العودة   حوار الخيمة العربية > القسم الثقافي > مكتبـة الخيمة العربيـة

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: #نفائس_الثمرات - هَذَا وَنَصْرُ الدِّيْنِ فَرْضٌ لاَزِمٌ (آخر رد :الكرمي)       :: #تأملات في #سورة_طه - 03 (آخر رد :الكرمي)       :: حذار من الروايات المضللة التي تحجب الإرهابيين الحقيقيين داخل أزمة #الروهينجا! (مترجم) (آخر رد :الكرمي)       :: بالوعي والإخلاص سيفُشل أهل اليمن خطة نائب #المبعوث_الأممي الخاص (آخر رد :الكرمي)       :: #نشرة_أخبار المساء ليوم الثلاثاء من #إذاعة_حزب_التحرير ولاية #سوريا 2017/09/19م (آخر رد :الكرمي)       :: #نشرة_أخبار الظهيرة ليوم الثلاثاء من #إذاعة_حزب_التحرير ولاية #سوريا 2017/09/19م (آخر رد :الكرمي)       :: #نشرة_أخبار الصباح ليوم الثلاثاء من #إذاعة_حزب_التحرير ولاية #سوريا 2017/09/19م (آخر رد :الكرمي)       :: #الجولة_الإخبارية 2017/09/20م (آخر رد :الكرمي)       :: مع #القرآن_الكريم - من سورة الزّمر (آخر رد :الكرمي)       :: مع #الحديث_الشريف "الخمر مفتاح كل شر" (آخر رد :الكرمي)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 19-05-2016, 04:11 PM   #1
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,654
إفتراضي كتاب التفكير - تقي الدين النبهاني




كتاب التفكير - تقي الدين النبهاني - (كامل)


هذا الكتاب من الكتب التي أصدرها

حزب التحرير


تاليف: تقي الدين النبهاني
وهو من آخر الكتب التي كتبها مع كتاب سرعة البديهة


الطبعة الأولى

سنة 1393هـ ، 1973م.




بسم الله الرحمن الرحيم

التفكير



إن الإنسان هو أفضل المخلوقات على الإطلاق، حتى لقد قيل _وهو قول حق _إنه أفضل من الملائكة. والإنسان فضله إنما هو في عقله، فعقل الإنسان هو الذي رفع شأن هذا الإنسان وجعله أفضل المخلوقات، ولذلك لا بد من معرفة هذا العقل، وبالتالي لا بد من معرفة التفكير، ولا بد من معرفة طريقة التفكير، لأن هذا الواقع المسمى بالتفكير هو الذي يجعل للعقل قيمته، وهو الذي يعطي هذه الثمرات اليانعة، التي بها تصلح الحياة، ويصلح الإنسان، بل يصلح الكون كله بما فيه من كل شي حتى الجماد والنبات والحيوان.
إن العلوم والفنون، والأدب والفلسفة، والفقه واللغة، والمعرفة من حيث هي معرفة، إنما هي نتاج العقل وبالتالي نتاج التفكير. لذلك كان لزاما للإنسان وللحياة وللكون كله أن يدرك واقع العقل ما هو، وأن يدرك بالتالي واقع التفكير، وطريقة التفكير.

لقد قطعت الإنسانية هذه المسافة الطويلة من الحياة، ومن عمر الزمن وهي تعنى أكثر ما تعنى بنتاج العقل، وبنتاج التفكير دون أن تعني نفسها بواقع العقل وبواقع التفكير. صحيح أنه قد وجد من يحاول إدراك واقع العقل من علماء المسلمين، ومن علماء غير مسلمين في القديم والحديث ولكنهم أخفقوا في إدراك هذا الواقع. ووجد من يحاول رسم طريقة للتفكير، ولكنهم وقد نجحوا في نواحٍ من ثمرات هذه الطريقة بالمنجزات العلمية ولكنهم ضُلّلوا عن معرفة التفكير من حيث هو تفكير، وضللوا غيرهم من المقلدين الذين بهرهم هذا النجاح العلمي. ومن قبل، منذ أيام اليونان ومَن بعدهم، اندفعوا في الوصول إلى التفكير فوصلوا إلى ما يسمى بالمنطق، ونجحوا في الوصول إلى بعض الأفكار، ولكنهم أفسدوا المعرفة من حيث هي معرفة، فكان المنطق وبالاً على المعرفة بدل أن يكون _ كما أريد له _ سبيلاً للوصول إليها ومقياسا لصحتها. وأيضاً فإن هؤلاء الذين اندفعوا في الوصول إلى التفكير، قد وصلو أيضاً إلى ما يسمى بالفلسفة، أو ما يعرف بحب الحكمة، والتعمق فيما وراء الوجود، أي ما وراء المادة، فأوجدوا بحثاً لذيذ المعرفة لذيذ النتائج، ولكنه كان بعيداً عن الواقع، بعيداً عن الصدق، فكان أن أبعد عن الحقيقة وبعد عن الواقع، فضلل الكثيرين، وانحرف بالتفكير عن جادة الصواب.

فهذا كله وأمثاله إذا جاز أن نقول إنه بحث في التفكير، وبحث في طريقة التفكير، ولكنه _ رغم كونه أوجد معارف ، وأوجد مجالاً للبحث، وأوجد ما ينفع الإنسان _ لم يكن منصباً على واقع التفكير، ولم يكن سائراً في طريق الصواب، ولهذا لا يعتبر بحثاً في واقع التفكير، وإنما هو بحث في نتائجه وثمراته، ولم يكن طريقة مستقيمة للتفكير، وإنما هو أسلوب من أساليب هذه الطريقة، جاء صدفة من جراء البحث في نتاج العقل، أو في الثمرات، ولم يأت عن طريق البحث في واقع التفكير. ولذلك يمكن أن يقال إن البحث في طريقة مستقيمة للتفكير، لا يزال مجرد محأولاًت تجري حول نتاج التفكير لا حول واقع التفكير نفسه.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:15 PM   #2
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,654
إفتراضي

أما سبب عدم الاهتداء حتى الآن إلى واقع التفكير، بالتالي إلى طريقة التفكير، فإنه راجع إلى أن الباحثين قد بحثوا في التفكير قبل أن يبحثوا في العقل، ولا يمكن الاهتداء إلى واقع التفكير، إلا بعد معرفة واقع العقل معرفة يقينية بشكل جازم، لأن التفكير هو ثمرة العقل، والعلوم والفنون وسائر صنوف الثقافة، إنما هي ثمرة التفكير. لذلك فإنه لا بد من معرفة واقع العقل أولاً معرفة يقينية بشكل جازم، ثم بعد ذلك يمكن معرفة واقع التفكير، ويمكن معرفة طريقة مستقيمة للتفكير، ثم بعد ذلك، وعلى ضوئه، يمكن الحكم على المعرفة هل هي علم أم لا، أي يمكن إدراك أن الكيمياء علم، وأن ما يسمى بعلم النفس وعلوم الاجتماع ليست علماً، ويمكن الحكم على المعرفة هل هي ثقافة أم لا، أي يمكن إدراك أن التشريع ثقافة. وأن التصوير ليس ثقافة. فالمسألة كلها مبنية على أساس معرفة واقع العقل معرفة يقينية جازمة، ثم بعد ذلك، وعلى ضوء هذه المعرفة، يبحث واقع التفكير، وبالتالي طريقة التفكير، وعلى ضوئها يمكن الوصول بشكل صحيح إلى أسلوب التفكير، أو إلى أساليب التفكير.
هذه هي المسألة، فالوصول إلى العلم والثقافة، يجب أن يكون نتيجة لمعرفة واقع التفكير، وطريقة التفكير وأسلوبه، والوصول إلى واقع التفكير، يجب أن يكون نتيجة لمعرفة واقع العقل. وعلى ذلك لا بد من معرفة واقع العقل معرفةيقينية جازمة ثم معرفة واقع التفكير.
إن الذين عرفوا العقل ما هو، أي حاولوا معرفة واقع العقل، كثيرون، سواء أكان ذلك في القديم من فلاسفة اليونان، أو من علماء المسلمين، أو علماء الغرب، أو كان ذلك في العصر الحديث. ولكن هذه التعاريف، أو بعبارة أخرى هذه المحأولاًت، لا يوجد فيها ما يستحق الذكر، ولا ما يرتفع إلى مستوى النظر، سوى محاولة علماء الشيوعية، فإن تعريفهم وحده هو الذي يمكن أن يستحق الذكر، ويمكن أن يرتفع إلى مستوى النظر، لأنها محاولة جدية، لم يفسدها عليهم إلا إصرارهم الخاطىء على إنكار أن لهذا الوجود خالقاً، ولولا هذا الإصرار على إنكار أن للوجود خالقاً، لتوصلوا إلى إدراك واقع العقل إدراكاً حقيقياً، أي لتوصلوا إلى معرفة واقع العقل معرفة يقينية جازمة. فهم بدأوا البحث في الواقع والفكر فقالوا: هل الفكر وجد قبل الواقع ؟ أم أن الواقع وجد قبل الفكر، وكان الفكر نتيجة للواقع ؟ وقد اختلفوا في ذلك، فمنهم من قال إن الفكر وجد قبل الواقع، ومنهم من قال إن الواقع وجد قبل الفكر. واستقر رأيهم النهائي على أن الواقع وجد قبل الفكر. وبناء على هذا، أو من جراء هذا وصلوا إلى تعريف الفكر، فقالوا: إن الفكر هو انعكاس الواقع على الدماغ. فتكون معرفتهم لواقع الفكر هو أنه واقع، ودماغ، وعملية انعكاس لهذا الواقع على الدماغ. فالفكر هو نتيجة لانعكاس الواقع على الدماغ. هذا هو رأيهم، وهو رأي يدل على بحث صحيح، ويدل على محاولة جادة وعلى قرب من الحقيقة. ولولا إصرارهم على إنكار أن لهذا الواقع خالقاً خلقه وإصرارهم على أن الوجود أزلي، لما حصل الخطأ في إدراك واقع العقل. لأنه صحيح أن لا فكر بلا واقع، وأن كل معرفة دون واقع إنما هي خيال أو تخريف. فالواقع هو أساس الفكر، والفكر إنما هو تعبير عن واقع، أو حكم على ذلك الواقع. فالواقع هو أساس الفكر، وهو أساس التفكير وبدون وجود الواقع، لا يمكن أن يوجد فكر ولا تفكير. ثم إن الحكم على الواقع، بل إن كل ما في الإنسان وما ينتج عنه إنما هو مرتبط بالدماغ، فالدماغ هو المركز الرئيسي والأساسي في الإنسان، لذلك لا يمكن أن يوجد فكر إلا بعد وجود الدماغ، والدماغ نفسه واقع، ولهذا فإن وجود الدماغ شرط أساسي لوجود الفكر، كما أن وجود الواقع شرط أساسي لوجود الفكر. ولهذا، فإنه لوجود العقل، أي لوجود التفكير، أو الفكر، لا بد أن يكون هناك واقع، وهناك دماغ. وعلماء الشيوعية اهتدوا إلى هذين الشيئين أي اهتدوا إلى أنه لوجود العقل لا بد من أن يكون هناك واقع، وهناك دماغ، وأن وجودهما معاً شرط رئيسي وأساسي لوجود الفكر، أي لوجود العقل. ولذلك كانت محاولتهم جادة، وصحيحة، وإلى هنا كانوا يسيرون في الطريق المستقيم الموصل إلى معرفة واقع العقل معرفة يقينية جازمة. إلا إنهم حين حاولوا ربط الواقع بالدماغ للوصول إلى الفكر، أي لإيجاد التفكير، ضلوا الطريق، فجعلوا الرابط بينهما هو انعكاس هذا الواقع على الدماغ. فخرجوا بالنتيجة الخطأ في معرفة العقل، ولذلك عرفوا العقل تعريفاً خاطئاً. وسبب ذلك هو إصرارهم على إنكار أن للوجود خالقاً خلقه من عدم. لأنهم لو قالوا إن المعرفة تسبق الفكر، فإنهم يقفون أمام حقيقة واقعة، وهي أنه من أين جاء الفكر قبل وجود الواقع، فلا بد أن يكون قدجاء من غير الواقع. وبالتالي من أين جاء الفكر للإنسان الأول؟ لا بد أنه جاءه من غيره، ومن غير الواقع، فيكون الإنسان الأول، والواقع قد أوجدهما من أعطى الإنسان الأول المعرفة، وهذا خلاف ما لديهم من معرفة جازمة بأن العالم أزلي وأن الواقع أزلي. ولذلك قالوا إن انعكاس الواقع على الدماغ هو العقل، فهو الذي أوجد الفكر، وهو الذي وجد به التفكير. ومن أجل أن يتهربوا من ضرورة وجود المعرفة، صاروا يحاولون إيجاد تخيلات، وإيجاد فروض، من أن الإنسان الأول قد جرب الواقع فوصل إلى المعرفة ثم كانت هذه التجارب للواقع معارف تساعده على تجارب أخرى للواقع، وهكذا. وأصروا على أن الواقع وانعكاس الدماغ عليه، هو العقل، وهو الفكر، وهو الذي يوجد التفكير. وقد عمي بصرهم عن الفرق بين الإحساس والانعكاس، وأن عملية التفكير لم تأت من انعكاس الواقع على الدماغ، ولا من انطباع الواقع على الدماغ، وإنما جاءت من الإحساس، والإحساس مركزه الدماغ، ولولا الحس بالواقع، لما حصل أي فكر، ولما وجد أي تفكير. فعدم تفريقهم بين الإحساس والانعكاس، زاد الطين بلة لديهم، وصرفهم عن الطريق الذي كانوا يسيرون فيه. فكان ما كان من تعريفهم للعقل، ومن الخطأ في هذا التعريف. ولكن أساس الخطأ لم يكن من عدم التفريق بين الإحساس والانعكاس، والا لكانوا اهتدوا إلى أن المسألة هي إحساس وليست انعكاساً. بل أساس الخطأ، وأساس الانحراف، ناتج عن إنكارهم أن لهذا الوجود خالقاً، فلم يدركوا أن وجود معلومات سابقة عن هذا الواقع شرط ضروري لوجود الفكر، أي شرط ضروري لوجود التفكير، وبالتالي شرط ضروري لتكوين العقل، أي ليكون هناك عقل، أي هناك فكر، وتفكير. وإلا لكان لدى الحمار عقل، لأنه يملك الدماغ، وينعكس الواقع على دماغه، أي يحس بالواقع. والعقل هو من خواص الإنسان وقد قيل قديماً: أن الإنسان حيوان ناطق، أي حيوان مفكر، لأن التفكير أو العقل خاص به، وليس لدى غيره من حيوان وسواه عقل ولا تفكير.
ومهما يكن من أمر فإن علماء الشيوعية هم وحدهم الذين قاموا بمحاولة جادة للوصول إلى معنى العقل، وساروا في طريق مستقيم نحو معرفة واقع العقل وهم وإن أخطأوا في تعريف العقل، وانحرفوا عن الطريق الذي كانوا يسيرون به نحو الوصول إلى هذه المعرفة معرفة يقينية جازمة، ولكنهم فتحوا الطريق لمن يأتي بعدهم ويسير فيه حتى يصل إلى هذه المعرفة اليقينية الجازمة. إنه مع كون المسلمين يوجد لديهم ما يدل على أن وجود معلومات سابقة عن الشي أمر لا بد منه لمعرفة الشيء، ولكن هذا وإن كان صحيحاً، فإنه باعتباره وصف واقع، وباعتبار أن المراد منه إلزام الناس جميعاً بتعريف العقل، لذلك لا بد من أن يكون تعريف العقل مبنياً على المشاهد المحسوس، لأنه يراد به إلزام الناس جميعاً لا إلزام المسلمين منهم فحسب.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:17 PM   #3
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,654
إفتراضي

يقول الله تعالى في كتابه العزيز "وعلم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنباهم بأسمائهم قال: ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون" فهذه الآية تدل على أن المعلومات السابقة لا بد منها للوصول إلى المعرفة، أي معرفة، فآدم قد علمه الله أسماء الأشياء أو مسمياتها فلما عرضت عليه عرفها. فالإنسان الأول، وهو آدم، قد أعطاه الله معلومات، ولذلك عرف الأشياء، ولولا هذه المعلومات لما عرفها. وبما أن أساس الانحراف في الطريق الذي سلكه علماء الشيوعية للوصول إلى معرفة واقع العقل هو ضرورة وجود المعلومات السابقة، فإن هذا يكفي لبيان خطأ الشيوعيين في تعريف العقل، ويكفي لبيان وجه الانحراف، وأنه حتى يتوصل لإيجاد الفكر لا بد من المعلومات السابقة عن الواقع الذي يعرض على الدماغ. إلا إنه لما كان المراد هو إلزام الناس جميعاً وليس المسلمين فحسب، كان لا بد من عرض المشاهد المحسوس بأنه لا بد من وجود معلومات سابقة عن الواقع حتى يتأتى إيجاد الفكر، أي حتى يتكون العقل ويوجد. لأن العقل متركز وجوده على وجود المعلومات السابقة لدى الدماغ وإن كان الواقع شرطاً ضرورياً لوجود العملية العقلية، أي لوجود الفكر أوالتفكير.

فسلوك الطريق المستقيم الذي سلكه الشيوعيون ثم انحرفوا لا يكفي فيه لمعرفة وجه الانحراف إدراك أن الذي حصل هو إحساس الدماغ بالواقع وليس الانعكاس، لأن هذا سهل، وهو ليس أساس الانحراف، وإنما الأساس هو وجود معلومات سابقة عن الواقع، حتى يتأتى إيجاد العملية العقلية، أي حتى يتأتى أن يكون هناك عقل، وقد جرى إدراك أن الذي حصل هو إحساس الدماغ بالواقع وليس انعكاس الواقع على الدماغ، وحصل قبل ذلك وبعد ذلك من فهم الآية الكريمة، ثم من عرض المشاهد المحسوس، إدراك أن المعلومات السابقة عن الواقع، أو عما يتعلق به أمر لا بد منه للعقل، أي للإدراك، وبمعنى آخر لوجود العقل، ودون هذه المعلومات لا يمكن أن يوجد عقل أو إدراك، أي لا يمكن أن يوجد واقع للعقل، فحصل التوصل إلى إدراك معنى العقل، ثم كان تعريف العقل هذا التعريف الصحيح، بشكل يقيني جازم.

أما إدراك أن الذي حصل في عملية التفكير، أي العملية العقلية هو إحساس وليس انعكاساً، فهو أنه لا يوجد انعكاس بين المادة والدماغ، فلا الدماغ ينعكس على المادة، ولا المادة تنعكس على الدماغ. لأن الانعكاس يحتاج إلى وجود قابلية الانعكاس في الشيء الذي يعكس الأشياء كالمرآة، وكالضوء، فإنها تحتاج إلى قابلية الانعكاس عليها، وهذا غير موجود، لا في الدماغ، ولا في الواقع المادي. ولذلك لا يوجد انعكاس بين المادة والدماغ مطلقاً، لأن المادة لا تنعكس على الدماغ، ولا تنتقل إليه. بل الذي ينتقل هو الإحساس بالمادة إلى الدماغ بواسطة الحواس. أي أن الحواس هي التي تحس المادة، بأية حاسة من الحواس، فينقل هذا الحس إلى الدماغ فيصدر حكمه عليه. ونقل الإحساس بالمادة إلى الدماغ ليس انعكاساً للمادة على الدماغ، ولا انعكاساً للدماغ على المادة، وإنما هو حس بالمادة، ولا فرق في ذلك بين العين وغيرها من الحواس، فيحصل من اللمس، والشم، والذوق، والسمع، إحساس كما يحصل من الإبصار. اذن فالذي يحصل من الأشياء ليس انعكاساً على الدماغ، وإنما هو حس بالأشياء. فالإنسان يحس بالأشياء بواسطة حواسه الخمس، ولا تعكس على دماغه الأشياء.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:24 PM   #4
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,654
إفتراضي

وهذا ظاهر ظهور الشمس في الأشياء المادية، فالحس هو الذي يحصل. أما الأمور غير المادية من أمور معنوية أو روحية، فإنها كذلك يحصل إحساس بها حتى تتكون العملية العقلية بشأنها. فالمجتمع المنحط لا بد من الإحساس بالانحطاط حتى يحصل الحكم عليه بأنه منحط، وهذا أمر مادي. وما يجرح الكرأمة لا بد من الإحساس بالجرح الذي حصل، أو الحس بأن هذا الشيء أو الفعل يجرح الكرأمة، حتى يحصل الحكم بأنه قد حصل جرح، أو أن الشيء له شفرة تجرح الكرأمة، وهذا أمر معنوي. وما يغضب الله لا بد من الإحساس بغضب الله الذي حصل، أو الحس بأن هذا الفعل أو الشيء يستفز رب العزة، أي فيه نار الاستفزاز وجمرة الغضب للذات العلية، وهذا أمر روحي. وبدون وجود ذلك الحس لا يمكن أن تحصل العملية العقلية. فالحس أمر ضروري حتى تحصل العملية العقلية، سواء في الأشياء المادية أو الأمور غير المادية. إلا أن الأشياء المادية يحصل الحس بها طبيعياً وإن كان يقوى ويضعف حسب فهم طبيعتها، ولذلك قالوا: إن الإحساس الفكري أقوى أنواع الإحساس، أما الأمور غير المادية فإنه لا يحصل الحس بها إلا بوجود فهم لها أو عن طريق التقليد.
وعلى أي حال فإن موضوع كون الذي يحصل هو إحساس وليس انعكاساً هو أمر يكاد يكون من البديهيات، وإن كان في الأشياء المادية أوضح منه في الأمور المعنوية، ولكنه ليس أساسياً، فإنه ملموس من كل إنسان، ولا يوجد فيه خلاف، سوى أن التعبير عنه قد يكون خلاف الواقع كما عبروا عنه بالانعكاس، وقد يكون هو الواقع كما عبرنا عنه بالإحساس أو الحس. ولكن الذي كان أساس الانحراف إنما هو المعلومات السابقة عن الواقع، فإنها هي التي جعلت انحراف علماء الشيوعية فظيعاً، وهي بيت القصيد في موضوع العقل، أو هي العمل الأساسي في العملية العقلية.

وخلاصة موضوع المعلومات السابقة هو: أن الحس وحده لا يحصل منه فكر، بل الذي يحصل هو الحس فقط، أي الإحساس بالواقع. وإحساس زائد إحساساً وزائد مليون إحساس مهما تعدد نوع الإحساس، إنما يحصل منه إحساس فقط، ولا يحصل فكر مطلقاً. بل لا بد من وجود معلومات سابقة عند الإنسان يفسر بواسطتها الواقع الذي أحس به حتى يحصل فكر. ولنأخذ الإنسان الحالي، أيّ إنسان، ونعطيه كتاباً سريانياً، ولا توجد لديه أية معلومات تتصل بالسريانية ونجعل حسه يقع على الكتابة، بالرؤية، واللمس، ونكرر هذا الحس مليون مرة، فإنه لا يمكن أن يعرف كلمة واحدة حتى تعطى له معلومات عن السريانية، وعما يتصل بالسريانية، فحينئذ يبدأ يفكر بها ويدركها. ولا يقال هذا خاص باللغات، وإنها وضعية من وضع الإنسان، فتحتاج إلى معلومات عنها، لا يقال ذلك، لأن الموضوع هو عملية عقلية، والعملية عملية عقل، سواء في وضع الحكم، أو في فهم الدلالة، أو في فهم الحقيقة. فالعملية العقلية عملية واحدة في كل شيء، فالتفكير في مسألة هو كالتفكير في بصلة. وفهم معنى كلمة هو كفهم معنى واقع، كل منها يحتاج إلى عملية عقلية والعملية العقلية واحدة في كل شيء وفي كل أمر وفي كل واقع.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:25 PM   #5
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,654
إفتراضي

ومن أجل أن لا نثير جدلاً في اللغة والواقع فلنأخذ الواقع مباشرة. لنأخذ الطفل الذي وجد عنده الإحساس ولم توجد عنده معلومات، ولنضع أمامه قطعة ذهب، وقطعة نحاس، وحجراً، ونجعل جميع إحساساته تشترك في حس هذه الأشياء فإنه لا يمكنه أن يدركها، مهما تكررت هذه الإحساسات وتنوعت. ولكن إذا أعطي معلومات عنها وأحسها فإنه يستعمل المعلومات ويدركها. وهذا الطفل لو كبرت سنه وبلغ عشرين سنة، ولم يأخذ أية معلومات، فإنه يبقى كأول يوم يحس بالأشياء فقط، ولا يدركها مهما كبر دماغه، لأن الذي يجعله يدرك ليس الدماغ، وإنما هو المعلومات السابقة مع الدماغ ومع الواقع الذي يحسه. وأيضاً لنأخذ طفلاً عمره أربع سنوات، لم ير الاسد ولم يسمع به، ولم ير الميزان، ولم يسمع به، ولم ير الكلب ولم يسمع به، ولم ير الفيل ولم يسمع به. وعرضنا عليه أسداً وميزاناً وكلباً وفيلاً، أو عرضنا عليه صورة أسد وصورة ميزان وصورة كلب وصورة فيل، ثم طلبنا منه أن يعرف أي واحد منها، أو يعرف اسمه، وما هو هذا الشيء، فإنه لا يعرف شيئاً، ولا يمكن أن توجد لديه أية عملية عقلية تجاه أي منها. ولو حفظناه أسماءها غيباً، بعيداً عنها دون أن تقترن بأي منها، ثم عرضنا عليه هذه الأشياء وقلنا هذه أسماؤها، أيّ الأسماء التي حفظتها هي أسماء هذه الأشياء؟ فإنه لا يمكن أن يعرف اسم أي منها. ولكن إذا أعطيناه اسم كل منها تجاه واقعه، أو تجاه صورة الواقع، وربطناه بها، حتى حفظ الأسماء مربوطاً كل اسم منها بواقعه، فإنه حينئذ يدرك كل شيء باسمه، أي يدرك ما هو هذا الشيء هل هو أسد ام ميزان، ولا يخطىء. وأن حاولت مغالطته لا ينساق معك. بل يصر على أن هذا أسد عن نفس الأسد وصورته. وهذا ميزان عن نفس الميزان وصورته، وهكذا. فالموضوع إذن ليس متعلقاً بالواقع ولا بالحس به، وإنما هو متعلق بالمعلومات السابقة عن هذا الواقع، أي المعلومات المرتبطة بالواقع حسب علمه أو المتعلقة بالواقع حسب علمه هو.

فالمعلومات السابقة عن الواقع، أو المتعلقة بذلك الواقع، شرط أساسي ورئيسي لأن تحصل العملية العقلية، أي شرط أساسي ورئيسي للعقل.
هذا من ناحية الإدراك العقلي. أما من ناحية الإدراك الشعوري، فناتج عن الغرائز والحاجات العضوية والذي يحصل عند الحيوان فإنه يحصل عند الإنسان، فيعرف من تكرار إعطائه التفاحة والحجر أن التفاحة تؤكل والحجر لا يؤكل، كما يعرف الحمار أن الشعير يؤكل وأن التراب لا يؤكل. ولكن هذا التمييز ليس فكراً ولا إدراكاً، وإنما هو راجع للغرائز والحاجات العضوية، وهو موجود عند الحيوان كما هو عند الإنسان، ولذلك لا يمكن أن يحصل فكر، إلا إذا وجدت المعلومات السابقة مع نقل الإحساس بالواقع بواسطة الحواس إلى الدماغ.

إن ما يشتبه على الكثيرين هو أن المعلومات السابقة قد تحصل من تجارب الشخص نفسه، وقد تحصل من التلقي. فعندهم أن التجارب نفسها قد أوجدت معلومات، فتكون التجارب الأولى هي التي أوجدت العملية العقلية. وهذا الاشتباه يزال بمجرد لفت النظر إلى ما بين دماغ الإنسان ودماغ الحيوان من فرق من حيث الربط، وبمجرد لفت النظر إلى ما بين ما يتعلق بالغرائز والحاجات العضوية وما يتعلق بالحكم على الأشياء ما هي. أما الفرق بين دماغ الحيوان ودماغ الإنسان فإن دماغ الحيوان لا يوجد فيه ربط للمعلومات وإنما يوجد فيه استرجاع الإحساس ولا سيما إذا تكرر، وهذا الاسترجاع _ من حيث قيام الحيوان بالفعل طبيعياً _ خاص بما يتعلق بالغرائز والحاجات العضوية ولا يتعداه لغيرها. فأنت إذا ضربت الجرس وأطعمت الكلب عند ضرب الجرس، فإنه إذا تكرر ذلك يفهم الكلب إذا قرع الجرس أن الأكل آت ولذلك يسيل لعابه. وكذلك إذا رآى الحمار حمارة تتحرك فيه الشهوة، ولكنه إذا رآى كلبة لا تتحرك، وأيضاً فإن البقر وهي ترعى تتجنب العشب السام، والعشب الذي يضرها. وكل هذا وأمثاله إنما هو تمييز غريزي. أما ما يشاهد من تعلم بعض الحيوانات حركات أو أعمالاً تقوم بها وهي لا تتعلق بالغريزة، فهي إنما تقوم بذلك تقليداً ومحاكاة وليس عن عقل وإدراك. فدماغ الحيوان لا توجد فيه خاصية ربط المعلومات وإنما عنده تذكر الإحساس والتمييز الغريزي. فكل ما يتعلق بالغريزة يحسه، وكل ما يحسه يستطيع استرجاع إحساسه لا سيما إذا تكرر هذا الإحساس. فما يتعلق بالغريزة يقوم الحيوان به طبيعياً سواء أحسه أو استرجع إحساسه به. أما ما لا يتعلق بالغريزة فلا يمكن أن يقوم به طبيعياً إذا أحسه، ولكن إذا تكرر هذا الإحساس واسترجعه فإنه يمكن أن يقوم به تقليداً ومحاكاة وليس قياماً طبيعياً.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:26 PM   #6
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,654
إفتراضي

وهذا بخلاف الإنسان فإن دماغه توجد فيه خاصية ربط المعلومات وليس مجرد استرجاع الإحساس فقط. فالشخص يرى رجلاً في بغداد، ثم بعد عشر سنين يراه في دمشق فيسترجع إحساسه به، ولكنه لعدم وجود معلومات عنه لا يربط به أي شيء، بخلاف ما لو رآى هذا الرجل في بغداد، وأخذ معلومات عنه، فإنه يربط حضوره لدمشق بالمعلومات السابقة عنه، ويدرك معنى حضوره لدمشق. بخلاف الحيوان فإنه لو استرجع الإحساس بذلك الرجل لا يدرك معنى حضوره، وإنما يحس بما يتعلق بالغرائز لديه عند رؤية ذلك الرجل. فالحيوان يسترجع الإحساس ولكنه لا يربط المعلومات ولو أعطيت إليه بالتعليم والمحاكاة. بخلاف الإنسان فإنه يسترجع الإحساس، ويربط المعلومات. فدماغ الإنسان فيه خاصية الربط واسترجاع الإحساس، ولكن الحيوان لا توجد لديه خاصية الربط، وإنما يوجد لديه فقط استرجاع الإحساس.

وأما الفرق بين ما يتعلق بالغرائز والحاجات العضوية وما يتعلق بالحكم على الأشياء ما هي. فهو أن ما يتعلق بالغرائز يمكن للإنسان بتكرار الإحساس أن يسترجع الإحساس، ويمكنه بخاصية الربط أن يكون من مجموع ما يحسه وما يسترجعه من إحساسات، معلومات، وأن يسترجع هذه الإحساسات بمعلومات فيما يتعلق بالغرائز والحاجات العضوية، ولكنه لا يمكن أن يربط هذه المعلومات في غير ما يتعلق بالغرائز والحاجات العضوية، أي لا يمكنه أن يربطها في الحكم على الشيء ما هو. ولذلك اشتبه على الكثيرين التفريق بين عملية الاسترجاع وبين عملية الربط، فعملية الاسترجاع لا تكون إلا فيما يتعلق بالغرائز والحاجات العضوية، ولكن عملية الربط تكون في كل شيء، سواء ما يتعلق بالغرائز والحاجات العضوية أو ما يتعلق بالحكم على الأشياء ما هي. فالمعلومات السابقة لا بد منها في الربط، وميزة الإنسان على الحيوان إنما هي في خاصية الربط. ولذلك فإن كون الإنسان يعرف من عوم الخشبة أنه يمكن أن يجعل من الخشب سفينة، هي مثل كون القرد يعرف أن إسقاط الموزة من قطف موز معلق يمكن أن يحصل من ضرب قطف الموز المعلق بعصا أو أي شيء. فكله متعلق بالغرائز والحاجات العضوية، وحصوله حتى لو ربط وجعل معلومات هو عملية استرجاع وليس عملية ربط، ولذلك لا يكون عملية عقلية، ولا يدل على أن هناك عقلاً أو فكراً. بل الذي يدل على أن هناك عقلاً أو فكراً ويكون عملية عقلية حقاً، إنما هو الحكم على الأشياء ما هي، لا يتم إلا بعملية ربط وربط بمعلومات سابقة. ومن هنا كان لا بد من وجود معلومات سابقة لأية عملية ربط حتى يوجد العقل أو الفكر، أي حتى تكون العملية العقلية.

وكثيرون من الناس يحاولون الإتيان بالإنسان الأول كيف اهتدى من تجاربه وتكوين معلومات من هذه التجارب إلى الفكر وإلى التفكير، ليصلوا من ذلك إلى أن الواقع نفسه بانعكاس الدماغ عليه، أو بإحساس الإنسان به قد جعل الإنسان يفكر وأوجد لديه عملية عقلية، أي أوجد عنده فكراً أي تفكيراً. وبالرغم من أن ما قدمناه من أن هذا استرجاع وليس ربطاً، وأنه خاص بالغرائز ولا يمكن أن ينطبق على الحكم على الأشياء ما هي، كافٍ لنقضه والرد عليه. ولكن الموضوع ليس بحثاً في الإنسان الأول، ولا هو متعلق بفروض وتخمينات وتصوراًت، وإنما هو متعلق بالإنسان من حيث هو إنسان، فبدل أن نأخذ الإنسان الأول ونقيس عليه الإنسان الحالي، فنقيس الشاهد على الغائب، وإنما يجب أن نأخذ الإنسان الحالي، الذي أمامنا، نشاهده ونحس به، ونقيس الغائب على الشاهد. وما ينطبق على الإنسان الحالي بالحس والمشاهدة ينطبق على كل إنسان حتى الإنسان الأول ولذلك لا يصح أن نعكس البرهان، بل يجب أن نسوقه على وجهه الصحيح. فالإنسان الحالي أمامنا نشاهده ونحس به، فلنقم بالعملية العقلية فيه، فيما يتعلق بالغرائز وما يتعلق بالحكم على الأشياء ما هي، ثم نرى الاسترجاع، والربط، والفرق بينهما. فنشاهد أن المعلومات السابقة لا بد منها في الربط عند الإنسان، فلا بد منها في العملية العقلية. بخلاف استرجاع الإحساس، فإنه موجود عند الإنسان وعند الحيوان وهو لا يشكل عملية عقلية وليس هو عقلاً ولا فكراً ولا تفكيراً. والطفل الصغير الذي لا يعرف الأشياء وليست لديه معلومات، والذي يمكن أن يأخد المعلومات، هو البرهان الصادق على معنى العقل.

وعلى ذلك فإن العقل غير موجود إلا عند الإنسان وإن العملية العقلية لا يمكن لا يمكن أن يقوم بها إلا الإنسان. إأن الغرائز والحاجات العضوية موجودة عند الإنسان وعند الحيوان، وأن إحساساتها موجودة عند الإنسان وعند الحيوان، وإن استرجاع هذه الإحساسات موجود عند الإنسان وعند الحيوان. ولكن ذلك كله ليس عقلاً ولا إدراكاً ولا فكراً ولا تفكيراً، وإنما هو تمييز غريزي ليس غير. أما العقل فإنه يحتاج إلى دماغ فيه خاصية ربط المعلومات، وهذا ليس موجوداً إلا عند الإنسان. وعليه فإن العملية العقلية لا يمكن أن تحصل إلا بوجود خاصية الربط، وخاصية الربط إنما تربط المعلومات بالواقع ولذلك لا بد لأية عملية عقلية، سواء عند الإنسان الأول أو عند الإنسان الحالي من وجود معلومات سابقة عن الواقع وموجودة قبل وجود هذا الواقع أمام الشخص الذي يريد أن يعقله. ومن هنا كان لا بد أن تكون عند الإنسان الأول معلومات سابقة عن الواقع، من قبل أن يعرض عليه الواقع. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى عن آدم، الإنسان الأول: " وعلم آدم الأسماء كلها " ثم قال له: " يا آدم أنبئهم بأسمائهم" فالمعلومات السابقة شرط أساسي ورئيسي للعملية العقلية. أي لمعنى العقل.

فعلماء الشيوعية ساروا في إدراك معنى العقل، فأدركوا أنه لا بد من وجود واقع حتى تتم العملية العقلية، وأدركوا انه لا بد من وجود دماغ إنسان حتى توجد العملية العقلية، وبذلك ساروا في الطريق المستقيم، ولكنهم أخطأوا التعبير في ربط الدماغ بالواقع وعبروا عنه بالانعكاس وليس بالإحساس ولكنهم انحرفوا كلياً حين أنكروا ضرورة وجود المعلومات السابقة حتى تتم العملية العقلية وبدون هذه المعلومات السابقة لا يمكن أن تتم ولا بوجه من الوجوه. وعلى ذلك فإن الطريق المستقيم الذي يؤدي إلى معرفة معنى العقل معرفة يقينية جازمة هو أنه لا بد من وجود أربعة أشياء حتى تتم العملية العقلية، أي حتى يوجد العقل أو الفكر. فلا بد من وجود واقع. ولا بد من وجود دماغ صالح، ولا بد من وجود حس، ولا بد من وجود معلومات سابقة. فهذه الأربعة مجتمعة لا بد من تحققها جميعها وتحقق اجتماعها، حتى تتم العملية العقلية، أي حتى يوجد عقل أو فكر أو إدراك.

وعليه فالعقل أو الفكر أو الإدراك هو: نقل الحس بالواقع بواسطة الحواس إلى الدماغ، ووجود معلومات سابقة يفسر بواسطتها هذا الواقع.

هذا وحده هو التعريف الصحيح، ولا تعريف غيره مطلقاً، وهذا التعريف مُلزِم لجميع الناس في جميع العصور، لأنه وحده الوصف الصادق لواقع العقل، وهو وحده الذي ينطبق على واقع العقل.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:27 PM   #7
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,654
إفتراضي

وإذا عرفنا معنى العقل معرفة يقينية جازمة، وعرفنا تعريف العقل بشكل يقيني جازم، صار لزاماً علينا أن نعرف الطريقة التي يعمل فيها العقل في الوصول إلى الأفكار، أي نعرف الكيفية التي يجري بحسبها إنتاج العقل للأفكار. وهذا هو طريقة التفكير. فهناك أسلوب للتفكير، وهناك طريقة للتفكير، أما أسلوب التفكير فهو الكيفية التي يقتضيها بحث الشيء، سواء أكان شيئاً مادياً ملموساً، أو شيئاً غير مادي، أو الوسائل التي يقتضيها بحث الشيء. ولذلك تتعدد الأساليب وتتغير وتختلف حسب نوع الشيء، وتغيره، واختلافه. أما الطريقة فهي الكيفية التي تجري عليها العملية العقلية أي عملية التفكير حسب طبيعتها وحسب واقعها. ولهذا فإن الطريقة لا تتغير وإنما تظل هي هي، وبالطبع لا تتعدد ولا تختلف، ومن هنا كان لا بد أن تكون دائمة، وكان لا بد أن تكون هي الأساس في التفكير مهما تعددت أساليب التفكير.

وطريقة التفكير، أي الكيفية التي يجري بحسبها إنتاج العقل للأفكار، مهما كانت هذه الأفكار، هي نفسها تعريف العقل، أي هي ما ينطبق على واقع العقل، ولا تخرج عنه بحال من الأحوال. ولذلك سميت الطريقة العقلية نسبة إلى العقل نفسه. وتعريف هذه الطريقة هو أنها –أي الطريقة العقلية- هي منهج معين في البحث، يُسلك للوصول إلى معرفة حقيقة الشيء الذي يبحث عنه، عن طريق نقل الحس بالواقع، بواسطة الحواس، إلى الدماغ، ووجود معلومات سابقة يفسر بواسطتها الواقع، فيصدر الدماغ حكمه عليه. وهذا الحكم هو الفكر، أو الإدراك العقلي. وتكون في بحث المواد المحسوسة، كالفيزياء، وفي بحث الأفكار، كبحث العقائد وبحث التشريع، وفي فهم الكلام، كبحث الأدب وبحث الفقه. وهذه الطريقة هي الطريقة الطبيعية في الوصول إلى الإدراك من حيث هو، وعمليتها هي التي يتكون بها عقل الأشياء أي إدراكها، وهي نفسها تعريف للعقل، وعلى منهجها يصل الإنسان من حيث هو إنسان إلى إدراك أي شيء سبق أن أدركه، أو يريد إدراكه.

هذه هي الطريقة العقلية، وهي وحدها طريقة التفكير، وما عداها مما يسمى طرق التفكير، كالطريقة العلمية، والطريقة المنطقية، إنْ هي إلا فرع لهذه الطريقة كالطريقة العلمية، أو أسلوب من أساليبها اقتضاها بحث الشيء، أو وسائل بحثه كما يسمى بالطريقة المنطقية، وليست طرقاً أساسية للتفكير، فطريقة التفكير واحدة لا تتعدد وهي الطريقة العقلية ليس غير.

إلا إنه يجب أن يفرق في تعريفها بين الآراء السابقة عن الشيء، وبين المعلومات السابقة عنه أو ما يتعلق به، فالمحتم في الطريقة العقلية ليس وجود رأي أو آراء سابقة عن الواقع، بل وجود معلومات سابقة عنه أو متعلقة به. ولذلك فإن المحتم الوجود هو المعلومات وليس الرأي. أما الرأي السابق عن الواقع، أو الآراء السابقة عنه، فلا يصح أن تكون موجودة، أي لا يصح أن تستعمل في العملية الفكرية، فالذي يستعمل هو المعلومات فقط مع الحيلولة دون وجود الرأي عند العملية ودون تدخله. فإن الرأي السابق إذا استعمل قد يسبب الخطأ في الإدراك، لأنه قد يتسلط على المعلومات فيفسرها تفسيراً خاطئاً فيقع الخطأ في الإدراك، ولذلك لا بد أن يلاحظ التفريق بين الرأي السابق وبين المعلومات، وأن تستعمل المعلومات فقط ويستبعد الرأي.

وإذا استعملت الطريقة العقلية على وجهها الصحيح من نقل الحس بالواقع بواسطة الحواس إلى الدماغ ووجود معلومات سابقة –لا آراء سابقة- يفسر بواسطتها أي بواسطة المعلومات مع استبعاد الآراء، يفسّر الواقع، وحينئذ يصدر الدماغ حكمه على هذا الواقع، إذا استعملت هذه الطريقة على وجهها الصحيح فإنها تعطي نتائج صحيحة، إلا أن النتيجة التي يصل إليها الباحث على الطريقة العقلية ينظر فيها، فإن كانت هذه النتيجة هي الحكم على وجود الشيء فهي قطعية لا يمكن أن يتسرب الخطأ إليها مطلقاً ولا بحال من الأحوال، وذلك لأن هذا الحكم جاء عن طريق الإحساس بالواقع، والحس لا يمكن أن يخطئ بوجود الواقع. إذ إن إحساس الحواس بوجود الواقع قطعي، فالحكم الذي يصدره العقل عن وجود الواقع في هذه الطريقة قطعي. أما إن كانت النتيجة هي الحكم على حقيقة الشيء أو صفته فإنها تكون نتيجة ظنية، فيها قابلية الخطأ. لأن هذا الحكم جاء عن طريق المعلومات، أو تحليلات الواقع المحسوس مع المعلومات، وهذه يمكن أن يتسرب إليها الخطأ، ولكن تبقى فكراً صائباً حتى يتبين خطؤها، وحينئذ فقط، يُحكم عليها بالخطأ، وقبل ذلك تبقى نتيجة صائبة وفكراً صحيحاً. ولهذا فإن الأفكار التي يتوصل إليها العقل بطريقة التفكير العقلية، إن كانت مما يتعلق بوجود الشيء كالعقائد فإنها أفكار قطعية، وإن كانت مما يتعلق بالحكم على حقيقة الشيء أو صفته كالأحكام الشرعية فإنها أفكار ظنية، أي غلب على الظن أن الشيء الفلاني حكمه كذا، والأمر الفلاني حكمه كذا. فهي صواب يحتمل الخطأ، ولكنه يبقى صواباً حتى يتبين خطؤه.

والطريقة العقلية سواء عرفت تعريفاً صحيحاً أم لم تعرّف هي الطريقة التي يجري عليها الإنسان من حيث هو إنسان في تفكيره وحكمه على الأشياء وإدراكه لحقيقتها وصفاتها. ولكن الغرب، نعني أروبا ثم أمريكا ولحقتها روسيا، قد أوجد في أروبا الانقلاب الصناعي ونجح في العلوم التجريبية نجاحاً منقطع النظير، وامتد سلطانه منذ القرن التاسع عشر حتى الآن، حتى شمل نفوذه جميع العالم، فسمى أسلوب البحث في العلوم التجريبية طريقة علمية في التفكير فكان ما يسمى بالطريقة العلمية، وصار ينادي بها أن تكون طريقة التفكير، وجعلها أساساً للتفكير، وقد أخذها علماء الشيوعية، وساروا عليها في غير العلوم التجريبية، كما ساروا عليها في العلوم التجريبية. وكذلك ظل علماء أروبا يسيرون عليها في العلوم التجريبية، وسار على نهجهم علماء أمريكا، وقلدهم فيها سائر أبناء العالم من جرّاء سيطرة ونفوذ الغرب ثم نفوذ الاتحاد السوفيتي. فطغت على الناس بشكل عام هذه الطريقة، فكان من جرّاء ذلك أن وجدت في المجتمع في العالم الإسلامي كله قداسة للأفكار العلمية وللطريقة العلمية. ولذلك كان لا بد من بيان هذه الطريقة العلمية.

الطريقة العلمية هي منهج معين في البحث، يسلك للوصول إلى معرفة حقيقة الشيء الذي يبحث عنه، عن طريق إجراء تجارب على الشيء، ولا تكون إلا في بحث المواد المحسوسة، ولا يتأتى وجودها في الأفكار، فهي خاصة بالعلوم التجريبية، وهي تكون بإخضاع المادة لظروف وعوامل غير ظروفها وعواملها الأصلية، وملاحظة المادة والظروف والعوامل الأصلية، والتي خضعت لها، ثم تستنتج من هذه العملية على المادة حقيقة مادية ملموسة، كما هي الحال في المختبرات.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:27 PM   #8
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,654
إفتراضي


وتفرض هذه الطريقة التخلي عن جميع المعلومات السابقة عن الشيء الذي يبحث وعدم وجودها، ثم تبدأ بملاحظة المادة وتجربتها، لأنها تقتضيك إذا أردت بحثاً، أن تمحو من نفسك كل رأي وكل إيمان سابق لك في هذا البحث، وأن تبدأ بالملاحظة والتجربة، ثم بالموازنة والترتيب، ثم بالاستنباط القائم على هذه المقدمات العلمية، فإذا وصلت إلى نتيجة من ذلك كانت نتيجة علمية خاضعة بطبيعة الحال للبحث والتمحيص ولكنها تظل علمية ما لم يثبت البحث العلمي تسرّب الخطأ إلى ناحية من نواحيها. فالنتيجة التي يصل إليها الباحث على الطريقة العلمية هي مع تسميتها حقيقة علمية أو قانوناً علمياً، فإنها ليست قطعية وإنما هي ظنية فيها قابلية الخطأ، وقابلية الخطأ هذه في الطريقة العلمية أساس من الأسس التي يجب أن تلاحظ فيها حسب ما هو مقرر في البحث العلمي.

هذه هي الطريقة العلمية، ومن بحثها يتبين أنها صحيحة وليست خطأ، وتسميتها طريقة ليس خطأ، لأنها منهج معين دائم في البحث، والطريقة هي الكيفية التي لا تتغير، ولكن الخطأ هو جعلها أساساً للتفكير، لأن جعلها أساساً لا يتأتى. إذ هي ليست أصلاً يبنى عليها، وإنما هي فرع بُني على أصل، ولأن جعلها أساساً يخرج أكثر المعارف والحقائق عن البحث، ويؤدي إلى الحكم على عدم وجود كثير من المعارف التي تدرس والتي تتضمن حقائق، مع أنها موجودة بالفعل وملموسة بالحس والواقع.

فالطريقة العلمية طريقة صحيحة، ولكنها ليست أساساً في التفكير، بل هي أسلوب دائم من أساليب التفكير، وهي تطبق على كل أمر وإنما تطبق في أمر واحد هو المادة المحسوسة لمعرفة حقيقتها عن طريق إجراء تجارب عليها، ولا تكون إلا في بحث المواد المحسوسة، فهي خاصة بالعلوم التجريبية ولا تستعمل في غيرها.

أما كونها ليست أساساً فظاهر من وجهين: الأول أنه لا يمكن السير بها إلا بوجود معلومات سابقة ولو معلومات أولية، لأنه لا يمكن التفكير إلا بوجود معلومات سابقة، فعالم الكيمياء وعالم الفيزياء، والعالم في المختبر، لا يمكن أن يسير في الطريقة العلمية لحظة واحدة إلا أن تكون لديه معلومات سابقة. وأما قولهم إن الطريقة العلمية تفرض التخلي عن المعلومات السابقة فإنما يريدون به التخلي عن الآراء السابقة لا عن المعلومات السابقة، أي أن الطريقة العلمية تقتضي الباحث إذا أراد البحث أن يمحو من نفسه كل رأي وكل إيمان سابق له في هذا البحث، وأن يبدأ بالملاحظة والتجربة ثم بالموازنة والترتيب ثم بالاستنباط القائم على هذه المقدمات العلمية. فهي وإن كانت عبارة عن ملاحظة وتجربة واستنباط، ولكن لا بد فيها من وجود معلومات، وهذه المعلومات تكون قد جاءت عن غير الملاحظة والتجربة، أي عن طريق نقل الواقع بواسطة الحواس، لأن المعلومات الأولية، لأول بحث علمي لا يمكن أن تكون معلومات تجريبية لأن ذلك لم يحصل بعد، فلا بد أن تكون عن طريق نقل الواقع بواسطة الحس إلى الدماغ، أي لا بد أن تكون المعلومات قد جاءت من طريق الطريقة العقلية، ولذلك لا تكون الطريقة العلمية أساساً، بل تكون الطريقة العقلية هي الأساس، والطريقة العلمية مبنية على هذا الأساس، فتكون فرعاً من فروعه لا أصلاً له. ولهذا فإن من الخطأ جعل الطريقة العلمية أساساً للتفكير.

الوجه الثاني أن الطريقة العلمية تقضي بأن كل ما لا يلمس مادياً لا وجود له في نظر الطريقة العلمية، وإذن لا وجود للمنطق، ولا للتاريخ، ولا للفقه، ولا للسياسة، ولا غير ذلك من المعارف، لأنها لا تلمس باليد، ولا تخضع للتجربة، ولا وجود لله، ولا للملائكة، ولا للشياطين، ولا غير ذلك من الموجودات، لأن ذلك لم يثبت علمياً، أي لم يثبت عن طريق ملاحظة المادة وتجربتها والاستناج المادي للأشياء. وهذا هو الخطأ الفاحش، لأن العلوم الطبيعية فرع من فروع المعرفة، وفكر من الأفكار، وباقي معارف الحياة كثيرة، وهي لم تثبت بالطريقة العلمية، بل تثبت بالطريقة العقلية، ووجود الله ثبت بالطريقة العقلية بشكل قاطع، ووجود الملائكة والشياطين ثبت بنص قطعي الثبوت قطعي الدلالة، ثبتت قطعيته وقطعية دلالته بالطريقة العقلية. ولذلك لا يجوز أن تتخذ الطريقة العلمية أساساً للتفكير، وعجزها وقصورها عن إمكانية إثبات شيء موجود بشكل قاطع دليل قاطع على أنها ليست أساساً للتفكير.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:28 PM   #9
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,654
إفتراضي

وفوق ذلك فإن قابلية الخطأ في الطريقة العلمية أساس من الأسس التي يجب أن تلاحظ فيها حسب ما هو مقرر في البحث العلمي. وقد حصل الخطأ في نتائجها بالفعل، وظهر ذلك في كثير من المعارف العلمية التي تبين فسادها بعد أن كان يطلق عليها حقائق علمية، فمثلاً الذرة، كان يقال عنها إنها أصغر جزء من المادة ولا تنقسم فظهر خطأ ذلك وتبين بالطريقة العلمية نفسها أنها تنقسم. وكذلك كان يقال إن المادة لا تفنى، فظهر خطأ ذلك وتبين بالطريقة العلمية نفسها أنها تفنى، وهكذا كثير مما كان يسمى بالحقائق العلمية والقانون العلمي، قد ظهر بالطريقة العلمية خطأ ذلك. وتبين بالطريقة العلمية نفسها أنها ليست حقائق علمية وليست قانوناً علمياً، ولذلك فإن الطريقة العلمية طريقة ظنية وليست قطعية، وهي توجد نتيجة ظنية عن وجود الشيء، وعن صفته، وعن حقيقته. ولذلك لا يجوز أن تتخذ الطريقة العلمية أساساً في التفكير. ولكنها على كل حال طريقة صحيحة في التفكير، وهي طريقة للتفكير، ولكنها تصلح في العلوم التجريبية وحدها، أي تصلح فيما يمكن أن تجري فيها الملاحظة والتجربة ثم الموازنة والترتيب. وما لا يمكن أن يجري فيه ذلك لا تصلح مطلقاً، فهي خاصة بالعلوم التجريبية ليس غير.

على أن الطريقة العلمية وإن كان يمكن أن يستنبط بها أفكار ولكنها لا ينشأ بها وحدها فكر. فهي لا تستطيع أن تنشئ إنشاءً جديداً أي فكر. كما هي الحال في الطريقة العقلية، وإنما هي تستنبط استنباطاً أفكاراً جديدة، ولكنها أفكار مستنبطة، لا أفكاراً منشأة إنشاءً جديداً.

فإن الأفكار المنشأة جديداً هي الأفكار التي أخذها العقل رأساً، فمعرفة وجود الله، ومعرفة أن التفكير بالقوم أعلى من التفكير الشخصي بذات الشخص، وأن الخشب يحترق، وأن الزيت يطفو على وجه الماء، وأن تفكير الفرد أقوى من تفكير الجماعة، كل ذلك أفكار أخذها العقل مباشرة. وهذا بخلاف الأفكار غير المنشأة إنشاءً جديداً. وهي الأفكار المستنتجة على الطريقة العلمية فإنها لم يأخذها العقل رأساً، وإنما أخذها من عدة أفكار أخذها العقل سابقاً إلى جانب التجارب، فمعرفة أن الماء مكون من أكسجين وأيدروجين، ومعرفة أن الذرة تنقسم، ومعرفة أن المادة تفنى، هذه الأفكار لم يأخذها العقل رأساً ولم تنشأ إنشاءً جديداً، وإنما أخذت من أفكار سبق للعقل أن أخذها. ثم أجريت التجارب إلى جانب هذه الأفكار، ثم جرى استنتاج الفكر، فهو ليس إنشاءً جديداً بل هو مستنتج من أفكار موجودة وتجربة. لذلك لا تعتبر إنشاءً جديداً، بل تعتبر أفكاراً مأخوذة من أفكار وتجربة. فالطريقة العلمية تستنبط فكراً، ولكنها لا تستطيع إنشاء فكر. ولذلك كان من الطبيعي، ومن المحتم، أن لا تكون هي أساساً للتفكير، إلا أن الغرب أي أروبا وأمريكا، وتلحق بهم روسيا، قد بلغت عندهم الثقة بالطريقة العلمية إلى حد التقديس أو ما يقرب من التقديس لا سيما في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، إلى حد أن أصبح منحرف التفكير، ضالاً عن الصراط المستقيم، لأنه جعل طريقته في التفكير الطريقة العلمية، وجعلها وحدها أساس التفكير، وحكمها في جميع الأشياء، فصار يرى أن البحث الصحيح هو الذي يجري على الطريقة العلمية، وتجاوز ذلك إلى حد أن صار بعضهم يبحث فعلاً أموراً لا علاقة للطريقة العلمية بها، كالأفكار المتعلقة بالحياة والمجتمع، على نهج الطريقة العلمية وتقليداً لها، وصار يبحث بعض المعارف المتعلقة بالإنسان وبالمجتمع وبالناس بحثاً عقلياً، ولكن على أسلوب الطريقة العلمية، ويطلق على هذه المعارف اسم العلم، وهذا من جراء تعميمه للطريقة العلمية وتقديره لها، وجعلها أساساً للتفكير.

فمثلاً سار علماء الشيوعية في وجهة نظرهم في الحياة، وفي نظام المجتمع على الطريقة العلمية، فوقعوا في الخطأ الفاحش الذي تردّوا فيه، والأمثلة على خطئهم كثيرة وموجودة في كل فكرة من أفكارهم، لأنهم قاسوا الطبيعة والمجتمع على الأشياء التي تبحث في المختبر فخرجوا بنتائج بالغة الخطأ، ويكفي لإدراك الخطأ في الجميع أن نأخذ فكرتين رئيسيتين، ونبين وجه الخطأ في كل منهما، وأن سبب الخطأ هو السير في الطريقة العلمية. ففكرتهم عن الطبيعة، أنها كل لا يتجزأ، وأنها في حالة تغير دائم، وأن هذا التغير يتم بواسطة التناقضات الحتمية الوجود في الأشياء والحوادث، فلنأخذ التناقضات التي هي من الأفكار الأساسية عندهم. هذه التناقضات إذا صح أنها موجودة في الأشياء، فإنها غير موجودة فيها جميعها، فهناك أشياء لا توجد فيها تناقضات، فالأجسام الحية التي يقولون إن فيها تناقضات بحجة أن فيها خلايا تموت وخلايا تحيا، هذه الأجسام الحية لا يوجد فيها تناقضات. وأما ما يشاهد في الجسم الحي من وجود خلايا تموت وخلايا تحيا فإنه ليس تناقضات، بل إن كون الأشياء تولد وتموت، وتفنى وتوجد، لا يعني أن هذا تناقضات بل هو ناتج عن قوة الخلية وضعفها، وقدرتها على المقاومة وعجزها عنها، وهذا ليس تناقضات، على أن الأجسام غير الحية يحصل فيها فناء ولا تحصل ولادة، ومع ذلك يقولون إنه يوجد في الأشياء كلها تناقضات، ولو سلمنا جدلاً أن في الأشياء تناقضات فإن هذا لا يعني أن في الحوادث تناقضات، فعمليات البيع والإجارة والشركة ونحوها، كلها تجري دون أي تناقضات فيها، وعمليات الصلاة والصوم والحج وأمثالها، كلها تجري دون أي تناقضات، فهي قطعاً لا يوجد فيها تناقضات، ولكن سلوكهم الطريقة العلمية هو الذي أدى إلى خطأ نظريتهم، ولا سيما في الحوادث، وقد كان من جراء خطأ نظرتهم هذه وهي أن الحوادث فيها تناقضات حتمية، أن أدت إلى ما كانوا يظنونه من أن التناقضات في أروبا ستحصل حتماً، وإذا أروبا لا يحصل فيها تناقضات، وتغرق في النظام الرأسمالي وتبعد عن الشيوعية، فالذي أوقعهم في الخطأ هو سلوك الطريقة العلمية في الحكم على الأشياء، وسلوكهم الطريقة العلمية في الحكم على الحوادث.

وفكرتهم عن المجتمع هي أن المجتمع مؤلف من الوسط الجغرافي ومن نمو السكان وتكاتفهم، ومن أسلوب الإنتاج، فالحياة المادية في المجتمع هي التي تحدد في النهاية هيئة المجتمع وأفكاره وآراءه وأوضاعه السياسية. وبما أن الحياة المادية إنما يؤثر فيها أسلوب الإنتاج، فيكون أسلوب الإنتاج هو الذي يؤثر في المجتمع، ذلك أن أدوات الإنتاج، والناس الذين يستعملون هذه الأدوات، ومعرفة استخدامها تؤلف بمجموعها قوى المجتمع المنتجة فتؤلف جانباً واحداً وهو الجانب الذي يعبّر عن سلوك الناس نحو أشياء الطبيعة، وقواها المنتجة، أما الجانب الآخر فهو علاقة الناس فيما بينهم أثناء سير الإنتاج، وهذا خطأ، فإن المجتمع هو الناس وما بينهم من علاقات. بغض النظر عن أدوات الإنتاج، بل بغضّ النظر عن وجود أدوات إنتاج أو عدم وجودها، لأن الذي يوجد العلاقات بينهم هو المصلحة، وهي لا تقررها أدوات الإنتاج، وإنما تقررها الأفكار التي يحملونها عن إشباع الحاجات التي يريدون إشباعها، والذي أوجد الخطأ هو أنهم رأوا المجتمع كما يرون المادة في المختبر، فصاروا يحاولون بحث ما يرونه من عناصر تطبيقاً لنظريتهم وأخذوا يطبقون ما يحصل في المادة على الناس وعلاقاتهم. فوقعوا في الخطأ، لأن الناس غير الأشياء، والعلاقات والحوادث لا تخضع للبحث كما تخضع المادة في المختبر، فإخضاعها للملاحظة والتجربة والخروج بنظريات هو الذي أوقعهم في الخطأ. فالشيوعية كلها سبب خطئها سبب واحد هو سلوكها الطريقة العلمية في الحوادث والعلاقات: وهذا كان من جرّاء ما شاع في القرن التاسع عشر من تقدير للطريقة العلمية، ومن الإغراق فيها إلى حد تطبيقها على كل شيء، والسير بها في كل بحث.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:29 PM   #10
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,654
إفتراضي

وأيضاً فإن علماء الغرب أي علماء أروبا وأمريكا خلطوا بين الأفكار الاستنتاجية الناتجة عن الطريقة العقلية والأفكار العلمية الناتجة عن الطريقة العلمية، فطبقوا الطريقة العلمية على تصرفات الإنسان وأحواله، وأخرجوا ما يسمى بعلم النفس وعلم الاجتماع وعلوم التربية، فكانت نتيجة ذلك هذا الخطأ البارز فيما يسمى بعلم النفس وعلم الاجتماع وعلوم التربية. إنهم يعتبرون ما يسمى علم النفس علماً، ويعتبرون أفكاره أفكاراً علمية، لأنها جاءت بناء على ملاحظات جرى تتبعها على الأطفال في ظروف مختلفة وأعمار مختلفة، فسموا تكرار هذه الملاحظات تجارب. والحقيقة أن أفكار علم النفس ليست أفكاراً علمية، وإنما هي أفكار عقلية، لأن التجارب العلمية هي إخضاع المادة لظروف وعوامل غير ظروفها وعواملها الأصلية، وملاحظة أثر هذا الإخضاع أي هي نفس التجارب على المادة كتجارب الطبيعة والكيمياء. أما ملاحظة الشيء في أوقات وأحوال مختلفة فليس بتجارب علمية، وعليه فإن ملاحظة الطفل في أحوال مختلفة وفي أعمار مختلفة لا يدخل في بحث التجارب العلمية، فلا يعتبر طريقة علمية، وإنما هو ملاحظة وتكرار للملاحظة واستنتاج فحسب، فهو طريقة عقلية، وليست علمية، فكان من الخطأ اعتباره أفكاراً علمية، وكان هذا الخطأ ناتجاً عن الخطأ الفاحش في تطبيق الطريقة العلمية على الإنسان، لأن الطريقة العلمية أهم ما فيها هو التجربة، وهذه لا تتأتى إلا في المادة، لأنها هي التي تخضع للاختبار في المختبر، والملاحظة ليست ملاحظة لأفعال أو لأشياء في ظروف مختلفة، بلا ملاحظة المادة نفسها وملاحظة الظروف والعوامل الأصلية، والتي أخضعت لها. والاستنتاج إنما يحصل من هذه الملاحظة بالذات لا مجرد ملاحظة. لذلك فإن تطبيق الطريقة العلمية على غير هذا الوجه بالذات، أي على غير المادة وإخضاعها، خطأ فاحش يؤدي إلى أخطاء فاحشة وإلى استنتاجات خاطئة، وهذا ما حصل مع علماء الغرب في الأبحاث العقلية التي ساروا بها على الطريقة العلمية واعتبروها علماً وأفكاراً علمية، فوقعوا في الخطأ الفاحش الذي تردّوا فيه. والأمثلة على خطئهم كثيرة وموجودة في كل فكرة من أفكارهم وفي كل بحث من أبحاثهم، قاسوا الإنسان على الأشياء التي تبحث فخرجوا بنتائج بالغة الخطأ. ويكفي لإدراك الخطأ أن نأخذ فكرة واحدة، وهي فكرة الغرائز ونبين وجه الخطأ فيها.

لقد كان من جراء سلوكهم في تطبيق الطريقة العلمية على الإنسان أن أخذوا يلاحظون أفعال الإنسان ويرجعونها إلى دوافع، وانشغلوا في الأفعال المتعددة وفي ملاحظتها. فصرفهم هذا عن البحث الحقيقي وجعلهم يخرجون بنتائج مغلوطة. والحقيقة أنهم لو سلكوا الطريقة العقلية لنقلوا إحساسهم بالإنسان وتصرفاته إلى الدماغ، ثم بالمعلومات السابقة فسروا واقع الإنسان وواقع هذه التصرفات لخرجوا بنتائج غير النتائج التي توصلوا إليها، حتى لو كانت نتائج ظنية، فهم مثلاً يقولون إن الغرائز كثيرة، فقد أحصوها أولاً، ثم لمّا رأوا أفعالاً أخرى صاروا يقولون إن الغرائز كثيرة ولا حصر لها، فقالوا هناك غريزة الملكية وغريزة الخوف وغريزة الجنس وغريزة القطيع. إلى غير ذلك من الغرائز التي قالوا بها. والسبب في ذلك هو أنهم لم يفرقوا بين الغريزة ومظهر الغريزة، أي بين كون الطاقة أصلية أو مظهر من مظاهرها. فالطاقة الأصلية أو الغريزة هي جزء من ماهية الإنسان فلا يمكن علاجها ولا يمكن محوها، ولا يمكن كبتها، فإنها لا بد أن توجد بأي مظهر من مظاهرها، بخلاف مظهر الطاقة الأصلية، أي مظهر الغريزة، فإنه ليس جزءاً من ماهية الإنسان، ولذلك يمكن علاجه، ويمكن محوه، ويمكن كبته، فغريزة البقاء من مظاهرها الأثرة ومن مظاهرها الإيثار، فيمكن معالجة الأثرة بالإيثار، بل يمكن محوها، ويمكن كبتها، ومثلاً الميل للمرأة بشهوة من مظاهر غريزة النوع، والميل للأم من مظاهر غريزة النوع، فغريزة النوع لا يمكن علاجها ولا يمكن محوها، ولا يمكن كبتها، ولكن معالجة مظاهر هذه الغريزة ممكنة، بل يمكن محو هذه المظاهر ويمكن كبتها. فمثلاً من مظاهر غريزة النوع الميل للمرأة بشهوة، والميل للأم، والميل للأخت، والميل للبنت وهكذا، فيمكن معالجة الميل للمرأة بشهوة بالميل بحنان للأم، فالحنان يعالج الشهوة كما يعالج الإيثار الأثرة. وكثيراً ما يكون حنان الأم صارفاً عن الزوجة وحتى عن الزواج وعن الميل الجنسي، وكثيراً ما يصرف الميل الجنسي الرجل عن حنان أمه، فأي مظهر من مظاهر غريزة النوع يمكن أن يسد مسد مظهر آخر، ويمكن أن يعالج مظهر بمظهر. فالمظهر يجري علاجه، بل يجري كبته ومحوه، ولكن الغريزة لا يمكن فيها ذلك، لأن الغريزة جزء من ماهية الإنسان، بخلاف المظهر فإنه ليس جزءاً من ماهيته.

ومن هنا أخطأ علماء النفس بالغرائز وفهمها وحصرها ثم عدم حصرها. والحقيقة أن الغرائز محصورة بثلاث غرائز. هي غريزة البقاء، وغريزة النوع، وغريزة التدين أو التقديس. وذلك أن الإنسان يحرص على بقاء ذاته، فهو يملك ويخاف ويندفع بالإقدام، ويتجمع، إلى غير ذلك من مثل هذه الأفعال من أجل بقاء ذاته. فالخوف ليس غريزة، والملك ليس غريزة، والشجاعة ليست غريزة، والقطيع ليس غريزة الخ، وإنما هي مظاهر لغريزة واحدة هي غريزة البقاء، وكذلك الميل إلى المرأة عن شهوة، والميل إلى المرأة عن حنان، والميل إلى إنقاذ الغريق، والميل إلى إغاثة الملهوف الخ كل ذلك ليس غرائز وإنما هي مظاهر لغريزة واحدة هي غريزة النوع، وليست غريزة الجنس، لأن الجنس يجمع الحيوان والإنسان، والميل الطبيعي إنما هو من الإنسان للإنسان، ومن الحيوان للحيوان، فالميل بشهوة من الإنسان للحيوان هو شاذ وليس طبيعياً، ولا يحصل طبيعياً وإنما يحصل شذوذاً، والغريزة هي الميل الطبيعي، وكذلك ميل الذكر للذكر هو شاذ وليس طبيعياً، ولا يحصل طبيعياً وإنما يحصل شذوذاً، فالميل بشهوة للمرأة، والميل بحنان للأم، والميل بحنان للبنت، كلها مظاهر لغريزة النوع. ولكن الميل بشهوة من الإنسان للحيوان، ومن الذكر للذكر ليس طبيعياً وإنما هو انحراف بالغريزة فهو شاذ، فالغريزة هي غريزة النوع وليست غريزة الجنس، وهي لبقاء النوع الإنساني لا لبقاء جنس الحيوان، وأيضاً فإن الميل لعبادة الله، والميل لتقديس الأبطال، والميل لاحترام الأقوياء، كل ذلك مظاهر لغريزة واحدة هي غريزة التدين أو التقديس، وذلك أن الإنسان لديه شعور طبيعي بالبقاء والخلود، فكل ما يهدد هذا البقاء يشعر تجاهه طبيعياً، شعوراً حسب نوع هذا التهديد، بالخوف أو الإقدام، بالبخل أو الكرم، بالفردية أو التجمع، حسب ما يراه فيوجد عنده شعوراً يدفعه للعمل فتظهر عليه مظاهر من الأفعال ناتجة عن الشعور بالبقاء، وكذلك عنده شعور ببقاء النوع الإنساني، لأن فناء الإنسان يهدد بقاءه، فكل ما يهدد بقاء نوعه يشعر تجاهه طبيعياً شعوراً حسب نوع هذا التهديد، فرؤية المرأة الجميلة تثير فيه الشهوة، ورؤية الأم تثير فيه الحنان، ورؤية الطفل تثير فيه الإشفاق، فيشعر شعوراً يدفعه للعمل فتظهر عليه مظاهر من الأفعال قد تكون منسجمة وقد تكون متناقضة، وأيضاً فإن عجزه عن إشباع شعور البقاء أو بقاء النوع يثير فيه مشاعر أخرى هي الاستسلام والانقياد لما هو حسب شعوره مستحق للاستسلام والانقياد، فيبتهل إلى الله، ويصفق للزعيم، ويحترم القوي، وذلك نتيجة لشعوره بالعجز الطبيعي، فأصل الغرائز هو الشعور بالبقاء أو بقاء النوع أو العجز الطبيعي، ونتج عن هذا الشعور أعمال. فكانت هذه الأعمال مظاهر لتلك الأصول الطبيعية، وهي في مجملها يرجع كل مظهر منها إلى أصل من هذه الأصول الثلاثة، لذلك كانت الغرائز ثلاثة ليس غير.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .