العودة   حوار الخيمة العربية > القسم العام > الخيمة الفـكـــريـة

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: قراءة فى مقال ثقتي بنفسي كيف أبنيها (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب العقل المحض3 (آخر رد :رضا البطاوى)       :: اللي يرش ايران بالمي ترشه بالدم -- والدليل القناصه (آخر رد :اقبـال)       :: The flags of love (آخر رد :عبداللطيف أحمد فؤاد)       :: نقد كتاب العقل المحض2 (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب العقل المحض (آخر رد :رضا البطاوى)       :: قراءة فى مقال القواعد الأساسية للحوار (آخر رد :رضا البطاوى)       :: انـا لن اطلب من الحافي نعال (آخر رد :اقبـال)       :: فـليسـمع البعثيون غضبـهم (آخر رد :اقبـال)       :: حقيقة (آخر رد :ابن حوران)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 27-01-2010, 04:03 PM   #1
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي سطوة الجمال/ جان فرانسوا دورو تييه

سطوة الجمال/ جان فرانسوا دورو تييه


جان فرانسوا دورو تييه: أستاذ باحث، مؤسس ومدير مجلة (العلوم الإنسانية)

ترجمة: أحمد الويزي: أستاذ اللغة العربية ـ المغرب.

مقدمة:

تتناول مقالة جان فرانسوا دورو تييه، بالدراسة والتحليل، طبيعة العلاقة الشائقة والشائكة معا، التي ربطت وما زالت تربط، بين الجميل (Le Beau) والدميم (La Laid)، من خلال تتبع مجموع التمثلات والتصورات الفنية والفكرية، التي كونها الإنسان عن هذين الموضوعين، على امتداد مسافة تاريخية لا يُستهان بها، تصل الى حدود اللحظة المعاصرة.

وقد قادت خطوات هذا السفر التحليلي في المقالة، الى كوكبة من الأسئلة، منها: كيف تم التعبير عن الجسد الجميل والدميم، في الفنون التشكيلية القديمة؟ وهل للجمال قيمة كونية ثابتة؟ ولماذا يتم الربط الفوري والتلقائي بين الجميل (Le Beau) والطيب (Le Bon)، وحسن الأخلاق (Le Bien)؟ وما مدى انعكاس جمال الإنسان ودمامته، على مساره الدراسي، وعلى حياته المهنية، وحتى علاقاته العاطفية والزوجية؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، اعتمد الدارس ـ تارة ـ على الخلفية التاريخية، التي تهتم بالتأريخ (المونوغرافي) لبعض الظواهر والقضايا الفكرية والذهنية (خصوصاً على أمبيرتو إيكو[Emberto Eco] في كتابيه: تاريخ الجمال وتاريخ الدمامة)، كما اعتمد على مجموعة من الدراسات السوسيولوجية المعاصرة تارة أخرى، سواء تلك المنجزة في فرنسا، أو خارجها: جورج فيغارليو وجان إيف بودوان وكارين ديون وإيلين بيرشيد الخ.

يتذكر (جان بول سارتر) في كتابه الذي يحمل عنوان (الكلمات 1964) ذلك اليوم الذي قفل فيه راجعاً من دكان (المُزيِن)، وهو آنذاك ابن السابعة، وكأنما هو يتذكر (رجة) نفسية لها وقع بالغ الصدمة حقاً، لقد كان سارتر الى ذلك الوقت بشعر طويل أشقر مجعد، يخفي جانباً من جبهته ووجهه، إلا أنه بعد تلك القَصَة سيجعل أهله غير مصدقين ببشاعة وقبح سارتر (لقد كان الطفل بول سارتر قبيح الوجه دميما بشكل فظيع).

ويذكر سارتر في الكتاب نفسه كيف استبد الهلع والذعر بجميع أفراد الأسرة، عند عودة الطفل قصير القامة من عند (الحلاق)، إذ ما كادت أمه تراه على تلك الحال حتى هرولت الى غرفة النوم وأغلقت عليها الباب لتختلي بنفسها وتبكي. أما الجد فقد أخرسه الذعر، ولم يجد من الكلمات ما يتفوه به (لأنه كان ـ حسب اعتقاده ـ قد وضع بين يدي الحلاق وديعة صغيرة في هيئة آية، فإذا بهذا الأخير يعيدها على شكل ضفدع بشع المنظر).

وإذا كانت الطبيعة قد حكمت على سارتر بأن يتحمل وزر الدمامة (ذلك أنه كان قصير القامة، وذا نظرات شزراء، وصوتٍ أخَن)، فإنه سرعان ما سيتمكن فيما بعد بفضل عبقريته ونبوغه بالذات، من التعويض عن دمامته وقبح خِلقته، لأنه ما فتئ أن غدا كائناً جذاباً وإغوائياً، بحقٍ وحقيقة.

إلا أن كافة أهل الدمامة والقبح الخِلقي ليسوا بالضرورة نوابغ ولا عباقرة، ولذلك فإن وقع المصيبة وثقلها صعب على نفسياتهم وحيواتهم، على اعتبار أن دمامة الجسد ظلت لحدود الأمس تُعدُ وِزراً مُعيقاً في سوق الحب، كما في سوق الشغل أيضاً.

ويورد أمبيرتو إيكوEmberto Eco في كتابه: تاريخ الدمامة(2007) كيف عانى هؤلاء الذين جردتهم الطبيعة من هذه المنة الكريمة، وقائع قدر غير محسودين عليه. إن التاريخ ليخبئ لكل من يولد مشوه الخِلقة، بشع الوجه، ولا سحر يُذكر له، مصيراً كسيفاً يدعو الى الرثاء.

لقد ظلت الدمامة ضمن نطاق فن الصباغة في الغرب لصيقة بالآلام، والمعاناة، وأجواء الجحيم، وكل ما تتسم به الكائنات الوحشية، كما ظلت ملازمة لأعمال الفاحشة والشيطنة والسحر والشعوذة، ولكل ما يمت بصلة الى الأعمال الشيطانية، ذلك أن الدمامة لا تستثير في النفس مجرد مشاعر القرف والتقزز وحسب، وإنما تدعو كذلك الى الخوف والهزء، كما تستدعي في أحسن الأحوال، أحاسيس الشفقة والرثاء لأحوال أصحابها.

ففي المتخيل الشعبي، ظلت الدمامة على الدوام لصيقة بأعمال الشر والجنون والخطيئة. إن (جيروم بوش) مثلاً قد رسم في لوحاته بعض المخلوقات الآدمية المشوهة، التي تخلد في الجحيم. أما الحكايات الشعبية، فقد ظلت دوماً تصور الساحرة على هيئة عجوز شريرة ودميمة أنفها معقوف وذقنها طويل. ونتيجة لذلك، غدت الدمامة متماثلة في الأغلب الأعم، مع كل ما هو معوج ومقوس ومجعد ومدعوك ومعروق ومهوش ومشجوج وبدين وقصير وسمين ومُسن.

يتبع

هامش:
أخذت تلك المقالة من مجلة إضافات الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية في عددها الثامن/خريف 2009
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2010, 12:11 AM   #2
ياسمين
مشرفة Non-Arabic Forum واستراحة الخيمة
 
الصورة الرمزية لـ ياسمين
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2008
الإقامة: المغرب
المشاركات: 2,102
Smile

شكرا أخي ابن حوران على هذا الموضوع القيم، وإن كنت قد

حملت لك في نفسي شيئا من العتاب لعدم إخبارنا بقدومك إلى

المغرب، قصد الاحتفاء بك وإكرامك ، فمقامك رفيع عندنا، لكن

أثر العتاب بدده هذا المقال البديع الذي صيغ بأسلوب سلس

جميل..وسأحرص على المتابعة إن شاء الله .

حفظك الله ورعاك وسدد خطاك..

تحياتي وبالغ تقديري..

__________________



" كان بودي أن آتيكم ,, ولكن شوارعكم حمراء ,,

وأنا لا أملك إلا ثوبي الأبيض ",,

* * *

دعــهــم يتــقــاولــون

فـلــن يـخــرج الـبحــر

عــن صمته!!!

ياسمين غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 04-02-2010, 07:57 AM   #3
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

أشكركم أختنا الفاضلة على تعقيبكم الكريم
والمعاتبة ذات الأثر الرجعي
في الزيارة القادمة سيكون لي الشرف أن ألتقي بأصدقائي عِبر الأثير
لتدعيم صداقتهم

احترامي و تقديري
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 04-02-2010, 07:58 AM   #4
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي



أولاً: هل الجمال قيمة كونية؟

تشير السمات التي نلصقها ـ ضمنياً، وبكيفية مباشرة ـ بموضوع الدمامة، الى معايير الجمال الكُبرى، التي غالباً ما نتمثل من خلالها الموضوع الجميل، على اعتبار أنه جسد يتمتع بحظ وافر من فتوة الشباب، وتتميز أطرافه بالتناسق، وهو ذو بشرة ملساء، كما أنه مستقيم القامة، ونحيف البنية، وممشوق القد. إلا أنه يبقى علينا أن نعرف، ما إذا كانت هذه القوانين العامة، كونية أم لا؟

لقد انقسم الباحثون بشأن هذه المسألة الى فريقين متعارضين: " ليس الجمال الجسدي ـ بالنسبة الى فئة المؤرخين، من أمثال جورج فيغاريلوVegarello 2004. إن فن الرسم والصباغة ليمدان الباحث ببراهين تشير بداهةً، الى الكيفية التي رُسمت بها لوحة (الفضائل الثلاث Trois Graces)، على مر الحقب الزمنية، ليقف بنفسه على حقيقة ذلك الأمر.

كما تُوَفِر كتب الآداب للمهتم بالموضوع كذلك شهادة ثمينة لتأكيد انشداد مفهوم الجمال الى تربة الثقافة: فهذا (رونزارت Ronsart) مثلاً نراه يمجد خاصية (البدانة الإلهية)، التي تميز الحسناء الواقع بغرامها، بينما ينتشي (الكسندر دوما) تحت مفعول السحر، الذي وقع عليه من إحدى العشيقات، التي يصفها بأنها (ذات ورك محدب، وصدر بارز بكيفية فاضحة).

كما أن للأنثروبيولوجيين العديد من الحجج التي تبين بأن المعايير المرتبطة بالجمال هي كذلك نسبية، ورهينة بتنوع المجتمعات البشرية، وتعددها الثقافي. فنساء مورسي (Femmes mursi) مثلاً، واللواتي يلقبن ب (سوداوات الطبق) لا يمكن أن تحظى بإعجاب أبناء الغرب الأوروبي. كذلك ما تكون عليه أقدام النساء الصينيات التي تُجبر أن تكون صغيرة في وضعها داخل أحذية خشبية خاصة، مصدراً لفتنة المرأة الصينية، أو بعض نساء كمبوديا اللواتي يضعن أطواقاً نحاسية على أعناقهن لإطالتها الخ.

لكن ألا يمكن أن توجد، مع ذلك، وبقطع النظر عن التنوع الثقافي والاجتماعي، بعض المعايير الكونية اللصيقة بقيم الجمال؟

خضعت معايير الجاذبية الجسدية، منذ سنوات خلت، للعديد من التجارب. وكانت المنهجية المتبعة في ذلك، تنص على أن يلتمس الدارس من بعض الأشخاص اختيارَ الصورة الأكثر تأثيراً وجاذبية، من بين (بورتريهين) مختلفين. ثم صار من الممكن فيما بعد إدراج بعض التعديلات على ثوابت وجه ما بواسطة الحاسوب، قصد التحقق من الكيفية التي يجري بها أثر هذا التعديل أو ذاك في بعض الأشخاص المختبرين، كأن يتم التركيز على بعض الاستدارات والملامح وتغييرها تحت عين الناظر المختبر الخ.

لقد ظهر في البداية أن بعض الملامح (المدعمصة Neoteniques) للوجه كالأنف القصير والعينين الواسعتين، هي الأكثر جذباً من غيرها، وهو الأمر الذي ظل يتسبب في إقصاء الوجوه المسنة، ذات الملامح المعقدة. وبناء على ذلك، لن يختار المرء بتلقائية منه سوى (البورتريه) الحامل للسمات (الطفولية)، دون غيرها من بقية السمات الأخرى. إن علامات الشيخوخة، بما في ذلك التغضن، وسحنة البشرة، وبعض البقع الطفحية البارزة على الجلد، تفقد حاملها حظوة الفوز بالاختيار.

ويمكن أن يقع عكس ذلك تماماً، بحيث بمقدور بعض الملامح، التي تبدو عليها سمات النضج، لا سمات الطفولة، أن تكون ذات جاذبية كبرى. وعلى كل، فإننا نختار على العموم الوجوه التي ليست لها خدود متهدلة، ولا وجنات بارزة. ثم يُضاف الى ذلك كله خاصية أخرى هي: التناسق. إن الوجه الذي يحكمه قانون التناسق العام، عادةً ما يُشهد له بكونه الأكثر جمالاً.

إن التعارض القائم بين أطروحات القائلين بكونية الجمال ونسبيته، سيبدو لنا بأنه ليس بهذا التبسيط المختزل. لننظر، على سبيل المثال، الى أجساد النساء التي تتصدر أغلفة المجلات أو (بوسترات) الدعاية، فإن الموديل الغالب، هو في سن الشباب، الذي يبرز مفاتن وحيوية وتناسق الجسم.

والأمر نفسه يسري على الرجال أيضاً، بدءاً من صورة الفتى الإغريقي ووصولا الى نموذج الرجل المكتمل النضج الذي روجت له فنون عصر النهضة. إن كافة الأبعاد الفنية التي تجسد أجسام هؤلاء الرجال (الموديلات)، لتؤشر على علامات الصحة والعافية، وعلى علامات القوة والبأس الشديد. ومن ثمة، نلاحظ أن ذوي المنظر الرث والبنية البدينة لم ينالوا أبداً حظوة التحول الى نماذج للجمال تحتفي بها سائر الفنون. وهذا بالضبط هو ما جعل الفتيان يدركون بشكل غريزي بأنه قد يبتسم لهم الحظ، وربما يفوزون ببعض الإعجاب، إذا هم حدوا من بروز البطن، وعملوا على نفخ الصدر بتقوية عضلاته.

يتأثر تقديرنا للجمال، إذن، بتغير الحِقب الزمنية، وبتغير الثقافات، إلا أن هذه المتغيرات، غالبا ما تقوم حول بعض المؤشرات الأستيطيقية الثابتة. إننا لم نرَ قط، في الصور والنماذج الرائجة عن الجمال، وجوهاً مقطبة، وبأسنان غير مرصفة بعناية فائقة، وتنتشر فوق صفحات خدودها البثور، والتجاعيد، وبعض الطفح الجلدي.

ويتندر الكاتب (وليس المترجم ولا أنا طبعاً) قائلاً: وإذا ما حدث أن وقع الاختيار بين وجه كاتب هذه السطور ووجه (جورج كلوني) فإن الحظوظ التي قد تدفع بعض الناس الى اختيار صورة الكاتب، قليلة جداً في العالم (وإلى حين وقوع العكس، أتمنى أن يتم إخباري عن طبيعة هذا الشعب الغريب، الذي فضل الانتصار لصورتي)!

يتبع
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 11-02-2010, 08:55 AM   #5
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

ثانياً: كل جميل حسن

إن الجمال غير عادل بالمرة ما دام لا يوزع على الناس مقوماته الخاصة بالتساوي، إلا أن هذا الأمر ليس كل شيء يحسب على ذمة الجمال، بل تضاف إليه الملاحظة التالية الأشد قسوة، وهي أن الموضوع الجميل غالباً ما يحظى بنوع من الامتياز الإضافي، فيتم الجمع بينه وبين كل ما يتسم بصفات الحُسْن والخير.

ويترسخ هذا الربط الذهني/الأخلاقي بين لفظتي (جميل وحسن) (Beau et Bien) في اللسان الفرنسي، حتى في السياقات التي تكون فيها اللفظتان مترادفيتين، أحياناً، من الناحية اللغوية. إننا لنقول، مثلاً، عن أحدهم بأنه (شخص جميل)، فنقصد بعض صفاته الخُلقية الفاضلة، بينما نقول عن آخر بأنه (شخص قبيح)، فيكون ذلك مرادفاً عندنا للفظة (شرير)، وكأنما يكفي أن يكون المرء جميل الهيئة، كي يكون بمنأى عن كافة الرذائل.

وتؤكد التحقيقات المنجزة ضمن علم النفس الاجتماعي أن الناس تلصق بتلقائية منها جل الصفات الطيبة ومقومات الصحة واللطف الخ بموضوع الجمال. وبالجملة، فإن (كل ما هو جميل، هو في الوقت نفسه ذو حُسنى).

إن تاريخ التمثيلات الفنية لموضوعتي الجمال والدمامة يؤكد هذه الواقعة بالملموس. فقد ارتبط متخيل الدمامة في كل الحقب والأزمنة التاريخية بالشر (ECO 2007) وذلك من خلال الربط التلقائي بين الدميم من جهة، والشيطان، والكائن الوحشي، والمنحرف، والمريض من جهة أخرى؛ وظلت الدمامة تعتبر شيئاً مُعْدياً، وشيئاً يستثير لدى الآخرين ردود أفعال تنم عن التقزز والخوف.

ويمكننا بعد كل هذا، أن نتساءل الآن: هل للجمال انعكاسات مؤثرة على حياة الناس اليومية؟

تجيبنا بعض الدراسات بأن آثار هذا العامل الخِلقي حيوية للغاية، على مستوى الحياة اليومية (Dion, Berscheid et Walster1972 )، ذلك أن عوامل الجمال شديدة التأثير، ليس في العلاقات العاطفية فحسب، وإنما تؤثر أيضاً بكيفية واعية أو لا واعية، داخل المدرسة، وضمن دائرة سوق الشغل، وحتى في العدالة.

ابتداءً من المدرسة الابتدائية، يتعامل الأطفال بكيفية تمييزية بين العنصر الجميل والعنصر الدميم. فخلال أوقات الاستراحة، عادةً ما يستأنس الطفل الصغير، بالتمييز بين هذا الرفيق وذاك، ومن ثمة تُشن هجمات لا هوادة فيها، وسط ساحة المدرسة، على جميع من يُصنفون ضمن خانة (الدمامة). إن هناك كماً هائلاً من التلاميذ الذين يعانون بصمت بليغ بشاعة الاضطهاد الذي يلاقونه من طرف زملائهم، لإنهم إما يعانون للأسف من بدانة الجسم، أو قِصر القامة، أو بهم بعض الحَوَل، أو لأن أسنانهم غير مرتبة بشكلٍ جيد.

ومن الممكن أن ينحاز المدرسون كذلك، وعلى كرهٍ منهم بالطبع، الى صف التلاميذ والتلميذات ذوي الهيئة الجميلة والجذابة. وللتأكد من صدقية ذلك، ينبغي توزيع حزمة من أوراق المراقبة المستمرة على مجموعتين من الأساتذة، قصد تقويمها مرتين: تُقدم في المرحلة الأولى من غير الصور الفوتوغرافية التي تُعرف بأصحابها. أما في المرحلة الثانية، فترفق الأوراق نفسها، بعد أن يتم إخفاء علاماتها الأولى، بصورٍ تكشف عن هوية أصحابها، ثم تُقدم الى مجموعة أخرى من الأساتذة.

والحصيلة أن صاحب وصاحبة المظهر الفيزيولوجي الجذاب، عادةً ما يؤثران إيجابياً في عملية التنقيط (منح العلامات)، بينما لا يحظى صاحب ولا صاحبة المظهر غير الجذاب، بذلك التأثير لفائدتهما (Landy et Sigall 1974). وأن الظاهرة تغدو أكثر تجلياً وبروزاً، في الاختبارات الشفوية، حيث يحسم المظهر العام العملية لصالح المرشحين الأكثر جمالاً، دون أي يعي المدرسون بذلك، حتماً.

يتبع

__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 25-02-2010, 03:56 PM   #6
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

ثالثاً: من مسار الدراسة الى ميدان الشغل،
أو الانتقاء الذي يحسم فيه الجمال

يمكن للبروتوكول السابق نفسه أن ينطبق على المحاورة (Entretien) التي تستهدف انتقاء بعض المترشحين، الذين يسعون الى شغل وظائف شاغرة، في بعض المرافق العامة. فقد أنجز الباحث السوسيولوجي (فرانسوا أماديو) الذي يعمل أستاذاً في جامعة باريس الأولى، تجارب ومعاينات ميدانية أفضت الى إثباتات صار من الصعب الطعن فيها. فصورة مترشح ذو وجه معيب، مثلا، تُعد عائقاً يقينياً، يحول بين صاحبها وفرصة انتقائه والمناداة عليه لإجراء المحاورة المرجوة.

يلعب الجمال، إذن، دوراً حاسماً في عملية الانتقاء. ويلاحظ الدارسون أن الجمال أخذ يلعب دوراً في الوظائف الخدمية، فبعض الشركات لا تشغل الناس إلا بالاعتماد الصريح والفاضح على الجانب (الإستيطيقي) للمرشح أو المرشحة لوظيفة، إنها حالة المناصب المرتبطة بمهام الإنابة والتمثيل والتقديم والاستقبال مثلاً أو وظائف (مضيفة في الطيران) أو (مذيعة في التلفزيون) الخ.

غير أن عامل الجمال لا يكون فاضحاً وصريحاً، ولكنه يكون ضمنياً ومستتراً، في حالات من يعملن بصالونات الحلاقة والتجميل وبيع الملابس، فيكون الاختيار للمرشحات أو حتى المرشحين يُراد منه أن ترتبط السلعة أو الخدمة بهيئة من يمارسها أو يعرضها.

وقد لاحظ الباحثون أن الموظفين أو الموظفات الأكثر وسامة تكون دوائر علاقاتهم بالعمل بين زملائهم أكثر سعة وحيوية، بعكس البدين والبدينة أو من هو في شكل به بعض الإعاقة، فإن الاحتكاك بمثل هؤلاء يكون قليلاً وبنفس الوقت يأخذ طابعاً مبتذلاً. وهذا الشيء يؤثر على القضاة في المحاكم أيضاً، حيث يلقى أصحاب وصاحبات الجمال الواضح معاملة مختلفة عن غيرهم.

رابعاً: الجميلون للجميلات والدميمون للدميمات

إن لصاحب الوجه الصبوح، بكيفية بديهية، حظوظاً وافرة ولا متناهية للتمكن من إغواء أنثى أحلامه، أكثر مما لصاحب الوجه الدميم. فجميع الناس لا يملكون (تفيهق) سارتر، ولا ذكاءه الخارق، للتعويض عن هيئاتهم القبيحة. ومن ثم، فإن الانتقاء بواسطة عيار الجمال يبقى واقعاً غير قابل للمعالجة. إن قلة قليلة من الروائيين هي وحدها التي استطاعت، دون تمويه ولا مداهنة، أن تتجرأ على الاقتراب من هذا الموضوع المحرم، وأن توضح كيف يُكره الدميم في الغالب، على أن يوقع في شباك هواه، إلا من كان طوع يديه، أي أولئك اللواتي يشبهنه في الهيئة والمظهر العامين.

وفي هذا الصدد، يحكي الكاتب (روجيه مييه 2005) عن شخصية في غاية القبح الخِلقي، تجد نفسها ـ بحكم الرغبة في تذوق طعم الإغارة والجنس ـ مكتفية بإغواء النساء الدميمات فحسب، حتى أنها تتحول بفعل ذلك بالضبط الى نسخة من (دون جوان) يمكن نعته بدون جوان الدميمات والمنبوذات.

ويربط ميشيل هويليبيك بين المأساة الجنسية، والإحباط العام، الذي تعانيه الشخصية الروائية الذكورية التي لا وسامة تميزها (1994).

ونشير بشأن هذه النقطة الى أن إقرار علماء الاجتماع ينبغي أن يُضاف الى الإثبات الذي تبناه علم النفس التطوري، والى المعاينة العادية التي من شأن أي كان، أن يقوم بها. فضمن علاقات الحب، تولي النساء حقاً قليلاً من الأهمية للمظهر الفسيولوجي العام. لكن المرأة على العموم لا تقع في أحابيل الرجل الدميم جداً، والذي يكبرها سناً، إلا إذا كان هذا الأخير يملك وضعية اجتماعية واعتبارية كُبرى.

بالتأكيد، قد يحدث في بعض الأحيان أن تتعلق إحدى تلميذات الثانوية، أو فتيات الحيـ أو طالبات الكلية، ممن هن أكثر سحراً وجمالاً، بأحد الذكور ذي الهيئة الغريبة: دميم وأبله ودون سحر ولا جاذبية تُذكر، إلا هذا إن حصل، فإن حدوثه غالباً ما يُشكل واحداً من الاستثناءات النادرة، وإلا ما غدا موضوعاً قابلاً للملاحظة ضمن دائرة القاعدة العامة.

والاستثناء نفسه نسجله عند الذكور أيضاً، بحيث يفضل البعض منهم المسنات، أو البدينات، على غيرهن من بقية النساء، في الوقت الذي يظل السن والوزن، على العموم عائقين لا يُستهان بأثرهما في عملية الإغواء والإغراء، بحيث أن لسوق الحب قوانينه، ونظمه المعيارية.

ويمنح الجمال الأنثى، كما الذكر، (رأسمال غواية) ثميناً وباهظاً، نوعا ما. ويُعد هذا الرأسمال من بين عوامل اللامساواة القوية جداً، ضمن دائرة العلاقات الإنسانية، على العموم، وداخل حقل علاقات الحب والغرام، بصفة خاصة. والى جانب ذلك العامل الجائر، يُضاف عاملٌ آخر أشد ضيماً، وهو أن هذا الرأسمال، في الأغلب الأعم، موروث جينياً.

وصفوة القول إنه من المحزن أن يعتبر المرء من الأجدى له أن يكون جميلاً، سواء في المدرسة، أو في ميدان الشغل، أو ضمن علاقات الحب، أو الصداقة، أو داخل حظيرة العلاقات الإنسانية، بصفة عامة. وإن لهذا، بكيفية دالة، أهمية في الأحكام والتصورات، التي يكونها المرء عن نفسه.

ومن ثمة، فإننا نفهم لماذا تنتعش، ضمن هذه الشروط المجحفة، سوق مستحضرات التجميل، وصناعة تقوية العضلات، وأنظمة الحِمية المنحلة للأجسام، والعقاقير المزيلة لآثار العمر على الجسم وتحمي الجلد من التجاعيد، وجراحة التجميل، وكافة أصناف الصناعة الأستيطيقية الممكنة، بحيث صار من المسلم به أن الأهمية التي أضحى المرء يوليها لمظهره العام، هي كل شيء، عدا كونها من الترهات والتفاهات، ذلك أن الجمال هو بمثابة الورقة المربحة، التي لا يستهان بقيمتها، في إطار العلاقات الإنسانية.

انتهى
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .