العودة   حوار الخيمة العربية > القسم الثقافي > مكتبـة الخيمة العربيـة

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: نظرة في #جريدة_الراية (156) (آخر رد :الكرمي)       :: #سؤال و #جواب عن النبي عليه الصلاة والسلام (آخر رد :الكرمي)       :: سلسلة بعنوان #الجنة و #السياسة (آخر رد :الكرمي)       :: البلو فى القرآن (آخر رد :رضا البطاوى)       :: مع #القرآن_الكريم - من سورة البقرة (آخر رد :الكرمي)       :: مع الحديث الشريف الإسلام دين الجماعة (آخر رد :الكرمي)       :: الجولة الإخبارية 2017/11/17م (آخر رد :الكرمي)       :: لقاء يلدريم وبنس (مترجم) (آخر رد :الكرمي)       :: زلزال إيران... المباني تحولت إلى أكفان (آخر رد :الكرمي)       :: فقدان الرؤية الصحيحة يؤدي إلى الاضطراب في المواقف والتخبط في الأعمال (آخر رد :الكرمي)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 19-05-2016, 04:30 PM   #11
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 16,633
إفتراضي

على أن الأصل في الإنسان هو أن لديه طاقة حيوية، وهذه الطاقة الحيوية فيها إحساسات طبيعية تدفع الإنسان للإشباع، فهذا الدفع يكون مشاعر أو إحساسات، وهي تتطلب الإشباع، منها ما يتطلب الإشباع حتماً وإذا لم يشبع يموت الإنسان لأنه يتعلق بوجود الطاقة من حيث هو وجود، ومنها ما يتطلب الإشباع ولكن بشكل غير حتمي، فإذا لم يحصل الإشباع ينزعج ولكنه يبقى حياً، لأنه يتعلق بحاجات الطاقة لا بوجودها، ولذلك كانت الطاقة الحيوية ذات شقين: أحدهما يتطلب الإشباع الحتمي، وهذا ما يطلق عليه الحاجات العضوية، وذلك كالجوع والعطش وقضاء الحاجة، وثانيهما يتطلب مجرد الإشباع، وهذا ما يطلق عليه الغرائز، وهي ثلاث: غريزة البقاء، وغريزة النوع، وغريزة التدين.

هذا هو الحق في الغرائز، وهذا هو الحق في الإنسان، فلو سلك علماء الغرب الطريقة العقلية بنقل الإحساس بالإنسان وأفعاله وفسروا هذا الواقع أو هذا الإحساس بالواقع بالمعلومات السابقة لاهتدوا لحقيقة هذا الواقع، ولكن سلوكهم الطريقة العلمية، واعتبارهم أن الإنسان كالمادة، وظنهم أن ملاحظة أفعال الإنسان هي كملاحظة المادة، ضللهم ذلك عن الحقيقة وخرجوا بهذه النتائج الخاطئة في الغرائز، وفي غيرها من أبحاث علم النفس، وقل مثل ذلك فيما يسمى بعلم الاجتماع وعلوم التربية، فإنها كلها ليست من العلوم، وهي في جملتها خطأ في خطأ، فهذه الأخطاء التي حصلت في الغرب، في أروبا وأمريكا والملحقة بها روسيا، أي لدى علماء الشيوعية، ولدى علماء النفس وعلماء الاجتماع وعلماء التربية، هي نتيجة اتباعهم الطريقة العلمية في بحث كل شيء، ومغالاتهم في تقدير الطريقة العلمية وتطبيقها على جميع الأبحاث، وهذا هو الذي أوقعهم في الخطأ والضلال، وهو يوقع كل إنسان يطبق الطريقة العلمية على كل بحث.

إن الطريقة العلمية طريقة صحيحة في التفكير، وهي ليست طريقة خاطئة، ولكنها طريقة صحيحة في البحث العلمي وحده، فيجب أن يحصر استعمالها في البحث العلمي، أي في المادة التي تخضع للتجربة، والخطأ هو استعمالها في غير الأبحاث العلمية، أي في غير بحث المادة التي تخضع للتجربة، فمن الخطأ والغلط أن تطبق في بحث وجهة النظر في الحياة، أي ما يسمى (بالأيديولوجية) ومن الخطأ أن تطبق على الإنسان، أو على المجتمع، أو على الطبيعة، أو في أبحاث التاريخ، أو أبحاث الفقه، أو أبحاث التعليم، أو ما شاكل ذلك من الأبحاث. بل يجب أن تحصر في البحث العلمي فقط، أي في بحث المادة التي تخضع للتجربة.

والخطأ الذي حصل، في تطبيق الطريقة العلمية على كل بحث، ناتج عن جعل الطريقة العلمية أساساً في التفكير، لأن جعلها أساساً في التفكير هو الذي جر إلى جعلها أصلاً يبنى عليه، وجعلها أساساً لكل بحث، فإن جعلها أساساً في التفكير يجر إلى تطبيقها على أبحاث لا تنطبق عليها هذه الطريقة، كبحث الأنظمة وبحث الغرائز، وبحث الأدمغة، وبحث التعليم وما شاكل ذلك مما أدى إلى وقوع الأخطاء الفاحشة في الفكرة الاشتراكية وفيما يسمى بعلم النفس وعلوم التربية وعلم الاجتماع. وفوق ذلك فإن جعلها أساساً في التفكير يخرج أكثر المعارف والحقائق عن البحث، ويؤدي إلى الحكم على عدم وجود كثير من المعارف التي تدرس والتي تتضمن حقائق، مع أنها موجودة بالفعل وملموسة بالحس، وأيضاً فإنه يؤدي إلى إنكار كثير من الموجودات.

على أن الطريقة العلمية ظنية، وقابلية الخطأ فيها أساس من الأسس التي يجب أن تلاحظ فيها، فلا يجوز أن تتخذ أساساً للتفكير، وذلك أن الطريقة العلمية توجد نتيجة ظنية عن وجود الشيء وعن حقيقته وعن صفته. وهناك أشياء يجب أن تكون النتيجة عن وجودها قطعية جازمة. فلا يصح أن تكون الطريقة الظنية أساساً للوصول إلى النتيجة القطعية، وهذا وحده كافٍ لجعل الطريقة الظنية غير صالحة لأن تكون أساساً للتفكير.

وعلى هذا فإن للتفكير طريقتين اثنتين ليس غير، هما الطريقة العقلية، والطريقة العلمية، ولا يوجد غيرهما بعد البحث والاستقراء، والطريقة العلمية لا تصلح إلا في فرع من فروع المعرفة، وهو فرع بحث المادة التي تخضع للتجربة، بخلاف الطريقة العقلية فإنها تصلح لكل بحث من الأبحاث. لذلك فإنه يجب أن تكون الطريقة العقلية هي الأساس في التفكير. ففي الطريقة العقلية ينشأ الفكر، وبدونها لا ينشأ فكر إنشاءً جديداً، وبواسطة الطريقة العقلية يوجد إدراك الحقائق العلمية بالملاحظة والتجربة والاستنتاج، أي بواسطتها توجد الطريقة العلمية نفسها، وبواسطتها يوجد إدراك الحقائق المنطقية، وبواسطتها يوجد إدراك حقائق التاريخ وتمييز الخطأ من الصواب فيها، وبواسطتها توجد الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة وعن حقائق الكون والإنسان والحياة. والطريقة العقلية تعطي نتيجة قطعية عن وجود الشيء، وهي وإن كانت تعطي نتيجة ظنية عن كنه الشيء وصفته، ولكنها تعطي نتيجة قطعية عن وجوده، فهي من حيث حكمها على وجود الشيء قطعية يقينية، فيجب أن تتخذ هي وحدها أساساً للبحث، أي أساساً باعتبار أن نتائجها قطعية. وعلى هذا لو تعارضت نتيجة عقلية مع نتيجة علمية عن وجود الشيء تؤخذ الطريقة العقلية حتماً وتترك النتيجة العلمية التي تتعارض مع النتيجة العقلية. لأن القطعي هو الذي يؤخذ لا الظني.

ومن هنا كان الخطأ الموجود هو اتخاذ الطريقة العلمية أساساً للتفكير، وجعلها حَكَماً في الحكم على الأشياء. فيجب أن يصحح هذا الخطأ، ويجب أن تصبح الطريقة العقلية هي أساس التفكير، وهي التي يرجع إليها في الحكم على الأشياء.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:31 PM   #12
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 16,633
إفتراضي

أما البحث المنطقي فإنه ليس طريقة في التفكير، وإنما هو أسلوب من أساليب البحث المبنية على الطريقة العقلية، لأن البحث المنطقي هو بناء فكر على فكر بحيث ينتهي إلى الحس والوصول عن طريق هذا البناء إلى نتيجة معينة. مثل: لوح الكتابة خشب، وكل خشب يحترق، فتكون النتيجة أن لوح الكتابة يحترق، ومثل لو كان في الشاة المذبوحة حياة لتحركت، لكنها لم تتحرك، فتكون النتيجة أنه لا توجد في الشاة المذبوحة حياة. وهكذا. فقد قرنت في المثال الأول فكرة كل خشب يحترق مع فكرة لوح الكتابة خشب، فنتج عن هذا الاقتران أن لوح الكتابة يحترق. وقرن في المثال الثاني كون الشاة المذبوحة لم تتحرك مع فكرة أن الحياة في الشاة المذبوحة تجعلها تتحرك، فنتج عن هذا الاقتران أن الشاة المذبوحة لا توجد فيها حياة. فهذا البحث المنطقي إذا كانت قضاياه التي تتضمن الأفكار التي جرى اقترانها صادقة تكون النتيجة صادقة، وإذا كانت كاذبة تكون النتيجة كاذبة. وشرط المقدمات أن تنتهي كل قضية منها إلى الحس. ولذلك ترجع إلى الطريقة العقلية ويحكم فيها الحس حتى يفهم صدقها. ومن هنا كانت أسلوباً من الأساليب المبنية على الطريقة العقلية، وفيها قابلية الكذب، وقابلية المغالطة، وبدل أن يختبر صدق المنطق بالرجوع إلى الطريقة العقلية، الأولى أن تستعمل الطريقة العقلية في البحث ابتداء، وأن لا يلجأ إلى الأسلوب المنطقي.

وهنا لا بد من التنبيه إلى مسألتين: إحداهما، أن الطريقة العلمية أهم ما فيها هو: أنها تقتضيك إذا أردت بحثاً أن تمحو من نفسك كل رأي وكل إيمان لك في هذا البحث الذي تبحثه. وأن هذا هو الذي يجعل البحث سائراً في الطريقة العلمية، وعلى هذا الأساس يقولون إن هذا البحث بحث علمي، وهذا البحث يسير حسب الطريقة العلمية. والجواب على هذا هو أن هذا الرأي صحيح، ولكنه ليس علمياً، ولا هو يسير في الطريقة العلمية. بل هو عقلي ويسير في الطريقة العقلية. وذلك أن الموضوع ليس متعلقاً بالرأي بل متعلق بالبحث، فالبحث العقلي يكون بنقل الواقع بواسطة الإحساس إلى الدماغ، والبحث العلمي يكون بواسطة التجربة والملاحظة. هذا هوالذي يميز الطريقة العقلية عن الطريقة العلمية.فالشيء إذا أحسه المرء يحكم بوجوده حسب الطريقة العقلية، والشيء إذا لم تدل التجربة والملاحظة على وجوده لا يحكم بوجوده. فكون الخشبة تحترق، يكفي في الطريقة العقلية أن يحس باحتراقها، ولكن في الطريقة العلمية لا بد أن تخضع للتجربة والملاحظة حتى يحكم بأنها تحترق. فكون لا بد من وجود معلومات سابقة أمر لا بد منه في الطريقة العقلية. وتفرض الطريقة العلمية التخلي عن المعلومات السابقة. مع أنه لا يمكن أن يحصل تفكير إلا إذا وجدت. وأما الآراء السابقة والإيمان السابق فإنما يقصدون به ما عنده من معلومات وأحكام سابقة. ولذلك فإن موضوع وجود آراء سابقة لا يقصد به الرأي من حيث هو رأي، وإنما يقصد به الحكم السابق. لذلك فإن الموضوع في الطريقة العلمية ليس وجود رأي سابق أو إيمان سابق، وإنما المقصود به الحكم السابق كمعلومات تفسر بها التحربة والملاحظة. فأهم ما في الطريقة العلمية هو التجربة والملاحظة وليس الرأي أو المعلومات.

وأما الرأي السابق أو الإيمان السابق واستعماله عند البحث أو عدم استعماله، وتدخله في البحث أو عدم تدخله فإن سلأمة البحث وصحة نتيجة البحث تقتضي التخلي عن كل رأي سابق للموضوع، أي تقتضي التخلي عما في ذهنه من آراء وأحكام عن الموضوع الذي يجري بحثه حتى لا يؤثر عليه في البحث ولا يؤثر على نتيجة البحث. فمثلاً عندي رأي أنه لا يمكن أن تتوحد فرنسا وألمانيا في دولة واحدة وأن يكونا أمة واحدة. فعند البحث في توحيدهما ليكونا أمة واحدة ودولة واحدة، لا يصح أن يكون هذا الرأي موجوداً عند البحث في توحيدهما، لأنه يفسد علي البحث ويفسد علي النتيجة. ومثلاً عندي رأي بأن النهضة لا يمكن أن توجد إلا بالصناعة والاختراع والتعليم، فعند البحث في إنهاض شعبي أو أمتي يجب أن أتخلى عن هذا الرأي. ومثلاً عندي رأي أن الذرة أصغر شيء في المادة وأنها لا تنقسم. فعند البحث في جعل الذرة تنشطر وتنقسم لا بد أن أمحو من نفسي هذا الرأي. وهكذا فإنه يجب أن يتخلى المرء عند البحث في أي شيء، عن كل رأي سابق له عن البحث وعن الشيء الذي يريد أن يبحثه أو يبحث فيه.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:32 PM   #13
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 16,633
إفتراضي

إلا أن هذه الآراء التي يجب أن يتخلى عنها عند البحث ينظر فيها، فإن كانت آراء قطعية ثبتت بالدليل القطعي الذي لا يتطرق إليه أدنى ارتياب، فإنه لا يصح أن يتخلى عنه ولا بحال من الأحوال إذا كان البحث الذي يبحثه ظنياً، وكانت النتيجة التي توصل إليها ظنية، لأنه إذا تعارض القطعي والظني يؤخذ القطعي ويرد الظني. لذلك لا بد أن يتحكم القطعي بالظني. أما إذا كان البحث قطعياً والنتيجة التي يتوصل إليها قطعية، فإنه في هذه الحال لا بد أن يتخلى عن كل رأي وكل إيمان سابق، فالتخلي عن كل رأي سابق أمر لا بد منه لسلأمة البحث وصحة النتيجة، إلا إنه إن كان البحث ظنياً فإنه لا يصح أن يتخلى عند بحثه له عن الآراء القاطعة والإيمان الجازم. ولكن لا بد أن يتخلى عن كل رأي ظني سابق في الموضوع. وهذا لا فرق فيه بين الطريقة العقلية والطريقة العلمية. وآفة الأبحاث إنما هي في تدخل الآراء السابقة في البحث.

وأما ما يسمى بالموضوعية. فهو ليس التخلي عن كل رأي سابق فحسب، بل حصر البحث في الموضوع الذي يبحث إلى جانب التخلي عن كل رأي سابق. فحين تبحث في تحليل زيت الزيتون لا يصح أن يتطرق لهذا البحث أي بحث آخر ولا أي شيء آخر ولا أي رأي. وحين تبحث في سياسة الصناعة لا يصح أن يتطرق لهذا البحث أي بحث آخر ولا أي شيء آخر ولا أي رأي. فلا يفكر بالأسواق، ولا بالربح، ولا في الأخطار، ولا في أي شيء غير سياسة الصناعة للدولة. وحين تبحث في استنباط الحكم الشرعي، لا يصح أن تفكر في المصلحة، ولا في الضرر، ولا في رأي الناس، ولا في أي شيء غير الاستنباط للحكم الشرعي. وهكذا كل بحث لا بد أن يحصر الذهن في موضوع البحث. فالموضوعية ليست هي عدم تدخل الرأي السابق في الموضوع فحسب، بل هي إلى جانب ذلك حصر البحث في الموضوع نفسه وإبعاد أي شيء آخر عنه وحصر الذهن في الموضوع المبحوث فقط.

أما المسألة الثانية فهي المنطق، إن المنطق وكل ما يتعلق به فيه قابلية الخداع وقابلية التضليل، وهو أكثر ما يضر في التشريع والسياسة. ذلك أن المنطق تبنى نتائجه على مقدمات، وكذب هذه المقدمات أو صدقها ليس من السهل إدراكه في جميع الأحوال، لذلك قد يكون كذب إحدى هذه المقدمات خفياً، أو يكون صدقها مبنياً على معلومات خاطئة، فيؤدي ذلك إلى نتائج خاطئة. على أن المنطق يمكن الوصول به إلى نتائج متناقضة مثل: القرآن كلام الله، وكلام الله قديم، فالقرآن قديم. وعكسها القرآن كلام الله في اللغة العربية، واللغة العربية مخلوقة، فالقرآن مخلوق. وقد يؤدي إلى نتائج مضللة مثل: المسلمون متأخرون، وكل متأخر منحط، فالمسلمون منحطون. وهكذا تجد أن أخطار المنطق أخطار فظيعة، فقد تؤدي إلى الخطأ، وقد تؤدي إلى الضلال، بل قد تؤدي إلى الدمار. والشعوب والأمم التي تعلقت بالمنطق حال المنطق بينها وبين رفعة الحياة. لذلك فإن المنطق وإن كان أسلوباً من أساليب الطريقة العقلية، ولكنه أسلوب عقيم، بل أسلوب مضر، وخطره خطر مدمر. ولذلك لا بد من نبذه، بل لا بد من الحذر منه، والحيلولة بينه وبين الناس.

والأسلوب المنطقي وإن كان أسلوباً من أساليب الطريقة العقلية ولكنه أسلوب معقد، وأسلوب فيه قابلية الخداع والتضليل وقد يوصل إلى عكس الحقائق التي يراد إدراكها. وفوق ذلك فإنه- سواء احتاج إلى تعلم علم المنطق أو كان منطقياً فطرة- لا يصل إلى النتائج من الإحساس بالواقع رأساً، وإنما ينتهي بالإحساس بالواقع، ولذلك يكاد يكون طريقة ثالثة في التفكير، وبما أن التفكير ليس له إلا طريقتان اثنتان ليس غير، فإن الأولى تجنب هذا الأسلوب، والأسلم للوثوق بصحة النتائج أن نستعمل الطريقة العقلية المباشرة، لأنها هي التي يضمن فيها صحة النتيجة.

ومهما يكن من أمر فإن الطريقة الطبيعية في التفكير، والطريقة التي يجب أن تكون هي الطريقة الأساسية، إنما هي الطريقة العقلية. وهي طريقة القرآن، وبالتالي هي طريقة الإسلام. ونظرة عاجلة للقرآن تُري أنه سلك الطريقة العقلية، سواء في إقأمة البرهان، أو في بيان الأحكام. انظر إلى القرآن تجده يقول في البرهان: "فلينظر الإنسان مم خلق" "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت" "وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون" "ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله، إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض" "إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب" "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا" إلى غير ذلك من الآيات، وكلها تأمر باستعمال الحس لنقل الواقع حتى يصل إلى النتيجة الصحيحة. وتجده يقول في الأحكام "حرمت عليكم أمهاتكم" "حرمت عليكم الميتة" "كتب عليكم القتال وهو كره لكم" "فمن شهد منكم الشهر فليصمه" "وشاورهم في الأمر" "أوفوا بالعقود" "براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين" "أحل الله البيع وحرم الربا" "فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك" "حرض المؤمنين على القتال" "انكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع" "فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن" إلى غير ذلك من الآيات، وكلها تعطي أحكاماً محسوسة لوقائع محسوسة، وفهمها، سواء للحكم أو للواقعة التي جاء بها الحكم، إنما يأتي بالطريقة العقلية. أي أن التفكير بها وبتطبيقها إنما يكون بالطريقة العقلية، وبالأسلوب المباشر لا بالأسلوب المنطقي. وما يتوهم فيه بأنه جاء على الأسلوب المنطقي، من مثل قوله تعالى: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا" فإنه جاء كذلك بالأسلوب المباشر، فلم يأت بمقدمات، بل جاء بطلب التفكير ينقل الإحساس مباشرة إلى الدماغ، وليس عن طريق مقدمات مربوط بعضها ببعض.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:33 PM   #14
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 16,633
إفتراضي

وعلى ذلك فإن الطريقة العقلية وحدها هي التي يجب أن يسير عليها الناس، وإن الأسلوب المباشر هو الأسلم للسير عليه وذلك حتى يكون التفكير صحيحاً، وتكون نتيجة التفكير أقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وقاطعة بشكل جازم فيما هو قطعي، لأن المسألة كلها متعلقة بالتفكير. وهو أغلى ما لدى الإنسان، وأغلى شيء في الحياة، وتتوقف عليه كيفية السير في الحياة. ولذلك لا بد من الحرص عليه بالحرص على طريقة التفكير.

والتفكير –سواء في فهم الحقائق، أو في فهم الحوادث، أو في فهم النصوص، أي سواء في الإدراك أو في الفهم- فإنه نظراً للتجدد الدائم، وللتنوع المتعدد؛ عرضة للانزلاق وعرضة للابتعاد، ولذلك فإنه لا يكفي أن يبحث في طريقة التفكير. بل لا بد أن يبحث التفكير نفسه بشكل مفتوح، في مختلف الأحوال والحوادث والأشياء، فيبحث التفكير فيما يصح أن يجري التفكير فيه وفيما لا يصح أن يجري فيه. ويبحث التفكير في الكون والإنسان والحياة، ويبحث التفكير في العيش، ويبحث التفكير في الحقائق، ويبحث التفكير في الأساليب، ويبحث التفكير في الوسائل، ويبحث التفكير في الغايات والأهداف، إلى غير ذلك مما يتصل بالتفكير، وإلى جانب ذلك لا بد أن يبحث التفكير الذي هو فهم للكلام الذي يسمع، والكلام الذي يقرأ، أي لا بد أن يبحث التفكير في فهم النصوص.

أما البحث فيما يصح أن يجري فيه التفكير وما لا يصح أن يجري فيه، فإنه على بداهته عقدة العقد، ومنزلق الكثير من الناس حتى المفكرين. أما بداهته فإن تعريف العقل، أو معرفة معنى العقل معرفة جازمة، تقضي بداهة بأن التفكير إنما يجري فيما هو واقع أو له واقع، ولا يصح أن يجري في غير الواقع المحسوس، لأن عملية التفكير هي نقل الواقع بواسطة الحواس إلى الدماغ، فإذا لم يكن هناك واقع محسوس، فإن العملية الفكرية لا يمكن أن تحصل، فإن انتفاء الحس بالواقع ينفي وجود التفكير وينفي إمكانية التفكير. وأما كون البحث فيه عقدةَ العقد فإن الكثير من المفكرين قد جرى بحثه في غير الواقع. وما الفلسفة اليونانية كلها إلا بحثاً في غير الواقع، وما أبحاث علماء التربية في تقسيم الدماغ إلا بحثاً في غير محسوس. وما بحث الكثير من علماء المسلمين في صفات الله وفي أوصاف الجنة والنار والملائكة إلا بحثاً فيما لا يقع عليه الحس. ثم إن الناس بشكل عام يغلب على أخذهم كثيراً من الأفكار وعلى تفكيرهم في كثير من الأمور، التفكير في غير الواقع، أو في غير ما يقع عليه الحس. ومن هنا كان البحث فيما يصح أن يجري فيه التفكير وما لا يصح هو عقدة العقد.

إلا إنه مع ذلك، ومع وجود المعارف الكثيرة، والمحترمة، والمجزوم بها عقيدة، مما لا يصح أن يجري فيه التفكير، فإن تعريف العقل، واتخاذ الطريقة العقلية أساساً للتفكير، يقضي بأن ما هو ليس واقعاً، وما ليس مما يقع عليه الحس لا يصح أن يجري التفكير فيه، ولا يصح أن يسمى ما يجري فيه عملية عقلية. فمثلاً القول بالعقل الأول والعقل الثاني الخ هو مجرد تخيلات وفروض. فإنها ليست واقعاً وقع عليه الحس، ولا مما يمكن أن يقع عليه الإحساس. فالمخيلة هي التي تخيلت، وفرضت فروضاً نظرية، وتوصلت إلى نتائج، فهو ليس عملية عقلية. والتخيل ليس تفكيراً، وحتى الفروض كلها ولو كانت فروضاً في العلوم الرياضية، ليست تفكيراً ولا عملية عقلية. وعلى هذا فإنه يمكن أن يقال إن الفلسفة اليونانية كلها ليست من الأفكار، ولا جرت فيها العملية العقلية، فلا يصح أن تعتبر نتائج للتفكير.لأنه لم يجر فيها تفكير، ولا وجدت فيها العملية العقلية. فهي مجرد تخيلات وفروض.

ومثلاً القول بأن الدماغ مقسم إلى أقسام، وأن كل قسم منها مختص بعلم من العلوم الخ كلها مجرد تخيلات وفروض، فهي ليست واقعاً، لأن واقع الدماغ المحسوس أنه غير مقسم، وليست مما يقع عليه الحس، لأن الدماغ وهو يعمل، أي يقوم بالعملية العقلية لا يمكن أن يقع عليه الحس، فالقول بتقسيمه، فوق كونه مخالفاً للواقع فإنه لم يأت بنتيجة الإحساس. ولذلك فإنه يمكن أن يقال إن علوم التربية ليست كلها أفكاراً، ولا هي نتيجة عملية فكرية. وإنما هي مجرد تخيلات وفروض.

ومثلاً القول بأن الله له صفة القدرة، وصفة كونه قادراً، والقدرة لها تعلق تخييري قديم وتعلق تخييري حادث. وكذلك إقأمة البراهين العقلية على صفات الله، كل ذلك وأمثاله، ولو وضعت عليه مسحة البحث العقلي والبرهان العقلي، فإنه ليس فكراً، ولا هو نتيجة تفكير، إذ لم تجر فيه العملية العقلية، لأنه ليس مما يقع عليه حس الإنسان.

فالعملية العقلية، أي التفكير، لا يمكن أن يكون إلا بواقع يقع عليه حس الإنسان. إلا أن هناك أموراً أو أشياء لها واقع، ولكن هذا الواقع لا يمكن أن يحسه الإنسان ولا يمكن نقله بالحس، ولكن أثره يقع عليه حس الإنسان وينقل إلى الدماغ بواسطة الإحساس، فإن هذا النوع من الأمور يمكن أن تجري فيه العملية العقلية، أي يمكن أن يحصل فيه تفكير، ولكنه تفكير بوجوده لا بكنهه، لأن الذي نقل إلى الدماغ بواسطة الحس هو أثره، وأثره إنما يدل على وجوده فقط، ولا يدل على كنهه. فمثلاً لو أن طائرة كانت عالية جداً إلى حد أن العين المجردة لا تراها، ولكن صوتها تسمعه الأذن، فإن هذه الطائرة يمكن أن يحس الإنسان بصوتها، وهذا الصوت دليل على وجود شيء. أي على وجود الطائرة. ولا يمكن أن يدل على كنه هذه الطائرة. فالصوت المسموع والآتي من فوق هو صوت لشيء موجود، ومن تمييز حسه يستدل على أنه صوت طائرة. فالعملية العقلية هنا جرت في وجود الطائرة. أي حصل التفكير بوجود الطائرة. وصدر الحكم بوجودها. مع أن الحس لم يقع عليها، ولكنه وقع على أثرها، أي على شيء يدل على الطائرة، فحكم العقل عن وجودها من وجود أثرها، صحيح أنه يمكن أن يعرف صوت طائرة الميراج من صوت طائرة الفانتوم، ويمكن الحكم على نوعها كما يمكن الحكم على أنها طائرة من تمييز نوع الصوت ولكن معرفة أنها طائرة ميراج أو طائرة فانتوم إنما أتى من تمييز الصوت، كما أن الحكم على أنها طائرة أو ليست طائرة قد أتى من تمييز الصوت. إلا أن هذا الحكم ليس حكماً على كنهها بل هو حكم على نوع هذا الموجود من تمييز أثره. وعلى أي حال، فإن هذا فكر، أيا كان، لأن العملية جرت فيه فعلاً، أي جرى التفكير فيه لأن الحواس نقلت أثره. ولا يقال إن هذا الحكم على وجود الطائرة ظني، فإن الموضوع هو إمكانية وجود التفكير فيما يحس الإنسان أثره ولا يحس ذاته. وعلى أي حال فإنه إن كان الحكم على كون الصوت هو صوت طائرة ظنياً، فإن الحكم بوجود شيء خرج منه الصوت هو حكم قطعي، والطريقة العقلية، يمكن أن تكون نتائجها ظنية ويمكن أن تكون قطعية، حسب الإحساس الذي ينقل إلى الدماغ وحسب المعلومات التي يفسر بها هذا الواقع.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:33 PM   #15
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 16,633
إفتراضي

إلا أن هذا التفكير الذي يجري فيما لا يقع عليه الحس إنما هو خاص فيما يقع الحس على أثره، لأن أثر الشيء جزء من وجوده، فما يقع الحس على أثره يعتبر أن الحس وقع على وجوده، ولذلك يصح أن يقع فيه التفكير، ويصح أن يقع التفكير في وجوده قطعاً، وأن يقع كذلك فيما يدل عليه الحس ويميزه من نوعه. أما ما عدا ذلك فلا يمكنه أن يجري فيه التفكير ولذلك لا يكون فكراً. فمثلاً أن الحس يقع على أمور تكون أوصافاً للشيء وليست أثراً له، فتتخذ هذه الصفات وسيلة للحكم على الأمر وعلى الشيء. وذلك مثل: أن أمريكا تعتنق فكرة الحرية، وهذا يعني أنها ليست دولة استعمارية، لأن الاستعمارية استعباد للشعوب، وهذا يناقض فكرة الحرية. فهذه المقدمة، وهي اعتناق فكرة الحرية من قبل أمريكا، ليست أثراً من آثار أمريكا في خارج بلادها، بل هي صفة من صفاتها، فكون الشيء صفته كذا، لا تعني أن هذه الصفة أثره. لذلك لا يجري التفكير فيها، فهي ليست صفة ينقلها الحس إلى الدماغ للحكم على الأعمال كلها، وإنما هي صفة خاصة بالأمر وليست أثراً من آثاره، لذلك لا يحكم بواسطتها كمقدمة على الأفعال. لأن الأفعال لا توجد من الإنسان من جراء اتصافه بصفة معينة، بل توجد لاعتبارات شتى وصفات متعددة ومختلفة. ومثل أن الإسلام دين عزة، فإن هذا لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين. بل هي فكرة من أفكاره، ثم إن الإنسان حين يعتنق ديناً لا يعني أنه قد تقيد به. وبذلك لا تكون العزة أثراً من آثار الدين بل هي صفة من صفاته، والدين ليس التقيد به أثراً من آثاره، بل هو صفة من صفاته، ولذلك لا يجري فيه التفكير. بل هو عبارة عن مجرد فرض، وليس تفكيراً. وعليه فالذي يجري فيه التكفير هو أثر الشيء لا صفته، لأن الأثر يمكن أن ينقل بالحس، ولكن الصفة لما لا يحس لا يمكن نقلها بواسطة الحواس، وهي فيما يحس وإن كان يمكن نقلها ولكن التفكير يجري فيها لا في أثرها، ومن هنا كان اتخاذ صفات الشيء وسيلة للحكم على أثره أو للحكم عليه لا يشكل عملية عقلية فلا يجري التفكير فيه. وبعبارة أخرى إن الفروض لا تصلح وسيلة للحكم. لأنها لم يقع الحس عليها. صحيح أن بعض الفروض تكون كمقدمات المنطق مما يقع عليه الإحساس، ولكنه إذا كانت كذلك لا تكون فروضاً بل تكون حقائق. والفرَض هو عبارة عن مجرد تقدير وليس إحساساً، وليس تقديراً ناتجاً عن إحساس. ومن هنا يقع الخطأ في اعتبار الفروض والتخيلات أفكاراً.

قد يقال إن حصر التفكير فيما يقع عليه الحس، أو يقع الحس على أثره، يعني حصر التفكير بالمحسوسات، وهذا يعني أن الطريقة العلمية هي أساس التفكير لأنها لا تؤمن إلا بالمحسوسات، فأين ذهبت الطريقة العقلية؟ والجواب على ذلك أن الطريقة العلمية تشترط إخضاع المحسوسات للتجربة والملاحظة ولا تكتفي بمجرد الحس. ولذلك فإن كون التفكير لا يقع إلا في المحسوسات يشمل المحسوسات التي تخضع للتجربة والملاحظة وتشمل المحسوسات التي يكتفى بوقوع الحس عليها، أي بالإحساس بها. وهذا لا يجعل الطريقة العلمية أساساً للتفكير. وإنما يجعلها عملية تفكير صحيحة لأنها تشترط أن يكون الشيء محسوساً وتزيد على ذلك أنها تشترط أيضاً إخضاعه للتجربة والملاحظة. أما موضوع الطريقة العقلية فإن حصر التفكير بالمحسوس هو ما تقتضيه. فإن الأساس في تعريف العقل ليس وجود معلومات سابقة، بل الأساس هو الواقع المحسوس، والمعلومات السابقة شرط يكون المحسوس قد جرى التفكير فيه، وإلا لظل مجرد إحساس. فالأصل في التفكير أن يكون في واقع محسوس، لا في شيء قد قدر، ولا في شيء جرى تخيل وجوده. ولذلك فإنه حين يقال إن الإنسان الأول قد جرى تفكيره على الوجه الفلاني لا يعتبر تفكيراً، لأن الإنسان الأول ليس واقعاً محسوساً، وإنما الإنسان الحالي هو الواقع المحسوس، فيؤخذ الإنسان الحالي. ويبحث ليعرف كيف يجري تفكيره، ثم ينطبق ما جرى التوصل إليه من نتيجة البحث على جنس الإنسان. لأن الجنس الواحد الذي لا يختلف، أو النوع الواحد الذي يختلف، ينطبق على جنسه وعلى نوعه كل ما ثبت لفرد من أفراده، لأنه جنس واحد ونوع واحد. وذلك كذرة التراب، أو تراب معين، فإن ما يتوصل إليه بشأن هذه الذرة من التراب عن طريق الحس ينطبق على جنسها كله وعلى نوعها كله، سواء أكان حاضراً أم غائباً، وسواء أجرى عليه التفكير أم لم يجر، فالمهم أن يكون الشيء الذي جرى فيه التفكير واقعاً محسوساً بذاته أو محسوساً أثره. ولا يوجد تفكير مطلقاً في أي شيء غير محسوس أو غير محسوس أثره.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:34 PM   #16
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 16,633
إفتراضي

وعلى هذا فإنه يجب أن يكون واضحاً أن ما يصدر من أحكام، وما يؤخذ من معلومات، عن غير الواقع، أو عن واقع مفروض وجوده أو متخيل وجوده، لا يعتبر فكراً ولا بوجه من الوجوه، أي لا يعتبر أن العقل قد أنتجه، لأن العقل لا يعمل بدون الواقع المحسوس أو المحسوس أثره. وبالتالي لا يجري التفكير إلا في الواقع أو في أثر الواقع، ولا يجري في غير ذلك مطلقاً. ولهذا فإن كثيراً مما يسمى بأفكار، سواء سجل في الكتب، أو جرى الحديث فيه، لا يعتبر نتاج العقل، ولم يجر التفكير فيه، وبالتالي ليس فكراً.

وهنا قد يرد الحديث عن المغيبات. سواء أكانت مغيبة عن المفكر أو كانت مغيبات عن الحس، فهل اشتغال الدماغ بالمغيبات لا يكون تفكيراً، وبالتالي هل ما قيل في المغيبات لا يكون فكراً؟ والجواب على ذلك أن المغيبات عن المفكر لا تكون مغيبات. بل تعتبر حاضرة، لأن المقصود بنقل الحس، هو أي نقل لأي إنسان، وليس نقل المفكر فقط. فمكة والبيت الحرام حين يفكر فيهما أو في أي منها شخص لم يرهما ولم يحس بهما لا يعني أنه يفكر في غير المحسوس، بل هو يفكر في المحسوس، لأنه ليس المحسوس هو الذي يحسه، بل المحسوس الذي من شأنه أن يكون محسوساً، وما يغيب عن المفكر من المحسوسات يعتبر التفكير بها تفكيراً، واشتغال الدماغ بها يكون تفكيراً. ولهذا فإن التاريخ يعتبر أفكاراً، ولو جرى تسجيله أو الحديث عنه بعد آلاف السنين. وتعتبر المعارف القديمة أفكاراً، واشتغال الدماغ بها يكون تفكيراً ولو جرى بعد آلاف السنين. وتعتبر الأخبار التي تتناقلها البرقيات أفكاراً، واشتغال الدماغ بها يكون تفكيراً ولو جاءت من مسافات بعيدة. فما يغيب عن المفكر لا يكون مغيبات وإنما يكون من المحسوسات، لأن الحس لا يشترط أن يكون لدى المفكر، بل قد ينقل إليه نقلاً، فقد يسمعه وقد يقرؤه، أو يقرأ له. فالموضوع أن المعرفة لا تكون فكراً إلا إذا نتجت عن واقع محسوس. فالواقع المحسوس أو المحسوس أثره هما وحدهما اللذان تكون معرفتهما فكراً، ويكون اشتغال الدماغ بهما تفكيراً. أما ما عداهما فإنه لا يكون فكراً، ولا يكون اشتغال الدماغ به تفكيراً.

أما المغيبات عن الحس، فهي التي تسمى مغيبات، وهي التي تكون موضع السؤال، والجواب عن المغيبات هو أنه ينظر فيها، فإن نقلت أو رويت عن المقطوع بصدق قوله، وكان قد ثبت وجوده بالدليل القاطع، فإنها تعتبر من الفكر، ويكون اشتغال الدماغ بها عملية عقلية، أي يكون تفكيراً. وذلك أن قطعية وجود الناقل أو الراوي ثبتت عن طريق الحس وعن طريق الفكر القطعي، وصدق قوله ثبت عن طريق الحس وعن طريق الفكر القطعي. ولذلك تعتبر أنها في الأصل صادرة عن محسوس هو، أو محسوس أثره، وفوق ذلك فقد ثبت وجود المصدر، وثبت صدقه بالفكر القاطع. ومن أجل ذلك يعتبر فكراً، ويعتبر اشتغال الدماغ به تفكيراً. سواء ثبت النقل أو الرواية بالدليل القطعي، أو بالدليل الظني، لأن القطع إنما يشترط في وجوده وفي صدقه، حتى يعتبر فكراً، ولا يشترط في ثبوت القول، ولكن تشترط صحته ولو بطريق غلبة الظن. فالمغيبات التي تصدر عمن ثبت وجوده وصدقه بالدليل القاطع تعتبر فكراً، ويعتبر اشتغال الدماغ بها تفكيراً، إذا صح صدورها سواء صح بطريق القطع، أو صح بطريق غلبة الظن.

إلا أن ما صح صدوره عن المقطوع بوجوده والمقطوع بصدقه إذا صح بشكل قطعي فكان قطعي الثبوت قطعي الدلالة. فإنه يجب تصديقه تصديقاً جازماً، ولا يصح مجرد الشك به. وإذا صح بشكل غير قاطع بل بشكل ظني، فإنه يجوز تصديقه تصديقاً غير جازم. إلا أن كلاً منهما يكون فكراً، ويكون اشتغال الدماغ به تفكيراً. ومن هنا فإن ما ورد من المغيبات عند المسلمين، سواء ورد في أحاديث الآحاد المقبولة للاستدلال أو ورد في القرآن الكريم، فإنه يعتبر فكراً، ويكون اشتغال الدماغ به تفكيراً.

أما ما ورد عن غير المقطوع بوجوده، وغير المقطوع بصدقه، فإنه لا يكون فكراً، ولا يكون اشتغال الدماغ به تفكيراً. وإنما يكون من قبيل التخيلات أو الفروض، ويكون مجرد تخريف.

وعلى ذلك، لا تعتبر المغيبات من الفكر، ولا يعتبر اشتغال الدماغ بها تفكيراً، إلا إذا صدرت عن المقطوع بوجوده والمقطوع بصدقه بشكل صحيح. هذه الحالة وحدها هي التي تعتبر فيها المغيبات فكراً، ويكون اشتغال الدماغ بها تفكيراً. لأنها مستندة إلى المحسوس من حيث أصلها. لأنها تعتبر أنها صدرت عمن يحسها، أو أخذت عنه من المقطوع بوجوده والمقطوع بصدقه. وما عدا هذه الحالة فإن المغيبات ليست فكراً، وليس اشتغال الدماغ بها تفكيراً، لأنها ليست من المحسوسات. فالتفكير هو اشتغال الدماغ بالمحسوسات، أو المحسوس أثرها، والفكر هو نتيجة هذا الاشتغال، ولا يكون إلا في المحسوسات أو المحسوس أثرها.

أما البحث في الكون والإنسان والحياة، فإنه ليس بحثاً في الطبيعة، لأن الطبيعة أعم من الكون والإنسان والحياة. وليس بحثاً في العالم، لأن العالم كل ما سوى الله. فيشمل الملائكة وبالشياطين، ويشمل الطبيعة، ولذلك فإنا حين نقول إننا نبحث الكون والإنسان والحياة، فإننا لا نعني الطبيعة، ولا بحث العالم، وإنما نعني هذه الثلاثة فحسب. لأن الإنسان يحيا في الكون، فهو لا بد أن يعرف الإنسان، ويعرف الكون، ويعرف الحياة. فهو إذن لا يعنيه أن يبحث الطبيعة، فإن بحثها لا يغنيه عن بحث نوعه وحياته والكون الذي يحيا به، ولا يعنيه بحث ما عدا ذلك من مثل الملائكة والشياطين، لأن بحثها ليس مما يشكل عنده عقدة. فالإنسان يحس نفسه أنه وجد، ويحس الحياة التي فيه، ويحس الكون الذي يحيا فيه، فهو منذ يميز الأمور والأشياء يبدأ يتساءل هل قبل وجوده ووجود أمه وأبيه ومن قبلهما إلى أعلى جد يوجد شيء أم لا، ويتساءل هل هذه الحياة التي فيه والتي في غيره من بني الإنسان يوجد قبلها شيء أم لا. ويتساءل هل هذا الكون الذي يراه من أرض وشمس وما يسمع به من كواكب يوجد قبلها شيء أم لا، أي هل هي أزلية وجدت هكذا من الأزل، أم قبلها شيء أزلي، ثم يتساءل هل هذه الأشياء الثلاثة يوجد بعدها شيء أم لا، أي هل هي أبدية تظل هكذا ولا تفنى أم لا. هذه التساؤلات أو الأسئلة ترد عليه كثيراً، وكلما كبر تزداد هذه التساؤلات، فتكوّن عنده عقدة كبرى يسعى لحلها. فهذا التساؤل أو الأسئلة هي بحث في واقع، أي هي نقل واقع بواسطة الحواس إلى الدماغ، فيظل يحس بهذا الواقع، ولكن ما لديه من معلومات لا تكفي لحل هذه العقدة الكبرى، ويكبر وتزداد المعلومات، ويحاول أكثر من مرة تفسير هذا الواقع بواسطة المعلومات التي لديه، فإن استطاع تفسير هذا الواقع تفسيراً قطعياً لا يعيد هذه التساؤلات، فإنه حينئذ يحل العقدة الكبرى. وإذا لم يستطع تفسير هذا الواقع تفسيراً قاطعاً، فإنه يظل يتساءل، فقد يحلها مؤقتاً، ولكن التساؤلات تعود إليه، فيعرف أنه لم يحلها، وهكذا يوأصل بشكل طبيعي سلسلة التساؤلات حتى يصل إلى الجواب الذي تصدقه فطرته، أي يتجاوب مع الطاقة الحيوية التي لديه، أي يتجاوب مع عاطفته. وحينئذ يوقن بأنه حل العقدة الكبرى حلاً جازماً وتنقطع عنه التساؤلات. وإذا لم تحل لديه هذه العقدة الكبرى فإن التساؤلات تظل تتوارد عليه، وتظل تزعجه، وتظل العقدة الكبرى في نفسه، ويظل في حالة انزعاج، وفي حالة قلق على مصيره، حتى يحصل هذا الحل، سواء أكان حلاً صحيحاً أو حلاً خاطئاً، ما دام يطمئن إليه.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:35 PM   #17
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 16,633
إفتراضي

هذا هو التفكير في الكون والإنسان والحياة، وهو تفكير طبيعي، وتفكير حتمي، ولا بد أن يوجد عند كل إنسان، لأن وجوده يقضي بوجود هذا التفكير. لأن إحساسه بهذه الثلاث هو أمر دائم، وهذا الإحساس يدفعه لمحاولة الوصول إلى الفكر. لذلك فإن التفكير في الكون والإنسان والحياة ملازم لوجود الإنسان، لأن مجرد الإحساس بهذه الثلاث الذي هو حتمي، يستدعي المعلومات المتعلقة به الموجودة لديه، أو بمحاولة طلب هذه المعلومات من غيره، أو يحاول طلب الحل من غيره, فهو يدأب بحافز ذاتي لحل هذه العقدة. فحل العقدة الكبرى يلاحق الإنسان بشكل متوأصل، في طلب هذا الحل، إلا أن الناس، على حتمية تساؤلهم، وحتمية القيام بمحأولاًت متعددة ومتلاحقة في الوصول إلى الإجابة، أي في الوصول إلى حل العقدة الكبرى فإنهم يختلفون في الاستجابة لهذه الملاحقة، فمنهم من يهرب من هذه الأسئلة، ومنهم من يوأصل طلب الإجابة عنها. أما وهم صغار دون سن البلوغ فإنهم يتلقون الإجابة عن أسئلتهم من آبائهم. فهم يولدون خالين من هذه الأسئلة، ولكن حين يبدأون يميزون ما حولهم تبدأ هذه الأسئلة ترد عليهم، فيتولى آباؤهم الإجابة عليها، ونظراً لثقتهم بآبائهم أو من يتولى شؤونهم يسلمون بالأجوبة تسليماً ويطمئنون لهذا التسليم لأنه تسليم لمن يثقون به. فإذا ما بلغوا سن الرجولة، أي بلغوا الحلم، فإن الأكثرية الساحقة منهم تظل عند حد الإجابة التي تلقوها، والأٌقلية هي تعود لها هذه التساؤلات لعدم اطمئنانها للأجوبة التي تلقوها وهم صغار. ولذلك تعيد النظر فيما تلقوها من حل هذه العقدة الكبرى، ويحاولون حلها بأنفسهم.

فالتفكير في حل العقدة الكبرى، أي التفكير في الكون والإنسان والحياة، أمر حتمي لكل إنسان، إلا أن منهم من يحلها بنفسه، ومنهم من يتلقى حلها، ومتى حلت، على أي وجه، فإن هذا الحل، سواء أكان حلاً قد جاء عن طريق التلقي، أو كان حلاً وصل إليه بنفسه فإنه إن تجاوب هذا الحل مع الفطرة واطمأن إليه فإنه يرتاح ويحس بسعادة الطمأنينة. وإن لم يتجاوب هذا الحل مع الفطرة، فإنه لا يطمئن إلى الحل، وتظل التساؤلات تلاحقه وتزعجه ولو لم يفصح عن ذلك بأية إشارة. ولذلك لا بد من التفكير في حل العقدة الكبرى للإنسان، حلاً يتجاوب مع الفطرة.

نعم إن التفكير بحل العقدة الكبرى طبيعي وحتمي، ولكن هذا التفكير نفسه قد يكون تفكيراً صحيحاً، وقد يكون تفكيراً سقيماً، وقد يكون تفكيراً في الهروب من التفكير، ولكنه على أي حال تفكير حسب الطريقة العقلية. فالذين يرجعون الإنسان والكون والحياة إلى أنها مادة، وينتقلون إلى البحث في المادة يهربون من التفكير بالإنسان والكون والحياة إلى التفكير بالمادة، وهذا التفكير بالمادة باعتباره هروباً من التفكير الطبيعي والحتمي، يجرهم إلى السقم في التفكير. فالمادة تخضع للمختبر، ولكن الإنسان والكون والحياة لا تخضع للمختبر، والتساؤلات التي ترد تحتاج إلى تفكير عقلي، وهم ينتقلون إلى التفكير العلمي. ولذلك يستحيل أن يأتوا بالحل الصحيح وبذلك يأتون بالحل المغلوط. فيحلون العقدة الكبرى، ولكن حلاً خاطئاً لا تتجاوب معه الفطرة، ومن هنا يظل هذا الحل حلاً لأفراد لا حلاً لشعب أو أمة. فيبقى الشعب أو الأمة دو أن تحل لديها العقدة الكبرى حلاً يتجاوب مع فطرتها، وتظل التساؤلات تلاحق الناس، وحتى تلاحق كثيراً من الأفراد الذين ارتضوا هذا الحل.

أما الذين يرون أن هذه العقدة الكبرى فردية، ولا تعني الشعب بوصفه شعباً، ولا تعني الأمة بوصفها أمة، ولا دخل لها في أمور العيش، فإنهم يهربون من حل العقدة الكبرى، ويتركون الأفراد وشأنهم، والشعب وشأنه، أو الأمة وشأنها. ولذلك تظل العقدة الكبرى تلاحق الأفراد، وتلاحق الشعب أو الأمة، وتزعج الأفراد والجماعات، ويعيش الجميع في حالة اطمئنان كاذب لحل هذه العقدة الكبرى، لأنها في الحقيقة ظلت بدون حل، وظل الإزعاج النفسي أو الفطري مسيطراً على الأفراد وعلى الشعب أو الأمة.

والحقيقة أن مسألة حل العقدة الكبرى فيها ناحيتان إحداهما الناحية العقلية، أي المتعلقة بالعقل، أي في نفس التفكير الذي يجري. والثانية متعلقة بالطاقة الحيوية التي في الإنسان، أي بما يتطلب الإشباع، فالتفكير يجب أن يتوصل إلى إشباع الطاقة الحيوية. وإشباع الطاقة الحيوية بالفكر، يجب أن يأتي عن التفكير، أي يجب أن يأتي عن نقل الواقع بواسطة الحواس إلى الدماغ. فإذا الإشباع بالتخيلات أو الفروض، أو بغير ما هو واقع محسوس، فإن الطمأنينة لا تحصل، والحل لا يوجد. وإذا جاء التفكير بما لا يوجد الإشباع، أي بما لا يتفق مع الفطرة، فإنه يكون مجرد فروض أو مجرد إحساس، فلا يوصل إلى حل تطمئن إليه النفس، ويوجد الإشباع.

فحتى يكون الحل حلاً صحيحاً للعقدة الكبرى، يجب أن يكون نتيجة تفكير حسب الطريقة العقلية، وأن يشبع الطاقة الحيوية، وأن يكون جازماً بحيث لا يترك مجالاً لعودة التساؤلات. وبهذا يوجد الحل الصحيح، ويوجد الاطمئنان الدائم لهذا الحل. ومن هنا كان من أهم أنواع التفكير، التفكير بالكون والإنسان والحياة. أي التفكير بحل العقدة الكبرى حلاً يتجاوب مع الفطرة، أي يحصل به إشباع الطاقة الحيوية، ويكون جازماً يحول دون رجوع هذه التساؤلات.

نعم إن محاولة الطاقة الحيوية إشباع ما يتطلب الإشباع، قد ترشد إلى حل العقدة الكبرى، فإن الشعور بالعجز والحاجة إلى قوة تعينه قد يؤدي إلى حل هذه العقدة، ويملي أجوبة التساؤلات. ولكن هذا الطريق غير مأمون العواقب، وغير موصل إلى تركيز إذا ترك وحده. فغريزة التدين قد توجد في الدماغ تخيلات أو فروضاً لا تمت إلى الحقيقة بصلة. وهي وإن أشبعت الطاقة الحيوية، ولكنها قد تشبعها إشباعاً شاذاً كعبادة الأصنام، أو تشبعها إشباعاً خاطئاً كتقديس الأولياء. ولذلك لا يصح أن يترك للطاقة الحيوية أن تحل العقدة الكبرى وتجيب على التساؤلات بل لا بد أن يجري التفكير في الإنسان والكون والحياة للإجابة عن التساؤلات. إلا أن هذه الإجابة يجب أن تتجاوب مع الفطرة، أي يجب أن يتم بها إشباع الطاقة الحيوية وأن تكون بشكل جازم لا يتطرق إليه شك. وإذا حصل هذا الحل بالتفكير الذي تتجاوب معه الفطرة، فإنه حينئذ يكون حلاً يملأ العقل قناعة والقلب طمأنينة.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:36 PM   #18
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 16,633
إفتراضي

أما التفكير في العيش، فإن إشباع الطاقة الحيوية، أي إشباع الحاجات العضوية كالأكل، وإشباع الغرائز كالتملك يتطلب أن يوجد لدى الإنسان تفكير في العيش، فهو تفكير طبيعي وحتمي. إلا أن التفكير بالعيش هكذا لمجرد العيش لا يكفي للإنسان للنهضة، ولا يكفي للإنسان لنيل السعادة، أي لنيل الطمأنينة الدائمة. ولذلك فإنه من أجل أن ينهض الإنسان، ومن أجل أن ينال السعادة أي الطمأنينة الدائمة، لا بد أن يجعل تفكيره في العيش مبنياً على أساس تفكيره في وجهة نظره في الحياة. فهو إنسان يحيا في الكون، وعيشه في هذا الكون يعني حياته في الكون، ولذلك لا بد أن يكون تفكيره في العيش مبنياً على نظرته لهذه الحياة الدنيا التي يحياها. وبدون بناء تفكيره في العيش على نظرته لهذه الحياة الدنيا، يبقى تفكيره منحطاً، ومحدوداً، وضيقاً، فلا يتمتع بنهضة، ولا يحصل على الطمأنينة الدائمة. ولذلك لا بد أن يكون التفكير في الكون والإنسان والحياة أساساً للتفكير في العيش. صحيح أن الإنسان يفكر في العيش استجابة لطلب الإشباع، سواء أكانت لديه نظرة للكون والإنسان والحياة أم لم تكن. ولكن هذا التفكير يظل بدائياً، ويظل قلقاً، وغير سائر في الطريق التصاعدي، حتى يبنى على التفكير في الإنسان والكون والحياة، أي حتى يبنى على نظرته للحياة. فالموضوع ليس أي التفكيرين يسبق، فإنه معروف بداهة أن التفكير في العيش يسبق كل تفكير، بل الموضوع هو التفكير في العيش الراقي، العيش الذي تكون فيه الطمأنينة الدائمة، ولذلك لا بد أن يبنى التفكير في العيش على النظرة إلى الحياة.

صحيح أن التفكير بالعيش يرتقي من التفكير بعيش نفسه إلى التفكير بعيش عائلته وعشيرته، ويرتقي من التفكير بعيش نفسه إلى التفكير بعيش قومه، ويرتقي من التفكير بعيش قومه إلى التفكير بعيش أمته، ويرتقي من التفكير بعيش أمته إلى التفكير بعيش الإنسانية. ولكن هذا الارتقاء وإن كان موجوداً في فطرة الإنسان، ولكنه إذا ترك وحده بدون أن يجعل له أساس يبنى عليه فإنه قد يحصر بالتفكير بعيش نفسه ولا يتعداه إلا إذا كان متعلقاً بعيش نفسه، كأن يتعداه، إلى التفكير بعيش عائلته وعشيرته. أو يتعدى ذلك إلى التفكير بعيش قومه وأمته. ولكنه يظل تفكيراً بعيش نفسه، فتبقى فيه الأنانية متحكمة، ويظل الانحطاط بارزاً في تصرفاته، أو مظهراً من مظاهر حياته. ولا يتعدى ذلك إلى النهضة، ولا إلى الاطمئنان الدائم. ولهذا فإن ترك التفكير بالعيش هكذا على طبيعته، دون أن يبنى على نظرة في الحياة، لا يصح أن يستمر وأن يبقى، لأنه لا يوصل إلى النهضة، ولا إلى الطمأنينة الدائمة، بل يحول دون الطمأنينة الدائمة، والعيش البدائي، أو عيش الشعوب المنحطة هو خير دليل على ذلك.

إن التفكير بالعيش لا يعني التفكير بإشباع الطاقة الحيوية إشباعاً آنياً أو كيفما اتفق، ولا إشباع الذات وحدها أو العائلة وحدها، أو القوم والأمة وحدهم. فإنه إنسان يحيا في الكون، فلا بد أن يكون التفكير بالعيش أن يكون عيشاً مستمراً، وأن يكون عيشاً على أرقى وجه مستطاع، وأن يكون لعيش الإنسان من حيث هو إنسان، بما تقتضيه غريزة بقاء النوع الإنساني. وهذا لا يمكن أن يتأتى بجعل التفكير في العيش دون بنائه على نظرة معينة للحياة. لأنه إذا بقي كذلك، ظل تفكيراً بدائياً وظل تفكيراً يتسم بالانحطاط.

وعلى أي حال، سواء بني التفكير بالعيش على النظرة في الحياة أو لم يبن، فإن أهم ما يجب أن يكون فيه، أن يكون تفكيراً مسؤولاً، تقصد فيه الغاية منه، والغاية من العيش. وإن أهم ما يجب أن يلاحظ فيه، المسؤولية عن الغير. المسؤولية عمن تقتضي الفطرة المسؤولية عنهم، وعمن تقتضي الحمايةُ المسؤوليةَ عمن تحصل بهم الحمايةُ. فرأس العائلة كالأب، مثل الزوجة والأولاًد، ورأس العشيرة كالزعيم، مثل أي فرد من أفراد العشيرة. كل منهم، الأب والزوجة والأولاًد، والزعيم وكل فرد من أفراد العشيرة، يجب أن يقصد الغاية التي يفكر فيها بالعيش، والغاية نفسها من العيش، ويلاحظ المسؤولية عن الغير. فالتفكير المسؤول في العيش، لا بد أن يكون هو طابع التفكير بالعيش، حتى يتأتى أن يكون تفكيراً بالعيش، لأن التفكير غير المسؤول، في موضوع العيش، لا يزيد عن التمييز الغريزي لدى الحيوان في إشباع الطاقة الحيوية، وهو لا يليق بالإنسان، ولا يصح أن يظل هو تفكير الإنسان.

إن اشتراط أن يكون التفكير بالعيش تفكيراً مسؤولاً، هو أدنى ما يجب اشتراطه، لأنه رغم كونه لا يكفي للنهضة، ورغم أنه لا يكفي للطمأنينة الدائمة، ولكنه أدنى ما يجب أن يكون لرفع مستوى الإنسان عن رتبة الحيوان، ولجعله تفكير إنسان له دماغ متميز بالربط، وليس مجرد حيوان لا يتطلب سوى إشباع الطاقة.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:37 PM   #19
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 16,633
إفتراضي

إن التفكير بالعيش هو الذي يصوغ الحياة للفرد، وهو الذي يصوغ الحياة للعائلة والعشيرة، وهو الذي يصوغ الحياة للقوم، وهو الذي يصوغ الحياة للأمة، وهو فوق كل ذلك يصوغ الحياة للإنسانية، صياغة معينة، فيجعلها شكل قرد أو خنزير، ويجعلها من ذهب أو من قصدير، أي يجعلها حياة عز ورفاهية وطمأنينة دائمة، أو يجعلها حياة شقاء وتعاسة وركض وراء الرغيف. ونظرة واحدة للتفكير الرأسمالي بالعيش، وما صاغ به الحياة للإنسانية كلها من صياغة معينة، تُري ما جلبت هذه الصياغة لحياة الإنسانية كلها من تعاسة وشقاء وجعل الإنسان بقضي حياته كلها يركض وراء الرغيف. وكيف جعلت العلاقات بين الناس علاقات خصام دائم، هي علاقة الرغيف بيني وبينك آكله أنا أو تأكله أنت، فيستمر بيننا الصراع حتى ينال أحدنا الرغيف ويحرم الآخر، أو يعطي أحدنا ما يبقيه على الحياة ليوفر باقي الرغيف للآخر ويزيد خبزه. فنظرة واحدة لهذه الصياغة التي صاغها التفكير الرأسمالي للحياة، تُري كيف جعلت الحياة الدنيا دار شقاء وتعاسة، ودار خصام دائم بين الناس. ذلك أن التفكير الرأسمالي بالعيش، وإن كان قد بناه على فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة، أي وإن كان بناه على نظرة معينة في الحياة، فإنه وإن حقق نهضة للشعوب والأمم التي سارت على هذا التفكير بالعيش، فإنه أشقى تلك الشعوب والأمم، وأشقى الإنسانية بأجمعها. فهو الذي أوجد فكرة الاستعمار والاستغلال، وهو الذي أتاح لأفراد أن يعيشوا في مستوى هيأ لهم أن يأخذوا الرسائل التي تأتيهم على طبق من ذهب يقدمه إليهم الخدم، أي العبيد، وحرم أفراداً حتى من أن يكونوا خدماً أو عبيداً لأبناء عائلاتهم أو عشيرتهم أو أمتهم، يستطيعون أن ينعموا بفضلات العيش. وفي أمريكا الغنية، وإنجلترا التي تحلم بالإمبراطورية، وفرنسا التي يسبح خيالها بالعظمة والمجد، نماذج عديدة من هذه الحياة، فضلاً عما فعلته فكرة الاستعمار والاستغلال في غير أروبا وأمريكا من استعباد ومص دماء. وكل هذا إنما كان، لأن التفكير بالعيش ليس تفكيراً مسؤولاً، أي ليس تفكيراً فيه المسؤولية عن الغير، وإنما هو خال من المسؤولية الحقيقية، حتى وإن كانت تظهر فيه المسؤولية عن العائلة أو العشيرة أو القوم أو الأمة، ولكنه في حقيقته خال من المسؤولية، لأنه ليس فيه إلا ما يضمن الإشباع.

والفكرة الاشتراكية وإن جاءت لتوجد المسؤولية في التفكير بالعيش، لتوجدها مسؤولية عن الفقراء والكادحين، ولكنها وقد عجزت عن الصمود أمام الحياة، انحرفت مع الزمن، حتى غدت اسماً أو شبحاً، وأخذت تخلو تدريجياً من المسؤولية عن الغير، حتى صارت فعلاً تفكيراً بالعيش، لا يختلف عن التفكير الرأسمالي، في الخلو من المسؤولية عن الغير، وصارت في واقعها فكرة قومية أكثر منها فكرة إنسانية.

وعلى هذا فإن العالم، وإن كان فيه التفكير في العيش مبنياً على نظرة للحياة لدى كل من أروبا وأمريكا وروسيا وهي الدول التي تصوغ الحياة في العالم. فإن التفكير في العيش الموجود في العالم يعتبر حقيقة أنه خال من المسؤولية عن الغير. إن المرء قد يفهم أن خلو التفكير بالعيش من المسؤولية عن الغير، قد يوجد طبيعياً في الإنسان المنحط ولكنه لا يفهم كيف يجعل استعباد الغير واستغلاله لإشباع حاجات الذات يحل محل المسؤولية عن الغير. ولهذا فإنه رغم مظاهر النهضة والتقدم الموجودة في العالم اليوم ولكن خلو التفكير بالعيش لدى الناس ولا سيما الأقوياء القادرين على تحصيل العيش، من المسؤولية عن الغير يجعل العاقل المبصر يدرك أن العالم في تفكيره بالعيش منحط وليس متقدماً، وقلق وليس بمطمئن ويعتبر أن بقاء هذا التفكير بالعيش الخالي من المسؤولية عن الغير أمر مضر بالحياة. ومجلبة للشقاء للإنسان. ولذلك لا بد من القضاء على هذا التفكير والعمل لأن يحل محله تفكير بالعيش تكون المسؤولية عن الغير جزءاً لا يتجزأ منه.


صحيح أن الرغيف هو العلاقة بين الإنسان والإنسان، وصحيح أن التفكير بالعيش هو التفكير بالحصول على هذا الرغيف لإشباع الطاقة الحيوية التي تدفع الإنسان للإشباع. ولكن بدل أن تكون العلاقة بالرغيف بين الإنسان والإنسان، هي أن آكله انا أو تأكله أنت تكون، هذه العلاقة بالرغيف تأكله أنت لا أنا، فأنا احصل الرغيف لأطعمك أياه وأنت تحصل الرغيف لتطعمني إياه، لا أن اخاصمك لأخذه وتخاصمني لأخذه، أي أن تكون علاقة إيثار لا علاقة أثرة. أي أن تفرح بالعطاء لا بالاستغلال، وأن أفرح بالعطاء لا بالاستغلال. ولله در الشاعرالعربي حين يقول:
تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله
أي إن الإنسان وإن كان يفرح بأن يأخذ، استجابة لغريزة البقاء ولكنه حين يرتقي يصبح يفرح لأن يعطي كما يفرح حين يأخذ وكذلك استجابة لغريزة البقاء، وهو مظهر الكرم والإعطاء، فإنه كمظهر الملكية والأخذ كل منهما مظهر من مظاهر غريزة البقاء.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:38 PM   #20
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 16,633
إفتراضي

فالموضوع ليس فيه جعل التفكير بالعيش تفكيراً بالغير، لأن التفكير بالعيش هو تفكير بإشباع الطاقة الحيوية للإنسان الذي يفكر فلا بد أن يكون متجاوباً مع الإشباع حتى يكون تفكيراً صحيحاً، وإنما الموضوع هو أن تكون في هذا التفكير المسؤولية عن الغير، لا أن يكون تفكيراً بإشباع الغير. فهو لا يفكر بالعيش ليشبع الطاقة الحيوية لدى الغير، بل يفكر بالعيش لإشباع الطاقة الحيوية لديه، ولكنه حين يفكر تفكيراً مسؤولاً، أي حين يكون تفكيره متصفاً بصفة المسؤولية عن الغير؛ فإنه بدل أن يشبع مظهر الملكية، يشبع مظهر الكرم، وبدل أن يشبع مظهر الخوف يشبع مظهر الثناء. وفي كلتا الحالتين هو يشبع الطاقة الحيوية لديه في إشباع غريزة البقاء، ولكنه اختار إشباع المظهر الأرقى على المظهر المنحط. هذا هو الموضوع في جعل التفكير بالعيش تفكيراً مسؤولاً. فإن المسؤولية عن الغير في التفكير بالعيش هي التي تجعله تفكيراً بالعيش يعطي العيش الراقي والعيش الهنيء.

أما التفكير في الحقائق فإنه وإن كان لا يختلف عن التفكير في أي شيء، لأن الحقيقة هي مطابقة الفكر للواقع، ولكن لما كان للحقائق وزن ولا سيما الحقائق غير المادية، فإنه لا بد من بيان هذا النوع من التفكير باعتباره يختلف عن التفكير في أي شيء غيره. والتفكير بالحقائق هو جعل الحكم الذي يصدر منطبقاً تمام الانطباق على الواقع الذي نقل إلى الدماغ بواسطة الإحساس، وهذه المطابقة هي التي تجعل ما يدل عليه الفكر حقيقة، وهي إذا كانت حقيقة تتجاوب مع الفطرة تجاوباً طبيعياً. فمثلاً: كون المجتمع هو عبارة عن علاقات وناس فيكون هذا واقعه. فحين يجري الحكم على المجتمع ما هو، فإن كل الأحكام على واقعه قد جرت على الطريقة العقلية، وهي فكر ولكن كون هذا الفكر حقيقة أو ليس بحقيقة راجع إلى انطباق هذا الفكر حقيقة. فالذين قالوا إن المجتمع عبارة عن مجموعة أفراد، فإنهم رأوا أن الجماعة مكونة من أفراد وأن المجتمع لا يتأتى أن يكون إلا إذا وجد مجموعة أفراد فنقل هذا الواقع إلى دماغهم بواسطة الحواس وفسروه بواسطة المعلومات السابقة فأصدروا حكمهم بأن المجتمع هو مجموعة أفراد. فهذا الحكم فكر ولكن مطابقته للواقع وعدم مطابقته هو الذي يدل على أنه حقيقة أم لا. فعند تطبيقه على الواقع يشاهد أن الجماعة في باخرة مهما بلغ عددهم لا يكونون مجتمعاً وإنما يكونون جماعة مع أنهم مجموعة أفراد في حين أن الجماعة الذين يعيشون في قرية مهما بلغ عددهم يكونون مجتمعاً. فالذي جعل القرية مجتمعاً ولم يجعل الباخرة مجتمعاً، إنما هو وجود العلاقات الدائمة بين سكان القرية وعدم وجود العلاقات الدائمة بين ركاب الباخرة. فإذن، فالذي يكون المجتمع هو العلاقات بين الناس وليس مجموعة الناس. وبذلك يتبين أن هذا التعريف للمجتمع وإن كان فكراً ولكنه ليس حقيقة، وهذا يعني أنه ليس كل فكر حقيقة بل لا بد أن يكون هذا الفكر منطبقاً على الواقع الذي صدر الحكم عليه.

ومثلاً كون الديانة النصرانية فكراً، صحيح. فقد نقل الحس أن الآب والابن وروح القدس هي واحد فالثلاثة واحد، والواحد ثلاثة، فالشمس فيها الضوء والحرارة وجرم الشمس فكلها شيء واحد وهي ثلاثة، فكذلك الإله هو الآب والابن وروح القدس، وقد تجاوب الاعتقاد بالإله مع الفطرة أي مع غريزة التدين فكان فكراً ولكن مطابقته للواقع وعدم مطابقته للواقع هو الذي يدل على أنه حقيقة. وعند تطبيقه على الواقع يشاهد أن الثلاثة ليست واحداً ولا الواحد ثلاثة، فالثلاثة ثلاثة والواحد واحد. أما الشمس فإن كون لها ضوء ولها حرارة، لا يدل على أنها ثلاثة بل هي واحد هو الشمس، والضوء خاصة من خواصها وليس شيئاً ثانياً، والحرارة خاصة من خواصها وليست أمرا ثالثاً، وكون هذا تجاوب مع الفطرة لا قيمة له لأن غريزة التدين تتطلب الإشباع فقد يجري إشباعها بشكل خاطىء أو شاذ وقد يجري إشباعها بشكل صحيح. واثبات كون الإله واحداً أم ثلاثة إنما يأتي عن طريق العقل لا عن طريق الفطرة وإن كان شرطه أن يتجاوب هذا التفكير العقلي مع الفطرة. وعليه يكون هذا الفكر غير منطبق على واقع الإله فلا يكون حقيقة، فالديانة النصرانية ليست حقيقة.

ومثلاً كون المادة تتطور من ذاتها ويجري بذلك الخلق والإيجاد وأن هذا فكر أمر صحيح. فقد نقل الواقع أن المادة تتحول من حال إلى حال بواسطة قوانين ثابتة. ويحصل بهذا التحول إيجاد أشياء جديدة لم تكن فيكون هذا خلقاً وإيجاداً. ولكن انطباق هذا على الواقع هو الذي يدل على أنه حقيقة أو ليس بحقيقة. وعند تطبيقه على الواقع يشاهد أن هذه المادة لم توجد أشياء من عدم، بل من شيء موجود وأن القوانين مفروضة عليها فرضاً فهي لا تستطيع أن تخرج على هذه القوانين. فلا يكون عملها خلقاً ولا تكون هي خالقة. فيكون هذا الفكر غير منطبق على واقع الخالق، ولا على واقع الخلق فلا يكون حقيقة. وهكذا جميع الأفكار الموجودة في الدنيا والتي توجد، لا يعني كونها فكراً أنها حقيقة، بل لا بد أن ينطبق الفكر على الواقع حتى يكون حقيقة. ولأجل معرفة أن الفكر حقيقة أم لا، لا بد من تطبيق هذا الفكر على الواقع الذي يدل عليه، فإن انطبق عليه كان حقيقة وإن لم ينطبق عليه لم يكن حقيقة. فالتفكير بالحقائق لا يعني القيام بالعملية العقلية فحسب بل يعني القيام بالعملية العقلية، وتطبيق الفكر الذي نتج عن العملية العقلية على الواقع الذي يدل عليه، فإن انطبق عليه كان حقيقة، وإن لم ينطبق عليه لم يكن حقيقة. ولا يقال إن هناك أشياء لا يمكن معرفة انطباق الواقع عليها لأنها لا تحس، لا يقال ذلك لأن شرط التفكير الإحساس بالواقع فما لم يكن واقعاً يحس لا يكون فكراً وبالتالي لا يكون حقيقة. فالله مثلاً، ليس فكرة وإنما هو حقيقة، فإن الحس قد نقل أثره، وهو المخلوقات من عدم إلى الدماغ بواسطة الحواس وهذا جعلنا نحكم على وجوده. فوجود الله حقيقة. أما ذات الله فإنها لا تقع تحت الحس ولذلك لا نستطيع الحكم عليها. فلا يوجد شيء من الحقائق التي توصل أو يتوصل إليه العقل، إلا ويقع عليه الحس. فالحقيقة لا بد أن يقع عليها الحس ولا بد أن يجري التفكير بها عن طريق العقل.
فالتفكير بالحقيقة هو تطبيق الفكر على الواقع الذي يدل عليه فإن انطبق عليه كان حقيقة، وإن لم ينطبق عليه لم يكن حقيقة. والتفكير بالحقيقة أمر لا بد منه للناس جميعاً من أفراد وشعوب وأمم، ولا سيما من يتحملون مسؤوليات مهما كانت صغيرة لأن الأفكار كثيراً ما تكون سببا للخطأ، وسببا للضلال فلا يصح أخذ الفكر أي فكر على أنه حقيقة بل يؤخذ على أنه فكر فقط ثم يجري تطبيقه على الواقع الذي يدل عليه فإن انطبق عليه كان حقيقة، وإلا لم يكن حقيقة وإن كان فكراً. فالتفكير بالحقيقة سواء أكان ابتداءً مثل القيام بالعملية العقلية للوصول إلى الفكر ثم تطبيق هذا الفكر على الواقع حتى ينطبق عليه فإذا انطبق عليه كان حقيقة وإلا فيجب أن يجري البحث عن الحقيقة، أي عن الفكر الذي ينطبق على الواقع الذي يدل عليه أو لم يكن ابتداءً وإنما كان عن طريق أخذ الأفكار الموجودة والبحث عن الحقائق منها. مثل القيام بتطبيق الأفكار الموجودة على الواقع، للوصول إلى الحقيقة.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .