العودة   حوار الخيمة العربية > القسم العام > الخيمة الفـكـــريـة

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: عمليات مجاهدي المقاومة العراقية (آخر رد :اقبـال)       :: نقد كتاب نسب عدنان وقحطان (آخر رد :رضا البطاوى)       :: مأساة الحمار اللذي تاه في الشارع (آخر رد :اقبـال)       :: نقد كتاب حديث الضب (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب مبلغ الأرب في فخر العرب (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب الكلام على حديث امرأتي لا ترد يد لامس (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد الكتاب أحكام الاختلاف في رؤية هلال ذي الحجة (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب زهر العريش في تحريم الحشيش (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب كرامات الأولياء (آخر رد :رضا البطاوى)       :: اصلاحات حكومية - شدة لاتحلين وقرصة لاتثلمين واكلي لما تشبعين (آخر رد :اقبـال)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 03-01-2010, 12:06 AM   #1
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي السُنَة والإصلاح

السُنَة والإصلاح

تأليف: د. عبد الله العروي
من منشورات: المركز الثقافي العربي/ الدار البيضاء
حجم الكتاب: 222 صفحة.
عرضه في مجلة إضافات: الكاتب المغربي: إبراهيم أعراب

استهلال

في كتابه الأخير (السنة والإصلاح) [ الكتاب بالأصل وضع بالفرنسية، فالسنة عند المؤلف تعني التقليد]، وكوسيلة لعرض أفكاره، ولمقاربة عدد من القضايا تهم الإسلام وتجربة الوحي والقرآن الكريم كنَص مؤسس، والسنة والإصلاح الخ، اختار المؤلف د. عبد الله العروي أسلوب المراسلة بين (سائلة ومسئول)، السائلة، كما حدد هويتها في الفصل الأول من الكتاب، امرأة من والدة أجنبية، تلقت تعليماً صرفاً وبلغة إنجليزية. هي متخصصة بالبيولوجيا البحرية، ذات ذهنية علمية، تعيش في مجتمع غير إسلامي، مطلقة من رجل شرقي، لها منه ولد يقارب التاسعة.

أما المسئول، فهو المؤلف نفسه، د. عبد الله العروي، الذي أنيطت به مهمة الإجابة عن أسئلتها القلقة التي تخص أساساً الموقف من الدين (الإسلام) وكيفية قراءتها القرآن الكريم، وشكها في ما يوفره العلم من إمكانات في هذا المجال.

فما هي هذه الإجابات التي قدمها العروي للمرأة السائلة القلقة بخصوص الهوية والإسلام وقرآنه وسنته؟ وما المقاربة التي اعتمدها؟ وما الأطروحة أو الفرضية الأساس التي سعى العروي الى إبرازها في كتابه (السنة والإصلاح)، وحاول أن يقنع بها، ليس سائلته فقط، ولكن أيضاً متلقي خطابه وقرائه؟ ثم أين يكمن موقع هذا الكتاب ضمن المشروع النقدي للعروي؟

إن المنهج التاريخي الذي عُرف به العروي، ضمن ما يؤكد، وعلى حد قوله في كتابه، أنه لا سبيل الى العلم الموضوعي دون طرق باب (التاريخانية) ص 159. فالعروي إذن، ومن أجل الوصول الى معرفة موضوعية علمية بتاريخ الإسلام وبتجربة الوحي فيه، وبكتابه المؤسس (القرآن الكريم)، وبالسنة كما تشكلت في إطاره، لا يرى إلا اعتماد التاريخانية والتاريخ النقدي، وتجنب ما سماه ب (الأجوبة الجاهزة) ص 128 التي توارثها المسلمون جيلاً عن جيل، لأنها ـ كما يقول ـ تمثل الرواية الرسمية (ودواعي الشك فيها كثيرة وملحة).

فكيف شغل العروي إذن منهجه التاريخي النقدي في دراسته لظاهرة الوحي في الإسلام، بل لظاهرة الوحي في الديانات الكتابية (اليهودية، المسيحية، الإسلام) كظاهرة حدثت في التاريخ؟

إن العروي المؤرخ النقدي لا يقبل بتاتاً معالجة أية ظاهرة، دون انغماسها في دوامة التاريخ وتطوراته ومكره. ومن هذا المنطلق، يخضع الإسلام بالنسبة إليه لهذا الشرط وهذه القاعدة.

من هنا سيكون خطابه عن الإسلام والوحي والقرآن الكريم والسنة الخ من منطلق تاريخي نقدي.

(1)

وعليه، وبناءً على هذه الرؤية والمنهج التاريخاني النقدي، خلص العروي الى القول بالفرضيات التالية:ـ

ـ إن الإسلام لم ينشأ في صحراء أو جاهلية ثقافية، فهو كان متصلاً بعامله ومحيطه المتوسطي والهللينستي (Hellenistique) الشرقي، بما عُرف من امتزاج للثقافات والديانات وتوافقها واحتوائها على فكرة التوحيد.

وترى الفرضية أنه، في سياق هذا العالم المتوسطي والثقافة الهللينسية، تشكلت لحظة إبراهيم الخليل عليه السلام وتجربته كمقياس ومرجع وذاكرة، وكنقطة بداية ستتكرر لاحقاً في اليهودية والمسيحية والإسلام.

وضمنياً، هناك تأثير هللينستي في هذه الديانات (الهللينسية: تعني امتزاج الفكر اليوناني ـ الغرب، مع التدين الشرقي ـ الشرق).

ـ إن تجربة إبراهيم الخليل عليه السلام التوحيدية ومحنته وتساؤلاته شكلت الأصل والمنبع الروحي.

فهو كما يقول د. العروي، أبو الأنبياء جميعاً، وبالتالي (فلا دين إلا هو إبراهيمي المنحى ص 63)، وكل الديانات التي جاءت بعده هي ورثة له، مع تنوع في العبارات والألفاظ والمجازات، بما فيها الديانة الإسلامية، (التي ليست سوى تجديد لتجربة إبراهيم عليه السلام ص70) في براءتها الأولى وفي دعوتها للتوحيد، وفي الخوف من خطر التجسيم وعبادة الأصنام والشرك، وفي اتصاف النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالأمية، لأن إبراهيم عليه السلام كان خارج عالم الكتابة وقبلها..

ـ وكنتيجة للقول بوحدة الأصل والمنبع بين الديانات (المنبع الإبراهيمي)، فإن هذه الديانات تتضمن بعضها بعضاً، ويحتوي كل منها على جوانب من الديانات الأخرى قبولاً أو رفضاً، وكما يقول العروي ( فاليهودية التاريخية تحمل في لبها نصرانية افتراضية وإسلاماً محتملاً ص 71)، كما أن النصرانية تحمل يهودية شكلية مثلما حمل الإسلام يهودية صورية ونصرانية شكلية. وهذا الاحتواء والتبادل اعترف به الإسلام نفسه من خلال قبوله بأنبياء هذه الديانات عليهم السلام. وكتبها مع تنصيصه على وجود انحرافات فيها، وأن الإسلام جاء لتصحيحها، خاصة في مسألة التوحيد.

وإجمالاً، فإن تجربة إبراهيم الخليل عليه السلام، تجددت وتكررت مع التجربة النبوية في الإسلام وأن (الرؤية التوحيدية الإبراهيمية انكشفت لفتى عربي ـ كما يقول العروي ـ سكن مكة وحمل اسما يؤدي معنى الحمد ص 88)

ـ إن نبي الإسلام محمد صلوات الله عليه كفاعلٍ تاريخي، عاش في العالم المتوسطي، الذي انعكست فيه ـ على درجات متفاوتة ـ الثقافة الهللينستية، بعد أن اتجاها لا رجعة فيه نحو التوحيد في مجال العقيدة، والتعميم والقطع في مجال الفكر، والإطلاق والاستبداد في مجال السياسة. ففي فترة ظهور دعوة النبي صلوات الله عليه، كانت الديمقراطية اليونانية قد انهارت منذ عهد طويل، وبات الطابع الشرقي يغلب على الثقافتين اليونانية و الهللينستية.

ـ في القرآن الكريم، تجسدت تجربة النبوة أو الوحي كما تأصلت مع تجربة إبراهيم الخليل عليه السلام. والقرآن الكريم لا يمكن قراءته وفهمه إلا بالتعرف الى تجربة النبي صلوات الله عليه (سيرته) وقبلها التعرف الى العرب المخاطبين بالرسالة وقبل هذا وذاك، العالم الذي أحاط بهم وشاركوا بقدر ما في أحداثه (ص89)، والعالم المقصود هو حوض المتوسط الشرقي، أو العالم المتوسطي والعهد الهللينستي الذي أصبح أكثر ميلاً للشرق .

ـ ليس الإسلام سوى قراءة يقوم بها شعب بعينه (العرب)، قبل أن تدون تلك القراءة الخاصة في نص مضبوط وبلغته.

وهذا النص لا يعني عند العروي كتابة جامدة، بل كتابة مقروءة تجسد الكلمة أو العهد الإبراهيمي، وتجدده من خلال التلاوة والذكر والاستظهار (ص 73).

ـ الى جانب هذا النص المدون (القرآن الكريم)، وهو النص المؤسس والمرتل والمرتب ترتيباً غير زمني، هناك السنة والحديث الذي يُروى عن أقوال وأفعال النبي صلوات الله عليه طوال القرون الأولى.

وهناك تساؤلات ينبغي طرحها في نظر العروي بصدد السنة، بعيداً عن الأجوبة الجاهزة والمتوارثة، من قبيل: كيف تكونت السنة؟ من قام بذلك ولأي هدف؟ وكيف تتم إعادتها عبر التاريخ كنَسقٍ وتقليد؟

لأنه بحسب رأيه، فسيرة النبي صلوات الله عليه المعتمدة اليوم، لم تحرر إلا بعد مرور قرن على تاريخ جمع القرآن الكريم، والأحاديث المتعلقة بأقوال وأعمال النبي صلوات الله عليه ولم تُصنف بكيفية تجعلها في متناول القضاة والوعاظ والمفتين، إلا بعد مرور قرن آخر على تأليف السيرة (ص 128).

يتبع
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 06-01-2010, 02:32 PM   #2
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

تابع لما قبله
(2)


إن السنة التي يعنيها العروي في كتابه، لا تنحصر في " الحديث " وما رُوي عن النبي صلوات الله عليه من أقوال وأفعال وأحكام الخ، ولكنها كتقليد وذهنية ومنظومة، تأصلت أولاً في واقع تاريخي (هو ما كان يُعمل به في المدينة وما لخصه مالك بن أنس في كتابه الموطأ) ص 134. وتأصلت ثانياً في واقع إجماعي تميز بنفوذ وتألق أسياد مكة، كما تأصلت ثالثاً في نصٍ واضح مؤكد.

فالسنة (التقليد) إذن بهذا المعنى، هي واقع تاريخي وواقع اجتماعي وواقع نصي (مدون)، أي تفاعل مجموعة من العناصر والمكونات، وعلى حد تعبير العروي، فهي ( تلازم بين التاريخ والمجتمع والنص، وهنا تكمن قوتها وقدرتها على الاستمراية ص 134).

فما هي إذن خصائص السنة/ التقليد؟ وما هي المفاهيم المرتبطة بها في الحقل الإسلامي (لكل ديانة سنتها أوتقليدها)؟ في هذا الإطار، يوضح العروي أن السنة أو التقليد الذي استقر في الحقل الإسلامي، وفرض هيمنته؛ هو الإسلام السني. وهناك في تعارض معه الإسلام الشيعي، والإسلام الخارجي (الخوارج). والأخيران أسسا سنتهما أو تقليدهما ولكن ظل ضعيفاً وأقل تغلغلاً مع الإسلام السني.

والإسلام السني كما يرى العروي، تندرج فيه عدة تيارات وفرق ومذاهب في الفقه والكلام، من مالكية وأشعرية وحنبلية وظاهرية ومعتزلية الخ..؛ حيث تتفق هذه في مفهومها للعلم، وفي إثباتها للتوحيد .. ويذكر العروي من مؤصلي السنة: مالك بن أنس في كتابه الموطأ، والشافعي الذي وضع مبدأ أن القرآن الكريم لا يُفهم مقصده إلا في ضوء السنة (ص141). وابن حنبل في مسنده، وابن حزم مؤسس الظاهرية.

هؤلاء أسسوا لوجهة تجعل المسلم، كما في رأي ابن حنبل (هو من يعيش باستمرار تحت نظر خالقه؛ وبالتالي، من تنعكس في حياته صورة ما من حياة الرسول صلوات الله عليه)، وهكذا، ووفق هذا التوجه، يرى العروي أن كثرة الأحاديث المروية عن النبي صلوات الله عليه تعزز دور التقليد وتبدد مغريات الابتداع (ص 141).

كما أن مبادرات الفرد واستقلاليته تتم محاصرتها والتقليص منها، مقابل إعطاء صلاحيات أوسع للنص وللفقه وأحكامه وللحديث ومروياته، مما يساعد على دواعي الانقياد والخضوع لرأي جماعة معدودة، مؤهلة وحدها لإظهار الحق قولا وفعلا (طريق الجماعة وحده سالك من حاد عنه هالك).

هذا هو الدرس الأول الذي ينبغي للمسلم أن يتعلمه (ص142)، وهذا ما تأسس في مجال الفقه، وهو عينه ما تأسس في مجال علم الكلام، الذي يسجل فيه العروي هو الآخر تراجعاً لدور الفرد والعقل والرأي، لصالح النص والنقل، والباطن لصالح الظاهر (ص 143).

وبخصوص مفهوم العلم ضمن هذه المنظومة، فإن كُتب السنة التي وضعت فصولاً طويلة عن حقيقة العلم وفضائله وتحصيله الخ؛ فإن العلم لديها يظل محصوراً في ما هو شرعي. وهو ـ أي العلم ـ كالإيمان، لا يزيد ولا ينقص، فهو منذ الأزل ثابت، كامل وجاهز؛ وقد اشتغل العقل السني أساساً بتحديد المحمود والمكروه والمباح من العلم (ص 146)، وهناك علوم أخرى اعتاد أهل السنة منذ القرن الثالث الهجري على تسميتها بالعلوم غير الإسلامية (ص148).

والنتيجة ـ كما يقول العروي ـ أن منهج السنة يقوم أساساً على الاتباع ونبذ الابتداع (ص 148)، وأنصار التقليد ورجال السنة ودعاة الاتباع، يعملون في مراحل معينة من التاريخ في عملية تشذيب لهذا المنهج، للتخلص من كل ما تجاوز وتعدى، وكل ما لم يقف عند حد معين ومعلوم (ص149)؛ والحد المعين والمعلوم عندهم هو التأويل والفهم الذي قام به (سادة مدينة رسول الله صلوات الله عليه لسيرته الدنيوية ص 149).

وما فعلوه بالمنهج يفعلونه بالماضي، ثم بعد الماضي بالمستقبل، حيث يقررون ما يجب القيام به حتى يضمن البقاء والاستمرار، جيلاً بعد جيل، لنفوذ أمثالهم، وغلبة تأويلهم الخاص لكلام الله (ص150). وهكذا يقول العروي، يعمل أهل السنة، يمكرون بمكر التاريخ باسم فترة وجيزة، فترة مسطحة ومختزلة ومنقحة (العصر الذهبي)، يُطلب من التاريخ أن يتوقف هو الآخر عند حده، يؤمر بألا يتجدد أبداً ولا يتميز، لا يتنوع ولا يتطور (...) وتحت هذا التأويل (يتعثر التاريخ)، وعندها ـ يقول العروي ـ تتعزز السنة وتغزو كذهنية للتقليد والاتباع كل مظاهر الحياة الفكرية والسلوك (ص 150).

حيث لم يعد يوجد فكر في نهاية القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) في المجتمعات الإسلامية ليس له تقليد خاص به، يخضع له خضوعاً تاماً، وأصبح لكل شيخ، ولكل مفكر مرشد وإمام، ولم يعد هناك مجال لأي إبداع أو مناظرة متعمقة ومفيدة (ص154).

وهكذا، بالتالي، حصل في هذه المجتمعات تطور فكري وذهني وثقافي يقوم على التقليد والمشيخة، والحصر والتضييق والقناعة الخ. وهذا ما تجسد في المذاهب الفكرية والفقهية، حيث انتصر التيار الحنبلي، وهو نواة كل تفكير تقليدي سني، أواسط القرن الثالث الهجري (نهاية القرن التاسع الميلادي)، وانتشر الكلام الأشعري والتصوف، وهما حليفان للسنة. وفي الأندلس، انبعث المذهب الظاهري وأثر في فقهاء المالكية، وهو يمثل لُباب العقيدة السُنية والتنظير القوي والأمتن لها (ص160).

أما عن علاقة السنة بمعارضيها وخصومها، يقول العروي إنها تعاملت مع من رفض الاستتباع بمنطق الإقصاء، وأرغمتهم إما على تأسيس سنة مضادة حال (الغُلاة)، وإما على الرضا بأن يكونوا فريقاً، أو مذهباً غير مجمع على صحته (ص162)، ذلك لأن السُنة تسعى لكي تظهر على أنها تمثل غالبية موحدة الاتجاه، وتبالغ في تشرذم الخصوم وتفرقهم وفرقهم، لذا جعلت من كل رأي أو مقالة فرقة تنعتها، إما بالكفر أو الفسق أو الزيغ أو الضلالة ... (حصرت هذه الفرق في سبعين أو ستين أو ثلاث وسبعين فرقة) (أنظر كتب الفرق للبغدادي والشهرستاني).

يتبع
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 11-01-2010, 02:11 PM   #3
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي




تابع لما قبله

(3)


والخلاصة أن مذهب السنة من حيث محدداته التي تكلمبها العروي، مذهب لا تاريخي وأيديولوجيا تجد لها امتدادها أيضاً في السياسة، خاصة في مبدأ التوحيد، الذي لا تخفى ارتباطاته بالاستبداد. وكما يقول العروي ( في السماء إلهٌ واحدٌ، وفي الأرض حاكم مطلق السلطة ص 165)، من هنا كان مفهوماً أن يرتدي السلطان لباس القداسة في المجتمعات الإسلامية، وهذا ما حصل تاريخياً في العالم المتوسطي الهللينستي المشرقي بعد انهيار الديمقراطية اليونانية والجمهورية الرومانية .. فحكم الواحد ـ في اتساقٍ مع التوحيد ـ أكان فرعونياً أم قيصرياً أم كسروياً، هو ما آلت إليه كل التجارب السياسية التي عرفها التاريخ القديم، وهو الذي هيأ الأذهان في المدار المتوسطي الى اعتناق التوحيد165.

فمذهب السنة ـ كما يقول العروي ـ يميل الى فكرة المستبد العادل، على أساس التوفيق بين السلطة المطلقة (الاستبداد الفردي) والعدل والإنصاف. وهو بهذا يستوحي الثقافة السياسية و الدينية للمدار المتوسطي مع بعض الخصوصية.. وفي السياق نفسه، لا يتصور النسق السني مجتمعاً بلا طبقات، فالتمييز عنده ثابت على جميع المستويات، وفكرة المساواة قد تكون عنده مجرد فتنة مقنعة؛ أما الديمقراطية فهي عين الفوضى.

كما أن السنة دائماً حذرة، دائمة متأهبة، تخشى باستمرار هجمة الخارج أو مروق الداخل (فتتصرف كالسلحفاة كلما استشعرت الخطر تقوقعت لتستمسك وتصمد ص 169)، هذه بعض الملامح المحددة للذهنية السنية ورؤيتها للإصلاح بحسب العروي، وهي ملامح تؤكد ما أسلفنا قوله بمطابقة العروي بين السنة والسلفية، فهما معاً ينفران من التاريخ وينتميان لذهنية واحدة (التقليد)، خاصة في رؤيتهما للإصلاح، تخشى غير المعهود حتى البسيط التافه، في الملبس والمأكل والأثاث، حفاظاً على إسلام نقي وأزلي فوق تاريخي.

وتجديد الإسلام أو إصلاحه أو إحياؤه في هذا المنظور هو العودة الى الأصل المثال، بغض النظر عن عامل التاريخ أو الزمن؛ فالسنة والسلفية بهذا المعنى تسعيان الى طمس معالم الزمن والتاريخ، وعملية الطمس هذه هي التربة التي تنشأ فيها السنة (التزامن الأزلي حضور الماضي في الحاضر والمستقبل) فالزمن والتاريخ هما الخصم والعدو للسنة والسلفية، والتقليد هو أيضاً منبع كل المفارقات والتناقضات التي تواجه المذهب السني.. بل وتواجه كل تفكير تقليدي ص 190. فما هي إذن هذه المفارقات؟

يقول العروي: إن السنة حيث يتعلق الأمر بنشأة الإسلام وبتجربة الوحي، لا تعطي الأجوبة التاريخية، بل جواباً واحداً لا يتغير؛ يتلخص في (دفن الآثار وطمس البشائر ص190)، هي مثلاً لا تجيب عن أسئلة مثل لماذا الوحي؟ لماذا الرسول في هذا المكان وفي هذه اللحظة؟ لماذا الوحي لهذا الشعب وبهذه اللغة؟ .. الخ. فكل ما تقوله غير تاريخي ويتعالى على الواقع، ولا يهدف إلا الى التطمين والحفاظ على الهوية وعلى الماضي، رغم الإخفاقات والهزائم؛ بل إن هذه الإخفاقات تقوي السنة وتغذيها ( كل سُنَة بالنسبة الى العروي تتقوى بإخفاقاتها، وهذه قاعدة عامة عرفتها كل الديانات) بمضمون وأسلوب جديد.

فالحروب الصليبية على الإسلام قوَت السنة، كما قوتها تحركات الاستعمار والحروب مع إسرائيل في العصر الحديث، حيث ترتدي في هذه الحالة ثوب الإصلاح، وترفع شعاراته؛ فالإصلاح يصاحب السنة باستمرار (ص196)، هذا ما يؤكده العروي ويثبته التاريخ.

فالاستعمار كغزو وتسلط وكحدث وراء تجديد السنة والسلفية وتقويتهما، ليس هذا صدفة أن يظهر مشروع الإصلاح عند الأفغاني وعبده والكواكبي وغيرهم في ظل الاستعمار، لأن الاستعمار هو الحدث المفجر للسنة، والسنة في هذا الإطار تعتمد أيديولوجيا وطريقة الاختزال.

وهي بهذا اختزالٌ مستمر ( اختزال الوحي في الشرع، ثم اختزال الشرع في عمل مجموعة محدودة من الأفراد. والغاية تأكيد القاعدة الصارمة التي تقول: ((الطريق السوي هو تقليد الجماعة في الكبيرة والصغيرة والمداومة على التقليد (العض عليه بالنواجذ) جيلاً بعد جيل، دون ميل أو حيد ص 204))

وهكذا، وانطلاقاً من تفكيكه لنسق السنة، يسجل عبد الله العروي ملامحها ومكوناتها كالتالي:

ـ السنة تظهر نفسها على أنها تمثل غالبية موحدة الاتجاه، ولأجل ذلك تبالغ في إبراز وتضخيم تشرذم خصومها ص 162.

ـ هناك ارتباط بين السنة والاستبداد من خلال مبدأ التوحيد.

ـ السنة لا تتصور مجتمعا دون طبقات ودون تمييز، فالتمييز بالنسبة لها واقع ملموس ومشروع على كل المستويات (حاكم/ محكوم، سيد/مولى، شريف/عامي، مؤمن/كافر، عَالِم/ عامي ..الخ ص 166ـ 167).

ـ السنة ملازمة للبراءة والفطرية والقناعة في شؤون الجسم كما في شؤون العقل (ص 167).

ـ تؤسس السُنة بالرفض والإقصاء وتنتعش بالانتقاء والتزكية.

ـ السُنة دائماً حذرة، دائماً متأهبة، تخشى إما هجمة الخارج أو مروق الداخل، تخاف كل لحظة ظهور بدعة جديدة، فهي مشغولة دائماً بنقيضها، أي البدعة.

ـ السنة متناسقة، بل في غاية التناسق، كل جزء منها يأخذ برقاب الأجزاء الأخرى (ص 169)

ـ السنة ذهنية اتباعية، تحتمي بالماضي، تتخذ موقف السلف أسوة ومرجعاً ومعياراً (ص 170).

ـ السنة ترى نفسها كتذكير بحقيقة منسية، تعمل على استعادتها بالمعاودة والتكرار (النموذج النبوي، فترة الخلفاء الراشدين).

ـ السنة تحيل على مبدأ المطابقة، الذي يعني أن الدليل على صحة ما تقوله الآن وهنا، هو أنه قيل بالصورة نفسها سابقاً وفي أماكن متباعدة؛ فهي تقوم على خلط الأزمنة (ص 172)، وعدم تمييز قبل من بعد، وهذا معناه سعي السنة الى طمس معالم الزمن والتاريخ ( السنة تفكير لا تاريخي وانتقائي).

ـ السنة ترفض منهج الصمت ( المنهج الصوفي) والتصديق بالقلب دون اللسان وقتل الشهوة، تتعاطى الجدل، تلخص العقيدة في جمل معدودات، تتطلع لأن تكون أمة وسطا (ص 173)؛ هي إذن تقوم على الجدل والنفي والوسطية.

يتبع
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 13-01-2010, 03:21 PM   #4
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي



تابع لما قبله

(4)

والمؤلف في كتابه كان ـ كما في مؤلفاته السابقة ـ وفياً لمنهجه (التاريخاني) النقدي الذي لا يقبل بالتصالح مع التفكير التقليدي، سواء أكان ذهنية سنية أم سلفية من منطلق أن الحداثة عنده لا يمكن أن تتأسس في المجتمعات العربية دون إحداث قطيعة مع التقليد، كما أن المجتمعات العربية لا يمكنها أن تتجاوز حالة التأخر التاريخي دون نقد النزعة التراثية والذهنية السنية والسلفية وتجاوزهما في إطار تحول أو ثورة ثقافية.

هذا ما قاله في أواخر الستينات من القرن الماضي في كتابه (الأيديولوجية العربية المعاصرة 1967)، وهذا ما أعاده في جل كتبه ومقالاته وفي كتابه (مفهوم العقل 1996)، وهو ما يؤكده في كتابه الذي بين أيدينا (السنة والإصلاح). فالكتاب هو استمرار على المنهج نفسه، ومن أجل نقد وإبراز مفارقات السنة (التقليد)، فهل يعني أن العروي يعيد ويكرر نفسه؟

كجواب، نقول إن العروي لا يكرر نفسه، بل هو مُفكر ومُثقف مُجَدِد ملتزم بقضية الحداثة، وهو ما أكده في كتابه (مفهوم العقل)، حيث قال إن أعماله، بما فيه سلسلة مفاهيمه عن الحرية والدولة والتاريخ والأيديولوجية تمثل جميعها فصولاً من مُؤلَفٍ واحد حول مفهوم الحداثة.

من هنا، تصح قراءة أعمال ومؤلفات العروي كنصٍ واحد يشكل سيرته الفكرية وقصته مع الحداثة المستعصية الى حد الآن في الحقل العربي، هذه الحداثة التي تستحضر من ضمن ما تستحضره من مفاهيم وقيم مركزية، مفهوم العلمنة، التي يراهن عليها العروي في كتابه السنة والإصلاح، للوقوف في وجه التأويلات التي فرضها التقليد والسنة على الدين.

فالعلمنة، هي الحل بالنسبة إليه لأنها (السلطة المحايدة التي تنزع الحدود وتُلْزِمْ كل طرف باحترامها). لكن لا يُخفي العروي الصعوبات التي تواجه هذا الرهان، ومن ضمنها التمثلات والفهم الخاطئ للعلمانية في الفكر والذهنية العربية، حيث وكما قال ( لحقت هذا المفهوم وأُلصقت به إشاراتٌ قدحية ص 210)، مما جعله يؤدي دوراً سلبياً في مسار الفكر العربي الحديث، ويلقى الصدود والنفور.

والسبب كما يرى العروي، هو الخطأ في الترجمة؛ فاختيار لفظ علماني الذي يقابل في الاصطلاح السياسي كلمة (لائكي) الفرنسي و (Secular) الإنجليزية، هو خطأ. وتمنى العروي لو أختير لفظ مثل (دنيوي مقابل آخروي) أو (معاملاتي من المعاملات مقابل العبادات)، أو (سلطاني مقابل شرعي الخ ص 211).

غير أن هذا الرأي في كون صعوبة إدماج العلمنة في الفكر والمجتمع العربي راجع الى مُشكلٍ لغوي أو خطأ في الترجمة، وبسبب استعمالاته المشحونة بنزوعات لا دينية، ولفصله بين الديني والدنيوي والسياسي، ينبغي أن لا يفهم على أنه العائق الوحيد.

وإجمالاً، فإن علاقة الدين أو المقدس بالتاريخ ـ وهو صلب الإشكالية التي عالجها المؤلف في كتابه السنة والإصلاح ـ في أبعادها المختلفة، هي من ضمن انشغالات المثقف الحداثي؛ سواء في السياق الحضاري العربي الإسلامي؛ أو في السياق الأوروبي.

لقد جاءت دعوة العروي الى نقد السنة كمؤسسة بشرية، وباعتبارها الإسلام كما تجسد وتطور في التاريخ؛ إلا أن هذه الدعوة الجريئة في ظرفية تعرف تنامياً للمد الأصولي السني والسلفي بمختلف تنويعاته وأيديولوجياته، وجزر الفكر النقدي والحداثي لا محالة تضع صاحبها وكل المثقفين ممن يشاركونه الالتزام نفسه بالقضية نفسها في وضعية صعبة تتسم بالهامشية. ونعني هنا (أي حين يتخذ المثقف موقفاً غير مستوعب في بيئته)، من منطلق قيامه بدوره كمثقف وكمفكر من مهامه أن يحاول تحطيم قوالب الأنماط الثابتة والتعميمات الاختزالية التي تفرض قيوداً شديدة على الفكر الإنساني.

وهذه القوالب والأنماط الثابتة والتعميمات الاختزالية الاتباعية، هي ما يُشكل ثقافة الأغلبية في المجتمعات العربية الإسلامية، وواسع شرائحها، وتحظى بالتالي بدعم ومساندة المؤسسات الرسمية ونخبها الحاكمة؛ لأن هذا النمط من البنيات الثقافية، وبحكم التداخل بين الحقلين الديني والسياسي في هذه المجتمعات، فهي بمثابة تربة ملائمة للسلطة الاستبدادية، ومنها تستمد شرعيتها واستمراريتها.

وعبد الله العروي المفكر والمثقف، يدرك جيداً أن خوض المعركة ضد الاستبداد ومعاقله في هذه المجتمعات، يبدأ من ساحة الثقافة بالنقد والمساءلة التاريخية من أجل نزع القداسة عما هو بشري (الاستبداد محاط بهالة من القداسة)، حتى يمكن بعدها تعبيد الطريق للمجتمعات العربية نحو الديمقراطية والحداثة السياسية.

وهذا ما سعى إليه في كتابه (السنة والإصلاح)، كتكملة لمؤلفاته الأخرى التي تؤسس لمشروعه التاريخي النقدي الذي يلح على الفكر التاريخي لقراءة التراث والماضي والإسلام وقضاياه؛ لأنه على حد تعبيره في كتابه (العرب والفكر التاريخي)، لا خلاص إلا باعتماد الفكر التاريخي، لأن الفكر اللاتاريخي (كما هو معتمد في السلفية والفكر التقليدي) لا يؤدي إلا العجز عن إدراك الواقع، والى التبعية واستمرار التأخر التأريخي.

انتهى
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .