العودة   حوار الخيمة العربية > القسم الثقافي > مكتبـة الخيمة العربيـة

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: #تأملات في #سورة_طه - 06 (آخر رد :الكرمي)       :: الحبط فى القرآن (آخر رد :رضا البطاوى)       :: مع #الحديث_الشريف: #الرفق (آخر رد :الكرمي)       :: مع #القرآن_الكريم - من سورة فاطر (آخر رد :الكرمي)       :: #البث_الإذاعي ليوم #الأحد 04 #محرم 1439هـ |2017/09/24م (آخر رد :الكرمي)       :: مع الحديث الشريف الرفق (آخر رد :الكرمي)       :: الجولة الإخبارية 2017-09-24م (آخر رد :الكرمي)       :: الثورة في تونس مستمرة على الرغم من النظام السلطوي العلماني وانتهاك حرمة الإسلام والم (آخر رد :الكرمي)       :: نشرة أخبار الصباح ليوم السبت من إذاعة حزب التحرير ولاية سوريا 2017/09/23م (آخر رد :الكرمي)       :: نشرة أخبار الظهيرة ليوم السبت من إذاعة حزب التحرير ولاية سوريا 2017/09/23م (آخر رد :الكرمي)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 19-05-2016, 04:38 PM   #21
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,732
إفتراضي

وهنا لا بد من لفت النظر إلى أمرين: أحدهما المغالطات التي تحصل في الحقائق، والثاني المغالطات التي تصرف عن الوصول إلى الحقائق. أما المغالطات التي تحصل عن الحقائق، فإنها تحصل من جراء التشابه الذي يحصل بين الحقائق أو الأفكار فيتخذ هذا التشابه أداة لطمس الحقائق، أو يكون باستعمال حقيقة من الحقائق لطمس حقيقة أخرى، أو يكون بالتشكيك في حقيقة من الحقائق، من أنها ليست حقيقة أو كانت حقيقة في ظرف وتغير هذا الظرف، إلى غير ذلك من الأساليب. فمثلاً كون اليهود أعداء للمسلمين حقيقة وكون اليهود أعداء لأهل ما يسمى فلسطين حقيقة، وهاتان حقيقتان متشابهتان أو متداخلتان ولكن المغالطة جعلت حقيقة العداء بين اليهود وأهل فلسطين هي البارزة بل هي الملاحظة فاتخذ هذا التشابه أو التداخل أداة لطمس حقيقة العداء بين اليهود والمسلمين. وكون فكر أن الحرية موجودة عند أمريكا حقيقة وكون فكر أن أمريكا إنما يختار رؤساءها، الرأسماليون حقيقة وهما فكران متشابهان من حيث إن كلاً منهما يدل على واقع أمريكا. ولكن اتخذت حقيقة الحرية أداة لطمس حقيقة كون الرأسماليين هم الذين يختارون رؤساء أمريكا. فطمست هذه الحقيقة وصار المعروف أن الذي ينجح رئيساً في أمريكا هو من له شعبية أكثر. ومثلاً كون إنجلترا ضد الوحدة الأروبية حقيقة وكون إنجلترا تريد تقوية نفسها بأروبا الموحدة حقيقة. فاتخذت الحقيقة الثانية أداة لطمس الحقيقة الأولى، وبذلك دخلت إنجلترا السوق المشتركة. ومثلاً كون الإسلام قوة لا تغلب حقيقة ولكن جرى التشكيك في هذه الحقيقة حتى أصبح الرأي بأن هذا ليس حقيقة أو كان حقيقة في أول الإسلام ثم تغير الزمن فلم تعد حقيقة. وهكذا تجري المغالطات في الحقائق فتطمس إما بحقائق أخرى أو بالتشكيك في تلك الحقائق. وهذا ما حذق فعله الغرب في الحقائق الموجودة عند المسلمين.

وأما المغالطات التي تصرف عن الحقائق فإنها تحصل بإيجاد أعمال تصرف عن الحقائق أو إيجاد أفكار تصرف عن الحقائق. فمثلاً كون الأمة لا تنهض إلا بالفكر حقيقة، ولكن لصرف المسلمين عن الفكر شجعت الأعمال المادية من مظاهرات واضطرابات وثورات لصرف الناس عن الفكر، وانشغالهم بالعمل، فطمست حقيقة أن الأمة لا تنهض إلا بالفكر وحل محلها أن الأمة لا تنهض إلا بالثورة. وكذلك لصرف المسلمين عن حقيقة النهضة وجدت أفكار أن النهضة تكون بالأخلاق وأن النهضة تكون بالعبادات وأن النهضة تكون بالاقتصاد إلى غير ذلك من الأفكار. وهكذا تجري المغالطات لصرف الناس عن الوصول إلى الحقائق.

ولذلك لا بد من الانتباه للمغالطات ولا بد من التمسك بالحقائق والقبض على الحقيقة بيد من حديد، ولا بد من العمق في الفكر والإخلاص في التفكير للوصول إلى الحقائق. ومن أخطر ما يحصل لعدم الانتفاع بالحقائق هو إهمال حقائق التاريخ، ولا سيما الحقائق الأساسية فيه، وذلك أن التاريخ فيه حقائق ثابتة لا تتغير وفيه آراء وليدة ظروف، فالآراء التي هي وليدة ظروف ليست حقائق وإنما هي حوادث فلا يصح أن ينتفع بها ولا يصح أن تطبق في ظروف مختلفة عن ظروفها. ولكن الواقع أنه قد جعل النظر إلى التاريخ كله نظرة واحدة وأهملت حقائق التاريخ. ولم يميز بين الحقائق والوقائع، ولذلك لم يلتفت للحقائق. فمثلاً كون الغربيين اتخذوا الساحل الشرقي وخاصة سواحل مصر وبلاد الشام لغزو الدولة الإسلامية حقيقة ولكن انتصار الغربيين على المسلمين حادث تاريخي وليس حقيقة. فاختلطت الحوادث بالحقائق، وأهملت فيه الحقائق حتى تنوسي كون الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ثغرة منها ينفذ العدو إلى داخل بلاد الإسلام. ومثلاً كون فكرة القومية هي التي زعزعت كيان الدولة العثمانية وكون المسلمين حاربوا الغرب كعثمانيين مسلمين، لا كمسلمين فحسب حقيقة. ولكن انهزام العثمانيين في أروبا ثم انهزامهم في الحرب العالمية الثانية حدث من أحداث التاريخ، ولكن جعل النظر إلى تاريخ الحروب بين العثمانيين والأروبيين، وتاريخ الحرب العالمية الأولى كله نظرة واحدة وأهملت الحقائق في هذه الحروب أي أهملت حقائق التاريخ. فاختلطت الحقائق بالحوادث، واهملت الحقائق حتى تنوسي كون الفكرة القومية هي سبب الانهزام للعثمانيين في أروبا وفي الحرب العالمية الأولى. وهكذا جميع حوادث التاريخ قد جرى فيها إهمال الحقائق، فلم ينتفع بحقائق التاريخ، مع أن حقائق التاريخ هي أغلى ما لدى الإنسان، وأعلى أنواع الأفكار.

فالتفكير بالحقائق سواء بالوصول إليها أو بتميزها من غير الحقائق، أو بالقبض عليها بيد من حديد والانتفاع بهذه الحقائق هو التفكير المجدي والتفكير الذي يكون له آثار هائلة في حياة الأفراد والشعوب والأمم. وما فائدة التفكير إذا لم يؤخذ للعمل به وإذا لم يقبض على الحقائق ويتمسك بها وإذا لم يميز بين الحقيقة وغير الحقيقة؟

على أن الحقائق هي أمر قطعي وهي ثابتة لا تتغير وهي يقينية قطعية، لا يؤثر فيها اختلاف الظروف ولا تغير الأحوال. صحيح أن الفكر لا يصح تجريده من ظروفه ومن الأحوال التي تكتنفه ولا يقاس عليه قياساً شمولياً، ولكن هذا هو الفكر من حيث هو فكر إذا لم يكن حقيقة. أما إذا كان الفكر حقيقة، فإنه لا يصح أن ينظر فيه إلى الظروف والأحوال مهما تغيرت أو تبدلت. بل يجب أن يؤخذ كما هو بغض النظر عن الظروف والأحوال. لا سيما وأن الحقائق لا تؤخذ بالطريقة العلمية التي هي طريقة ظنية، بل تؤخذ بالطريقة العقلية وبالجانب اليقيني منها. لأنها أي الحقائق تتعلق بالوجود، لا بالكنه ولا بالصفات. فإن انطباق الفكر على الواقع الذي يدل عليه يجب أن يكون انطباقاً يقينياً حتى يكون حقيقة. لذلك لا بد من التفكير بالحقائق ولا بد من القبض على الحقائق بيد من حديد.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:40 PM   #22
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,732
إفتراضي

وأما التفكير بالأساليب فهو التفكير بالكيفية غير الدائمة التي بها يقام بالعمل، والأسلوب يقرره نوع العمل، ولذلك يختلف الأسلوب باختلاف نوع العمل، صحيح أن الأساليب قد تتشابه، وأن الأسلوب الواحد قد ينفع في عدة أعمال، ولكن عند التفكير بالأسلوب يجب أن يفكر في نوع العمل الذي يراد استخدام الأسلوب للقيام به، حتى لو تشابهت الأساليب وحتى لو كان الأسلوب المعروف ينفع في هذا العمل الجديد، فلا بد من التفكير في نوع العمل عند التفكير بالأسلوب الذي يراد له بغض النظر عن تشابه الأساليب وعن وجود أساليب تنفع لهذا العمل. لأن التشابه قد يضلل عن الأسلوب الفعال، ولأن كون هناك أسلوب ينفع في هذا العمل قد يسبب عرقلة القيام بالعمل فمثلاً أسلوب الدعاية لفكرة يتشابه مع أسلوب الدعوة لهذه الفكرة كل منهما يعتمد على عرض الفكرة على الناس ولكن هذا التشابه قد يضلل حملة الدعوة وقد يضلل اصحاب الدعاية لفكرة، فأسلوب الدعاية إذا استعمل في أسلوب الدعوة يخفق على المدى الطويل، وأسلوب الدعوة إذا استعمل في الدعاية يجعل الدعاية تخفق. فأسلوب الدعوة يعتمد على شرح الحقائق كما هي، أما أسلوب الدعاية فإنه يعتمد على تزيين الفكرة وبهرجتها. وإن كان كل منهما لا بد فيه من حسن العرض. ومثلاً أسلوب نصب الحاكم في النظام الديمقراطي وهو جعل الشعب ينتخب الحاكم، ينفع في نصب الحاكم في النظام الإسلامي، فيجعل الشعب ينتخب الحاكم. ولكن حين يراد اتخاذ أسلوب لنصب خليفة للمسلمين يجب أن يفكر في واقع الحكم في نظام الإسلام بأنه نصب حاكم دائم وليس حاكماً لفترة زمنية محددة، ولذلك لا بد من التفكير في نوع الحكم في الإسلام عند التفكير في رسم أسلوب لنصب الخليفة فيجعل مثلاً حصر المرشحين الذين هم أهل للخلافة من قبل ممثلي الأمة ومنع ترشيح من عداهم. ثم جعل الشعب ينتخب من يريد من هؤلاء المرشحين فقط، ثم الطلب من الشعب كله أن يبايع الذي ارتضاه أكثر المسلمين خليفة للمسلمين. صحيح أن البيعة هي طريقة لنصب الخليفة وليست أسلوباً، ولكن كيفية أداء البيعة، هو أسلوب. ولذلك لا يكفي أن يكون الأسلوب نافعاً في العمل الجديد كما نفع في غيره من الأعمال، ولكن حتى يقرر هذا الأسلوب لهذا العمل لا بد من التفكير في العمل حين التفكير في الأسلوب: فإن التفكير في نوع العمل ضروري عند التفكير في وضع أسلوب للقيام به.
إن الأسلوب هو كيفية معينة للقيام بالعمل وهو كيفية غير دائمة بعكس الطريقة فإنها كيفية دائمة للقيام بالعمل. والطريقة لا تختلف مطلقاً ولا تتغير، ولا تحتاج إلى عقلية مبدعة حتى تقوم بها. لأنها يقينية فهي إما أن تكون هي يقينية وإما أن يكون أصلها يقينياً. أما الأسلوب فإنه قد يخفق عند استعماله للقيام بالعمل وقد يتغير ويحتاج إلى عقلية مبدعة للقيام به. ومن هنا كان التفكير بالأساليب أعلى من التفكير بالطرق. فالطريقة قد يستنتجها عقل مبدع، ولكن قد يستعملها عقل عادي. أما الأسلوب فإن الوصول إليه يحتاج إلى عقل مبدع، أو عقل عبقري، وإن كان استعماله قد ينتج بالعقل العادي.
فالطريقة ليس من الضروري أن ينتجها العقل المبدع، ولكن الأسلوب من الضروري أن ينتجه العقل المبدع أو العقل العبقري، سواء أكان متعلماً أو غير متعلم. لأن الوصول إلى الأسلوب لا يتعلق بالعلم والمعرفة بل هو يتعلق بالعملية الفكرية التي تجري من أجل الوصول إليه. ومن هنا يتفاوت الناس في حل المشاكل. لأنهم يحلونها بأساليب، فقد يحاول شخص حل مشكلة ما، فتستعصي عليه فيهرب منها أو يعلن عجزه عن حلها أو يظن انها مشكلة لا حل لها، ولكن من يملك عقلية حل المشاكل إذا عالج مشكلة لحلها واستعصت عليه، فإنه يغير الأسلوب الذي يستعمله أو يقوم بعدة أساليب، وإذا استعصت عليه رغم مختلف الأساليب، فإنه لا يهرب منها ولا يعلن عجزه عن حلها، ولا ييأس من حلها، وإنما يصبر عليها، ويتركها فترة من الوقت، أي يتركها للزمن على حد قولهم، ثم يعاود التفكير بحلها فترة بعد أخرى حتى يحلها. ولذلك فإن من لديه عقلية حل المشاكل لا توجد لديه مشكلة لا حل لها، بل إن كل مشكلة لها حل والسبب في ذلك اعتماده على قدرته في إيجاد الأساليب التي تحل هذه المشكلة المستعصية. ومن هنا كان التفكير بالأساليب من ميزات العقول المبدعة أو العبقرية فإن حل المشاكل متوقف على التفكير بالأساليب.
وأما التفكير بالوسائل فإنه صنو التفكير بالأساليب ومقارن له، وهو التفكير بالأدوات المادية التي تستعمل للقيام بالأعمال، فإذا كان التفكير بالأساليب هو الذي يحل المشاكل، فإن هذه الأساليب لا قيمة لها إذا استعملت وسائل لا توصل إلى حل. إلا أن إدراك الوسائل وإن أتى عن طريق التفكير، ولكن التجربة للوسيلة عنصر هام في معرفتها. ولذلك يتحتم على المفكر بالأساليب أن يكون مفكراً بالوسائل، وإلا فإن جميع الأساليب لا يمكن أن تنتج إذا استعملت وسائل لا تقوى على استعمال الأساليب، ولا سيما وأن الوسائل جزء جوهري في إنتاج الأساليب. فمثلاً رسم خطة لقتال العدو هو رسم لأسلوب وإن كان خطة، لأن الخطة نفسها أسلوب، فإذا رسم الخطة رسماً صحيحاً مائة بالمائة، ولكنه استعمل السلاح الذي لا يقوى على مواجهة سلاح العدو، فإن الخطة مخفقة قطعاً، ولو كان الرجال الذين يحاربون أقوى من رجال العدو، ولو حارب برجال يقوون على مقاتلة العدو ولو كان ضعفي قوته، فإن الخطة مخفقة حتماً، فالخطة الموضوعة للحرب أسلوب، والرجال والأسلحة وسائل لتنفيذ هذا الأسلوب، فإذا لم يكن التفكير بالوسائل موجوداً عند التفكير بالأسلوب أو كانت الوسائل ليست من النوع الذي ينفذ به هذا الأسلوب فإنه لا قيمة للتفكير بالأساليب، ولا قيمة للأساليب التي فكر فيها، لأنها لا تثمر إلا إذا جرى التفكير بها عند التفكير بالأسلوب، وكانت من النوع الذي يستعمل في هذا الأسلوب. وعليه فإنه لا يصح أن يجري التفكير بالوسائل خارج التفكير بالأساليب، ولا يصح أن يجري التفكير بالوسائل إلا على ضوء الأسلوب الذي يجري التفكير به.
إلا انه وإن كانت الأساليب قد تخفى على المفكر، ولكن الوسائل أشد خفاء على كل مفكر، وذلك لأن الأساليب يكفي أن يجري التفكير بها حتى تقرر، ولكن الوسائل لا بد أن يجري التفكير بها، وأن تجري تجربتها لتقرر هذه التجربة صحتها وعدم صحتها وصلاحها لنوع الأسلوب وعدم صلاحها. فمثلاً تقوم الدول غير الصناعية بشراء الاسلحة من الدول الصناعية وتقوم بتدريب جيوشها على هذه الأسلحة بمعرفة خبراء الدول الصناعية. ولكنها لم تجر تجارب على هذه الأسلحة. ولم تختبر تدريب الجنود ولذلك فإنها مهما وضعت من خطط، لا تكون قد اختارت الوسائل التي هي من نوع هذه الخطط. صحيح انها تتلقى التعليم العسكري من الدول العسكرية، ومن الدول الصناعية ولكن التعليم العسكري، ورسم الخطط وما شابهه من العلوم العسكرية هو أسلوب، ويكفي فيه التفكير، ولكن الوسائل لا يكفي فيها التفكير، فلا بد من التجربة إلى جانب التفكير حتى يجري التفكير بالوسائل.
ومثلاً، تشكيل كتلة أو حزب على فكرة من أجل نشر هذه الفكرة في الشعب أو الأمة واتخاذ تسلّم الحكم طريقة لتنفيذ هذه الفكرة. فإن هذه الكتلة أو الحزب إذا جرى تقصّد العلماء في هذه الفكرة ليكونوا أعضاء في الحزب، وتقصّد من لهم ثقل في وسطهم أو في المجتمع لكسبهم لعضوية الحزب، فإن هذه الكتلة أو هذا الحزب سيخفق في تحقيق غايته فهو إذا نجح بالعلماء في نشر الفكرة فلن ينجح بهم في تسلم الحكم، وإذا نجح بالذين لهم ثقل في تسلم الحكم فلن يقوم الحكم على الفكرة ولن تنشر الفكرة. وتشكيل غالبية الحزب من أحد الفريقين أو الفريقين معاً سوف يقصر عمر الحزب، ويخفق في تحقيق غايته ويظل سائراً في طريق الفناء حتى يفنى. فإن هذه الوسائل وهي الأشخاص من هذا النوع، إنما جاء التفكير بها عن طريق العقل وحده، ولم يجر عن طريق التجربة إلى جانب العقل، ولكن إذا أخذت حقائق التاريخ في هذا النوع من تشكيل الأحزاب فإنه يكون قد جرى التفكير بالوسيلة عن طريق العقل، وعن طريق التجربة. فأخذ حقائق التاريخ في هذا الأمر واستعمال الوسائل حسب هذه الحقائق التاريخية يكون تفكيراً منتجاً بالوسائل، واختبارها من نوع الأساليب. وحقائق التاريخ تحتم على الكتلة التي تقوم على فكرة، لنشر الفكرة وجعل الحكم طريقة لتنفيذها، أن تقصد الشعب أو الأمة بغض النظر عن الأفراد، فتقبل أي شخص يقبل هذه الفكرة ويقبل الانخراط في الكتلة باعتباره فرداً من الشعب أو فرداً من الأمة، بغض النظر عن درجة تعلمه وبغض النظر عن مكانته. وأن هذا وحده الذي يضمن نجاح الحزب أو الكتلة، وتحقيق غايته التي يهدف إليها.
وعليه فإن الوسائل قد تخفى وقد يضلل عنها إذا جرى التفكير بها في معزل عن التفكير بالأسلوب الذي تنفذه، وقد تخفى ويضلل عنها إذا لم تجر تجربتها. ولذلك لا بد من التفكير بالوسائل، وأن يكون هذا التفكير عند التفكير بالأساليب ولا بد أن تجري تجربة هذه الوسائل إلى جانب التفكير بها، حتى يضمن نجاح الوسائل وتحقق بها الأهداف. أي حتى تثمر الأساليب التي تستعمل الوسائل.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:40 PM   #23
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,732
إفتراضي

واما التفكير في الغايات والأهداف فإنه أولاً تحديد ما يريده، أي تحديد ما يهدف إليه. وهذا التحديد ضروري للوصول إلى التفكير المثمر. وتحديد ما يريده ليس بالأمر السهل، فإن الأمم والشعوب المنحطة لا تعرف ما تريد، وقلما تستطيع معرفة ما تريد. والأفراد المنخفضو التفكير، وحتى الكثيرون من مرتفعي التفكير لا يحددون ما يريدون ومنهم من لا يستطيع تحديد ما يريد. أما الشعوب والأمم فإنها لوجود مظهر القطيع، أو على حد تعبيرهم غريزة القطيع بشكل بارز ومكون للتجمع، فإنه يتحكم فيهم التقليد، ويغلب عليهم عدم تمحيص الأفكار، ولذلك تتكون عندهم أفكار مغلوطة، فتوجد لديهم معلومات غير صادقة، ويندفعون دون تحديد غاية، أو دون أن يقصدوا تحديد غاية. ولهذا يغلب عليهم عدم تحديد الغايات. أما الأفراد، فإنه لعدم وجود القصد لديهم فإنهم لا يعنون أنفسهم بالغايات والأهداف، ولذلك يسيرون في تفكيرهم إلى غير غاية، فلا يكون لتفكيرهم ثمرة ولا يسيرون نحو غاية محددة. مع أن تحديد الغايات والأهداف في التفكير أمر لازم لجعل التفكير مثمراً. وذلك أن التفكير أو العمل إنما يوجد من أجل شيء معين، أي من أجل غاية معينة، ومن أجل ذلك ترى أن كل إنسان مفكر، ولكن ليس كل إنسان قادراً على تحقيق الأهداف.
والغايات والأهداف تختلف باختلاف الناس. فالأمة المنحطة غايتها أن تنهض والأمة المتقدمة غايتها أن تحقق جميع أنواع الإشباع. والشعب البدائي غايته أن يظل محتفظاً بأوضاعه التي هو عليها والشعب المتقدم غايته أن يحس حاله وأن يحدث التغيير، والفرد المنخفض التفكير، غايته أن يشبع طاقته الحيوية والشعب المرتفع التفكير غايته أن يحسن نوع الإشباع لديه. وهكذا تختلف الغايات والأهداف باختلاف الناس ومستواهم في التفكير. إلا أنه مهما تكن الغايات والأهداف لدى الشعوب والأفراد فإن الصبر على تحقيق الأهداف، والجد في ملاحقتها إنما يكون في الغايات القريبة، والأهداف السهلة فإشباع الجوعات، من حيث هو إشباع غاية سهلة، حتى لو كانت غير قريبة ولذلك فإن طاقة الصبر عليها تكاد تكون موجودة عند كل إنسان وإن كانت تتفاوت لدى الناس. فأن تسعى لتأكل أو تسعى لإطعام عيالك، أو تسعى لتملك أو تسعى في طلب الأمان وما شاكل ذلك، فإن تحقيق هذه الغايات موجود لدى جمهرة الناس. أما أن تسعى لتنهض أو لإنهاض شعبك أو تسعى لرفع منزلتك أو لرفع منزلة شعبك أو أمتك، فإنها غايات يحتاج تحقيقها إلى صبر وإلى ملاحقة جادة، وهذا ليس في مقدور كل إنسان. فقد تبدأ الطريق، ولكن قد تقصر دون تحقيق الغاية لما ينالك من تعب ولفقدان الصبر. وقد تبدأ السعي ولكن تبدؤه غير جاد وتسير به غير جاد، فتظل تسير ولكن لن تحقق غاية، مع أنه لم ينلْك التعب ولم تفقد الصبر. ولكنك غير جاد في السير، وتحقيق الغايات البعيدة يحتاج أول ما يحتاج إلى جدية ثم إلى الصبر والملاحقة.
والأفراد أقدر على الصبر من الجماعات أي من الشعوب والأمم. لأن الرؤية عندهم أكثر وضوحاً وأقوى من الجماعات، لأن تجمع الناس يضعف لديهم التفكير، ويضعف لديهم الرؤية، ولذلك كانت رؤية الواحد أقوى من رؤية الاثنين، وكلما كبر العدد قلت الرؤية. ولذلك لا يصح أن توضع للشعوب غايات بعيدة فإنهم لا يسيرون لتحقيقها، وإن ساروا، فإنهم لا يسيرون بجدية ولا يبلغون الغاية. ومن هنا كان لا بد أن تكون الغاية التي توضع للشعوب غاية قريبة ممكنة التحقيق، ولو أدى إلى وضع غايات قريبة كمرحلة من المراحل، حتى إذا جرى تحقيقها انطلقوا إلى غاية أخرى وهكذا. لأن الجماعة أقرب من الفرد لرؤية الممكن وأقل احتمالاً للمصاعب الكبيرة. فالممكن عقلاً لا تستطيع الشعوب أن تجعله غاية، بل الممكن فعلاً هو الذي يمكن أن تراه وتسعى لتحقيقه. أما الأفراد فإنهم بشكل عام قادرون على رؤية أن الممكن عقلاً ممكن فعلاً، وقادرون على الرؤية البعيدة، وهم أكثر صبراً على المشقات وأكثر احتمالاً للمصاعب، وأقدر على السير في المرحلة البعيدة.
إلا أن الغايات والأهداف سواء وضعت للأمم والشعوب أو للأفراد، فلا يصح أن يكون تحقيقها يحتاج إلى أجيال، ولا إلى جهد فوق طاقة البشر، ولا إلى وسائل غير موجودة أو غير ممكنة الإيجاد. بل لا بد أن تكون غاية يمكن للجيل الذي يعمل لتحقيقها أن يحققها، ويمكن بالجهد العادي للإنسان أن يحققها، وأن تكون وسائلها موجودة أو ممكنة الإيجاد. وذلك أن الغاية هدف يسعى إليه نفس الساعي، ولا يسعى إليه إذا كان مُسَلَّماً لديه أنه لن يحققه. وما دام يريد أن يسعى إليه فإنه يحتاج إلى الوسائل التي يحققه بواسطتها، فإذا لم توجد لديه الوسائل التي يسعى بها فإنه لن يسعى إليه حتى لو تظاهر بالسعي، أو لو خدع نفسه بأنه يسعى. وهو يسعى بطاقته البشرية فإذا كانت طاقته البشرية لا تكفي للسعي فإنه لن يسعى مطلقاً، لأنه لا يكلف الإنسان فوق طاقته، بل لا يستطيع أن يعمل فوق طاقته. ولذلك لا بد أن تكون الغايات مهما بعدت، من الممكن أن يحققها نفس الساعي، بجهده العادي، بالوسائل التي لديه.
فالغاية من التفكير يجب أن تحدد، والغاية من العمل يجب أن تحدد، وأن تكون غاية مرئية للبصر أو مرئية للبصيرة. وأن تكون ممكنة التحقيق عقلاً وفعلاً وإلا فقدت كونها غاية. وإذا كان الأفراد لا بد أن يكون لتفكيرهم وعملهم غاية، فإن الشعوب والأمم لا بد أن تكون لديها غاية أو غايات. إلا أن غاية الشعوب والأمم لا يصح أن تكون بعيدة بل لا بد أن تكون قريبة، وكلما كانت أقرب، وأكثر تحقيقاً كلما كانت أحسن وأقرب للإثمار، وأكثر إمكانية للتفكير والعمل. صحيح أن الشعوب والأمم لا يتصور أن تضع لنفسها غايات، ولا أن ترسم بمجموعها أهدافاً. ولكن هذه الشعوب والأمم تشيع بينها أفكار وتتخذ آراء وتعتنق عقائد فتكون هذه الأفكار هي أفكارها وهذه الآراء هي آراءها، وهذه المعتقدات هي معتقداتها. وكذلك تطغى عليها غايات إما من جراء أفكار وآراء ومعتقدات، وإما من جراء تجارب الحياة، وإما من جراء ما تكون فيه من حرمان أو إشباع. فتتكون لديها غايات: إما القضاء على الحرمان، وإما تحسين الإشباع. فالشعوب والأمم تكون لها غايات، وإن كانت هي بمجموعها لا تستطيع أن ترسم غايات. إلا أن غاياتها كلها هي من النوع الممكن التحقيق فعلاً، ولا تكون من النوع الممكن عقلاً، وغير مشاهد بالفعل أنه ممكن فعلاً.
ومما يجب أن يلفت النظر إليه هو التفريق بين الغاية والمثل الأعلى. فالمثل الأعلى هو غاية الغايات، ولا يشترط فيه إلا السعي لنواله وتحقيقه فلا يشترط فيه أن يكون ممكن التحقيق فعلاً، ولكن يشترط فيه أن يكون ممكن التحقيق عقلاً. فالمثل الأعلى هو غير الغاية، وإن كان هو نفسه غاية. إلا أن الفرق بينه وبين الغاية هو أن الغاية لا بد من معرفتها قبل القيام بالعمل، ودوام معرفتها أثناء القيام بالعمل والسعي الحثيث لتحقيقها، والدأب حتى تحقق فعلاً. أما المثل الأعلى فإنه يلاحظ مجرد ملاحظة أثناء التفكير وأثناء الأعمال وتكون جميع الأفكار والأعمال من أجل تحقيقه. فمثلاً رضوان الله هو المثل الأعلى للمسلمين ولكل مسلم. وقد يتخذ بعضهم دخول الجنة مثلاً أعلى وقد يتخذ بعضهم اتقاء دخول النار مثلاً أعلى، ولكن هذين الأمرين وما شاكلهما وإن كان يصح أن تكون غاية الغايات، ولكنها لا يطلق عليها المثل الأعلى، فهي غايات لغايات قبلها، ولكن توجد غاية بعدها. والمثل الأعلى وإن كان غاية الغايات ولكنه لا تكون غاية بعده. وغاية الغايات التي لا غاية بعدها، هي رضوان الله. ومن أجل ذلك كان المثل الأعلى للمسلم هو نوال رضوان الله. ولهذا قيل في حق بعض الأتقياء الأبرار " نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه " لأن غايته من عدم العصيان ليست خوف الله من أن يعذبه على المعصية، بل غايته أن ينال رضا الله. فهو لو لم يوجد لديه الخوف من الله فإنه لا يقدم على المعصية. لأن عدم إقدامه على المعصية هو لطلب رضوان الله لا خوفاً من عذابه. فالمثل الأعلى عند المسلمين هو رضوان الله، وليس دخول الجنة ولا اتقاء دخول النار.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:41 PM   #24
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,732
إفتراضي

فالمثل الأعلى وإن كان غاية، باعتباره غاية الغايات، ولكنه غير الغاية والهدف فما يقال في شأن التفكير أو العمل من أنه لا بد أن تحدد الغاية منه، لا يقصد به المثل الأعلى وإنما يقصد به الغاية التي تحقق فعلاً وإن كان وراءها غاية أخرى أو غايات. فالغاية يجب أن تكون محددة وأن تكون ممكنة التحقيق على يد من يسعى إليها لا على يد الأجيال الآتية، وأن تكون وسائلها متيسرة أو يمكن أن تيسر إمكاناً عملياً واقعياً. فهي ليست المثل الأعلى بل هي الهدف الذي يقصد تحقيقه. ولذلك يتحتم أن يكون التفكير بالغاية تفكيراً واقعياً عملياً. أي أن تكون ممكنة التحقيق على يد من يسعون إليها.
وهنا قد يرد سؤال وهو أن عمر الأمم لا يقاس بالجيل الواحد بل بالأجيال وأن التخطيط لمستقبل الأمة يجب أن يكون بعيد المدى بحيث تحققه الأجيال الآتية فكيف يقال إن الغاية لا بد أن يحققها نفس الذين يسعون إليها؟
والجواب على ذلك أن عمر الأمم لا يقاس بالأجيال. ولا بمئات السنين كما يتوهم، بل هو يقاس بالعقود فالعقد الواحد من ألزمن تتحول فيه الأمة وتنتقل من حال إلى حال، والفكرة العملية يمكن أن تعطى للأمة وتعلق بها في جيل واحد مهما وجدت من مقاومة على شرط جدية التفكير وجدية العمل. ولذلك لا تحتاج الأمة إلى أجيال ولا إلى مئات السنين، بل تحتاج كل فكرة وكل عمل لأن يثمر في الأمة إلى ما لا يقل عن عقد، فإن في العقد الواحد يجري تحويل الأمة، وإذا كانت خاضعة لعدوها فإنها تحتاج إلى أكثر من عقد، ولكنها لا تحتاج لأكثر من ثلاثة عقود مع المقاومة. ولذلك لا بد أن تثمر الحركة أو العمل أو الفكرة في الأمة على يد الناس الذين يسعون إلى تحقيق هذه الفكرة أو هذا العمل لا على يد الأجيال التي تأتي بعدهم. فالغاية يجب أن تكون من النوع الذي يحققه الساعون إليها، هذا شرط التفكير في الغاية ولا تكون غاية إذا كان الساعون إليها لا يحققونها بأنفسهم.
أما ما يقال عن التخطيط للأمة وجعل الأجيال الآتية تمشي لتحقيق هذه المخططات كما تفعل الشعوب والأمم الحية. فإن هذا النوع من التخطيط ليس غاية حتى ولا أفكاراً محددة، بل هو خطوط عريضة وأفكار عامة. ترسم على سبيل الفرض لا على أنها غاية، ولذلك لا يعتبر مثل هذا غاية، وإنما يعتبر أفكاراً عامة بفرض وجودها. ولكن الغاية هي فقط الأمر الذي يحققه الساعون إليه. هذه هي الغاية وهذا هو التفكير بالغاية. وما عدا ذلك فإنه مجرد فروض ونظريات وليس تفكيراً بالغايات.
والتفكير إما أن يكون سطحياً وإما عميقاً وإما مستنيراً. فالتفكير السطحي هو تفكير عامة الناس. والتفكير العميق يكون عند العلماء أما التفكير المستنير فغالباً ما يكون تفكير القادة والمستنيرين من العلماء وعامة الناس. فالتفكير السطحي هو نقل الواقع فقط إلى الدماغ دون البحث في سواه ودون محاولة إحساس ما يتصل به. وربط هذا الإحساس بالمعلومات المتعلقة به دون محاولة البحث عن معلومات أخرى تتعلق به. ثم الخروج بالحكم السطحي وهذا ما يغلب على الجماعات وما يغلب على منخفضي الفكر، وما يغلب على غير المتعلمين وغير المثقفين من الأذكياء.
والتفكير السطحي هو آفة الشعوب والأمم، فإنه لا يمكنها من النهضة بل لا يمكنها من العيش الرغيد، وإن كان قد يمكنها من العيش الهنيء. وسبب التفكير السطحي هو ضعف الإحساس أو ضعف المعلومات أو ضعف خاصية الربط الموجودة في دماغ الإنسان. وهو ليس التفكير الطبيعي عند الإنسان، وإن كان هو التفكير البدائي. فبني الإنسان يختلفون في قوة الإحساس وضعفه، ويختلفون في قوة خاصية الربط وضعفها، ويختلفون في كمية أو نوع المعلومات التي لديهم سواء أكانت معلومات أخذت بالتلقي أو بالمطالعة، أو أخذت من تجارب الحياة. فإن اختلافها يعني أن التفكير يكون بحسبها. والأصل في جمهرة الناس أن يكونوا أقوياء في الدماغ وخاصية الربط، إلا القليل وهم الذين خلقوا ضعفاء أو طرأ الضعف عليهم. والأصل في جمهرة الناس أن تتجدد لديهم المعلومات يومياً، حتى ولو كانوا أميين، اللهم إلا الشواذ وهم الذين لا يلفت نظرهم شيء ولا يقيمون وزناً لما يتلقونه أو يطالعونه من المعلومات. ولذلك فإن التفكير السطحي ليس طبيعياً بل هو شاذ. إلا أن تعوّد الأفراد على التفكير السطحي ورضاهم بنتائجه، وعدم حاجتهم للأمور الأعلى مما لديهم يجعل التفكير السطحي عادة فيستمرون على هذا النمط من التفكير ويستمرئونه، ويتبلور ذوقهم عليه. أما الجماعات فإنه لنقصان قدرتهم على التفكير من جراء كونهم جماعة فإنه يغلب عليهم التفكير السطحي حتى لو كانت جماعة من المفكرين المبدعين. لذلك كان التفكير السطحي هو الغالب في الحياة، ولولا أن أفراداً من الشعب أو الأمة يوهبون قدرة خارقة من الإحساس والربط فإنه لا يتصور وجود نهضة ولا يتصور تقدم مادي في الحياة.
والتفكير السطحي ليس له علاج في الجماعات، إلا أنه يمكن رفع مستوى الواقع والوقائع، ويمكن تزويد الجماعات بأفكار سامية ومعلومات ثرّة أي كثيرة، فيمكن أن يرفع مستوى تفكيرهم، ولكنه يظل على كل حال سطحياً وإن كان مستواه عاليا. يعني أنه يمكن أن يتصرف الشعب والأمة، تصرفات التفكير المستنير، ولكن تفكيرهم على كل حال يظل تفكيراً سطحياً ولا تستطيع الجماعات أن تفكر التفكير العميق أو التفكير المستنير مهما بلغت من الارتفاع والرقي. لأنها لا تستطيع بوصفها جماعة أن تتعمق في البحث، أو يكون لديها فكر مستنير، فلأجل رفع مستوى تفكيرها لا يحاول معالجة تفكير الجماعة، وإنما يحاول معالجة الواقع والوقائع التي يقع إحساس الجماعة عليها ويمكن معالجة الأفكار والمعلومات التي توضع فيها. فترتفع السطحية، ولكنها لا تزول فيرتفع بذلك مستوى تصرفاتها.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:42 PM   #25
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,732
إفتراضي

أما الأفراد، فإنه يمكن إزالة السطحية أو تخفيفها أو جعلها نادرة لديهم. وذلك أولاً بإزالة العادة في التفكير الموجودة لديهم. وذلك بتعليمهم أو تثقيفهم ولفت نظرهم إلى سخافة تفكيرهم وإلى سطحية أفكارهم، وثانياً بإكثار التجارب لديهم أو أمامهم ويجعلهم يعيشون في وقائع كثيرة ويحسون بواقع متعدد ومتجدد ومتغير، وثالثاً بجعلهم يعيشون مع الحياة ويسايرون الحياة. وبهذا يتركون السطحية أو تتركهم السطحية ويصبحون غير سطحيين. وهؤلاء الأفراد كلما كثروا في الأمة، كلما كان الأخذ بيدها نحو النهوض أسهل وأقرب للتحقيق. وهؤلاء الأفراد وإن كانوا يعيشون في الأمة ويتلقون المعلومات الموجودة ويحسون بالواقع والوقائع الموجودة ولا يستطيعون سبق زمانهم، ولا من نوع يخالف نوع أمتهم. ولكنهم يستطيعون سبق أمتهم ويستطيعون نقلها من وضع إلى وضع آخر. لأنهم يتصورون وقائع الحياة الراقية تصوراً واقعياً وذلك عن طريق تقبل الأفكار الصادقة وقبول الآراء الصحيحة واعتناق الأفكار القطعية، والتمييز بين مختلف الآراء وإبصار واقع الآراء. فيوجد لديهم الإحساس الفكري أي الإحساس الناجم عن معرفة وإدراك، ومنطق الإحساس أي الفهم الناتج عن الإحساس مجرد الإحساس. فهم وإن كانوا يملكون حواس كما يملك سائر الناس ولديهم دماغ كما لدى سائر الناس، ولكن قوة خاصية الربط الموجودة في دماغهم يتفوقون بها عن سائر الناس، وكونهم يعنون أنفسهم بربط الإحساس بالمعلومات السابقة ربطاً صحيحاً، يكونون أكثر إدراكاً للأمور أي يكون تفكيرهم تفكيراً متميزاً عن غيرهم. فيتكون لديهم الإحساس الفكري وبه يعلو منطق الإحساس. ولذلك فإن الأفراد في ترك السطحية هم أقدر من الجماعات وإن كان لا قيمة لقدرتهم إلا إذا أخذتها الجماعات وتبنتها.
هذا هو علاج السطحية وهو معالجة الأفراد وجعل الأمة تأخذ ما وصلوا إليه من فكر وتتبناه، إلى جانب تجديد الوقائع في الأمة ووضع الأفكار السامية بينها وفي متناول يدها. وأن يجري ذلك في وقت واحد فإن العمل لترك السطحية في الأمة، لا قيمة له إذا لم يصحبه معالجة الأفراد، وعلاج الأفراد لا قيمة له إذا لم يكن سائراً مع العمل في الأمة لترك السطحية الموجودة لديها. لأن الأفراد جزء من الأمة غير قابل للتجزئة والانفصال. والأمة مكونة من مجموعة الناس الذين تربطهم طريقة معينة في العيش، والشعب مكون من مجموعة الناس الذين من أصل واحد يعيشون معاً. فالأفراد هم من جملة هؤلاء الناس سواء في الشعب أو الأمة. فلا يمكن انفصالهم عنها، ولا يمكن عزلها عنهم. لذلك لا بد أن يسير ترك السطحية ولا بد من العمل في الأفراد والأمة في وقت واحد حتى يمكن ترك السطحية من الجميع.
أما الفكر العميق فهو التعمق في التفكير أي التعمق في الإحساس بالواقع والتعمق في المعلومات التي تربط بهذا الإحساس لإدراك الواقع. فهو لا يكتفي بمجرد الإحساس وبمجرد المعلومات الأولية لربط الإحساس، كما هي الحال في التفكير السطحي بل يعاود الإحساس بالواقع ويحاول أن يحس فيه بأكثر مما أحس إما عن طريق التجربة، وإما بإعادة الإحساس، ويعاود البحث عن معلومات أخرى مع المعلومات الأولية، ويعاود ربط المعلومات بالواقع أكثر مما جرى ربطه، إما بالملاحظات وتكرارها وإما بإعادة الربط مرة أخرى. فيخرج من هذا النوع من الإحساس وهذا النوع من الربط، أو هذا النوع من المعلومات بأفكار عميقة سواء أكانت حقائق أو لم تكن حقائق وبتكرار ذلك وتعوده يوجد التفكير العميق. فالتفكير العميق هو عدم الاكتفاء بالإحساس الأولي وعدم الاكتفاء بالمعلومات الأولية وعدم الاكتفاء بالربط الأولي. فهو الخطوة الثانية بعد التفكير السطحي. وهذا هو تفكير العلماء والمفكرين وإن كان لا ضرورة لأن يكون تفكير المتعلمين. فالتفكير العميق هو التعمق في الحس والمعلومات والربط.
أما التفكير المستنير فهو التفكير العميق نفسه مضافاً إليه التفكير بما حول الواقع وما يتعلق به للوصول إلى النتائج الصادقة. أي أن التفكير العميق هو التعمق بالفكر نفسه ولكن التفكير المستنير هو أن يكون إلى جانب التعمق بالفكر، والتفكير بما حوله وما يتعلق به، من أجل غاية مقصودة وهي الوصول إلى النتائج الصادقة. ولذلك فإن كل فكر مستنير هو تفكير عميق، ولا يتأتى أن يأتي التفكير المستنير من التفكير السطحي. إلا أنه ليس كل تفكير عميق تفكيراً مستنيراً. فمثلاً عالم الذرة حين يبحث في شطر الذرة وعالم الكيمياء حين يبحث في تركيب الأشياء والفقيه حين يبحث في استنباط الأحكام ووضع القوانين. فإنهم هم وأمثالهم حين يبحثون الأشياء والأمور، إنما يبحثونها بعمق ولولا العمق لما توصلوا إلى تلك النتائج الباهرة. ولكنهم ليسوا مفكرين تفكيراً مستنيراً، ولا يعتبر تفكيرهم تفكيراً مستنيراً. ولذلك لا تعجب حين تجد عالم الذرة يصلي للخشبة أي للصليب. مع أن أبسط استنارة ترى أن هذه الخشبة لا تنفع ولا تضر وأنها ليست مما يعبد، ولا تعجب حين تجد القانوني الضليع يصدق بوجود القديسين ويسلم نفسه لرجل مثله من أجل أن يغفر له ذنوبه. لأن عالم الذرة والقانوني وأمثالهما يفكرون تفكيراً عميقاً وليس تفكيراً مستنيراً، ولو كان تفكيرهم مستنيراً لما وصلوا للخشبة، ولما صدقوا بوجود القديسين، ولما طلبوا الغفران من رجال أمثالهم. صحيح أن المفكر تفكيراً عميقاً إنما هو عميق فيما فكر فيه وليس بسواه، فقد يكون عميقاً عند تفكيره بشطر الذرة أو وضع القانون ولكنه يكون سخيفاً في غيره إذا فكر فيه. هذا صحيح. ولكن اعتياد المفكر على التفكير العميق يجعله يتعمق في أكثر ما يفكر، ولا سيما الأمور التي تتعلق بالعقدة الكبرى أو وجهة النظر في الحياة. ولكن عدم وجود الاستنارة في تفكيره يجعله يعتاد التفكير العميق، ويعتاد التفكير السطحي وحتى التفكير السخيف. ولذلك فإن التفكير العميق وحده لا يكفي لإنهاض الإنسان ورفع مستواه الفكري، بل لا بد حتى يحصل ذلك من الاستنارة في الفكر حتى يوجد الارتفاع في الفكر.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:43 PM   #26
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,732
إفتراضي

والاستنارة وإن كانت ليست ضرورية في الوصول إلى نتائج صحيحة في الفكر، كالعلم التجريبي والقانون والطب ونحو ذلك، ولكنها ضرورية لرفع مستوى الفكر، وجعل التفكير ينتج مفكرين. ولذلك فإن الأمة لا يمكن أن تنهض من جراء وجود العلماء في العلم التجريبي ولا من وجود الفقهاء والقانونيين، ولا من وجود الأطباء والمهندسين؛ لا تنهض من جراء وجود هؤلاء وأمثالهم وإنما تنهض إذا وجد لديها استنارة في التفكير، أي إذا وجد لديها المفكرون المستنيرون.
والاستنارة في التفكير لا تقتضي وجود التعليم، أي أن المفكرين المستنيرين لا ضرورة لأن يكونوا متعلمين، فالأعرابي الذي قال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، هو مفكر مستنير، والخطيب الذي قال: إن الحذر لا ينجي من القدر وإن الصبر من أسباب الظفر؛ هو مفكر مستنير، ولكن الشاعر الذي قال:
مات الخليفة أيها الثقلان فكأنني أفطرت في رمضان

ليس مفكراً مستنيراً ولو كان فقيهاً متعلماً. والحكيم الذي قال: رأس الحكمة مخافة الله، ليس مفكراً مستنيراً، فإن رأس الحكمة إدراك وجود الله، وليس مخافة الله. فالتفكير المستنير لا يحتاج إلى علم ولا يحتاج إلى حكمة، وإنما يحتاج لأن يفكر بعمق وأن يجول فيها حول الشيء وما يتعلق به بقصد الوصول إلى النتائج الصادقة، ولذلك قد يكون أميا لا يقرأ ولا يكتب، كما قد يكون متعلماً أو عالماً. والمفكر المستنير لا يكوّن فكراً مستنيراً، إلا إذا وجدت فيه الاستنارة عند التفكير. فالسياسي مفكر مستنير، والقائد مفكر مستنير، ولكن كلاً منهما يحتاج لوجود الاستنارة عند التفكير في كل شيء حتى يكون ذلك التفكير مستنيراً. ولذلك لا نعجب إذا رأينا عظماء القادة وعظماء السياسيين يصلون للخشبة ويطلبون الغفران من رجال هم أقل منهم استنارة، فإن تفكيرهم هذا ليس فيه عمق ولا استنارة، بل هو من طريق العادة أو التقليد أو من طريق الدجل والنفاق. وكل هذا ليس عمقاً ولا استنارة لأن المفكر المستنير، لا يتصل بالدجل والنفاق، ولا تتحكم فيه العادات والتقاليد.
والمفكر سواء أكان سطحياً أو عميقاً أو مستنيراً، لا بد أن يكون جاداً في تفكيره. صحيح أن المفكر السطحي لا تساعد سطحية تفكيرة على الجدية، ولكنه في بعده عن العبث، وفي بعده عن العادة يمكن أن يكون جاداً. والجدية لا تحتاج إلى عمق وإن كان العمق يدفع إليها، ولا تحتاج إلى استنارة، وإن كانت الاستنارة تقتضيها لأن الجدية هي وجود القصد، والسعي لتحقيق هذا القصد، إلى جانب حسن التصور لواقع ما يفكر به. فالتفكير بالخطر ليس بحثاً فيه وإنما هو لاتقائه، والتفكير بالأكل ليس بحثاً فيه، وإنما هو للحصول عليه. والتفكير باللعب ليس بحثاً في اللعب، وإنما هو من أجل أن يلعب، والتفكير بالنزهة ليس بحثاً في النزهة وإنما هو من أجل أن يتمتع بالنزهة، والتفكير بالسير إلى غير هدف ليس تفكيراً بهذا السير، وإنما هو من أجل طرد السأم والملل، والتفكير بوضع القانون ليس بحثاً في القانون نفسه بل هو من أجل وضع هذا القانون. وهكذا كل تفكير مهما كان نوعه، هو تفكير بالشيء أو تفكير بالعمل بذلك الشيء. فالتفكير بالشيء لا بد أن يكون من أجل معرفته والتفكير بالعمل بذلك الشيء إنما يكون من أجل العمل به وفي كلتا الحالتين لا يصح أن يدخل العبث في أي واحد منهما ولا تتحكم عادة التفكير بالشيء أو بالعمل به، في ذلك التفكير، فإذا أبعد العبث وأبعدت العادة فإنه يوجد التفكير الجاد، لأنه حينئذ من السهل إن لم يكن من المحتم أن يوجد القصد والسعي لتحقيق هذا القصد ومن السهل بل من المحتم أن يوجد التصور لواقع ما يقصده، أي لواقع ما يفكر فيه.
وعليه فإن الجدية ممكن أن تكون في التفكير السطحي، كما توجد في التفكير العميق والتفكير المستنير، وإن كان الأصل في التفكير العميق والتفكير المستنير أن تحصل فيه الجدية. إلا أن الجدية ليست لازمة للتفكير، بل أن أكثر تفكير الناس خال من الجدية. فهم يقومون بأعمالهم عن طريق العادة وبحكم الاستمرار والعبث في تفكيرهم موجود بشكل بارز. ولذلك فإن الجدية لا بد أن تصطنع اصطناعاً، والقصد أساس لها، والاصطناع هو نفس القصد، ومن هنا يجب أن يقال إن الجدية غير طبيعية حتى لو لوحظ على بعض الناس أنه جدي طبيعياً.
إلا أن الجدية التي نعني ليس مطلق الجدية، بل الجدية التي تكون في مستوى ما يفكر به. فإن كانت دون مستواه لا تعتبر جدية. فالشخص الذي يفكر بالزواج ثم لا يعنى بما يحقق الزواج لا يكون جاداً في تفكيره بالزواج، والشخص الذي يفكر بالتجارة ثم ينفق كل ما يربحه من البيع ليس جاداً في تفكيره بالتجارة، والشخص الذي يفكر بأن يكون قاضياً ثم لا يعمل إلا بالسعي لأن يوظف في منصب القضاء ليس جاداً بأن يكون قاضياً، وإنما هو جاد بأن يكون موظفاً، والشخص الذي يفكر بإطعام عياله ثم يتلهى باللعب والدوران في الأسواق ليس جاداً بالتفكير بإطعام عياله، وهكذا.
فإن الجدية تقضي بأن يعمل لتحقيق ما يقصد إليه، وأن يكون عمله في مستوى ما يقصد إليه. فإذا لم يعمل لتحقيق ما يقصد إليه ولو الوصول إلى فكر معين أو يعمل أعمالاً هي دون ما يقصد إليه، فإنه ليس جاداً في تفكيره. فقول المرء إنه جاد في تفكيره لا يكفي لأن يكون جاداً، واصطناعه أحوالاً أو مظاهر أو حركات فكرية كانت أو مادية لا يكفي لأن يكون جاداً، ولا يكفي للدلالة على الجدية بل لا بد من القيام بأعمال مادية، وأن تكون هذه الأعمال في مستوى ما يفكر به حتى يكون جاداً، أو حتى يستدل على أنه جاد في تفكيره. فالقيام بالأعمال المادية، وأن تكون هذه الأعمال في مستوى ما يفكر به أمر ضروري حتى توجد الجدية في التفكير، أو حتى يستدل على وجود هذه الجدية في التفكير.
والأمم والشعوب المنحطة، والأفراد الكسالى أو الذين يتجنبون الأخطار أو الذين يتملكهم الحياء أو الخوف أو الاعتماد على الغير، فإن هؤلاء جميعاً غير جادين فيما يفكرون به. لأن الانحطاط يجعل المرء يستهوي الأسهل، فلا يعني نفسه بالأشق الأصعب، والكسل يتنافى مع الجدية، واتقاء الأخطار يصرف عن الجدية، والحياء والخوف والاعتماد على الغير يحول دون الجدية. ولذلك لا بد من رفع الفكر والقضاء على الكسل وحب اقتحام الأخطار، والتفريق بين الحياء وبين ما يجب أن يستحيى منه، والشجاعة وجعل الاعتماد على النفس سجية من السجايا، حتى توجد الجدية في الأفراد والشعوب والأمم. لأن الجدية لا توجد بشكل عفوي بل لا بد من اصطناع إيجادها.
أما ضرورة وجود الجدية في التفكير، فهو أنه ليس القصد من التفكير هو إيجاد الفكر فحسب، بل يجب أن يكون التفكير من أجل الانتفاع بهذا الفكر أي انتفاع. وبالتالي لا بد أن يكون التفكير من أجل العمل. فالأفكار التي ينتجها العلماء والمفكرون والمعارف التي يجري التوصل إليها، ليست للمتعة فقط ولا للتمتع واللذة بهذه الأفكار، وإنما هي من أجل الحياة ومن أجل العمل في هذه الحياة. ولذلك يخطىء من يقول: إن العلم يطلب لذات العلم، ولذلك لا قيمة للفلسفة اليونانية لأنها مجرد أفكار يتلذذ بها. ولا قيمة لأي علم لا يمكن الانتفاع به. لأن العلم لا يطلب للتلذذ به، وإنما تطلب المعرفة للعمل بها في هذه الحياة. ولذلك لا نستطيع أن نقول إن الفلاسفة اليونان ومن قلدهم من العلماء كانوا جادين في تفكيرهم، ولا نستطيع أن نقول إن العلماء المتأخرين عند المسلمين الذين جعلوا علوم البلاغة كالفلسفة، كحواشي السعد في علوم البلاغة، كانوا جادين في تفكيرهم، لأن هذا التفكير لا يستفاد منه في الحياة بشيء ما، وليس فيه إلا الاستمتاع بالدراسة والبحث. صحيح أن الشعراء والأدباء لا ينتفع بتفكيرهم في الحياة، ولكن لا ينتفع به من حيث القيام بالأعمال وإن كان قد ينتفع به، ولكن إنتاجهم هو نفسه منفعة، فإن قراءة القصيدة وقراءة النصوص الأدبية كالنثر بأنواعه، توجد لذة وتوجد انتعاشاً، فهم قد عملوا النصوص وإن كانت هي نفسها نتيجة تفكير، ولذلك لا يصح أن يقال إنهم ليسوا جادين. بل منهم الجادون المجيدون وإن كان فيهم من ليس جاداً ولا مجيداً. وهذا بخلاف الفلسفة فإن التفكير بها إنما جاء للوصول إلى الحقائق، وما ورد فيها ليس حقائق ولا يمت إلى الحقائق بصلة. وبخلاف علماء البلاغة الذين ألفوها على طراز الفلسفة فإن تفكيرهم إنما كان لمعرفة البلاغة في القول وليكون الناس بلغاء في القول، وما ورد فيها لا يوجد بلاغة ولا يمت إلى البلاغة بصلة. ولم يكن إنتاجهم سوى مدعاة للبحث ولذة البحث دون الوصول إلى الغاية التي أنتجوا من أجلها. لأنهم لم ينتجوا من أجل لذة البحث بل أنتجوا لشيء آخر، ولذلك لم يكونوا جادين في التفكير، لا لأنهم لم يصلوا إلى ما يريدون، بل لأن طبيعة ما أنتجوه يستحيل أن يوصل إلى ما يريدون. ولو كانوا جادين في التفكير لما أنتجوا هذه الفلسفة ولما أنتجوا هذا النوع من علوم البلاغة. لأن الجدية تقتضي القصد، والقصد من شأنه أن يوصل إلى الغاية فهم لم يقصدوا سوى البحث مجرد البحث. فهم بالتأكيد غير جادين في التفكير.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:44 PM   #27
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,732
إفتراضي

والجدية في التفكير لا تستلزم قصر المسافة بين الفكر والعمل ولا تقتضي طولها. لأن العمل هو نتيجة للفكر، فقد يفكر المرء بالذهاب إلى القمر وقد تطول المسافة بين هذا التفكير وبين الوصول. وقد يفكر بالأكل وقد تطول المسافة بين التفكير وبين القيام بالأكل. وقد يفكر بإنهاض أمته وقد تقصر المسافة بين تفكيره وبين وجود النهضة. فالمسألة ليست بطول المسافة أو قصرها، لأن المسافة بين التفكير والعمل، لا ضرورة لأن تكون قصيرة أو طويلة، بل قد تكون قصيرة وقد تكون طويلة. بل المهم هو أن يوجد عمل من جراء التفكير، سواء أوجده نفس المفكر أو أوجده سواه. فالتفكير يجب أن ينتج عملاً سواء أكان كلاماً كالشعراء والأدباء أو كان أعمالاً كالعلماء في العلوم التجريبية، أو كان خططاً كعلماء السياسة وعلماء الحرب. أو كان فعلاً مادياً كالحرب والأكل والتعليم وغير ذلك من الأفعال.
وعليه فإن التفكير. حتى ينتج النتيجة التي فكر بها، لا بد أن يكون جدياً سواء أنتج بالفعل ام أخفق في الإنتاج. فالجدية أمر ضروري في التفكير. وبدون الجدية يكون التفكير عبثاً في عبث أو لهواً ولعباً، أو رتيباً يسير على وتيرة واحدة بحكم العادة وبحكم التقليد. والتفكير الرتيب يستمرىء الحياة التي عليها المفكر والحياة التي عليها الناس، ويبعد عن الأذهان فكرة التغيير والتفكير بالتغيير.
والتفكير بالتغيير ضروري للحياة لأن ركود الحياة والاستسلام للأقدار هو من أخطر الآفات التي تجعل الشعوب والأمم تنقرض وتندثر مع الأحداث والأيام. ولذلك كان التفكير بالتغيير من أهم أنواع التفكير. والتفكير بالتغيير لا يستسيغه الخاملون ولا يقبله الكسالى، لأن التغير ثمنه باهظ. ولأن من تتحكم فيهم العادات يرون في التفكير بالتغيير ضرراً عليهم ونقلاً لهم من حال إلى حال، ولذلك يحاربه المنحطون والكسالى، ويقف في وجهه من يسمون بالمحافظين، ومن يتحكمون في رقاب العباد وأرزاقهم. لذلك كان التفكير بالتغيير خطراً على صاحبه، وكان من أشد ما يحارب حرباً لا هوادة فيها، بين جميع أنواع التفكير.
والتفكير بالتغيير، سواء أكان تغييراً لنفوس الأفراد أو حالهم أو تغييرا للمجتمعات أو تغييراً لأوضاع الشعوب والأمم أو غير ذلك مما يحتاج إلى تغيير، يجب أن يبدأ بالأساس الذي يعيش عليه الإنسان وبالمجتمعات التي لا أساس لها أو تقوم على أساس خاطىء، أو الأوضاع التي تسير على طريق غير مستقيم. هذا الأساس الذي تقوم عليه الحياة هو الذي يرفع الحياة أو يخفضها، وهو الذي يسعد الإنسان أو يشقيه، وهو الذي يوجد وجهة النظر في الحياة وبحسب وجهة النظر هذه يخوض الإنسان معترك الحياة.
فأولاً ينظر إلى هذا الأساس، فإن كان عقيدة عقلية تتجاوب مع فطرة الإنسان فإنه حينئذ لا يحتاج إلى تغيير ولا يطرأ على قلب أي بشر ولا في ذهن أي إنسان فكرة التغيير في هذا الأساس، لأنه هو الأساس الذي يجب أن تقوم عليه الحياة. لأن التغيير إنما يوجد حيث لا تكون الأشياء صحيحة، وحيث لا تكون الأمور مستقيمة، وحيث يكون الخطأ ماثلاً للعقل، أو بارزاً لمشاعر طاقة الإنسان الحيوية. فإذا ما كان العقل موقناً بشكل جازم بصحة الشيء واستقامة الأمر وكانت مشاعر الطاقة الحيوية مشبعة ومرتاحة فإن فكرة التغيير تنعدم كلياً. ولذلك فإنه لا يتأتى التفكير بالتغيير، إذا كان أساس الحياة عقيدة عقلية تتجاوب مع فطرة الإنسان. أما إذا كان الأساس الذي يعيش عليه الإنسان، ويقوم عليه المجتمع وتسير بحسبه الأوضاع، غير موجود أصلا أو موجوداً بشكل خاطىء، فإنه من العبث أن يجري التفكير بالتغيير لأي شيء قبل التغيير في الأساس، أي قبل التغيير في العقيدة التي يعتقدها الناس. ولذلك فإن المسلمين وقد نعموا بالعقيدة العقلية التي تتجاوب مع فطرة الإنسان، كان واجباً عليهم أن يحدثوا التغير في الناس الذين لا عقائد لهم، أو لهم عقائد فاسدة يمجها العقل ولا تتجاوب مع فطرة الإنسان، ومن هنا كان فرضاً عليهم أن يحملوا الدعوة الإسلامية إلى جميع الناس غير المسلمين ولو أدى ذلك إلى القتال وإلى خوض المعارك مع الكفار أي مع الذين لا توجد لديهم العقيدة العقلية المتجاوبة مع فطرة الإنسان.
فالتغيير يجب أن يبدأ بالأساس. فإذا غير هذا الأساس وحل محله الأساس المقطوع بصحته وصدقه، فحينئذ يفكر بالتغيير بالمجتمعات والأوضاع. وتغيير المجتمعات والأوضاع، إنما يكون بتغيير المقاييس والمفاهيم والقناعات. ذلك أنه إذا وجد الأساس الصحيح الصادق، فإنه يكون المقياس الأساسي لجميع المقاييس، والمفهوم الأساسي لجميع المفاهيم، والقناعة الأساسية لجميع القناعات. فمتى وجد هذا الأساس أمكن حينئذ تغيير المقاييس والمفاهيم والقناعات، وبالتالي أمكن التغيير بالمجتمعات والأوضاع لأنه تتغير به القيم كلها، قيم الأشياء، وقيم الأفكار وبالتالي تتغير مقومات الحياة. فالتفكير بالتغيير لا بد أن يكون عند الإنسان، أو لا بد أن يوجد عند الإنسان. وكل من يملك عقيدة عقلية متجاوبة مع فطرة الإنسان، يوجد لديه التفكير بالتغيير إما بالقوة بان يكون كامناً فيه، وإما بالتغيير كأن يباشر التفكير بالتغيير فعلاً أثناء خوضه معترك الحياة.
والتفكير بالتغيير لا يعني أنه موجود عند الذين يشعرون بضرورة تغيير أحوالهم أو أفكارهم، بل هو موجود ما دام في الكون حالة تقتضي التغيير، ولذلك فإن التفكير بالتغيير لا يقتصر على تغيير المرء لحاله ولا تغييره لمجتمعه ولا تغييره لشعبه وأمته، بل هو موجود لتغيير الغير، لتغيير الناس الآخرين والمجتمعات الأخرى والأوضاع الأجنبية. فإن الإنسان فيه خاصية الإنسانية وهي تقضي بالنظر للإنسان أينما كان، سواء أكان في بلده أو في غير بلده، وسواء كان في دولته أو في غير دولته، وسواء كان في أمته أو في غير أمته. فالتغيير يحاول الإنسان إحداثه في كل مكان يحتاج إلى التغيير.
والتفكير بالتغيير ينبع من قرارة النفس وتدفع إليه وقائع الحياة، بل يوجده مجرد الشعور بالحياة، وهو وإن كانت تقاومه القوى التي تشعر أن التغيير خطر عليها، فإنه موجود حتى لدى هذه القوى. فوجوده في الإنسان أمر حتمي. إلا أن جعل الناس يفكرون بالتغيير، إما أن يأتي بالإقناع وإما أن يأتي بالقوة القاهرة. ومتى حصل التغيير بالفعل أو إدراك قيمة التغيير فإنه يصبح التفكير بالتغيير سهلاً ميسوراً. لأنه يعيد إلى الناس شعورهم بضرورة التغيير، وبالتالي يوجد لديهم التفكير بالتغيير. ولذلك كان لزاماً على كل مسلم أن يكون لديه التفكير بالتغيير.
هذه عشرة أنواع من التفكير، أو عشرة نماذج للتفكير وهي كافية لإعطاء صورة عن التفكير. وهي وإن كانت تشمل التفكير ابتداء، والتفكير الذاتي والتفكير عن طريق الحس، والتفكير عن طريق السماع، إلا أنها تشمل كذلك التفكير في فهم النصوص، التفكير فيما يقرأ. ولكن التفكير بما يقرأ يحتاج إلى بحث خاص، ولفت نظر معين. ذلك أن القراءة وحدها لا توجد التفكير، بل لا بد من معرفة كيف يجري التفكير في النصوص إذا قرأها الإنسان. ذلك أن القراءة والكتابة هي وسيلة للتفكير وليست هي التفكير. فكثير من الذين يقرأون لا يفكرون، وكثير من الذين يقرأون ويفكرون لا يستقيم لديهم تفكير، ولا يصلون إلى الأفكار التي عبر عنها الكلام. ومن هنا كان من الخطأ أن يظن أحد أن تعلُّم القراءة والكتابة يعلم الناس أو ينهض الأمم. فكان من الخطأ أن توجد عناية بإزالة الأمية من أجل تعليم الناس وأن يوجه الجهد لمحو الأمية من أجل إنهاض الشعب أو الأمة. لأن القراءة والكتابة لا تغذي العقل بشيء، ولا تبعث لا في النفس ولا في العقل أي دافع للتفكير، لأن التفكير يوجده الواقع والمعلومات السابقة. والقراءة ليست واقعاً يفكر فيه، ولا معلومات يفسر بها الواقع فلا قيمة لها في التفكير، وإنما هي تعبير عن الأفكار فمجرد قراءتها لا توجد الأفكار في الذهن ولا تبعث على التفكير. وما هي إلا تعبير عن الأفكار، فإذا كان القارىء يحسن فهم هذا التعبير وجدت لديه الأفكار من إحسان فهمه لا من القراءة وإذا كان لا يحسن الفهم، لا توجد لديه أفكار ولو قرأ ساعات أو سنين. ولذلك لا بد من بحث التفكير بالنصوص وكيف تفهم هذه النصوص.
إن أهم النصوص التي تسطر أربعة نصوص هي: النصوص الأدبية، والنصوص الفكرية، والنصوص التشريعية، والنصوص السياسية. والتفكير في كل منها أي فهمه يختلف عن الآخر، وإن كان فهم جميعها يسير على طريقة واحدة هي الطريقة العقلية. ولم تذكر النصوص العلمية لأنها تكاد تكون نصوصا خاصة بالعلماء في العلوم التجريبية، ولا يكاد يعنى بها غيرهم. أما النصوص الأربعة فهي مطروحة لجميع الناس وفي إمكان كل واحد أن يفهمها إذا تيسرت له وسائل الفهم.
أما النصوص الأدبية، فإنها نصوص موضوعة للذة وهز المشاعر وإن حوت معارف يستفيد منها العقل، ولذلك هي تعنى بالألفاظ والتراكيب أكثر من عنايتها بالمعاني. والمعاني وإن كانت لا بد أن تكون مقصودة للشاعر والأديب، ولكن القصد الأول هو الألفاظ والتراكيب. صحيح أن الألفاظ تدل على معان والتراكيب تدل على معان، ولكن الشاعر والأديب يصب جهده على الألفاظ والتراكيب لأداء هذه المعاني. صحيح أنهم يقولون إن البلاغة هي المعنى الجميل في اللفظ الجميل والتركيب الجميل، ولكن الشاعر والأديب وإن عنى نفسه بتصيّد المعاني، ولكنه يتصيّدها من أجل أن يصوغها في لفظ جميل وتركيب جميل. فاللفظ والتركيب أو صياغة المعاني إنما هي في الصورة التي يخرج بها هذا المعنى، في ذلك اللفظ أو التركيب.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:45 PM   #28
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,732
إفتراضي

فالصياغة للألفاظ والتراكيب هي التي تعتمد عليها صياغة المعاني. وصحيح أيضاً أن المراد من النصوص هو أداء المعاني، ولكن هذا في النصوص عامة. أما النصوص الأدبية فإنه ليس الغاية منها أداء المعاني فحسب، بل الغاية منها في الأصل هو إثارة القارىء والسامع، وليس إعطاءه المعنى فحسب. فالإثارة هي المقصود في الدرجة الأولى. ولذلك يختار الشاعر والأديب الألفاظ والتراكيب اختياراً، ويقصد فيها أن تتصف عبارته بالتفخيم والتعميم، والوقوف عند مواطن الجمال والتأثير، وإثارة العواطف وإيجاد الانفعالات. ولذلك تجد النصوص الأدبية تتميز بالعبارات التي تصاغ بها الأفكار وتخرج الصور، ثم العناية بالصور ثم باختيار الأفكار. فهمّه من الأفكار أن يستطيع صوغها وإخراجها في صورة مثيرة ومؤثرة. فالأصل هو التعبير وهو التصوير أو إخراج الصورة، والأفكار أداة أو وسيلة. فالتصوير والصورة هما ما يعني الشاعر والأديب نفسه بهما، ويعني نفسه بالأفكار، من حيث صلاحيتها للتصوير والصورة التي تخرج بها. لا من حيث صحتها وصدقها، بل من حيث صلاحيتها للتصوير. لأن الغاية من النص ليس تعليم الناس للأفكار بل إثارة مشاعرهم. ولذلك تصب فيها العناية على التصوير أي على التعبير، ولهذا فإن عنايتها بما يجري فيه هذا التعبير وهو الألفاظ والتراكيب، لا بما يحويه هذا التعبير إلا من حيث صلاحيته للتصوير، أي لإخراج الصورة الرائعة المثيرة.
هذا هو واقع النصوص الأدبية، وما دام هذا واقعها فإن المعلومات السابقة التي تلزم لربط الإحساس الذي يحصل من قراءة النصوص الأدبية، يجب أن تكون معلومات متعلقة بالتصوير متعلقة بالصور الأدبية حتى يدرك معنى النص، وحتى تشاهد الصورة التي أخرجت، على الوجه الذي أخرجت عليه، بمعنى أن فهم النص الأدبي يستلزم معارف سابقة عن الألفاظ وعن التراكيب، أي عن عملية التصوير وما يلزمها من أدوات ووسائل ويستلزم مِراناً على مشاهدة الصور والتمييز بينها، أي يستلزم سبق قراءة النصوص الأدبية بشكل يتربى معه الذوق والتمييز والإدراك. ولهذا فإن من لم تكن لديه معرفة سابقة بالنصوص الأدبية فإنه لا يتأتى له فهم النصوص الأدبية حتى وإن أظهر التأثر بها والتقدير لها. فالمسألة مسألة ذوق وهذا الذوق لا يتأتى إلا بعد المران وكثرة التذوق واختلاف أنواع ما يتذوق. أي إلا بعد قراءة النصوص الأدبية، والإكثار من قراءتها على مختلف أنواعها وصورها. ومتى وجد هذا الذوق وجد الفهم للنص، لأن الفهم للنص الأدبي ليس فهما لمعانيه، بل هو تذوق التركيب، ويأتي من هذا التذوق فهم المعاني. فمثلاً قول الشاعر:
خلقان لا أرضاهما لفتى
فإذا غَنِيتَ فلا تكنْ بَطِراً
تِيْهُ الغِنى ومَذَلَّةُ الفقرِ
وإذا فَقِرْتَ فَتِهْ على الدهرِ


وقول الشاعر:
إن التي زعمتْ فؤادك ملَّها
فَبِكَ الذي زعمتَ بها وكِلاكُما

خُلِقَتْ هَواكَ كما خُلِقْتَ هَوًى لها
يُبْدِي لصاحِبِهِ الصَّبابةَ كُلَّها



هو غير قول الشاعر:
وكنا إذا ما استكْرَهَ الضيفُ بالقِرى
ولا نستجمُّ الخيلَ حتى نُعِيْدَها


وغير قول الشاعر:
إذا ما غضبنا غضبةً مُضَرِيَّةً
إذا ما أعَرْنَا سيداً من قبيلةٍ



أتَتْهُ العَوالي وهْيَ بالسُّمِّ تَرْعَفُ
غوانمَ من أعدائِنا وهْيَ زُحَّفُ


هتكْنا حِجابَ الشمسِ أو قَطَرَتْ دَمَا
ذُرَى مِنْبَرٍ صَلَّى علينا وسَلَّمَا





وهذه الغيرية ليست باختلاف المعاني بل بالصورة التي أخرجها الشاعر، وبالتصوير الذي أوجده، فإنه وإن كان واحد من هؤلاء الشعراء قد هز القارىء والسامع، ولكن الهزة التي أحدثها الشاعران الأولاًن هي غير الهزة التي أحدثها الشاعران الآخران. ومثلاً قول الأديب: " يا مولاي وسيدي الذي ودادي له، واعتمادي عليه، وامتدادي منه، ومَن أبقاه الله ماضيَ حَدِّ العزم، وَارِيَ زَنْدِ الأمل. إن كنت سلبتني _ أعزك الله _ لباسَ نعمائك، أو نفضت عني كَفَّ حِياطَتِك، بعد أن نظر الأعمى إلى تأملي لك، وسمع ثنائي عليك. وأحس الجماد باستنادي اليك، لا غَرْوَ قد يَغُصُّ الماءُ شاربَهُ، ويقتلُ الدواءُ المستشفِيَ به، ويُؤتى الحَذِرُ من مأمَنه وتكون مَنِيّة المتمني في أمنيته، والحَيْنُ قد سبق جهد الحريص ".
وقول الأديب " الكتاب وِعاءٌ مُلىء علماً، وظرْفٌ حُشي ظَرَفاً، وإناء شُحِنَ مِزاحاً وجِدّاً. وإن شئت كان أعيا من باقل، وإن شئت كان أبين من سحبان وائل، وإن شئت ضحكت من بوادره، وإن شئت عجبت من غرائب فوائده ".
هو غير قول الأديب: " والعلم لا يعرف الكلمة الأخيرة في مسألة من مسائله، وإنما حقائقه كلها إضافية موقوتة، لها قيمتها حتى يكشف البحث عما يزيل هذه القيمة أو يغيرها ".
وغير قول الأديب: " فالأفكار متنوعة والآراء متعددة، وقضايا كل عصر تخالف ما قبلها، ويراها الباحث فيظنها أول وهلة جديدة لم ترتبط بما قبلها برباط، ولم تتصل به أية صلة فيعمل فكره فيما عسى أن يكون بينهما من قرابة أو نسب، وما قد يصل بينهما من سبب ".
وهذه الغيرية ليست باختلاف المعاني بل بالكيفية التي أُدّيت بها هذه المعاني وبالصور التي يحاول كل منهما أداءها. فالأديبان الأولاًن: أحدهما يستعطف، والآخر يصف كتاباً. وكل منهما قد أدى المعنى الذي يريده بكيفية خاصة وأعطى صورة خاصة. والأديبان الآخران: أحدهما يتحدث عن العلم والثاني يتحدث عن الأفكار. وكل منهما يؤدي المعنى بكيفية غير الكيفية التي أدى بها الأديبان الأولاًن.
ولكنْ كل منهم جميعاً لم يكن يبحث عن المعاني، وإنما كان يهتم بالتركيب والألفاظ وكانت المعاني وسائل لأداء الصورة التي يريد إبرازها. فحين يريد المرء أن يفهم هذه النصوص، شعرية كانت أو نثرية. لا يصح أولاً أن يجهد نفسه بالمعاني، بل يجب أن يوجه الجهد إلى فهم الألفاظ والتراكيب، ويأتي فهم المعاني تبعا لذلك، ومن هنا لا بد أن تكون معلوماته السابقة متعلقة بالألفاظ والتراكيب لا بالمعاني. ولأجل أن تتكون لديه معلومات في ذلك، لا بد من أن يقرأ النصوص الأدبية كثيراً، وأن يحاول نقدها وأن يجهد في الوقوف على أسرار تراكيبها إلى أن يتكون عنده الذوق، ومن وجود الذوق تتكون المعلومات. ولذلك فإن فهم النصوص الأدبية، لا يحتاج إلى درس وتحصيل ولا إلى معلومات عن المعاني التي تحويها النصوص، وإنما يحتاج إلى تكوين ذوق في الدرجة الأولى، وهذا الذوق إنما يتكون بكثرة قراءة النصوص الأدبية، حتى توجد النشوة من قراءتها، فيكون الذوق قد تكون لدى الإنسان. وفهم النصوص الأدبية لا يحتاج إلى معرفة بالنحو والصرف ولا معرفة بعلوم البلاغة من معاني وبيان وبديع، ولا يحتاج إلى فقه اللغة وعلم الوضع، فإن هذه وأن استحسن الإلمام بها ولكن لا يستحسن التبحر فيها. وإنما يحتاج إلى شيء واحد هو كثرة قراءة النصوص، حتى يتكون لديه الذوق.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:46 PM   #29
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,732
إفتراضي

هذه هي كيفية التفكير في فهم النصوص الأدبية. وهي أن فهمها يحتاج إلى وجود ذوق سابق، أي معرفة بطبيعة النصوص ينتج عنها تكون الذوق. فمعلوماتها السابقة هي وجود الذوق، والطريق إليه هو الإكثار من قراءة النصوص الأدبية حتى يتكون هذا الذوق. وإذا لم يوجد الذوق فإنه لا يمكن فهم النصوص الأدبية، أي لا يكون التفكير بها منتجاً. صحيح أنه قد يخرج بإدراك للفكر الذي تحويه، وقد يخرج برؤية لما تهدف إليه، ولكنه لا يخرج بفهم لها، ولا بالوقوف عليها. لأنه لم يتذوقها ولم يعرف طعمها، وإذا لم يتذوقها ويعرف طعمها، فإنه لم يفهمها. فالنص الأدبي فهمه أن تهتز إليه، وأن يثيرك ويؤثر فيك. وهذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا كان هناك ذوق لدى من يقرأ هذه النصوص. ومن هنا كان ما يلزم لفهم النصوص هو وجود الذوق.
أما النصوص الفكرية فإن المعارف العقلية هي الأساس في بناء النص، والعناية فيه موجهة إلى المعاني أولاً ثم إلى الألفاظ والتراكيب. وهو لغة العقل لا لغة العاطفة. والغرض منه أداء الأفكار لا سيما الحقائق، قصد خدمة المعرفة وإثارة العقول. والكلمات والتراكيب فيه تتميز بالدقة والتحديد والاستقصاء. وهو يقوم على العقل بغض النظر عن العواطف، وعلى نشر الحقائق الفكرية والمعارف التي يحتاج الوصول إليها إلى جهد وتعمق. ولذلك فإن النصوص الفكرية تخالف النصوص الأدبية تمام المخالفة. ذلك أن النص الأدبي لا يقف عند الحقائق والمعارف، ولا يقصد منه تغذية العقل بالأفكار. وإنما يحاول تقريب هذه الحقائق إلى الأذهان، ولكنه يختار أبرزها وأهمها، أي يختار ما يستطيع أن يجد فيه مظهراً لجمال ظاهر أو خفي، أي يختار ما يوجد التأثر والانفعال، وتكون الألفاظ والتراكيب التي تؤدي هذه الأفكار على وجه يثير القراء ويثير السامعين، فيهز مشاعرهم، ويبعث فيهم ما يقتضيه هذا الانفعال من غبطة ورضا، أو سخط وغضب. وهذا بخلاف النص الفكري، فإنه يقصد به تغذية العقل بالأفكار، فهو يقف عند حد الحقائق والمعارف بغض النظر عن كونها تهز المشاعر أو لا تهزها. فهو يتقصد اجتلاء الأفكار وليس تقريبها. وحسن إبرازها، وليس ما فيها من جمال. وما يوجد قناعة العقل ودقة الأداء. ولا يعنى أبداً بما يثيره هذا من سخط أو رضا، من سرور أو غضب. بل يعنى بأداء الفكر كما هو، ويجعل صورة الفكر واضحة وليس صورة التركيب. ومن هنا كان فهم النصوص الفكرية يخالف كل المخالفة فهم النصوص الأدبية.
والتفكير في النصوص الفكرية، أي فهمها لا يتأتى إلا بوجود معلومات سابقة عن موضوع النص، فإذا لم توجد هذه المعلومات السابقة المذكورة، لا يمكن أن يفهم النص لأنه يعبر عن واقع معين فإذا لم توجد لديه معلومات سابقة يفسر بها هذا الواقع، فإنه لا يمكن أن يفهمه ولا بحال من الأحوال. والأسلوب الفكري، لا بد أن تكون المعلومات السابقة لفهمه مما يكون مدلولها مدركاً، فإذا كانت المعلومات السابقة قد عرفت مجرد معرفة دون أن يكون مدلولها مدركاً واقعه، فإنه لا يمكن فهم النص الفكري. لأن النص الفكري يعبر عن فكر، له واقع وله مدلول، وليس مجرد فكر فإذا فهم الفكر فهماً لما يدل عليه، لا إدراكاً لواقعه، ولا رؤية لمدلوله فإنه لا يكون معلومات سابقة يمكن أن يفسر الواقع بها. وإنما تكون مجرد معلومات ولا تنفع في التفكير، أي لا تنفع في الفهم للنص الفكري. فشرط التفكير بالنص الفكري ليس وجود معلومات سابقة فقط، بل وجود إدراك لواقعها وتصور حقيقي لمدلولها. فأنت حين تقرأ في كتاب فكري سواء كان بحثاً في فكر أو بحثاً في موضوع أو بحثاً في مسألة فإن نصوص هذا الكتاب نصوص عربية، وألفاظه ألفاظ عربية، وتراكيبه تراكيب عربية. وأنت عالم باللغة العربية. ولكن علمك بالعربية وإن ساعدك على فهم معاني الألفاظ والتراكيب، ولكنه لا يساعدك على فهم مدلولات الأفكار التي صيغت بهذه الألفاظ والتراكيب. فلأجل فهم هذه الأفكار لا بد أن تكون لديك معلومات عنها، ولا بد أن تكون هذه المعلومات مدركاً واقعها ومنصوراً مدلولها. وإلا فهمت الكلام فهماً لغوياً، وقد يكون فهمك مطابقاً لما تدل عليه الأفكار، وقد يكون معاكساً له، ولكنه على كل حال ليس فهماً للفكر، وإنما هو فهم لغوي.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:47 PM   #30
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,732
إفتراضي

فمثلاً حين تقرأ هذا النص " والواعي سياسياً يتحتم عليه أن يخوض النضال ضد جميع الاتجاهات التي تناقض اتجاهه، وضد جميع المفاهيم التي تناقض مفاهيمه. في الوقت الذي يخوض فيه النضال لتركيز مفاهيمه وغرس اتجاهاته " وهو من النصوص الفكرية، فإنه لا يكفي أن تفهم معناه في اللغة العربية حتى تفهمه، ولا يكفي الوقوف على مدلولات ألفاظه وتراكيبه حتى تقف على معناه بل لا بد أن يكون واقع التدبر السياسي من زاوية خاصة، واضحاً لديك ومتصوراً مدلوله عندك.
ولا بد أن يكون واقع الاتجاهات وما تدل عليه مدركاً ومتصوراً لديك. وواقع نضال هذه الاتجاهات باتجاهاتك، وواقع غرس اتجاهاتك في الناس مدركاً ومتصوراً لديك الخ، أي لا بد من أن تكون المعلومات السابقة عن الوعي السياسي وعن النضال وعن الاتجاهات وعن المفاهيم متصوراً واقعها ومدركاً مدلولها. حتى يتأتى فهم هذا النص. وإذا لم يحصل ذلك، وظلت المعلومات معلومات مجردة أو ملاحظاً فيها مدلولها كمعان لا كواقع فإنه لا يمكن فهم هذا النص. وإذا لم يفهم لا يستفاد منه ولو حفظ عن ظهر قلب. ولذلك فإن النصوص الفكرية، كالبناء لا يمكن إزالة حجر منه وتبقى صورة البناء كما هي. فلا يمكن نقل حرف منه من مكان إلى مكان، ولا يمكن استبدال كلمة بكلمة أخرى، بل لا بد من المحافظة الكاملة على النص كما هو. لأن الواقع الذي يراد منه أي مدلول الفكر الذي يراد أداؤه واقع معين وصورة معينة، فإذا تغير شيء من الواقع ومن الصورة يتغير الفهم كلياً أو جزئياً. ففهم النص الفكري يقضي بإدراك مدلوله وإدراك مدلوله يقضي بالمحافظة على ألفاظه وتراكيبه.
نعم إن النص الفكري قد يصاغ بما يصاغ به النص الأدبي، فيلاحظ تأثيره على المشاعر إلى جانب تقصي الحقائق وبلورتها، ولكنه على أي حال نص فكري وليس نصاً أدبياً. فإن شرط النص الفكري ليس عدم تأثيره على المشاعر، بل الوصول إلى الحقائق سواء أثرت على المشاعر أم لا فملاحظة تأثير النص الفكري على المشاعر لا تخرجه عن كونه نصاً فكرياً، بل يبقى نصاً فكرياً ما دامت العناية به موجهة إلى الفكر وكان الفكر هو القصد الأساسي منها. وإذا لوحظ في النصوص الفكرية تأثيرها على المشاعر فإنه لا يختلف حال فهمها عن حاله فيما لو لم يلاحظ ذلك. بل لا بد لفهمها من معلومات سابقة عن الأفكار ومن إدراك لواقع الأفكار وتصور لمدلولها.
صحيح أن النصوص الفكرية قد تكون صالحة لكل الناس، وفيها القدرة على أداء الأفكار لكل الناس مهما كانت ثقافتهم، فهي على عمقها ممكنة الفهم لكل الناس، ولكن مثل هذه النصوص وإن كان يمكن أن يأخذ كل واحد من الناس ما يقدر على فهمه منها، ولكنها في عمقها ليس في متناول كل الناس أن يفهموها، نعم إن الناس يأخذون منها ما في قدرتهم فهمه ولكن ليس كل الناس يقدر على التفكير بها أو فهمها. لأن النصوص الفكرية، إذا لم توجد معلومات سابقة في مستواها عنها، لا يمكن فهمها، وإذا لم يكن واقع أفكارها مدركاً، ومدلولات أفكارها متصورة، فإنه لا يمكن الاستفادة منها وتنفيذ أفكارها. فكون كل الناس قادراً على أن يأخذوا منها كل حسب قدرته على الفهم، فإن هذا لا يعني أن كل الناس قادرون على فهم هذه النصوص. فإن الذين لا توجد عندهم معلومات سابقة في مستواها، لا يمكن أن يفهموها ولا بحال من الأحوال.
وقد يقال هنا إن المعلومات السابقة كافية لتكوين الفكر متى وجد الحس، وهذا يعني أن النص الفكري كاف لأن يفهم، أن تكون لدى الإنسان معلومات سابقة يفسر بها الواقع الذي يتضمنه النص. والجواب على ذلك، هو أن المعلومات السابقة يراد بها أن يفسر الواقع الذي يتضمنه النص، ولا يمكن أن يفسر بها الواقع إلا إذا كانت في مستواه، فإذا كانت المعلومات السابقة هي المعلومات اللغوية فإنها لا تكفي إلا إلى التفسير اللغوي ولا تكفي لتفسير الفكر، وإذا كانت المعلومات السابقة عن الحكم بأنه القوة، فإن هذه لا تكفي لفهم معنى الحكم، بل وقد تضلل عن فهم معنى الحكم. وإذا كانت المعلومات السابقة عن المجتمع بأنه ناس وعلاقات، فإنها لا تكفي لفهم المجتمع فهماً يمكن من تغييره أو المحافظة عليه، لأنها ليست في مستوى ما يعنيه المجتمع. وهكذا فإن المعلومات السابقة حتى يدرك النص الفكري، لا بد أن تكون في مستوى الفكر الذي يحويه النص، لا مجرد معلومات عنه.
وقد يقال إذا كان يشترط لفهم النص الفكري أن تكون المعلومات السابقة لفهم النص، في مستوى الفكر الذي يريد أن يفهمه، فمن أين يأتي اشتراط أن يدرك واقعه، وأن يتصور مدلوله إلى جانب أن تكون المعلومات السابقة في مستواه؟ والجواب على ذلك أن فهم النص الفكري ليس المراد منه التلذذ به، ولا الوقوف على معناه. بل النص الفكري يفهم ليؤخذ، أي يفهم ليعمل به، وما لم يكن كذلك فإنه لا فائدة منه ووجوده لا قيمة له. لأن الفكر يوقف عليه ليؤخذ لا لمجرد المعرفة. وأخذه لا يتأتى إلا بإدراك واقعه وتصور مدلوله. ومن هنا يشترط في فهم النص الفكري إلى جانب المعلومات السابقة ثلاثة شروط: أحدها أن تكون المعلومات السابقة في مستوى الفكر الذي يراد فهمه، وثانيها أن يدرك واقعها كما هو إدراكاً يحدده ويميزه عن غيره، وثالثها أن يتصور هذا الواقع تصوراً صحيحاً يعطي الصورة الحقيقية عنه. وبدون هذه الثلاثة مجتمعة لا يمكن فهم النص الفكري، أي لا يمكن فهم الفكر. وبعبارة أخرى لا يمكن أخذه لأن فهم الفكر يعني أخذه وليس فهم معناه. وأقرب مثال على ذلك أفكار الإسلام من عقائد وأحكام فإنه لما نزل على العرب، ونزل منجماً بحسب الوقائع فإنهم فهموه وأخذوا به، لا لأن لغتهم كانت تمكنهم من فهمه، بل لأنهم أدركوا واقع أفكاره، وتصوروا مدلولاتها، فأخذوها بعد هذا الإدراك وذلك التصور، ولذلك أثر فيهم وقلبهم رأساً على عقب، فتغيرت قيمة الأشياء في نظرهم، فارتفعت قيمة أشياء وانخفضت قيمة أخرى، وأصبحت مقومات الحياة في نظرهم غيرها بالأمس ولكن هؤلاء العرب أنفسهم حين فقد لديهم إدراك واقع الأفكار، وتصور مدلولاتها، فإنهم فقدوا فهم هذه الأفكار، أي فقدوا أخذها ولذلك لم تعد تؤثر فيهم، وبالرغم من أنه يوجد لديهم محدثون أعلم من مالك، وفقهاء أوسع علماً من أبي حنيفة، ومفسرون أكثر إحاطة من ابن عباس، ومع ذلك فإنه لا يوجد فيهم من هو قريب ممن كانوا في المدينة أيام مالك، ولا من كانوا في عصر ابن عباس، ولا ممن عاشوا في عهد أبي حنيفة. وليس ذلك ناتجاً عن التقصير في معرفة الأفكار، بل هو نتيجة لعدم إدراك واقعها وعدم تصور مدلولها. ولذلك فإنه للتفكير بالنصوص الفكرية، فإنه لا يكفي وجود معلومات سابقة في مستواها، بل لا بد أن يكون إلى جانب ذلك إدراك لواقعها وتصور لمدلولها.
وفهم النصوص الفكرية لا يعني أن يكون لأخذها، بل يكون كذلك لرفضها ومحاربتها. فالأخذ هو المقصود، وإذا كانت ليس مما يؤخذ فإنها تكون مما يترك أو مما يجب أن يحارب. فإذا لم يوجد إدراك لواقعها وتصور لمدلولها، فإن الأمر قد يؤدي إلى الانحراف، فيؤخذ ما ينبغي أن يترك ويحارب، ويترك ويحارب ما ينبغي أن يؤخذ أو يوقف منه موقف المعرفة، مجرد المعرفة دون أخذ أو ترك. ولذلك لا بد لفهم النصوص الفكرية من إدراك واقعها وتصور مدلولها، لاتخاذ الموقف اللازم تجاهها، إما الأخذ وإما الترك والمحاربة. واشتراط إدراك واقع الأفكار إدراكاً يحددها ويميزها، وتصور مدلولها تصوراً صحيحاً، هو الذي يعصم الفكر من الزلل والانحراف، ويجعل المرء يقرر موقفه من هذه الأفكار تقريراً سليماً. فإن هذه الأفكار، لا يقف ضررها عند حد الاقتصار على المعرفة، بل قد يصرف من يأخذها عن أعمال أساسية في حياته، وقد يجعله يزل وينحرف، أو يضل ضلالاً كبيراً. وأقرب مثال على ذلك، ما فعلته دراسة الفلسفة اليونانية لدى كثير من علماء المسلمين، وما فعلته الأفكار الرأسمالية والأفكار الشيوعية لدى كثير من أبناء المسلمين، فإن ذلك كله إنما كان لأن إدراك الواقع لم يكن إدراكاً يحدده ويميزه، ولأن تصور مدلول الأفكار لم يكن تصوراً صحيحاً.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .