإبستمولوجية لجورج باتيسون (G. Bateson) مسترجعين بعض أعماله وأعمال (مرجريت ميد) التي تذكرنا بكتابات (باتيسون) لصناعة مقاربة لبحثهما.

وخلاصة ما تم أخذه عن باتيسون بأنه رأى أن الاتصال بين مجموعتين مختلفتين ثقافيا يمكنه أن يؤول الى واحدة من التشكيلات التالية:

1ـ الاندماج الكلي بين المجموعتين.
2ـ إلغاء واحدة من المجموعتين أو الاثنتين معاً.
3ـ استمرار كلا المجموعتين معاً بمقتضى توازن ديناميكي داخل جماعة أكبر.

أولا: البحث

قام بالبحث (كلوديو بوسي) من جامعة ميلانو، على 540 مغربياً يعيشون في ميلانو في حي (كاتشينا روزا Cascina Rosa) وهم ممن أقام مؤخرا في إيطاليا قادمين من بلادهم الأصلية ووجدوا أنفسهم لأول مرة وجها لوجه مع الواقع الغربي والإيطالي. وهم يعيشون ظروفاً متدنية جدا سواء في سكناهم أو في عملهم.

ثانياً: أزمنة اللقاء وطرقه

1ـ الموعد: لم يلتزم أحدٌ من المغاربة في موعد ضربناه معه، وحتى المواعيد التي كانوا يضربونها لا تتحدد بساعة، فيقولون بالمساء أو بعد العشاء.

2ـ المشهد: وصلنا الى كاتشينا روزا قبيل الموعد ب 5 دقائق وسألنا عن السيد مكرم فقالوا: أنه في ساحة المبنى يعد سيارة. انتظرناه ونحن نتمشى ثم سألنا بعد 20 دقيقة فقالوا: لقد غادر بسيارته، وعندما عاد بعد ساعتين ونوهنا له بلطف عن الموعد، لم يتوقف عنده بل عرض علينا شرب الشاي.

3ـ ردود فعلنا: لقد كنا منزعجين (فهؤلاء المغاربة لا يحترمون المواعيد، إنهم لا يهتمون بالوقت المتفق عليه).

ثالثاً: وقت المحادثة الودية

1ـ المشهد: تجري المحادثة في كوخ من الخشب والكرتون في كاتشينا روزا. ولقد دعانا أصدقاء مغاربة في المساء لشرب الشاي عندهم بعد العشاء.

انقضت السهرة بوتيرة ثقيلة، ونحن نشعر بالوقت يمر بطيئاً. وكنا نستثقل طول وقت إعداد الشاي وبطئ الحديث ودوران الحركات والنظرات البطيئة.

2ـ ردود فعلنا: انطوى رد فعلنا على تناقض قوي: فمن ناحية هناك الضجر من هذا البطء، ومن ناحية أخرى هناك الإعجاب باستخدام وقت الفراغ بطريقة مضادة لسرعة الثقافة الغربية.

رابعاً: أمكنة اللقاء

1ـ بيوت الكاتشينا روزا: تنقسم الكاتشينا الى ساحتين كبيرتين، يتوسطهما مبنى من طابقين أما الأكواخ الصغيرة المستخدمة للسكن فهي مسنودة الى حائط السياج والى الرواق. في البناية المركزية توجد محلات مشتركة وبعض المساكن ويستخدم جزء من الرواق كمسجد للصلاة. وهناك عربات ريفية مسكونة كل واحدة بها 4 أو 5 أشخاص.

أما الأثاث، فهو أثاث مقتنى من أثاث سابق الاستعمال، تم تحويره وتكييفه حسب أذواق الساكنين، وعندما أبدينا ملاحظاتنا عن الرطوبة وكيفية التخلص منها، جاوبونا أن ذلك لا يناسب الأسلوب المغربي.

في الحقيقة ذهلنا من الإشهارات (الإعلانات) المغربية التي تبرز المغرب بجمال أبنيته ومقتنياته من السيارات الفخمة، وهذا النمط الذي يعيش فيه مغاربة إيطاليا.

2ـ رجل وثلاث نساء في بيت أصدقاء مغاربة: ننتقل الآن الى وصف الوضعية التي يكون عليها التصرف في الفضاء بحضور النساء. كان الفريق من ثلاث نساء ورجل (إيطاليين) والرجل زوج لإحدى النساء الثلاث، كانت هناك أريكة نهض الجالسون عنها وأجلسوا النساء الإيطاليات عليها، وحرصوا أن يكون زوج المرأة الى جانبها ولكن ليس بقرب النساء الأخريات، في حين قام المغاربة وجلسوا على الكراسي المنفردة. وفي ذلك إشارة الى الحماية الضمنية لكل النساء من قبل من يستضيفهم، وتكريمهن على الرجال.

3ـ في المرقص: ثمة سلوك يمكن إدراجه ضمن ثنائية حب الظهور/الإعجاب، وهو السلوك المتصل بالرقص. لقد تحققنا في مناسبات عدة أن الأفارقة يصيرون أثناء الرقص محل إعجاب الإيطاليين. ولما يكتشف الأفارقة ذلك، يتخذون مواقف تتصف بحب الظهور، فتتسارع حركاتهم ويظهرون براعتهم بالرقص، وقد لا يكونون كذلك في بلدانهم!

خامساً: العمل والضيافة

نحس أن المغاربة يعاملوننا كأصدقاء، بشكل ودود كبير، فهم يدعوننا للعشاء وتناول الشاي، ويعاتبوننا إذا تأخرنا عن زيارتهم ونحس بالحرج والتقصير إزاء تلك العواطف الجياشة.

وبالمقابل، فإننا ما أن نقابل مغربيا من أصدقائنا إلا وطلب منا مساعدة في البحث عن عمل لأحد الوافدين الجدد، حتى صرنا نشعر وكأننا مكتب عمل لتشغيل المغاربة أو نتستر على مهاجرين بما يخالف قوانين البلاد.

ولم نحس للحظة واحدة، أن كرمهم معنا كان من أجل مساعدتهم، لكن لم يمنع ذلك من أن نربط تلك الخصلتين معاً.

سادساً: العمل والسلطة

لدينا مثال، لشاب مغربي اسمه إدريس، يعمل في متجر لبيع اللوازم الرياضية، وعمله مضني، وفي المتجر امرأتان إيطاليتان تدعى الأولى (لورا) والثانية (غراتسيا) ومسئول رجل يدعى (موريتزيو) وكان هناك شجار مستمر بين إدريس والمرأتين، فكان يتظاهر بعدم سماع أوامرهما: امسح تلك الطاولة، انقل هذا الغرض من المكان الفلاني الخ، لم يظهر لنا كباحثين أن هناك نبرة سيئة في كلام المرأتين تدل على عدم اللياقة أو على التسلط.

فاكتشفنا أن إدريس بثقافته وتكوينه لا يحب أن يكون تحت إمرة امرأة، وهو شعور ذكوري تتصف به كل الشعوب العربية

خاتمة

ماذا نستنتج مما سقناه من أمثلة، وأين موقعه من فرضيات (باتيسون). لقد بينت أمثلتنا أن هناك انعدام التوازنات وبروز حالات سوء الفهم، وهناك حالات يمكن أن يحدث فيها التوازن (العشاء، الضيافة، الرقص)، والاختلافات الأخرى تأتي من خلال الثقافات القديمة والصور المقدمة إعلاميا، خصوصا تلك التي رافقت حرب الخليج، عندما اختفت حركة المغاربة في الحي ولازموا مساكنهم، وحتى لم يخرج بائعو السجائر منهم الى الشوارع.

وكان هناك شعور لدى الإيطاليين بالخوف من العربي ومن المسلم ومن الأصولي الخ. وأوردت صحيفة إيطالية خبراً عن مغربي اسمه علي أنه منذ أول أيام الحرب لم يعد علي يرغب في الذهاب الى عمله. إن الناس في السوق ينادونه بصدام.

انتهى القسم الرابع في صفحة 648 من الكتاب
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 29-12-2009, 09:18 AM   #47
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

القسم الخامس: داخل الحدود: الاختلاف والتراتب

الفصل الثامن والثلاثون: الآخرية والتراتب ..

تقديم: علي الكنز .. أستاذ في جامعة نانت ـ فرنسا

الآخر مكون للأنا.. ولا يفكر أحدٌ اليوم جاداً في أن يضع هذا الزعم موضع الشك. هكذا يبدأ الباحث الجزائري المقيم في فرنسا كلامه، ليسوق لنا براهينه من خلال بحثه.

أولاً: الأمكنة

تدور الوقائع سنة 1982 في مصنع جزائري، هو الأهم في البلاد: منشأة (مركب) الحديد الصلب في (عنابة). حيث كان يقوم الباحث بأطروحة قدمها للمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (cnrs) عام 1987.

يقول الباحث لقد عايشنا ولقرابة السنة كل أصناف الشغالين (عمالاً كانوا أو رؤساء فرق أو تقنيين أو مهندسين أو كوادر) نساءً ورجالاً، ومن جنسيات عديدة (فرنسيين، سوفييت، ألمان شرقيين، بولنديين، يابانيين...الخ)، وكان المجموع 18000 ألف منهم 16 ألف جزائري، ويقسمون لوحدات إنتاجية كل وحدة تستوعب ألف شخص. وكانت المنشأة (المركب) تشمل فرنين عاليين ومخزن للفحم الحجري و 3 مصانع للحديد، وعلى مصنع لتوليد الكهرباء، ومصنع للأنابيب، ومركزين للأكسجين وورشات صيانة الخ.

كان السوفييت والألمان أكثر عدداً من غيرهم من الأجانب، إذ كان عددهم يناهز 500 شخص لأنهم كانوا يؤمنون انطلاق حجرة الفحم والمصفحات ذات السلوك والدوائر ويشتغلون بالتناوب مع العمال والفنيين الجزائريين. ورغم كثرتهم واحتكاكهم الأكثر مع الجزائريين فقد كانوا مثار جدل عند الأوساط النقابية الجزائرية.

وكان الفرنسيون والذين كانوا في أصل إنشاء هذه المنشأة، وإن كان عددهم لا يزيد عن خمسين، فإن المنشأة كانت متسمة ببصماتهم. أما اليابانيون فكانوا مجموعة صغيرة لإعمال الرأي في مشكلات الصيانة، وكانت أكثر مجموعة تتصل ب 4000 فني مساعد (عون)، وأكثر مجموعة تثار حولها التعليقات الطريفة.

ثانياً: الجو

وهكذا اجتمعت كل العناصر المقومة لإعطاء الحياة الاجتماعية في المنشأة (المركب) ذلك الجو، (جو التنمية) الذي وسم السبعينات وسما عميقا والذي منح ثقافة تلك الفترة نبرة جمالية (أفلام، أفلام توثيقية، روايات ..الخ) سواء في الجزائر أو غيرها من بلدان العالم الثالث. كانت تلك المنشأة ـ المدرسة بحجمها وتنوع التقانات المقامة فيها، والحركات الاجتماعية التي تستقطبها حولها، تعبيراً تاماً أو يكاد عن النموذج المغالي في نزعته التنموية وقتئذٍ.

استطاع الباحث من خلال هذا التنوع الكبير في الرتب المهنية والجنسيات المختلفة أن يرصد ويقارن ما جاء في بطون الكتب عن الصراع الاجتماعي والطبقي وتنظيم العمل الخ.

فكانت هناك نزاعات حول مشاكل الأجور وتفاوتها ونزاعات حول المنح والنقل والطعام والترقية الخ.

ثالثاً: الوقائع

شملت الوقائع كل الأمور التي كان الباحث يريد التحقق منها (على الميدان)، والتي وجدها هنا مجتمعة ومتوفرة في جميع الأشكال الممكنة والمتخيلة. وقد هاله ما لم يكن يتوقعه وهو الموقف من المساعدة التقنية الأجنبية (a.t.e).

(1)

كان الشغالون ـ عمالاً ورؤساء فرق ـ يوجهون اللوم الى مُسيري المنشأة (المركب) بواسطة النقابة على الاستنجاد ب (المساعدة التقنية الأجنبية a.t.e) لإخفاء قصور كفاءتهم. وتدلل الرسومات الكاريكاتورية التي كانت النقابة تنشرها في صحيفتها على ذلك، حيث كانت تبرز صور المساعدين الأجانب في وضع (استرخاء) أمام الشمس، في حين يضني العمل الشاق الجزائريين.

وتذكر الصحيفة نفسها انتقادات تؤشر على أن هناك عمال أجانب لا يتمتعون بأي تفوق على نظرائهم الجزائريين من حيث المهارة والعلم، ولكنهم يتقاضون أجوراً تعادل عشرة أضعاف ما يتقاضاه الجزائريون.

لم تكن العلاقات بين الجزائريين والوافدين عدائية، لكنها كانت دائما متحفظة وفاترة، وقلما كانت ودية.

(2)

تمكن الباحث على المستوى الأول من التحليل، أن يفهم أن الشغالين الجزائريين كانوا يستشعرون في حضور هؤلاء الأجانب إهانة لهم ودليلاً ملموساً على عجزهم في تحقيق المهام المنوطة بعهدتهم. هذا بالإضافة الى الفوارق بالأجور، فكانت الشكوك حول جدوى استقدام هؤلاء.

من جانب آخر، لوحظ أن الشغالين الجزائريين منتبهون لأدق تفاصيل تصرفات أولئك الأجانب، ولكنهم يصفونهم بصفات قد تكون غير دقيقة مثل: الروس شغالون والفرنسيون سيئون واليابانيون أصحاب جدوى، والألمان يشتغلون بضراوة الخ.

(3)

لم يقنع التحليل الأولي الباحثَ، فذهب للتدقيق فيما وراء ذلك السلوك، ويبحث عن الآخر الحقيقي في الموضوع.

تبين له أن هناك اعتقاداً مترسخاً في نفوس الشغالين، بأن المسئولين قد جلبوا هؤلاء الأجانب ليهينوا الآخر الجزائري المحكوم، وليثبتوا له أن الجزائري لا يساوي شيئاً دون الاستعانة بالأجنبي، وأن ذلك مرده الى الشعور بالنقص من جهة المسئولين أنفسهم تجاه قدرتهم على إدارة البلاد بقبول أبناء البلاد، فكانوا يبعدونهم عن تحمل المسئوليات المباشرة!

لقد تبين للباحث أن بنية النزاع ليست ثنائية (أنا والآخر) بل ثلاثية: من جهة أولى (الأنا) وقد انقسم الى قسمين مسيرين وعمالاً. ومن جهة ثانية الآخر، وقد شُد بين القطبين كالكماشة.

خاتمة

يروي (ملابرت) في رواية (الجلد) مغامرة ضابط أمريكي كان يتجول ليلاً في شوارع نابولي، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، لينشد المتعة، اعتنى به أحد الأطفال ليقوده الى المكان المنشود. وفي أثناء الطريق كان الضابط يتنقل بين الأيدي والشرفات من دون التفطن الى ذلك. فبالنسبة إليه وهو الذي كان هائما في عالم غريب عنه، كل أطفال نابولي يتشابهون تشابها يذكر بالليل الهيغلي الذي تكون فيه كل البقرات رمادية اللون.

وعندما اكتشف الإسبان (الأزتيك) لم يقم هؤلاء بأية مقاومة ضدهم، فنصوص الأزتيك المقدسة علمتهم أنه لا يمكن أن تفد إليهم إلا الآلهة وحدها. ولكن عندما اكتشفوا أن الأسبان ليسوا إلا أناسا شرسين مشغوفين في كسب الذهب، كان الوقت قد انتهى وكان السيف قد سبق العذل.

إن الخبير الأجنبي الوافد للجزائر، كان يؤسس لآخر على قياسه هو، مثله مثل الضابط الأمريكي والأسباني الذي كان يقدم نفسه بمظهر الآلهة.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 25-01-2010, 08:55 AM   #48
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي


الفصل التاسع والثلاثون: الذات الممزقة بين الأنا والآخر ..

تقديم: عروس الزبير .. أستاذ في جامعة الجزائر

نوظف مفهومي (الذات البديل) و (الذات النقيض) كمفهومين مركزيين بدل مفهومي (الأنا والآخر)، لأن الذوات المتناولة في هذه المساهمة هي ذوات محلية كانت تشكل تاريخياً وثقافياً الذات الجزائرية.

هكذا بدأ الباحث مساهمته التي تعتبر من أدق المساهمات، لأنه أراد بها أن تنبش الآثار المتراكمة التي حصلت من دخول العرب وأسلمتهم للجزائر، وقبول السكان الأصليين للإسلام مع شعورهم بحرقة نتيجة تعالي الوافدين عليهم.

ثم جاءت آثار الاحتلال الفرنسي، لتدفع بالمسكوت عنه للظهور نتيجة اتجاه الناس الى الانقسام من جديد: قسم يعتبر (التفرنس) هو تصريح عبور للرقي مقابل قسم يرى أن التمسك باللغة العربية والتعريب هو الانتهاء من مرحلة الاحتلال. والاتجاه الأخير يظهر رغبته تلك باستعلاء جديد وكأنه مصادرة لنضال الشعب الجزائري بمكوناته كلها و(تجيير) هذا النصر ونسبه للفئة المطالبة بالتعريب، مما أضاف غصة ممزوجة برفض دفين للناس الذين أرجعوا أسباب النصر للدماء الجزائرية التي سالت وليس للغة العربية.

هذه الحالة أوجدت انقساما داخل المجتمع الجزائري، تهادن وتصالح ظاهرياً، وكان مهيأً للانفجار في أي لحظة تسمح له.

نماذج من المجتمع الجزائري:

1ـ جزائريون فرنكفونيون ومعتزون بذلك

هذا عنوان لمقال نُشر في أسبوعية جزائرية ناطقة باللغة الفرنسية، كرد فعل على ما ورد في الصحافة المعربة بشأن المنظومة التربوية، والتي حملت النظام مسئولية انتشار الفكر الإسلامي (المتطرف) بين الشباب.

رأت الصحافة المعربة في هذا الحكم، حملة تستهدف ضرب التعريب واللغة العربية. هذا الموقف المدافع اتخذه كاتب المقال السابق نقطة انطلاق لإخراج كوامن النفس، وبالتالي تحديد الصفات التي يتميز بها المعرَب وحليفه الإسلامي في مخيلة (المُفرنَس). فكل معرب هو (بعثي) وكل بعثي هو (إسلامي) أصولي ظلامي مُرتبط بأحد من ثلاثة: السودان ـ إيران ـ أو بغداد. أي أن المعرب في قاموس المفرنس هو ذلك الإنسان المتسلط الظلامي الذي يريد فرض نظام سياسي وواقع ثقافي لا يتماشى مع وضع الجزائر تاريخاً وحضارةً.

إن التجربة السياسية التي عرفتها الجزائر بين عامي 1988 و 1992، والتي حاول المفرنس أن يجعل من ذاته مركزاً تتمحور حوله قضايا (الحداثة والديمقراطية) وذلك بعد أن أحس هذا المفرنس بغربته، وبدلا من أن ينجح بذلك زاد شعوره بالتقزم (عدديا) ودفعه ذلك ليعبر بإحباط النفس بمواقف شديدة الذاتية، فيقول صاحب المقال: (إن البعثيين يميزهم هذا الطابع الغريب المتمثل في البروز على هامش المعارك، ولا يعيشون إلا على البقايا، واللغة الفرنسية هي ما تبقى يجب القضاء عليها بالنسبة لهم). ثم يضيف (يجب ألا نتأثر بشعارات البعثيين، ونحن الفرنكوفونيون لا ولن نعتبر أنفسنا بقايا، وعليكم أيها البعثيون أن تدركوا ذلك).

وبهذا تكون صورة المعرب في مخيلة المفرنس على النحو التالي: جاهل ـ خشن ـ دموي ـ عنيف ـ متأخر ـ متزمت ـ عميل ـ تقليدي ـ انتهازي.

2ـ المعرب يرد

أحس المعرب بعد عام 1991، أن مؤسسة الدولة التي كان يحتمي بها وتؤيده جماهير عريضة ظاهريا، قد أخذت في التشكل بعيداً عن إرادته. فوصف الجماهير بالأمية بعد أن كان يصفها بالمحرومة، ووصفها بالظلامية بدل الثورية، والمخدوعة بدل الواعية. ويصف المفرنسين بالقول: (البعض يفتخر بكونه فرنكفوني، هذا الافتخار الاستفزازي يجعله في الواقع وبشكل واضح في موقع الفرنكومان، أي ذلك المغرم الى حد الهلوسة المرضية بثقافة ولغة ليست له) ويصفها (هذه الأقلية ما هي إلا بقايا مرحلة تاريخية) و (هي خائفة ومرعوبة ومعقدة الى أبعد الحدود ووضعها النفسي يجعلها تستعد لكل الحماقات)

وبهذا تكون صورة المفرنس في مخيلة المعرب على النحو التالي: استفزازي ـ مهلوس ـ مختل ـ مريض نفسيا ـ دخيل على الحداثة ـ غير وطني ـ معقد ـ رديء التكوين.

3ـ الذات الأصيلة

ضمن عملية الصراع المغلوط والأحكام المجانية بين الذاتين السابقتين تظهر ذات ثالثة (بديل)، تدعي الأصالة، والتمثيل المطلق للمجتمع، وهي الذات التي تأخذ من الأصالة وصفاً والإسلام عنواناً: إنها الذات الفاعلة على مستوى الضمير الجمعي والقائدة له، هذه القيادة قد نجد لها تفسيراً في طبيعة التناقضات التي عرفها المجتمع الجزائري والسلطة القائدة له منذ عام 1962.

إن صورة النقيض في هذا الخطاب (الإسلامي) لا يمكن استحضارها إلا من خلال استرجاع الظروف التي شكلت مخيلة الإسلامي نتيجة الممارسة السياسية ل (الآخر) والتي عملت على قهره وعزله، ويعبر عن حقيقة تفكير هؤلاء مجموعة من الكتاب نختار منهم:

أ ـ صورة الذات النقيض عند عبد اللطيف سلطاني

ينطلق الشيخ في تحديد صفات الذات النقيض على أساس موقف هذه الأخيرة من قضايا المجتمع الكبرى مثل: الإسلام والسياسة، وتطبيق الشريعة، والاشتراكية، والتأميم، وبخاصة قضية المرأة والاختلاط.

ففي كتابه (المزدكية أصل الاشتراكية)، يرد عبد اللطيف سلطاني على كاتب مقال اسمه ياسين نشره في أسبوعية (الجزائر الأحداث في 9/4/1967)، تحت عنوان (كلاب الدوار) يتهجم فيه على صوت المؤذن، فيقول عبد اللطيف: (هذا الرجل دفعه جهله بحقيقة الإسلام وإلحاده المنبعث من سوء تربيته أن يكتب مستهزئا وساخراً بالإسلام)*1. وهذا العمل بالنسبة للشيخ لا يمكن أن يكون أو يصدر إلا من (أذناب فرنسا والاستعمار الذين تغذوا بلبانه وتربوا في أحضانه)، أي أنهم جزائريون بالتسمية، إذ لم (نسمع أثناء التحرير شيئاً يدل على بطولاتهم، بل الذي نعرفه عنهم أنهم فروا هاربين خوفاً الى خارج الوطن) ثم عادوا ليمثلوا (الشخصية المنحلة المحمومة التي تعمل من أجل نشر الأباطيل والأفكار الإلحادية والإباحية بين الأمة).

ثم يتناول عبد اللطيف سلطاني دعاة استعمال اللغة البربرية فيقول: (إنها لغة ميتة لا حروف لها ولا حساب وإحياؤها إحياء للنعرات الجاهلية) أما العربية فهي (أشرف اللغات لأن الله عز وجل أنزل القرآن بها وهو أشرف اللغات على الإطلاق) ويستشهد الشيخ بحديثٍ لرسول الله صلوات الله عليه (مَن أحسن منكم أن يتكلم بالعربية فلا يتكلمن بالفارسية، فإنه يورث النفاق).

ويتناول الشيخ سلطاني البعث فيقول من خلال مناقشته لقوانين الأسرة (من رغب في تبديل قوانين الشريعة الكاملة بقوانين وضعية أو وضيعة، فهو غاش للمسلمين عميل للملاحدة والكفرة، ولا يمكن أن يكون إلا واحداً من ثلاثة: مفرنس متغرب، بعثي ملحد، أو ماركسي لعين)*2

ب ـ صورة الذات النقيض في الخطاب الإسلامي 1988ـ1992

تصاعدت اللغة في خطاب الإسلاميين الى مستوى كانوا يعتبرون تلك اللغة في السابق لا تصدر إلا عن أناس سيئي الأخلاق. ففي مقال تحت عنوان (لغة الأمة بين الإخطبوط الفرنكفوني وحراس النهضة الثقافية) نُشر في أسبوعية (المنقذ عدد5) لسان حال الجبهة الإسلامية للإنقاذ، جاء فيه تحقيراً للذات المقابلة قولاً: (إن جراثيم الاستعمار الثقافي تعمل ليل نهار لإزاحة اللغة العربية من الأذهان).. إذ عمل (أذناب فرنسا وعباد الصليب على التنكر لها في برامج أحزابهم، وبث السموم حولها وإعلان البيعة لفرنسا بتبني اللغة الفرنسية).. ويضيف (هؤلاء هم أعداء الإسلام وعبيد الاستعمار والتنصير).

تعليق:
ويستمر الحديث بهذا المستوى، حتى أصبحت الجزائر تحت أنظار العالم المراقب لتحدد موقفها مع من تقف: مع نظام قد بالغ في إسقاط الاعتبار لمن حوله، رغم عدم ارتياح الغرب من هذا النظام، أم مع من حوله ممن يسنون سيوفهم لقطع دابر الغرب، فكانت النتيجة أن تُذكى نار الفتنة لتحصد ما حصدت في السنين التي تلت كتابة هذا البحث.



هوامش من تهميش الباحث

*1ـ عبد اللطيف سلطاني/ المزدكية أصل الاشتراكية ص73
*2ـ المصدر السابق ص 86
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 13-02-2010, 02:46 PM   #49
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي


الفصل الأربعون: صور الآخرين في لحظات الحرب اللبنانية: معاينات مونوغرافية ..

تقديم: أحمد بعلبكي .. أستاذ في الجامعة اللبنانية ـ بيروت
الصفحات 671ـ 682 من الكتاب

نزعم أن التنوع الديني ـ الثقافي والسياسي بلغ في المجتمع اللبناني الصغير من الاتساع والتبلور ما يجعله يوحي بالكثير من الفرضيات والخلاصات.

وفي تقديرنا أن هذا التميز في التنوع والإيحاء يعود أساساً الى الظروف التي حكمت تشكيل الكيان الطوائفي المتراتب بعد انتصار الحلفاء وتوقيع معاهدة سايكس ـ بيكو عام 1916 وبعد تسلم الفرنسيين مهمة الانتداب على لبنان وسوريا. وقد حرص الفرنسيون على إبراز انتدابهم على البلاد كمهمة لإخراجها من (الانحطاط العثماني) ولوضعها في فلك النفوذ والثقافة الفرنسيين.

وكانت الكنيسة والإرساليات الغربية المتنوعة قد لعبت دوراً أساسياً في تسويغ وترجيح هذه الثقافة ونشرها، في الأوساط المسيحية بخاصة، منذ ما يزيد على ثلاثة أرباع القرن.

وأفادت تناقضات الإنجليز مع الفرنسيين في التوفيق بين زعامات الطوائف المتفاوتة في مستويات انتظامها السياسي وتأهلها وقدراتها على الحكم، فتوصلت الى ما سُمي بالميثاق الوطني. هذا الميثاق رعى استقلال البلاد وضمن للمؤسسات الطائفية مواصلة تنفذها في التنويع الديني ـ الثقافي والسياسي.

أولاً: دينامية التفارق بين العصبيات بفعل العوامل الأيديولوجية المهيمنة

لقد تفارقت في مخيلة كل لبناني من العوام صور نماذج اللبنانيين (الآخرين) ومنها: صور المسيحي (المتغرب) والمسلم (العروبي) والدرزي (المتحفظ) والشيعي (المعارض).

وتفارقت في أوساط المقيمين من غير اللبنانيين صورة نموذج الرعايا الغربيين المتحضرين على رفاه، وصورة الرعايا الأوروبيين الشرقيين المتحضرين على عسر، وصورة الأرمني الحرفي المنغلق، وصورة الفلسطيني المُقْلِق، وصورة الكردي العنيف الخ.

وفي هذا الإطار، تختلج (النحن) الأيديولوجية المثالية الكامنة في زمن السلم والصاخبة في زمن الحرب، فيحتشد ويصبح الأفراد (رعايا) للعصبية أو الزمرة الواحدة، إخواناً أو رفاقاً يجهدون لتلبية الواجب والحمية من أجل بلوغ مراتب (النحن المثالية) التي تمنح رعاياها الحماية في غياب أي حماية أخرى للدولة، ويمنحونها شعائر الولاء خلال مناسبات التظاهر الاجتماعي (مآتم، موالد، أفراح الخ).

وتتعاظم تلك النزعة لتتجلى في بطولة الإقدام على قتل جماعي لزمرٍ من الطائفة الأخرى، أو حتى لزمر من الطائفة ذاتها تُتَهم بالخيانة (معارك أمل وحزب الله في المحيط الشيعي ومعارك الجيش ضد القوات اللبنانية في المحيط المسيحي).

ثانياً: دينامية التواصل بين الجماعات بفعل عوامل سياسية محددة.

عندما نميز بين عوامل مهيمنة، وأخرى محددة، فإنما نهدف الى التمييز بين قوام الشكل المرئي في ظاهر الجماعة المتناسق في ظرف معين من جهة، ومنطق تشكلها الكامن في داخلها المتصارع طيلة زمن معين من جهة أخرى. وعندما يكون الشكل المتناسق نتاجاً للشكل الصاخب، يصبح تناظم عناصر المجتمع المحلي أو الجماعة المحلية ليس وليد حركة داخلية نظامية في جوهر مستقل، بل وليد علاقات هذه العناصر (الانتشار، الإنتاج، التعليم، الموقع السلطوي .. الخ) المتواجهة مع الإمكانات والعناصر الأخرى المتفاعلة معها داخل بنية المجتمع اللبناني الكبير (الكلي).

يلتفت الباحث لقضية موثقة ليدلل بها على ما قاله حول تحرك الأفراد داخل جماعاتهم ومواجهاتهم للآخرين (المخترَعين أو المُنصبين) وِفق فهم تشكل لدى هؤلاء الأفراد، وكيف أن الفهم نفسه سيتغير بتغير الأحوال. فيقارن بين عبارات وردت في إجابات لأسئلة وجهت لطلاب الصف النهائي من الثانوية العامة عام 1978 وإجابات طلاب من نفس المرحلة عام 1991، ومعروف كم حملت السنوات الثلاث عشرة من أحداث فكانت المقارنة كالآتي:

1ـ لبنان بلاد مقسمة تبحث عن هوية (1978) ـ لبنان بلاد مغلوب على أمرها (1991)
2ـ الخطر محصور (1978)، الخطر منتشر في جميع البلاد (1991).
3ـ خطوط التماس (1978)، مناطق الاشتباكات (1991)
4ـ تجمع طائفي (1978)، تجمع سياسي (1991)
5ـ مراهقة مختزلة (1978)، لا طفولة ولا مراهقة (1991)
6ـ البقاء في لبنان ينصح به من سافر الى الخارج (1978)، يرغب بالسفر كل من توفرت له الإمكانات (1991).
7ـ قلق بسبب انعدام الأمن وتساؤل حول القيم (1978)، قلق أكبر بسبب الاضطراب الاجتماعي وانعدام القانون والقيم في كل مكان (1991).
8ـ حقد، ارتياب، بحث عن المنفعة الشخصية (1978)، حقد وارتياب أكبر وبحث أكثر عن المنفعة الشخصية (1991).
9ـ ارتباط بالزعماء السياسيين (1978)، التخلي عن الزعماء السياسيين والدينيين (1991).
10ـ تقدير الالتزام السياسي للشباب وتهميش للشباب غير الملتزم (1978)، التراجع عن الالتزام السياسي (1991).
11ـ التماهي مع الجماعة الطائفية (1978)، لم يعد يجد نفسه في الانتماء الطائفي (1991).
12ـ إرادة التعميق بالدين للدفاع عن نفسه (1978)، النهوض الروحي العميق (1991).
13ـ انعدام التعصب (1978)، انعدام التعصب (1991).

وقد لاحظ الباحث أن مواقف الشباب (العينة من 400) في نهاية الحرب 1991، كانت مرتبة من حيث القوة: فنون إنقاذ الحياة، النهوض الوطني، الانفتاح على الآخرين، النهوض الروحي، النهوض الأخلاقي، الارتياب، البحث عن المنفعة الشخصية، التعصب.

ثالثاً: دينامية فارقة (Polemique) للتآلف الإنساني بفعل العوز الوجودي والاضطرار!

يشير الباحث الى ظاهرة طريفة ولافتة (بنظره) وهي أنه في أحد أحياء بيروت الفقيرة جداً، تتخالط فيها جماعات من اللبنانيين (شيعة) و من عشائر عربية (سنية) [عرب المسلخ]، ومن الأكراد ومن الفلسطينيين، ومن آخرين جاءوا من بلدان مجاورة، كانوا يعيشون بتآلف لافت، في حين تنفرز الجماعات الأكثر يسراً الى الانفراز المذهبي والإثني.

ويزيد الباحث في وصفه لهذا الحي الذي يضم 371 أسرة يعيش 20% منها في مساكن لا تزيد عن 20م2 وتعيش باقي الأسر في مساكن يفصل بينها طوب سماكته 10سم، وتقوم القابلات البدويات (العربيات السنيات) بخدمة الحوامل من الشيعة والأكراد، ووجد أن 56% من نساء هذا الحي المختلط يرفضن ذكر مذهبهن الديني أو عرقهن الإثني. ووجد أن 62% من الشيعة يختلطون بالجميع، و84% من الفلسطينيين يختلطون بالجميع و 35% من الأكراد يختلطون بالجميع (انخفاض النسبة يعود للصعوبة اللغوية)، و77% من العرب السنة يختلطون بالجميع، وهذا يدلل على عفوية هذا المجتمع وابتعاده عن اختراع الآخر وتصليب وضعه في المجتمعات الأخرى.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 08-03-2010, 10:59 AM   #50
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

الفصل الحادي والأربعون: الرفض المتبادل بين الطوائف اللبنانية: صورة الأنا والآخر في الحرب الأهلية (1975ـ 1990) ..

تقديم: مسعود ضاهر .. أستاذ في الجامعة اللبنانية ـ بيروت
(الصفحات من 683ـ 698 من الكتاب)

أولاً: تحديد حقل الدراسة والمنهج النظري

أثارت الحرب الأهلية اللبنانية (1975ـ 1990) اهتمام عدد كبير من الباحثين، من جنسيات مختلفة، لدرجة أن ما نُشِر عنها في مختلف اللغات العالمية من دراسات علمية يحتاج توثيقه الى أكثر من مجلد ضخم. فالمسألة اللبنانية هي، في جوهرها، تختزل مشكلات تعيشها المجتمعات المتعددة القوميات العرقية، والمذاهب الطائفية، والأحزاب العقائدية، والنزعات الإقليمية، والصراعات الدولية ذات التوجه الأيديولوجي الليبرالي أو الشمولي وغيرها.

لقد سادت في لبنان مقولات (العيش المشترك) و (الطوائف المتعايشة على أرض واحدة)، و (لبنان واحد لا لبنانان) و (الميثاق الوطني بين الطوائف اللبنانية) وغيرها طوال العقود التي أعقبت الاستقلال السياسي للبنان عام 1943، وحتى اندلاع الحرب الأهلية فيه عام 1975. ونتج من ذلك أن سنوات الاستقرار هذه، جعلت من لبنان واحة للديمقراطية التي تصبو إليها جميع الدول العربية المجاورة له، كما أن مرحلة البحبوحة الاقتصادية والازدهار الثقافي والإعلامي والفني أعطت لبنان دوراً متميزاً في محيطه العربي ما زال اللبنانيون يكافحون اليوم لإعادة إحياء جانبٍ منه بعد توقف الحرب الأهلية.

والوجه الآخر للمسألة اللبنانية أن الحرب الأهلية قد أفرزت مقولات مناقضة للمقولات التي كانت سائدة إبان مرحلة السلم الأهلي والاستقرار السياسي. فتحول السلام الى حرب أهلية، والاستقرار الى تهجير وتقتيل متبادلين بين الطوائف والمذاهب في مختلف المناطق اللبنانية، وتحول الحوار السياسي بين الأحزاب والتنظيمات الى حوار بالمدافع وبمختلف الأسلحة المدمرة.

ومع انهيار الدولة المركزية في الحرب الأهلية انهارت قواها العسكرية وتحولت الى قوى محايدة تكتفي بالحصول على رواتب لأفرادها في مطلع كل شهر، في حين يشارك كثيرٌ منهم في الصراعات الدموية الى جانب المليشيات المسلحة، أو الى جانب القوى العسكرية الإقليمية النظامية التي سيطرت على أجزاء واسعة من لبنان بدعوة من الحكومة اللبنانية أو بدون دعوة.

واستناداً الى الملاحظات المنهجية السابقة، فإن الدراسة ليست تأريخاً للحرب الأهلية اللبنانية ولا تسعى لتحليل أسبابها، ولا تريد أن تتطرق الى التدخلات الإقليمية، فليس صحيحاً القول أن الحرب الأهلية اللبنانية كانت تعبيراً عن حروب الآخرين على أرضه طالما أن بنية المجتمع اللبناني هي بنية مفككة، والدراسة تعني بالتأشير على هذا التفكك من خلال دراسة الآخر للمكونات اللبنانية.

ثانياً: صورة الأنا والآخر أو الرفض المضمر زمن السلم الأهلي

إن غالبية الدراسات العلمية التي تناولت تحليل تاريخ لبنان الحديث والمعاصر تكاد تجمع على تعاقب النزاعات الدموية بين طوائفه وبين زعماء الطوائف في صراعهم المستمر على التفرد بالسلطة داخل تلك الطوائف.

دلالة ذلك أن البنية المجتمعية في لبنان، من حيث هي بنية فسيفسائية من الطوائف المتعايشة على أرض واحدة، قابلة للانفجار في حال توفر القوى الداخلية والإقليمية الساعية إليه. أما إذا كانت الظروف غير ملائمة فإن الطوائف اللبنانية قابلة للتعايش بسلام فيما بينها على قاعدة اقتسام السلطة في ما بين الزعماء الأكثر نفوذاً فيها.

ونتج من ذلك أن البنية الاجتماعية في لبنان مؤهلة للسلم والحرب بدرجة متساوية. وسنحاول تلخيص البحوث الكثيرة (التي قدمها لبنانيون وغير لبنانيين) في توصيف الحالة اللبنانية:

ـ إن المجتمع اللبناني، من حيث هو مجتمع لسبع عشرة طائفة دينية ـ أضيفت إليها مؤخراً طائفتان جديدتان ـ قابل للتفجير نظراً لصعوبة قيام دولة مركزية فيه ترضي كل زعماء الطوائف أو تساوي في ما بينها بالحقوق والواجبات.

ـ إن لبنان يضم، بالإضافة الى هذا الحشد الكبير من المذاهب الطائفية، أكثر من سبع قوميات عرقية ينقسم بعضها الى طوائف مذهبية كالأرمن، والأكراد، والشركس، والسريان، والكلدان، والآشوريين، والأتراك ... وقد بلغ تعداد النواب والوزراء الأرمن مؤخراً في لبنان ما يوازي عدد نواب طوائف عريقة فيه كالدروز أو غيرهم.

ـ إن الضابط الأساسي للنزاع السياسي في مرحلة (1943ـ1975) هو الميثاق الوطني الذي تأسس على قاعدة التحالف (الماروني ـ السني) في قيادة دولة لبنان المستقلة. مع ذلك، لم تخل هذه المرحلة من صراعات عنيفة، أبرزها (الثورة البيضاء) التي أسقطت الرئيس (بشارة الخوري) عام 1952، والثورة الشعبية التي منعت الرئيس (كميل شمعون) من تجديد ولايته عام 1958، والمحاولة الانقلابية الفاشلة التي قام بها الحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1961ـ 1962، والصدامات الدموية بين الجيش اللبناني وقوى اليسار المتحالفة مع الثورة الفلسطينية المسلحة عام 1973.

ـ إن اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 كان بمثابة تكثيف للنزاعات الداخلية اللبنانية التي كانت تلقى الدعم الكافي من القوى الإقليمية. فبعد أحداث أيلول في الأردن، تحول نشاط المقاومة الفلسطينية الى لبنان بعد حصول المقاومة على اتفاق القاهرة عام 1969 الذي أباح لها استخدام أجزاء واسعة من جنوب لبنان كمركز لعملياتها العسكرية. وشكل ذلك الاتفاق منطلقاً للقوى اللبنانية الرافضة له كي تتحول الى ميليشيات مسلحة ورافق ذلك تسلح الطوائف الأخرى.

مصطلح اللبننة الذي دخل القاموس الدولي

يشير هذا المصطلح الى إمكانية تحول التعايش السلمي في المجتمعات التعددية الى نزاعات دموية وحرب أهلية مدمرة [ ممكن أن تنسحب تلك الحالة على محاولات تطبيقها في النموذج العراقي]. ومن أبرز الشروط الضرورية لهذا التحول:

1ـ وجود دولة مركزية هشة، وضعيفة، وغير قادرة على حماية نفسها من التفكك والانهيار تحت وطأة التناقضات الداخلية.

2ـ قيام الدولة المركزية على أسس غير ثابتة، وبالتالي الاحتكام الى الأعراف والمواثيق الشفوية والتحالفات المرحلية بين الزعماء السياسيين وعدم السعي الجديد الى بناء دولة القانون، والمؤسسات الدستورية، والنظم العصرية التي تساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات دون النظر الى انتماءاتهم الدينية والسياسية والأيديولوجية والعرقية وغيرها.

3ـ إن النزاعات الداخلية في المجتمعات التعددية التي يتم التحذير منها على أساس (اللبننة) هي النزاعات التي تُدار من قِبل أطراف إقليمية مجاورة أو قوى خارجية ذات مشروع سياسي واضح المعالم في المنطقة. فهي إذن ليست نزاعات لذاتها أو لصالح الزعماء المحليين الذين يشاركون فيها، بل إن التجارب التي شهدتها الحرب الأهلية اللبنانية قد دلت على إمكانية التخلص من هذا الزعيم الطائفي أو ذاك من جانب القوى الإقليمية التي أوصلته الى القمة.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .