العودة   حوار الخيمة العربية > القسم الثقافي > مكتبـة الخيمة العربيـة

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: نظرة في #جريدة_الراية (156) (آخر رد :الكرمي)       :: #سؤال و #جواب عن النبي عليه الصلاة والسلام (آخر رد :الكرمي)       :: سلسلة بعنوان #الجنة و #السياسة (آخر رد :الكرمي)       :: البلو فى القرآن (آخر رد :رضا البطاوى)       :: مع #القرآن_الكريم - من سورة البقرة (آخر رد :الكرمي)       :: مع الحديث الشريف الإسلام دين الجماعة (آخر رد :الكرمي)       :: الجولة الإخبارية 2017/11/17م (آخر رد :الكرمي)       :: لقاء يلدريم وبنس (مترجم) (آخر رد :الكرمي)       :: زلزال إيران... المباني تحولت إلى أكفان (آخر رد :الكرمي)       :: فقدان الرؤية الصحيحة يؤدي إلى الاضطراب في المواقف والتخبط في الأعمال (آخر رد :الكرمي)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 19-05-2016, 04:47 PM   #31
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 16,633
إفتراضي

ولنأخذ الفلسفة اليونانية، فإنها كانت موجودة لدى نصارى الشام والعراق. وكان المسلمون يحملون الدعوة إلى الإسلام لهؤلاء النصارى، ولا سيما بعد أن أصبحوا تحت حكم الإسلام وتحت سيطرته. فكان النصارى في نقاشهم للمسلمين يستعملون الفلسفة اليونانية والمنطق اليوناني، فاستعمل المسلمون هذه الفلسفة وهذا المنطق ليردوا على هؤلاء النصارى، دون أن يدركوا الأفكار التي تحويها هذه الفلسفة، ودون أن يروا المغالطات التي تدخل في مقدمات المنطق. فأدت هذه الدراسة التي كانت من أجل نشر الإسلام إلى أن انصرف لها بعض علماء المسلمين من أجل اللذة التي يجدونها في دراستها، وانصرف إليها علماء مسلمون آخرون من أجل الرد على النصارى، والبرهنة على صحة أفكار الإسلام. أما الفريق الأول من العلماء فإنهم صاروا يسيرون في طريق فلاسفة اليونان، وأخذوا الفلسفة اليونانية وصارت ثقافتهم واعتنقوا آراءها مع مراعاة للإسلام حسب ما تراه هذه الأفكار الفلسفية، وبذلك نشأ الفلاسفة المسلمون، فمنهم من زل وانحرف، ومنهم من ضل ضلالاً كبيراً. وكلا الفريقين: المنحرفون والضالون قد تركوا الإسلام وأصبحوا كفاراً، ولذلك فإن جميع من يسمون بفلاسفة المسلمين أو فلاسفة الإسلام كفار، لا فرق بين ابن سيناء والفارابي، ولا بين ابن رشد والكندي.
وأما الفريق الثاني من علماء المسلمين، الذين درسوا الفلسفة اليونانية والمنطق اليوناني، فإنهم انقسموا فريقين: فريق يتخذ الفلسفة اليونانية أساساً، ويؤول أفكار الإسلام بما يتفق وأفكار هذه الفلسفة، ويطبق الأفكار الفلسفية على أفكار الإسلام وهؤلاء هم المعتزلة. وفريق قد وقف من هذه الأفكار موقف المعارض والناقد، وصار يحاول تصحيحها ويرد عليها، وهؤلاء من يسمون بأهل السنة، فكان الجدال بين هذين الفريقين. وشغلوا بهذا الجدال عن حمل الدعوة الإسلامية، وصرفوا عن العمل الأساسي الذي فرضه الله عليهم، ألا وهو حمل دعوة الإسلام إلى غير المسلمين، بمحاولة تصحيح عقائد المسلمين، إما باستخدام أفكار الفلسفة اليونانية للبرهنة على صحة أفكار الإسلام، ولبلورتها، وإما بالرد على هذه الأفكار. وشغلوا الناس بهذا أجيالاً وقروناً. وهؤلاء، وإن كانوا جميعاً مسلمين، ولكنهم بسبب الفلسفة اليونانية، صرفوا عن حمل الدعوة إلى الإسلام، لغير المسلمين.
ثم لم يقتصر الأمر على ذلك، بل وجدت من جراء ذلك جماعات أخرى من أمثال الجبرية، والمرجئة، والقدرية، وغيرها. وأدى ذلك إلى وجود ملل ونحل وأفكار وجماعات بين المسلمين، فكانت بلبلة أي بلبلة، حتى صار المسلمون عشرات الفرق، وعشرات المذاهب الفكرية. كل ذلك من جراء دخول الفلسفة اليونانية لبلاد الإسلام، وإقبال الكثير من المسلمين على دراستها دون إدراك يحدد أفكارها ويميزها، ودون تصور صحيح لمدلول تلك الأفكار. ولولا قوة الإسلام نفسه ووقوف اهل السنة والجماعة بصدق وإخلاص في الوقوف في وجه الأفكار ببيان الواقع الذي تدل عليه، وتصوير مدلولاتها تصويراً صحيحاً، وامتشاق الحسام في وجه الكفرة من هذه الفرق والمذاهب، لولا ذلك لذهب الإسلام ولضاع من جراء الفلسفة اليونانية وما أوجدته من أفكار وآراء.
أما الأفكار الرأسمالية والاشتراكية فإن خطرها أمر مشاهد محسوس، وضلال أفكارها قد شمل الكثير من أبناء المسلمين وخطأ مفاهيمها قد تفشى حتى لدى جماهير المسلمين. ولسنا بحاجة لإقامة الدليل، وذكر أمثلة من الأفكار الضالة والأفكار الخاطئة فإن الواقع المشاهد في بلاد الإسلام، ولا سيما الذين وعوا على الحياة بعد الحرب العالمية الثانية، يُرينا ما أحدثته هذه الأفكار من تخريب في عقول المسلمين ومن صرف للمسلمين عن العمل من أجل الإسلام.
لذلك فإن التفكير بالنصوص الفكرية يجب أن يعرف تمام المعرفة وأنه لا يكفي فيها مجرد وجود المعلومات السابقة، بل لا بد أن تكون هذه المعلومات في مستوى الفكر، وأن يكون إدراك واقعها موجوداً بشكل يحدده ويميزه، وأن يكون تصور مدلولها تصوراً صحيحاً يعطي الصورة الحقيقية عن ذلك المدلول.
نعم إن الإسلام لم ينه عن الدراسة الفكرية بل أباحها، ولم ينه عن أخذ الأفكار بل أباح أخذها، ولكن الإسلام قد جعل العقيدة الإسلامية قاعدة للأفكار ومقياساً لأخذها أو رفضها، فإنه لا يجيز أخذ فكر يتناقض مع هذه القاعدة، وإن جاز قراءة النصوص التي تحويه، ولا يبيح أخذ فكر إلا إذا كانت القاعدة الفكرية تبيح أخذه. فحتى يدرك أن الفكر يناقض القاعدة الفكرية أو يوافقها، فإنه لا يمكن اتخاذ الموقف منه إلا بعد إدراك واقع الفكر إدراكاً يحدده ويميزه، وتصور مدلوله تصوراً صحيحاً، وبدون هذا لا يمكن قياس هذا الفكر بالقاعدة الفكرية، وبالتالي لا يمكن اتخاذ الموقف الصحيح منه. ولذلك فإن التفكير في النصوص الفكرية، أياً كانت لا بد أن تكون لدى من يريد التفكير بالنص الفكري، أن تكون لديه معلومات سابقة في مستوى هذا الفكر، وأن يكون لديه علاوة على ذلك إدراك لواقعه إدراكاً يحدده ويميزه وتصور لمدلوله تصوراً صحيحاً يعطي الصورة الحقيقية له.
واما النصوص التشريعية فإن الوقوف على ما تحتويه من أفكار، والوصول إلى استنباط الأفكار لا يكفي فيه أن يفهم الألفاظ والتراكيب وما تدل عليه، ولا يحتاج إلى معلومات سابقة أية معلومات، وإنما يحتاج إلى أمرين اثنين معاً. يحتاج أولاً إلى معرفة دلالة الألفاظ والتراكيب ثم المعاني التي تدل عليها هذه الألفاظ والتراكيب، ثم استعمال معلومات معينة للوقوف على الفكر أو استنباط الفكر. أما معرفة معاني الألفاظ والتراكيب فإنه يحتاج إلى معرفة باللغة، ألفاظاً وتراكيب، ويحتاج إلى معرفة اصطلاحات معينة، ثم بعد ذلك يأتي الوقوف على الأفكار والأحكام. وهذا وإن كان يمكن أن يطبق على كل تفكير تشريعي. ولكننا حين نتحدث عن التفكير بالتشريع لا نعني أي تشريع، وإنما نعني التشريع الإسلامي ليس غير. وذلك أنا بوصفنا مسلمين لا يحق لنا أن نبحث إلا في التشريع الإسلامي. لأن الأمر الجازم الذي تحتمه عقيدتنا يحصر تفكيرنا بالتشريع الإسلامي وحده. وأما غير التشريع الإسلامي فلا يحق لنا أن نبحثه حتى ولا أن نقرأه. فإن التشريع حين يقرأ إنما يقرأ من أجل الأخذ بما جاء فيه وليس قراءة متعة ولذة. وحين يبحث ويجري التفكير فيه إنما يفعل ذلك من أجل أخذه، ويحرم علينا أخذ شيء من غير الإسلام، ويحرم علينا أن نأخذ غير الحكم الشرعي. وإذا جاز لنا أن نقرأ وأن نبحث في النصوص غير التشريعية، كالنصوص الأدبية والنصوص الفكرية والنصوص السياسية، فإنه لا يحق لنا أن نقرأ أو نبحث غير النصوص التشريعية الإسلامية. فالنصوص الأدبية إنما تقرأ وتبحث للمتعة واللذة، والنصوص الفكرية حين تقرأ نكون قد اتخذنا القاعدة الفكرية مقياساً لما فيها من أفكار، والنصوص السياسية إنما تقرأ لمعرفة كيفية رعاية الشؤون الخارجية. فكلها لا يوجد ما يمنع من قراءتها وبحثها ودرسها والتفكير فيها. أما النصوص التشريعية فإنها تقرأ وتبحث للأخذ منها. وبما أنه لا يحل لنا أن نأخذ غير الحكم الشرعي، فإنه تبعاً لذلك، لا يحق لنا أن نقرأ أو نبحث أو نفكر بغير التشريع الإسلامي. وإذا كانت الأفكار تبنى على العقيدة فتكون مقياساً لصحة هذه الأفكار وعدم صحتها، أي لتعين الموقف منها للأخذ أو الرفض، فإن الأحكام الشرعية تنبثق انبثاقاً من العقيدة، أي تستنبط وتؤخذ من العقيدة، فما انبثق عن هذه العقيدة وكان حكماً شرعياً كان وحده هو الذي يؤخذ وما لا ينبثق عنها يرفض كله، سواء وافق العقيدة أو خالفها. لذلك فإنا لا نأخذ ما يوافق الإسلام وإنما نأخذ فقط ما هو إسلام ليس غير. لأن الحكم الشرعي ينبثق عن العقيدة انبثاقاً ويؤخذ منها ولا يبنى عليها، بخلاف الفكر فإنه يبنى على العقيدة بناء. فالله تعالى حين قال " اقرأ " أباح لنا القراءة إباحة مطلقة، ولكنه حين أمر بأخذ معالجات الحياة أي الأحكام الشرعية، حصر الأخذ بها وقرنه بالإيمان وجعل الأخذ من غيره أخذاً من الطاغوت، فتكون النصوص التي جاءت بموضوع التشريع مخصصة للقراءة، فتكون إباحة القراءة خاصة بغير ما هو متعلق بالتشريع، أما التشريع أي الأحكام والمعالجات، فإن الإباحة لا تشملها لوجود النصوص الدالة على عدم جواز الأخذ من غيرها. ولذلك فإنا لا نقرأ غير التشريع الإسلامي، ولا نبحثه ولا نفكر فيه. ومن هنا فإنا حين نبحث التفكير بالتشريع إنما نبحث التشريع الإسلامي ليس غير.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:48 PM   #32
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 16,633
إفتراضي

والتفكير بالتشريع وإن كان يحتاج إلى معرفة اللغة العربية والأفكار الإسلامية، ولكنه يحتاج قبل ذلك، وبعد ذلك إلى معرفة الواقع والفقه فيه، ثم معرفة الحكم الشرعي ثم تطبيق هذا الحكم الشرعي على الواقع، فإن انطبق عليه كان حكمه، وإن لم ينطبق عليه لم يكن حكمه، فيبحث عن حكم آخر ينطبق عليه. لذلك فإن التفكير بالتشريع لا يتأتى لكل الناس، لأنه يحتاج إلى أمور كثيرة تتعلق بالألفاظ والتراكيب، وتتعلق بالأفكار التشريعية أي بمعلومات معينة هي المعلومات التشريعية ويحتاج إلى فهم الواقع، أي واقع الحكم الذي يؤخذ أو الذي يستنبط. فالتفكير بالنصوص التشريعية لا يكفي فيه العناية بالألفاظ والتراكيب كالتفكير بالنصوص الأدبية، ولا العناية بالمعاني والأفكار كالتفكير بالنصوص الفكرية، ولا العناية بالحوادث والوقائع والظروف كالتفكير بالنصوص السياسية. وإنما لا بد أن توجه العناية للألفاظ والتراكيب والمعاني والأفكار والوقائع والحوادث التي يراد أخذ الحكم لها دفعة واحدة، أي يحتاج إلى كل ما تحتاج إليه سائر النصوص. لذلك كان التفكير به أكثر صعوبة من التفكير بأي نص آخر، وكان في حاجة إلى عمق واستنارة في وقت واحد، فلا يكفي فيه العمق، وإن كانت تكفي فيه الاستنارة، لأنها لا تكون إلا عن عمق.
والنصوص التشريعية يختلف التفكير بها باختلاف الغاية من هذا التفكير، لأن الغاية من التفكير بالنصوص التشريعية، إما أن تكون لأخذ الحكم الشرعي وإما أن تكون لاستنباط الحكم الشرعي، وفرق بين الاثنين. فالتفكير لمعرفة الحكم الشرعي فقط وإن كانت تحتاج إلى معرفة معاني الألفاظ والتراكيب، ولكنها لا تحتاج إلى معرفة النحو والصرف، ولا متن اللغة أو علوم البلاغة، وإنما يكفي فيها معرفة القراءة باللغة العربية ولو لم يعرف الكتابة. فقراءة النص باللغة العربية وفهم ما يقرأ كافية في طلب معرفة الأحكام الشرعية من النصوص، وهي وإن احتاجت إلى معرفة الأفكار الشرعية أي معلومات سابقة عن الشرع، ولكنها يكفي فيها معرفة المعلومات الأولية. التي تلزم للمعرفة فلا تحتاج إلى معرفة علم أصول الفقه، ولا معرفة الآيات والأحاديث، فيكفي فيها أن يفهم الحكم الشرعي من غيره، من مجرد القراءة. وكذلك لا يلزم فيها معرفة الواقع ما هو، بل يكفي أن يعرف أن هذا الحكم لهذا الواقع. فحين يقرأ ليعرف حكم لحم العلب ما هو فإنه يكفي أن يعرف أن لحم الميتة حرام، وأن يعرف أن لحم العلب لحم ميتة لأنه لم يذبح ذبحاً شرعياً. وحين يقرأ ليعرف حكم الكلنيا، أي ما يسمى بالكولونيا يكفي أن يعرف أن المسكر حرام، وأن الكلنيا مسكر وهكذا. فإن التفكير في معرفة الحكم الشرعي من النصوص الشرعية فإنه يكفي فيه وجود معلومات سابقة كافية لتفسير واقع الحكم الذي يبحث عنه.
أما التفكير لاستنباط الحكم الشرعي فإنه لا يكفي فيه مجرد القراءة حتى يستنبط، وإنما يحتاج إلى معرفة بالأمور الثلاثة، وهي الألفاظ والتراكيب، والأفكار الشرعية، والواقع للفكر أي للحكم، معرفة تمكنه من الاستنباط لا مجرد معرفته. فلا بد أن يكون عالماً باللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة الخ، وأن يكون عالماً بالتفسير والحديث وأصول الفقه، ولا بد أن يكون عالماً بالواقع الذي يريد استنباط الحكم له. وليس معنى كونه عالماً أن يكون مجتهداً في هذه المواضيع، بل يكفي أن يكون ملماً مجرد إلمام. فهو يستطيع أن يسأل عن معنى كلمة وأن يرجع إليها في القاموس، ويستطيع أن يسأل مجتهداً في النحو والصرف أو يرجع إلى كتاب في النحو والصرف ليعرف اعراب جملة أو تصريف كلمة، ويستطيع أن يرجع لعالم من علماء الحديث أو يرجع إلى كتاب من كتب الحديث ليعرف الحديث ويستطيع أن يسأل عالماً بالواقع الذي يريد فهمه ولو كان غير مسلم، أو أن يرجع إلى كتاب يبحث هذا الواقع. فلا يعني كونه عالماً أن يكون مجتهداً أو متبحراً، بل يكفي أن يكون ملماً إلماماً يمكنه من الاستنباط. وهذا معنى كونه أنه لا بد أن تكون لديه معلومات معينة، أي معلومات كافية لتمكينه من الاستنباط. ولذلك فإن الاستنباط وأن كان يحتاج إلى معلومات أكثر من المعلومات اللازمة لمعرفة الحكم الشرعي، ولكنه لا يعني أن يكون مجتهداً في كل واحد من الأمور الثلاثة اللازمة للاستنباط، بل أن يكون ملماً بمعلومات كافية عن هذه الأمور الثلاثة تمكنه من الاستنباط ومتى أصبح قادراً على الاستنباط فإنه حينئذ يكون مجتهداً، ولذلك فإن الاستنباط أو الاجتهاد ممكن لجميع الناس وميسر لجميع الناس، ولا سيما بعد أن أصبح بين يدي الناس كتب في اللغة العربية والشرع الإسلامي ووقائع الحياة ميسرة لجميع الناس يمكن الرجوع إليها والاستعانة بها للاستنباط. ولذلك فإن معرفة الأحكام الشرعية وإن كانت ميسورة لكل فرد، فإن استنباط الحكم الشرعي كذلك ميسور لكل فرد، وإن كان يحتاج إلى معرفة أكثر، أي إلى معلومات سابقة أكثر وأوسع.

وإذا كان من قبلنا قد ضيقوا على أنفسهم سبيل الاجتهاد والاستنباط، واكتفوا بمجرد المعرفة فكانوا في جمهرتهم مقلدين، وتجددت الحوادث والوقائع ولم يوجد لها حكم، فإن تصميمنا على أن نتقيد بالأحكام الشرعية ونخوض معترك الحياة على أعلى مستوى وبشكل واسع ومنفتح، يحتم علينا، وقد يسرت لنا كتب المعرفة والعلم أن نرتفع من التقليد إلى مرتبة الاستنباط، وأن نعالج جميع شؤون الحياة بالأحكام الشرعية وحدها وذلك لا يكلفنا إلا الحصول على المعرفة اللازمة للاستنباط.

صحيح أن معرفة الحكم الشرعي فرض عين، واستنباط الحكم الشرعي فرض كفاية، ولكن ضرورة تجدد الوقائع والحوادث، وتحريم الإسلام علينا أن نأخذ أي حكم غير الحكم الشرعي، يجعل فرض الكفاية هذا لا يقل لزوماً عن فرض العين. ولذلك لا بد أن يوجد في الأمة الحشد العظيم من المستنبطين والمجتهدين.

ومن هذا يتبين أن التفكير بالتشريع مع كونه أصعب أنواع التفكير، ولكنه ألزم أنواع التفكير للأمة الإسلامية، سواء التفكير لمعرفة الحكم الشرعي أو التفكير لاستنباط الحكم الشرعي. إلا أن التفكير باستنباط الحكم الشرعي، لا يصح أن يؤخذ بخفة، ولا أن يؤخذ بهذه البساطة. بل يجب أن يؤخذ بعناية واهتمام، وأن لا يقدم أحد عليه إلا إذا توفرت لديه المعلومات اللازمة له. وأن يكون ملاحظاً دائماً ما يحتاج إليه التفكير بالنصوص التشريعية من وجود معلومات كافية، في الأمور الثلاثة اللازمة له، وهي اللغة العربية والأمور الشرعية ومعرفة حقيقة الواقع، وانطباق الحكم الشرعي على ذلك الواقع. وإنه وإن كان الانطباق ليس من المعارف اللازمة للاستنباط، ولكنه نتيجة لصحة المعرفة للأمور الثلاثة.

هذا هو التفكير بالتشريع، وهو أن تكون المعلومات التي تربط بالواقع معلومات معينة ومعلومات كافية لمعرفة حكم الواقع أو لاستنباط الحكم له. وإذا كان أعداؤنا قد نجحوا في المغالطات وجعلونا نرى أن العسل خرء الذباب فنشمئز منه ونعرض عنه، أي جعلوا الفقه مبغضاً إلينا ومحتقراً لدينا حتى أعرضنا عنه، فإنه قد آن الأوان لكشف هذه المغالطة، وأن نرى أن سعادتنا وحياتنا لا تتحقق إلا بالأحكام الشرعية، أي لا نصل إليها إلا بالفقه، أي إلا بمعرفة الأحكام الشرعية واستنباطها. لا سيما وأن غير الإسلام من تشريع كالقانون المدني وغيره إنما هي شرع الطاغوت، وإنها مما نهانا عنه صريح القرآن.

ومهما يكن من أمر فإن التفكير بالنصوص التشريعية، أي التفكير بالتشريع الإسلامي يختلف كل الاختلاف عن التفكير بأية نصوص أخرى، فإنه إذا كان التفكير بالنصوص الأدبية يحتاج إلى معرفة الألفاظ والتراكيب، وبالتالي إلى ذوق يتكون من هذه المعرفة، وإذا كان التفكير بالنصوص الفكرية يحتاج إلى معرفة في مستوى الفكر الذي يراد إدراكه، وإذا كانت النصوص السياسية تحتاج إلى معرفة بالوقائع والحوادث؛ فإن التفكير بالنصوص التشريعية يحتاج إلى جميع ما تحتاج إليه جميع أنواع التفكير. لأنه يحتاج إلى معرفة بالألفاظ والتراكيب، ويحتاج إلى معرفة شرعية في مستوى الواقع الشرعي، ويحتاج إلى معرفة بالواقع والحوادث التي يطبق عليها الحكم الشرعي، سواء لمعرفة الحكم أو لاستنباطه. ومن هنا يمكن القول بان التفكير بالتشريع أكثر صعوبة من أي تفكير، وأكثر لزوماً للمسلمين.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:49 PM   #33
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 16,633
إفتراضي

هذا هو التفكير التشريعي، أما التفكير السياسي فإنه يختلف كل الاختلاف عن التفكير التشريعي وإن كان من نوعه. لأن التفكير التشريعي هو لمعالجة مشاكل الناس، والتفكير السياسي هو لرعاية شؤون الناس. إلا أن هناك فرقاً بين التفكيرين. وكذلك هو يناقض التفكير الأدبي كل المناقضة، لأن التفكير الأدبي إنما يعنى باللذة والنشوة بالألفاظ والتراكيب، ويطرب للمعاني وهي في قوالب الألفاظ تساق بالأسلوب الأدبي. أما بالنسبة للتفكير الفكري فإن فيه تفصيلاً. فإذا كان التفكير السياسي تفكيراً بنصوص العلوم السياسية والأبحاث السياسية فإن التفكير السياسي والتفكير الفكري يكادان يكونان نوعاً واحداً. فهما متماثلان ومتشابهان إلى حد كبير. إلا أن التفكير الفكري يشترط فيه أن تكون المعلومات السابقة في مستوى الفكر الذي يبحث، حتى وإن كانت ليست من نوعه ولكن متعلقة به، أما التفكير السياسي فإنه وإن احتاج إلى معلومات سابقة في مستوى الفكر، ولكنه يحتاج إلى معلومات سابقة في نفس الموضوع ولا يكفي أن تكون متعلقة به أو مشابهة له أو مما تصلح لتفسير التفكير. لذلك فإن التفكير بالنصوص السياسية هو من نوع التفكير بالنصوص الفكرية.
أما إذا كان التفكير السياسي، تفكيراً بالأخبار والوقائع وربطاً للحوادث فإنه يخالف جميع أنواع التفكير. ولا تنطبق عليه ولا قاعدة من قواعده. بل لا تكاد تربطه قاعدة، ولذلك هو أعلى أنواع التفكير وأصعب أنواع التفكير. أما كونه أعلى أنواع التفكير فلأنه هو التفكير بالأشياء والحوادث، والتفكير بكل نوع من أنواع التفكير، ولذلك هو أعلاها جميعاً. صحيح أن القاعدة الفكرية التي تبنى عليها الأفكار وتنبثق عنها المعالجات هي أعلى أنواع التفكير، ولكن هذه القاعدة هي نفسها فكر سياسي، وفكرة سياسية، وإذا لم تكن فكرة سياسية وتفكيراً سياسياً، لا تكون قاعدة صحيحة، ولا تصلح لأن تكون قاعدة ولذلك فإنا حين نقول إن التفكير السياسي هو أعلى أنواع التفكير، فإن ذلك يشمل القاعدة الفكرية، أي التي تصلح لأن تكون قاعدة فكرية. وأما كونه أصعب أنواع التفكير، فإنه لعدم وجود قاعدة له يبنى عليها ويقاس عليها، ولذلك فإنه يحير المفكر ويجعله في أول الأمر معرضا للخطأ الكثير، وفريسة للأوهام والأخطاء. وما لم يمر بالتجربة السياسية وبدوام اليقظة والتتبع لجميع الحوادث اليومية، فإنه من الصعب عليه أن يتمكن من التفكير السياسي. ولذلك فإن التفكير السياسي بالأخبار والوقائع يتميز عن جميع أنواع التفكير ويمتاز عليها امتيازاً ظاهراً.
فالتفكير بالنصوص السياسية، وإن كان يشمل التفكير بنصوص العلوم السياسية ونصوص الأبحاث السياسية، ولكن التفكير السياسي الحق، هو التفكير بنصوص الأخبار والوقائع، ولذلك كانت صياغة الأخبار هي التي تعتبر نصوصاً سياسية حقة. وإذا كان المرء يريد التفكير السياسي، فإن عليه التفكير بنصوص الأخبار ولا سيما صياغتها وكيفية فهم هذه الصياغة. لأن هذا هو الذي يعتبر تفكيراً سياسياً، وليس التفكير بالعلوم السياسية والأبحاث السياسية. لأن التفكير بالعلوم السياسية والأبحاث السياسية يعطي معلومات، تماما كالتفكير بالنصوص الفكرية ويعطي فكراً عميقاً أو مستنيراً، ولكنه لا يجعل المفكر سياسياً، وإنما يجعله عالماً بالسياسة، أي عالماً بالأبحاث السياسية والعلوم السياسية، ومثل هذا يصلح لأن يكون معلماً، ولا يصلح أن يكون سياسياً. لأن السياسي هو الذي يفهم الأخبار والوقائع ومدلولاتها، ويصل إلى المعرفة التي تمكنه من العمل. سواء أكان له إلمام بالعلوم والأبحاث السياسية، أو لم يكن له إلمام أن كانت العلوم السياسية والأبحاث السياسية تساعد على فهم الأخبار والوقائع، ولكن مساعدتها هذه إنما تقف عند حد المساعدة في جلب نوع المعلومات عند الربط، ولا تساعد في غير ذلك. ولهذا فإنه ليس شرطاً في التفكير السياسي.
إلا انه مع الأسف الشديد فإنه منذ أن وجدت فكرة فصل الدين عن الدولة، وتغلب على أصحابها موضوع الحل الوسط انفرد الغرب، نعني أروبا وأمريكا بإصدار المؤلفات والكتب في العلوم السياسية والأبحاث السياسية، على أساس فكرته عن الحياة وعلى أساس الحل الوسط، وعلى أساس الشكليات التي تعطي الفكر الوسط، الذي وجد للتوفيق والمصالحة. وحين جاءت الفكرة الشيوعية واعتنقتها روسيا الدولة الشيوعية، فإنه كان يؤمل أن تخرج أبحاث سياسية على أساس فكر ثابت لا على أساس الحل الوسط ولكن مع الأسف فإن روسيا ظلت ملحقة بالغرب، ولذلك فإن العلوم السياسية والأبحاث السياسية ظلت سائرة في نفس الطريق، مع اختلاف في الشكل لا في المضمون ولذلك فإنه يمكننا أن نقول إن الأبحاث السياسية والعلوم السياسية التي خرجت حتى الآن هي أبحاث سياسية لا يطمئن العقل إلى صحتها، وعلوم سياسية أشبه بما يسمى علم النفس مبنية على الحدس والتخمين فوق كون أساسها هو الحل الوسط. لذلك فإنه حين يجري التفكير في نصوص هذه العلوم والأبحاث، لا بد أن يكون المرء في حالة يقظة على الأفكار، وفي حالة حذر من الانزلاق مع أخطائها. لأنها تتضمن أفكاراً مخالفة للواقع وأبحاثاً هي غاية الخطأ. وإنا مع كوننا نفضل أن تعامل معاملة التشريع الغربي فلا تقرأ ولا تدرس لأن فيها ما هو متعلق بالتشريع وليس بالسياسة مثل أنظمة الحكم، ولكن نظراً لأنها من نوع الأبحاث الفكرية وفيها أبحاث سياسية، فإنه من هذه الجهة لا بأس من قراءتها ودراستها ولكن مع اليقظة والحذر.
ولنأخذ بعض الأفكار كنموذج لما تتضمنه الأبحاث السياسية لدى الغرب. فالقيادة في الغرب جماعية تتمثل في مجلس الوزراء، وأخذها الشرق فجعل لها شكلاً آخر، وقال بالقيادة الجماعية. وهذا مخالف للواقع وبني على الحل الوسط. لأن الملوك المستبدين في أروبا كانوا أفراداً وضج الناس من استبداد الملوك، واعتبروا سبب ذلك هو فردية القيادة، فقالوا إن القيادة للشعب لا للفرد وجعلوها في مجلس الوزراء. وهذا حل وسط، لأن مجلس الوزراء ليس الشعب ولا منتخباً من الشعب، ولأن رئيس الوزراء هو الذي يتولى قيادة الوزراء، وبذلك كانت القيادة ليست للشعب ولا للفرد بل لرئيس الوزراء ومجلس الوزراء، فكان هذا النظام حلاً وسطاً بين أن تكون القيادة للفرد وبين أن تكون للشعب. فهو ليس حلاً لموضوع القيادة، بل هو مراضاة للفريقين. وفوق ذلك فإن واقع السير أن القيادة ظلت فردية في جميع أنواع الأنظمة الديمقراطية. فهي في الواقع إما أن يتولاها رئيس الدولة كرئيس الجمهورية مثلاً، أو يباشرها رئيس الوزراء نفسه. فواقع القيادة أنها فردية ليس غير، ولا يمكن أن تكون جماعية ولا بحال من الأحوال. وحتى لو جعلت جماعية، أو سميت جماعية، فإن سير الحكم نفسه يحول القيادة إلى قيادة فردية لأنه لا يمكن أن تكون إلا فردية.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:50 PM   #34
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 16,633
إفتراضي

وعند الغرب جعلت السيادة للشعب، فالشعب هو الذي يشرع والشعب هو الذي يحكم والشعب هو الذي يملك الإرادة ويملك التنفيذ. وهذا مخالف للواقع ومبني على الحل الوسط. لأن الملوك المستبدين كانت لهم الإرادة، وكان لهم التقرير. فكانوا هم الذين يشرعون وهم الذين يحكمون. وضج الناس من استبداد هؤلاء الملوك. واعتبروا سبب ذلك كونهم يملكون الإرادة ويملكون التقرير، فيملكون التشريع ويملكون الحكم. فقالوا إن السيادة للشعب، فهو الذي يشرع وهو الذي يحكم. فجعلوا التشريع لمجلس منتخب من الشعب، وجعلوا التنفيذ لمجلس الوزراء ورئيس الوزراء أو لرئيس الدولة وهذا حل وسط. لأن مجلس النواب وإن كان منتخباً من الشعب ولكنه لا يشرع، وإنما الذي يشرع هو الحاكم. ومجلس الوزراء أو رئيس الجمهورية هو الذي يحكم. وهو وإن كان منتخباً من الشعب أو وافق عليه ممثلو الشعب، فإنه ليس في ذلك أن الشعب يحكم، وإنما فيه فقط أن الشعب يختار الحاكم. فكان هذا حلاً وسطاً. وفوق ذلك فإنهم يصرحون بأن السيادة للقانون، ويعتبرون الحكم الصالح هو الذي فيه السيادة للقانون. فكان هذا النظام حلاً وسطاً، ومغالطة للنفس. وفوق ذلك فإن واقع الحكم هو غير هذا. فواقع الحكم الصالح هو أن يختار الشعب حاكمه، وأن تكون السيادة للقانون، فلا سيادة للشعب مطلقاً ولا حكم للشعب ولا بحال من الأحوال.
وعند الغرب أن الحكم شيء وأن الأمور العاطفية والدينية شيء آخر، فعندهم أن سلطة الكنيسة غير سلطة الدولة، وأن الأعمال العاطفية من فعل الخيرات والعطف على الفقراء، ومؤاساة الجرحى وما شاكل ذلك، لا شأن للدولة فيها. وهذا مبني على فكرة فصل الدين عن الدولة وعلى الحل الوسط ومخالفة للواقع. لأن الملوك المستبدين كانوا يتحكمون في الكنيسة، وكانوا لا يقومون بمؤاساة الناس من جرحى ومرضى وفقراء ونحوهم. ولذلك ضج الناس. فكان الحل الوسط في فصل الكنيسة عن الدولة، وفي فصل الأعمال العاطفية عن الدولة. فنشأت عندهم سلطة للكنيسة غير سلطة الدولة، ونشأت عندهم الجمعيات الخيرية، وجمعيات الصليب الأحمر وما شاكل ذلك. ولكن لما واقع الحكم هو رعاية شؤون الناس كل الناس، والدين من الشؤونأ والأعمال العاطفية من الشؤون، ولذلك كانت الدولة تشرف على الكنائس، ولكن بأسلوب غير ظاهر، وتشرف على الجمعيات الخيرية وجمعيات الصليب الأحمر، ولكن بأساليب خفية. ولذلك كانت هذه النظرية مخالفة للواقع حقيقة، وإن كان ظاهراً وجود الفصل بين الحكم وغيره.
هذه ثلاثة أفكار كنموذج لخطأ الأفكار السياسية التي تضمنتها الأبحاث السياسية لدى الغرب. وإذا قيل هذا في الأفكار السياسية المتعلقة بالأنظمة فإنه يقال كذلك في الأبحاث السياسية المتعلقة بالأشياء والوقائع، وهذه وإن كان فيها بعض الحقائق التي لا يملك العقل مغالطة فيها، فإنها مملوءة بما يخالف الحقيقة ومملوءة بالمغالطات. فمثلاً حين يتحدثون عن السياسة الإنجليزية من أنها مبنية على ثلاثة أمور: هي علاقة إنجلترا بأمريكا وعلاقة إنجلترا بأروبا، وعلاقة إنجلترا بالدول التي كانت مستعمرات لها واستقلت، أو ما يسمى بالكومنولث، فإن حديثهم هذا صحيح، لأنه وصف لواقع لا يمكن أن تقع المغالطة فيه، ولكنهم حين يتحدثون عن السياسة الإنجليزية من حيث سلوكها في المحالفات، وموقفها من الأصدقاء أو الأعداء ونظرتها للشعوب والأمم، فإنهم فوق ما يكون في حديثهم من مغالطات وتضليل، فإنه يكون كذلك مخالفاً للواقع وجناية على الأحداث والوقائع، وقل مثل ذلك في حديثهم عن أية دولة من الدول، سواء أكانت دولة غربية أو دولة غير غربية، وسواء أكان حديثاً تاريخياً لأمور مضت أو كان حديثاً عن وقائع جارية، وحوادث تقع أمام الأعين. فإن لهم من المهارة في التضليل وتزييف الحقائق ما يخفى حتى على بعض المبصرين. ولذلك كان التفكير بالعلوم السياسية والأبحاث السياسية، أياً كانت لا يصح أن يكون إلا مع اليقظة والحذر.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:51 PM   #35
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 16,633
إفتراضي

أما التفكير السياسي بالوقائع والحوادث الجارية، فهو التفكير الذي يصح أن يكون تفكيراً سياسياً بما تعنيه هذه الكلمة، وهو الذي يجعل المفكر سياسياً. وهذا التفكير يحتاج إلى خمسة أمور رئيسية مجتمعة:

فأولاً: يحتاج إلى تتبع جميع الوقائع والحوادث التي تقع في العالم، أي يحتاج إلى تتبع جميع الأخبار، ونظراً لاختلاف الأخبار من حيث الأهمية وعدم الأهمية، ومن حيث الصدفة والقصد في الواقعة والحادثة أو في سوق الخبر عنها، ومن حيث الاقتضاب والإسهاب، فإنه مع المران ومع الزمن يصبح تتبع الأخبار لا لجميع الأخبار بل لما هو لا بد من معرفته في حلقات المعرفة.

ثانياً: يحتاج إلى معلومات ولو أولية ولو مقتضبة، عن ماهية الوقائع والحوادث، أي عن مدلولات الأخبار، سواء أكانت معلومات جغرافية أو معلومات تاريخية، أو معلومات فكرية، أو معلومات سياسية، أو شاكل ذلك مما يستطيع معه الوقوف على واقع الواقعة أو الحادثة، أي على حقيقة مدلولات الأخبار.
ثالثا: عدم تجريد الوقائع من ظروفها وعدم تعميمها. فالتجريد والتعميم والقياس الشمولي، هي آفة فهم الوقائع والحوادث، أي آفة معرفة الأخبار. فلا بد من أن تؤخذ الواقعة والحادثة مع ظروفها أخذاً واحداً بحيث لا يفصل بين الحادثة وبين ظروفها ولا بحال من الأحوال. إلى جانب حصر هذه الحادثة بما حصلت فيه، فلا تعمم على كل حادثة مثلها ولا يقاس عليها قياساً شمولياً بل تؤخذ حادثة فردية ويصدر الحكم عليها بوصفها حادثة فردية، أي لهذه الحادثة ليس غير.

رابعاً: تمييز الحادثة والواقعة، أي تمييز الخبر من طريق تمحيصه تمحيصاً تاماً، فيعرف مصدر الخبر، وموقع وقوع الواقعة والحادثة وزمانها، والوضع الذي حصلت فيه، والقصد من وجودها أو من سوق الخبر عنها ومدى إيجاز الخبر والإسهاب فيه وصدقه أم كذبه، إلى غير ذلك مما يتناوله التمحيص. لأن هذا التمحيص هو الذي يوجد التمييز، وبقدر ما يكون شاملاً وعميقاً بقدر ما يوجد تمييز له. وبدون التمييز لا يمكن أن يأخذ هذه الحادثة أو الواقعة، لأنه يصبح فريسة للتضليل أو الخطأ. ولذلك فإن التمييز عامل هام في أخذ الخبر، بل مجرد سماعه.

خامساً: ربط الخبر بالمعلومات ولا سيما ربطه بغيره من الأخبار. وهذا الربط هو الذي يؤدي إلى الحكم الأقرب للصواب على الخبر. فالخبر إذا كان متعلقاً بالسياسة الدولية، وربط بالسياسة المحلية، أو كان متعلقاً بالسياسة المحلية وربط بالسياسة الدولية. أو كان خبراً اقتصادياً وربط بالاقتصاد، مع أنه من الأمور السياسية ولو كان اقتصادياً. أو كان خبراً يتعلق بألمانيا وربط بالسياسة الألمانية مع أنه من الأمور المتعلقة بأمريكا. فالخبر إذا ربط بغير ما يجب أن يربط به فإن الخطأ يقع حتماً، إذا لم يقع التضليل والخداع. لذلك فإن ربط الخبر بما يتعلق به أمر بالغ الأهمية. وأن يكون هذا الربط على وجهه الصحيح أي بأن يكون ربطاً للفهم والإدراك، لا ربطاً لمجرد المعرفة. أي ربطاً للعمل لا للعلم.

هذه الأمور الخمسة لا بد من تحققها جميعاً حتى يتأتى التفكير بالنصوص السياسية، أي حتى يتأتى التفكير السياسي. ولا يقال إن هذه الأمور كثيرة وصعبة ومن العسير تحقيقها. لا يقال ذلك، لأن وجود هذه الأمور ليس بالأمر الصعب، لأن المقصود بها هو مجرد الإلمام وليس المعرفة الواسعة، وهي تأتي مع الزمن وليس دفعة واحدة، وتأتي عن طريق التتبع وليس عن طريق الدراسة والبحث العلمي. صحيح أن الدراسة والبحث العلمي تكون أكثر مساعدة على القدرة، ولكنها لا تلزم في التفكير السياسي، ولا تلزم للسياسي، فهي كمالية وثانوية. والمهم في كل ذلك هو التتبع، ومتى حصل التتبع وجدت الأربعة الباقية طبيعياً. فالأصل في التفكير السياسي هو التتبع، ومتى وجد التتبع وجد التفكير السياسي طبيعياً.
وعلى ذلك، فإن التفكير السياسي _ على صعوبته وعلوه _ فإنه في مقدور كل إنسان، مهما كان تفكيره ومهما كان عقله، فالعادي والنابغة والعبقري، كل منهم في مقدوره أن يفكر تفكيراً سياسياً، وفي مقدوره أن يكون سياسياً، لأنه لا يتطلب درجة معينة من العقل ولا درجة معينة من المعرفة، بل يتطلب تتبع الوقائع والحوادث الجارية أي تتبع الأخبار، ومتى وجد هذا التتبع وجد التفكير السياسي. إلا أن التتبع لا يصح أن يكون منقطعاً بل يجب أن يكون متصلاً، لأن الحوادث والوقائع الجارية تشكل حلقة مترابطة الأطراف فإذا فقدت حلقة منها انقطعت السلسلة، أي انفكت الحلقة، ويصبح في غير مقدور الشخص أن يربط الأخبار وأن يفهمها. ولذلك كان بقاء الحلقة حلقة أمراً ضرورياً في التفكير السياسي، أي أن التتبع المتصل شرط أساسي في التفكير السياسي.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:51 PM   #36
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 16,633
إفتراضي

والتفكير السياسي ليس خاصاً بالأفراد، بل هو كما يكون في الأفراد يكون في الجماعات، أي يكون في الشعوب والأمم، فهو ليس كالتفكير الأدبي ولا كالتفكير التشريعي، إنما يتحقق بالأفراد فحسب، ولا يتأتى أن يكون في الجماعات، فهو فردي. بل التفكير السياسي تفكير فردي وتفكير جماعي، وكما يكون في الأفراد يكون في الجماعات. فيكون في الشعوب والأمم، كما يكون في الأفراد من حكام وسياسيين. بل إنه لا يكفي أن يكون في الأفراد، بل يجب أن يكون في الشعوب والأمم، وبدون وجوده في الشعوب والأمم لا يوجد الحكم الصالح، ولا يتأتى وجود النهضة، ولا تصلح الشعوب والأمم لحمل الرسالات. ومن هنا كان لا بد أن يوجد التفكير السياسي في الشعب والأمة. ذلك أن الحكم إنما هو للشعب أو الأمة، وكامن في الشعب والأمة. ولا تستطيع قوة أن تأخذه إلا إذا أعطاه الشعب والأمة، وإذا حصل اغتصابه منها فإنه إنما يغتصب لفترة، فإما أن تعطيه فيستمر أو تصر على استرجاعه فيطاح بالحكم. وما دام الحكم هو للشعب والأمة أو كامن فيها، فإنه لا بد لهذا الشعب وهذه الأمة من أن يكون لديه أو لديها التفكير السياسي. ولذلك فإن التفكير السياسي هو ضروري للأمة قبل الحكام، وضروري لاستقامة الحكم أكثر من ضرورته لإيجاد الحكم. ومن هنا كان لا بد أن تثقف الأمة أو الشعب ثقافة سياسية، وأن يكون لديها التفكير السياسي. أي لا بد أن تزود الأمة بالمعلومات السياسية والأخبار السياسية، وأن ينمى لديها سماع الأخبار السياسية، ولكن بشكل طبيعي لا بشكل مصطنع، وبإعطائها الصحيح من الثقافة السياسية، والصادق من الأخبار، حتى لا تقع فريسة للتضليل. ومن هنا كانت السياسة والتفكير السياسي، هي التي تُوجِد في الشعب أو الأمة الحياة، أي كانت السياسة هي التي تحيا بها الأمة، وبدون ذلك تكون جثة هامدة لا حركة فيها ولا نمو.

إلا أن الخطأ في فهم السياسة والضلال الذي يحصل من فهم السياسة إنما يأتي من التفكير بالنصوص السياسية على غرار التفكير بالنصوص الأخرى من أدبية وفكرية وتشريعية. فيفكر بالألفاظ والتراكيب مثلاً، وتفهم هذه الألفاظ والتراكيب كما هي، أو يفكر بالمعاني التي تحويها هذه الألفاظ والتراكيب، فتفهم هذه المعاني كما هي، أو يفكر في دلالات هذه الألفاظ والتراكيب فتفهم هذه الدلالات. وهنا يقع الخطأ والضلال. لأن التفكير بالنصوص السياسية يختلف كل الاختلاف عن التفكير بأي نص آخر. لأن الخطأ والخطر في التفكير السياسي إنما يأتي من عدم التمييز بين النصوص السياسية وبين غيرها من النصوص. فالنصوص السياسية، قد تكون معانيها موجودة في النصوص، وقد تكون موجودة في غير النصوص، وقد تكون موجودة في صياغة الألفاظ والتراكيب كالمعاهدات مثلاً والتصريحات المسؤولة، وقد يكون في المعاني لا بالصياغة، وقد يكون بالدلالات لا بالمعاني ولا بالألفاظ، وقد يكون ما وراء هذه المعاني والألفاظ والدلالات، بل قد يكون مخالفا لها أو مغايراً للنصوص مغايرة كلية. فإذا لم يدرك ما يعنيه النص السياسي مما هو متضمن للنص، أو خارجاً عنه فإنه لا يدرك النص ولا بحال من الأحوال فيقع الخطأ أو الضلال في التفكير بالنص السياسي.

ثم انه من أخطر الأمور على التفكير السياسي، تجريده وتعميمه ودخول القياس الشمولي فيه. فإن النص السياسي لا يفصل عن ظروفه ولا بحال من الأحوال فهي جزء منه، ولا يصح أن يعمم ولا بوجه من الوجوه. ولا يدخله القياس الشمولي حتى ولا القياس. فإنه علاوة على أن الظروف جزء من النص فإنه نص في حادثة معينة، فيؤخذ لتلك الحادثة ليس غير، فلا يعمم على غيرها ولا يقاس عليها. لا قياساً شمولياً ولا قياساً حقيقياً، بل يجب أن يؤخذ لتلك الحادثة وحدها. لذلك كان التجريد والتعميم والقياس مطلقاً شمولياً كان أو حقيقياً، تشكل خطر الخطأ وخطر الضلال على التفكير السياسي، فقد يعطي مسؤول تصريحاً فيفهم منه شيء، ثم يعطي نفس التصريح أو تصريحاً آخر فيفهم منه شيء آخر قد يكون مخالفاً له بل قد يكون مناقضاً له. ويعطي مسؤول تصريحاً عن أمر حقيقي، أي تصريحاً صادقاً فيفهم منه أنه تصريح كاذب يراد منه التضليل، وقد يعطي تصريحاً كاذباً فيفهم منه أنه تصريح صادق، وأن المقصود منه هو ما عناه والكذب فيه هو انه أعطي للإخفاء بالكذب. وقد يقام بعمل حسب التصريح، وقد يقام بعمل على خلاف التصريح وهكذا. فالظروف والملابسات هي التي تلقي الضوء على التصريح فتكشف ما يراد منه، وليس نفس النص السياسي. ولذلك فإن التفكير السياسي لا يتأتى أن يكون قريباً من الصواب إلا على هذا الوجه. أي إلا إذا جعلت الظروف جزءاً لا يتجزأ من النص أو العمل، وإلا إذا أخذت كل حادثة بمفردها. وأبعد عنها التعميم والقياس.
ولقد عانت الأمة الإسلامية من سوء التفكير السياسي الكثير من المصائب والويلات. فالدولة العثمانية مثلاً، حين كانت أروبا تحاربها في القرن التاسع عشر، إنما كانت تحاربها في الأعمال السياسية أكثر منها في الأعمال العسكرية، وإنه وإن وقعت أعمال عسكرية ولكنها كانت مساعدة للأعمال السياسية. فمثلاً ما كانوا يسمونه بمشكلة البلقان هي مشكلة خلقتها الدول الغربية بالتصريحات، فأعلنوا أن دول البلقان يجب أن تحرر من العثمانيين، أي من المسلمين. ولكن لم يكونوا يعنون انهم سيحاربون الدولة العثمانية، وإنما كانوا يعتمدون على إيجاد القلاقل والاضطرابات في البلقان، فجاءوا بفكرة القومية والتحرر، فأخذها البلقانيون وأخذوا يقومون بالثورات، فكانت الدولة العثمانية تقوم بعمليات عسكرية ضد هذه الثورات مراعية وضع الدول الأخرى، وتحاول استرضاء الدول الأخرى، مع أن هذه الدول الأخرى هي التي كانت تسند الثورات، وهي التي كانت توهم العثمانيين، وهي التي كانت تجعلهم يشتغلون ضد الثورات، من أجل أن يكون عملهم إنهاكا لقواهم لا قضاء على الثورات، وهكذا كان من نتيجة خطأ الدولة العثمانية وضلالها في التفكير السياسي أن خسرت البلقان، ثم لاحقتها فكرة القومية في عقر دارها حتى قضت عليها القضاء المبرم.
وهذا بخلاف روسيا أو الاتحاد السوفياتي، فإنها قد وقعت في نفس المشكلة في أروبا الشرقية في الخمسينات، فإن أمريكا نادت بتحرير أروبا الشرقية من الشيوعية، وأخذت تنادي بالتحرير، وأخذت تسند هذه الدول والشعوب سراً وعلناً. ولكن روسيا لم تقف موقف العثمانيين وعرفت أن فكرة التحرير هذه هي حرب ضد روسيا أو الاتحاد السوفياتي، ولذلك لم تهادن أمريكا، وإنما اتخذتها العدو الأول، ولما قامت ثورة بولونيا سحقتها، ولم تجعل لها أي منفذ للنجاح ،ولما ثارت بلغاريا سحقتها دون أية رحمة، وشددت قبضتها الحديدية على أروبا الشرقية، واستعدت لحرب أمريكا إذا هي تحركت لإسناد أروبا الشرقية سراً وعلناً، مما أدى إلى إخفاق أمريكا إخفاقاً ذريعاً، حتى اضطرت أمريكا بعد إخفاقها وإدراكها موقف روسيا السياسي وفهمها السياسي، أن تتنازل عن فكرة محاربة الشيوعية وإضعاف روسيا، إلى عقد اتفاقيات مع روسيا والتعايش معها، كل ذلك ليس ناتجاً عن قوة روسيا، وإنما ناتج عن التفكير السياسي الصحيح لدى الاتحاد السوفياتي.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:52 PM   #37
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 16,633
إفتراضي

ومثلاً حين رأت أمريكا أن اسرائيل التي أقامتها دولة تكاد تفلت من يدها، وتكاد إنجلترا تسترجع هذه البلاد بتحويل ما يسمى بدولة اسرائيل إلى كيان آخر يسمى فلسطين، حين رأت أمريكا ذلك في اواخر الستينات أطلقت على مشكلة فلسطين اسم مشكلة الشرق الأوسط وصارت تقوم بالأعمال السياسية التي تمكنها من أن تتولى المشكلة وحدها. وصارت تتخذ كلمة السلام، وفكرة حل المشكلة وسيلة لتعقيد المشكلة وهكذا، استمرت في التضليل السياسي، حتى ارتمى كل من العرب واليهود في أحضانها، وصارت تتبع أسلوب المغالطة وأسلوب التضليل حتى أنهكت قوى كل من العرب واليهود، فاتجهت لا إلى حل المشكلة، بل إلى نقل المنطقة من حالة اضطراب وتسميه حالة حرب، إلى حالة هدوء نسبي وتسمية حالة سلام، وذلك لكي تتمكن على مهل وبهدوء من تركيز المنطقة على الوضع الذي رسمته لها، حتى تطرد الإنجليز نهائيا من المنطقة وتنفرد وحدها في السيطرة وبسط النفوذ على المنطقة كلها، عن طريق تقوية ما يسمى بدولة اسرائيل. وبذلك كان ما يسمى بمشكلة الشرق الأوسط مثل مشكلة البلقان سواء بسواء، وكما وقع العثمانيون وأهل دول أروبا الجنوبية في الشَّرَك من جراء التضليل السياسي، وقع العرب واليهود في الشرَك نفسه. وإذا لم يوجد التفكير السياسي لدى المسلمين اليوم لإدراك مشكلة الشرق الأوسط، كما أدركت روسيا مشكلة أروبا الشرقية فإن مصير الشرق الأوسط سيكون مثل مصير البلقان سواء بسواء.
فسوء التفكير السياسي هو الذي يدمر الشعوب والأمم، وهو الذي يهدم الدول أو يضعفها، وهو الذي يحول بين الشعوب المستضعفة وبين الانعتاق من ربقة الاستعمار، وهو الذي يحول بين الأمم المنحطة وبين النهوض. ولذلك فإن التفكير في النصوص السياسية أمر بالغ الأهمية، ونتائجه فظيعة أو عظيمة. وأخطار الخطأ أو الضلال فيه أخطار مدمرة. ومن هنا كان لا بد من العناية الفائقة بالتفكير السياسي عناية تفوق العناية بأي تفكير. ذلك أنه ضروري للشعوب ضرورة الحياة.
إلا أن التفكير السياسي، وإن كان أصعب أنواع التفكير وأعلاها، فإنه لا يكفي فيه أن يكون تفكير أفراد فقط، فإن الأفراد لا قيمة لهم مهما كثر عددهم، ومهما كان تفكيرهم سليماً أو عبقرياً. فإن التضليل في التفكير السياسي إذا تمكن من الشعب أو الأمة لا تنفع تجاهه عبقريات الأفراد ولا قيمة للعبقريين في التفكير السياسي، مهما كان عددهم ومهما كانت عبقرية تفكيرهم. فإن الضلال إذا تمكن من الشعب أو الأمة جرف تياره كل شيء، ووقعت الأمة أو الشعب فريسة سهلة لهذا التضليل، وكانت هي ومعها العبقريون لقمة سائغة يلتهمها الأعداء. وما نجاح مصطفى كمال في هدم الدولة الإسلامية وإزالة الخلافة في أوائل القرن العشرين الميلادي ونجاح جمال عبد الناصر في الخمسينات والستينات من هذا القرن في الحيلولة دون تحرير العرب وقد كانوا عقب الحرب العالمية الثانية متحفزين للتحرير، إلا أمثلة حية على أن سوء التفكير السياسي إذا اجتاح الشعوب والأمم فإنه لا تنفع تجاهه عبقرية العبقريين ما داموا أفراداً ولو بلغ عددهم الآلاف. لذلك فإن سوء التفكير السياسي لا يشكل خطراً على الأفراد، وإنما يشكل خطراً على الشعوب والأمم. ومن هنا لا بد من العناية بالتفكير السياسي لدى الشعوب والأمم، عناية تفوق كل شيء. صحيح أن التفكير السياسي، إذا وجد عند الأفراد وسار لديهم في الطريق المستقيم يمكن بهم أن يوجد التفكير السياسي الذي يقف في وجه الأعداء ويكشف تضليلهم، ولكن هذا إنما يتأتى إذا انتقل تفكير هؤلاء الأفراد إلى الشعب أو الأمة وإذا أصبح عند الأمة كما هو عند الأفراد، وإذا انتقل إلى أن يكون تفكير الأمة لا تفكير الأفراد فيصبح هؤلاء الأفراد جزءاً من الأمة لا أفراداً وتكون الأمة كلها أمة مفكرة وليس أفراداً منها. وإذا لم يتحول التفكير الفردي إلى تفكير جماعي ولم يصبح تفكير الأفراد تفكير أمة لا تفكير أفراد، فإنه لا قيمة لهذا التفكير ولا قيمة لهؤلاء الأفراد، فتفكير الأفراد السياسي لا يقوى على الوقوف في وجه الأعداء وفي وجه تضليلهم، مهما كثر عددهم وسمت عبقرياتهم ،وإنما الذي يقف في وجههم هو تفكير الشعوب والأمم، أي هو التفكير السياسي الذي يكون عند الشعوب والأمم.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:53 PM   #38
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 16,633
إفتراضي

صحيح أن الأفراد العباقرة، هم أناس عاديون مثلهم مثل باقي الناس لا يتميزون بإنسانيتهم عن أي إنسان عادي. والناس ينظرون إلى هؤلاء الأفراد نظرة عادية فإن عبقريتهم لا تشاهد ولا تلمس ولا يحس بها. ولذلك فإنهم حين تتحرك عبقريتهم وينتجون لا يرى فيهم في أول الأمر أية ميزة، ولا يدرك في إنتاجهم أي تفوق ولا أية عبقرية، فهم إن كانوا مثقفين فإن مثلهم كثيرون مثقفون وإن كانوا أذكياء فإن مثلهم الكثير من الأذكياء. فإذا لفت النظر إلى أفكارهم فإنما يلفت النظر من قبل أفراد آخرين، يقبلون على إنتاجهم ليكونوا مثلهم أو ليساعدهم هذا التفكير على الارتفاع في مجتمعهم وفي وسطهم، أو لاتخاذه وسيلة لتحقيق مآرب شخصية أو غايات أنانية، وإذا ظل كذلك ولم ينتقل إلى جماعات فإنه يبقى فردياً مهما كثر الأفراد المفكرون هذا التفكير ولو كان تفكيراً فريداً يقبله كل من ذاقه أو عرفه. ولذلك فحتى ينفع هذا التفكير السياسي، ويصبح قادراً على الوقوف في وجه الأعداء لا بد أن يتحول إلى تفكير جماعي ويخرج من قوقعة الفردية ومن شرنقة العزلة. فإذا تحول إلى تفكير جماعي وانتقل إلى الشعب أو الأمة فقد وجدت القوة التي تقف في وجه الأعداء ووجدت البذرة القوية التي تنبت شجرة النهضة.

هذا هو التفكير السياسي الذي ينفع وهو التفكير الجماعي لا التفكير الفردي، أي هو تفكير الشعب والأمة، وليس تفكير الأفراد حتى لو كانوا من العبقريين. لذلك يجب تثقيف الأمة التثقيف السياسي ويجب تمرين الأمة وتعليمها على التفكير السياسي، حتى يكون التفكير السياسي هو تفكير الأمة وليس تفكير الأفراد.

هذا هو التفكير السياسي فهو تفكير بالعلوم السياسية والأبحاث السياسية، وتفكير بالحوادث السياسية والوقائع السياسية. وتفكير الأول لا قيمة له ولا يزيد عن مجرد المعرفة للأفكار. أما التفكير السياسي فإنه هو الذي ينفع ويفيد، وهو الذي يكون له أثر باهر وتأثير عظيم. ولذلك فإنه إن جاز التفكير السياسي في العلوم السياسية والأبحاث السياسية وكانت منه فوائد للأفراد من العلماء في السياسة فإن التفكير في الوقائع والحوادث هو واجب على الكفاية للأمة، يجب أن يعمل لإيجاده بالأمة لا سيما على الذين لديهم مثل هذا التفكير سواء أكانوا من المتعلمين أو غير المتعلمين.

وبعد:

فهذه لمحة موجزة عن موضوع التفكير من حيث هو تفكير، نقدمها للأمة الإسلامية لعل دراستها توجد التفكير في هذه الأمة حتى ينقلها هذا التفكير إلى أن تعود خير أمة أخرجت للناس. لا سيما بعد أن مضى على هذه الأمة عشرة قرون وهي بعيدة عن التفكير، وإن حاولت هذا التفكير عدة مرات. إن الأمة الإسلامية قد بليت في القرن الرابع الهجري بعلماء عملوا على تعطيل التفكير في الأمة ونادوا بخطر التفكير على الأمة، وضرره على الإسلام والمسلمين. وذلك حين قام رهط من علماء مثل العالم المشهور باسم القفال ونادوا بإقفال باب الاجتهاد وعملوا على منع الاجتهاد وأقنعوا الناس بخطر الاجتهاد فصدق المسلمون هذه الدعوة وعملوا بها، وتحرج العلماء من الاجتهاد، وخاف المفكرون من الاجتهاد، وكره الناس أن يكون هناك مجتهدون. وقد تبنى الرأي العام في جميع أقطار الإسلام هذا الرأي، وبذلك تعطل التفكير ووقف الناس عند حد التقليد وألغوا عقولهم ولم يعودوا يجرؤن على الاجتهاد. فكان هذا المنع للاجتهاد والتفكير أعلاه إنما يكون في الإسلام، فأدى ذلك إلى وقف التفكير لدى الناس واستمرؤا هذا التعطيل للتفكير، والإنسان بطبعه حيوان كسول، لذلك وقفت الأمة عن التفكير حتى هذا القرن، القرن الرابع عشر هجري. فسلخت عشرة قرون وهي معطلة التفكير. ولذلك ليس من السهل على أمة سلخت عشرة قرون من عمرها وهي معطلة التفكير، أن يتحرك فيها التفكير وأن تفهم عن وعي قيمة التفكير، وقيمة المفكرين. ولذلك فإن ملايين الكتب مثل هذا الكتاب لا تضمن أن تحرك الأمة للتفكير وأن تسوقها لأن تجعل التفكير سجية من سجاياها. ولكن الأحداث الوجعة التي تسحق الأمة سحقاً وتمعسها معساً، فإنها صارت تبعث الأمل في أن يجد التفكير سبيله للأمة. لا سيما بعد أن وجد فيها جماعات تفكر وجماعات تحاول التفكير. بعد أن تحقق فيها آلاف تجسد لديهم حب التفكير، وصاروا مفكرين لا يستمرئون غير التفكير، حتى غدوا تفكيراً يحيا ويتحرك وينمو. لذلك فإن ضخامة الأحداث وفظاعتها، وكون التفكير تجسد في أشخاص حتى غدا تفكيراً يمشي في الأسواق بين الناس، فإن هذين الأمرين: يوجدان أملاً مشرقاً، في أن ينتقل التفكير من الأفراد إلى الجماعات وأن يصبح تفكيراً جماعياً لا تفكيراً فردياً وأن يكون تفكير الأمة لا تفكير الأفراد، فتصبح الأمة الإسلامية أمة مفكرة، وتعود كما كانت خير أمة أخرجت للناس.


8 من صفر سنة 1393 هـ
12 من آذار (مايس) سنة 1973م
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-05-2016, 04:54 PM   #39
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 16,633
إفتراضي

انتهى النقل
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 04-07-2017, 07:56 AM   #40
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 16,633
إفتراضي

الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .