العودة   حوار الخيمة العربية > القسم الاسلامي > الخيمة الاسلامية

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: نقد كتاب نتيجة الفكر في الجهر بالذكر (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب التحقيق في مسألة التصفيق (آخر رد :رضا البطاوى)       :: لا اخـاف ابـواب جهـنم (آخر رد :اقبـال)       :: قراءة فى كتاب كيمياء السعادة (آخر رد :رضا البطاوى)       :: كيف تكون عبقريا (دراسة أكاديمية) (آخر رد :محمد محمد البقاش)       :: نقد بحث الرسالة وكيفية تشكيلها (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد بحث الإدارة بالأفكار (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد مقال الثقة بالنفس (آخر رد :رضا البطاوى)       :: ملكة البكبورتات الفرنسية (آخر رد :عبداللطيف أحمد فؤاد)       :: قراءة فى مقال مهارة التخلص من الخجل (آخر رد :رضا البطاوى)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 14-02-2010, 10:29 AM   #41
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,367
إفتراضي

"دومة الجَنْدَل".. الخروج من الهزيمة إلى النصر

(في ذكرى الخروج لها: 1 ربيع الأول 5هـ)





خريطة تبين موقع محافظة الجوف التي فيها دومة الجندل (باللون الأخضر الفاتح)

لم تهدأ ثائرة مشركي مكة بعد هزيمتهم في بدر على أيدي المسلمين، ومقتل عدد كبير من رجالات قريش وصناديد العرب وعتاة الكفر على أسنة رماح المسلمين وحد سيوفهم، فظلوا يتحينون الفرصة للانتقام من محمد (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه، وإنزال الهزيمة بهم، يريدون بذلك أن يمحوا عن أنفسهم عار هزيمتهم الكبرى في بدر.

وحانت لهم تلك الفرصة في أُحد، خاصة بعد أن خالف الرماة أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) وتخلوا عن موقعهم أعلى الجبل، فوجدها خالد بن الوليد داهية العرب وكان على رأس فرسان قريش فرصة مواتية للالتفاف حول جيش المسلمين وإلحاق الهزيمة بهم.

واستطاع خالد صعود الجبل وقتل من بقي من رماة المسلمين، ثم فاجأ جيش المسلمين بمن معه من المشركين؛ فانكشف المسلمون، وكانت محنة قاسية ألحقت بهم هزيمة أليمة، برغم صمودهم واستبسالهم في القتال، ولكن وقع المفاجأة كان شديدا، وسرعة المباغتة حسمت المعركة لصالح المشركين.

وعاد المسلمون إلى المدينة يلملمون جراح الحرب وأتراح الهزيمة، ولم تكن آلام الجرحى ولهفات الثكالى تساوي شيئا أمام مرارة الهزيمة وإخفاق راية المسلمين في إحدى معاركهم ضد المشركين.

تسببت الهزيمة في حرج موقف المسلمين في المدينة -بالرغم من بقاء سلطانهم عليها- أمام اليهود والمشركين الشامتين والمترقبين زوال دولة المسلمين من المدينة، وإن كانوا حتى ذلك الحين وبالرغم مما مُني به المسلمون من الهزيمة لا يقوون على مجاهرة المسلمين بشعورهم أو مناصبتهم العداء.

وأدرك النبي (صلى الله عليه وسلم) ما يعمل في صدور المسلمين من الحزن والأسى، وما يشعرون به من مرارة الهزيمة وجرح الإخفاق، بالرغم من مواساة القرآن الكريم للمسلمين وعزائه لهم في قوله تعالى: "إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين" آل عمران – 140.

فقد كانت قلوب المسلمين وهِمَهم تهفو إلى الخروج من دائرة الحزن وتجاوز الهزيمة إلى الإعلان عن قوتهم، وإظهار بأسهم لأعدائهم المتربصين بهم، سواء من الداخل (في المدينة) أو من الخارج (قريش وقبائل العرب من المشركين).

مؤامرات اليهود وخيانتهم عهد النبي

أراد النبي (صلى الله عليه وسلم) كما أراد المسلمون أن يثبتوا لأعدائهم أنهم ما زالوا يملكون من القوة والبأس ما يستعيدون به مكانتهم وهيبتهم في نفوس العرب واليهود.

وكان بين المسلمين واليهود من سكان المدينة عهد وضعه النبي (صلى الله عليه وسلم) وأقره الطرفان منذ اللحظة الأولى لدخول النبي (صلى الله عليه وسلم) المدينة، تُكفل بمقتضاه حرية العقيدة والعبادة للطرفين، كما كانت بينهما وثيقة دفاع مشترك عن المدينة ضد أي خطر يتهددها أو عدوان عليها من الخارج.

ولكن طمع اليهود في الاستئثار بالمدينة وما جُبلوا عليه من الغدر والمكر والخداع جعلهم يتآمرون على النبي (صلى الله عليه وسلم) ويخططون لاغتياله والتخلص منه ومن دعوته، وعلم النبي (صلى الله عليه وسلم) بما حاكه يهود بني النضير ضده، بعد أن أطلعه الله على تدبيرهم ومؤامرتهم.

فأرسل النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى بني النضير يأمرهم بالجلاء عن المدينة، ليعود الأمن والاستقرار يرفرف من جديد عليها، بعد أن تخلص المسلمون من غدرهم ومؤامراتهم، وتمتعوا بما أفاء الله عليهم به من أموال اليهود وحدائقهم.

وعلم النبي (صلى الله عليه وسلم) بعزم مشركي مكة على الخروج لملاقاة المسلمين في جيش كبير؛ فاستعد لهم وخرج للقائهم في نحو ألف فارس، وجعل على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ بن سلول، وخرج المشركون من مكة بقيادة أبي سفيان بن حرب في نحو ألفي فارس، ولكن أبا سفيان قرر العودة إلى مكة بعد مسيرة يومين فرجع بأصحابه، وظل النبي (صلى الله عليه وسلم) والمسلمون ينتظرون 8 أيام قاموا خلالها ببعض العمليات التجارية مع قبائل المنطقة ربحوا فيها أموالا كثيرة، ثم عادوا إلى المدينة تسبقهم بشرى انسحاب قريش من مواجهتهم في بدر الآخرة وفرار المشركين من لقائهم؛ وهو ما أعاد إلى المسلمين المزيد من الثقة والطمأنينة، وأكسبهم المزيد من الهيبة والعزة في نفوس أعدائهم.

الخطر القادم من الشمال

ولكن ما لبث النبي (صلى الله عليه وسلم) أن علم باجتماع قبائل "دومة الجَنْدَل" وتجهزهم لحرب المسلمين وتهديد المدينة، وكانوا يعتدون على القوافل التي تمر بهم، ويتعرضون لمن يدنون من أراضيهم فينهبون التجارة ويسلبون الأموال ويقتلون كل من يعترضهم، حتى أصبحوا مصدر خطر على قوافل التجارة التي تأتي إلى المدينة والتي ينتظرها المسلمون ويعتمدون عليها.

فندب النبي (صلى الله عليه وسلم) المسلمين للخروج لقتال تلك القبائل وكف أذاها والقضاء على تهديدها المستمر للمدينة؛ فخرج معه ألف من المسلمين، واستعمل النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة "سباع بن عُرْفُطة الغفاري" وانطلق المسلمون في طريقهم إلى دومة الجندل.

كانت المسافة طويلة والطرق موحشة والصحراء قاحلة شديدة القيظ، وكان على المسلمين أن يقطعوا نحو 300 كم ليصلوا إلى دومة الجندل في شمال الجزيرة العربية، ما بين الحجاز والشام على بعد نحو 10 مراحل من المدينة.

واختار النبي (صلى الله عليه وسلم) معه دليلا من بني عذرة يقال له "مذكور" كان شديد الذكاء، على قدر فائق من المهارة والخبرة والدراية بدروب الصحراء وطرقها الخفية ومضايقها.

وانطلق النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه يقطعون الفيافي والقفار، مستهينين بالمصاعب والمشاق، متحملين القيظ الشديد وجدب الصحراء وقلة الماء، لا يبالون بالموت، يدفعهم إيمانهم بالله ورسوله إلى اجتياز تلك الصحراء القاحلة والفيافي الموحشة؛ طاعة لله تعالى، واستجابة لنداء النبي صلى الله عليه وسلم، يحركهم إيمانهم القوي بالنصر والظفر.

وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يسير ليلا ويكمن نهارا؛ حتى لا يشعر به أحد من المشركين ولا تنتبه إلى قدومه قبائل دومة الجندل، فيصل إليها قبل أن تستعد للقائه؛ وهو ما يكفل له تحقيق عنصر المفاجأة ومباغتة العدو.

كما أراد النبي (صلى الله عليه وسلم) بذلك أيضا أن يتقي وأصحابه قيظ الصحراء وحرها الشديد، ولفح شمسها ولهيب رمالها؛ فلا يقابل المسلمون أعداءهم وهم خائرو القوة، منهكون من أثر وعورة الطريق وحرارة الجو.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 14-02-2010, 10:30 AM   #42
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,367
إفتراضي

انتصار بلا قتال




من صور آثار دومة الجندل وبحيرتها السياحية

فلما اقترب النبي (صلى الله عليه وسلم) من دومة الجندل أخبره الدليل بوجود قطعان من الإبل والماشية ترعى في الصحراء، وكانت لقوم من تميم فانطلق المسلمون ليستولوا عليها، واستطاعوا أن يجمعوا عددا منها، بينما فر الكثير منها وتفرقت في كل اتجاه.

وشعر أهل دومة الجندل بقدوم المسلمين فأسرعوا بالفرار تاركين ديارهم ومتاعهم لينجوا بأنفسهم من المسلمين.

ونزل النبي (صلى الله عليه وسلم) بساحتهم فلم يجد بها أحدا فأقام النبي بها أياما وبث السرايا تبحث في كل الأنحاء، ولكنهم لم يلقوا أحدا ولم يظفروا إلا برجل منهم أتى به محمد بن مسلمة إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، فسأله عن أصحابه فقال: هربوا أمس، فعرض عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) الإسلام فأسلم.

وبقي النبي (صلى الله عليه وسلم) والمسلمون بها أياما، ثم رجعوا إلى المدينة في 20 من ربيع الآخر 5 هـ= 18 من سبتمبر 626 م.

كانت غزوة "دومة الجندل" -كما أطلق عليها بعض العسكريين المعاصرين – عملية عسكرية ذات طابع تعرّضي للدفاع عن قاعدة الإسلام في المدينة، إذ إن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم ينتظر حتى يفاجئه أعداؤه بشن هجومهم على المدينة، وإنما بادر بالإغارة عليهم فور علمه بما عزموا عليه.

وقد استهدفت تلك الغزوة تحقيق عدة أهداف تكتيكية وإستراتيجية؛ فقد ساهمت في القضاء على روح الضعف والتخاذل التي كادت تصيب المسلمين بعد هزيمتهم في أحد، وساعدت على التخلص من آثار تلك الهزيمة التي أصابتهم، كما عملت على رفع الروح المعنوية لديهم واستعادة الثقة بالنفس، وفي الوقت نفسه تدمير الروح المعنوية لجنود الأعداء.

كما أنها كانت بمثابة استعراض لقوة المسلمين لإرهاب أعدائهم وتبديد أطماعهم في المسلمين، بالإضافة إلى ما حققته من إحباط لخطط العدو الهجومية ووأدها في مهدها، وحرمان العدو من تحقيق عنصر المفاجأة وسرعة المبادأة.

العبقرية العسكرية للرسول القائد

قد تجلت العبقرية العسكرية للنبي (صلى الله عليه وسلم) في تلك الغزوة من عدة وجوه منها:

-استخدام ما يُعرف بالإنذار المبكر، ومعرفة تحركات العدو وخططه العسكرية مبكرا.

-عدم الاستهانة بالعدو، والاستعداد الجيد للمعركة، والاستعانة بأهل الخبرة والمتخصصين في فنون الحرب ودروب الصحراء.

-السرية التامة وإخفاء والتمويه المتقن، وذلك بسلك طرق غير مألوفة، والسير والتحرك ليلا، والكمون والراحة نهارا.

-الحرص على تأكيد السيطرة على الموقف، وإعلان السيادة وتحقيق النصر عند فرار الأعداء، وذلك بالبقاء في ديار الأعداء الهاربين لمدة طويلة.

-تحقيق عنصر المبادأة أو المبادرة ومفاجأة الأعداء بالهجوم عليهم في عقر دارهم، قبل أن يكملوا استعدادهم، وبذلك يتمكن من إحراز النصر.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 16-02-2010, 07:36 AM   #43
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,367
إفتراضي

"المعري".. فيلسوف الشعراء

(في ذكرى وفاته: 3 ربيع الأول 449هـ)



نشأ "أبو العلاء المعري" في أسرة مرموقة تنتمي إلى قبيلة "تنوخ" العربية، التي يصل نسبها إلى "يَعرُب بن قحطان" جدّ العرب العاربة.

ويصف المؤرخون تلك القبيلة بأنها من أكثر قبائل العرب مناقب وحسبًا، وقد كان لهم دور كبير في حروب المسلمين، وكان أبناؤها من أكثر جند الفتوحات الإسلامية عددًا، وأشدهم بلاءً في قتال الفرس.

وُلد أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان في بلدة "معرَّة النعمان" من أعمال "حلب" بشمال "سوريا" في (27 من ربيع الأول 363هـ = 26 من ديسمبر 973م).

ونشأ في بيت علم وفضل ورياسة متصل المجد، فجدُّه "سليمان بن أحمد" كان قاضي "المعرَّة"، وولي قضاء "حمص"، ووالده "عبد الله" كان شاعرًا، وقد تولى قضاء المعرَّة وحمص خلفًا لأبيه بعد موته، أمَّا أخوه الأكبر محمد بن عبد الله (355 - 430هـ = 966 – 1039م) فقد كان شاعرًا مُجيدًا، وأخوه الأصغر "عبد الواحد بن عبد الله" (371 – 405هـ = 981 - 1014م) كان شاعرًا أيضًا.

محنة في محنة

وعندما بلغ أبو العلاء الثالثة من عمره أُصيب بالجدري، وقد أدَّى ذلك إلى فقد بصره في إحدى عينيه، وما لبث أن فقد عينه الأخرى بعد ذلك.

ولكن هذا البلاء على قسوته، وتلك المحنة على شدتها لم تُوهِن عزيمته، ولم تفُتّ في عضده، ولم تمنعه إعاقته عن طلب العلم، وتحدي تلك الظروف الصعبة التي مرَّ بها، فصرف نفسه وهمته إلى طب العلم ودراسة فنون اللغة والأدب والقراءة والحديث.

فقرأ القرآن على جماعة من الشيوخ، وسمع الحديث عن أبيه وجدِّه وأخيه الأكبر وجدَّتِه "أم سلمة بنت الحسن بن إسحاق"، وعدد من الشيوخ، مثل: "أبي زكريا يحيى بن مسعر المعري"، و"أبي الفرج عبد الصمد الضرير الحمصي"، و"أبي عمرو عثمان الطرسوسي".

وتلقَّى علوم اللغة والنحو على يد أبيه وعلى جماعة من اللغويين والنحاة بمعرَّة النعمان، مثل: "أبي بكر بن مسعود النحوي"، وبعض أصحاب "ابن خالوية".

وكان لذكائه ونبوغه أكبر الأثر في تشجيع أبيه على إرساله إلى "حلب" – حيث يعيش أخواله – ليتلقى العلم على عدد من علمائها، وهناك التقى بالنحوي "محمد بن عبد الله بن سعد" الذي كان راوية لشعر "المتنبي"، ومن خلاله تعرَّف على شعر "المتنبي" وتوثقت علاقته به.

ولكن نَهَم "أبي العلاء" إلى العلم والمعرفة لم يقف به عند "حلب"، فانطلق إلى "طرابلس" الشام؛ ليروى ظمأه من العلم في خزائن الكتب الموقوفة بها، كما وصل إلى "أنطاكية"، وتردد على خزائن كتبها ينهل منها ويحفظ ما فيها.

وقد حباه الله تعالى حافظة قوية؛ فكان آية في الذكاء المفرط وقوة الحافظة، حتى إنه كان يحفظ ما يُقرأ عليه مرّة واحدة، ويتلوه كأنه يحفظه من قبل، ويُروى أن بعض أهل حلب سمعوا به وبذكائه وحفظه – على صغر سنه – فأرادوا أن يمتحنوه؛ فأخذ كل واحد منهم ينشده بيتًا، وهو يرد عليه ببيت من حفظه على قافيته، حتى نفد كل ما يحفظونه من أشعار، فاقترح عليهم أن ينشدوه أبياتًا ويجيبهم بأبيات من نظمه على قافيتها، فظل كل واحد منهم ينشده، وهو يجيب حتى قطعهم جمعيًا.

بين اليأس والرجاء

عاد "أبو العلاء" إلى "معرة النعمان" بعد أن قضى شطرًا من حياته في "الشام" يطلب العلم على أعلامها، ويرتاد مكتباتها.

وما لبث أبوه أن تُوفي، فامتحن أبو العلاء باليُتم، وهو ما يزال غلامًا في الرابعة عشرة من عمره، فقال يرثي أباه:

أبي حكمت فيه الليالي ولم تزل
رماحُ المنايا قادراتٍ على الطعْنِ

مضى طاهرَ الجثمانِ والنفسِ والكرى
وسُهد المنى والجيب والذيل والرُّدْنِ


وبعد وفاة أبيه عاوده الحنين إلى الرحلة في طلب العلم، ودفعه طموحه إلى التفكير في الارتحال إلى بغداد، فاستأذن أمه في السفر، فأذنت له بعد أن شعرت بصدق عزمه على السفر، فشد رحاله إليها عام (398هـ = 1007م).

نجم يسطع في سماء "بغداد"

واتصل "أبو العلاء" في بغداد بخازن دار الكتب هناك "عبد السلام البصري"، وبدأ نجمه يلمع بها، حتى أضحى من شعرائها المعدودين وعلمائها المبرزين؛ مما أثار عليه موجدة بعض أقرانه ونقمة حساده، فأطلقوا ألسنتهم عليه بالأقاويل، وأثاروا حوله زوابع من الفتن والاتهامات بالكفر والزندقة، وحرّضوا عليه الفقهاء والحكام، ولكن ذلك لم يدفعه إلى اليأس أو الانزواء، وإنما كان يتصدى لتلك الدعاوى بقوة وحزم، ساخرًا من جهل حساده، مؤكدًا إيمانه بالله تعالى ورضاه بقضائه، فيقول تارة:

غَرِيَتْ بذمِّي أمةٌ....وبحمدِ خالقِها غريتُ


وعبدتُ ربِّي ما استطعـ.....ـتُ، ومن بريته برِيتُ



ويقول تارة أخرى:

خُلِقَ الناسُ للبقاء فضلَّت.... أمةٌ يحسبونهم للنفادِ


إنما ينقلون من دار أعما.....لٍ إلى دار شقوة أو رشادِ



ولم يكن أبو العلاء بمعزل عن المشاركة في الحياة الاجتماعية والفكرية في عصره؛ فنراه يشارك بقصائده الحماسية في تسجيل المعارك بين العرب والروم، كما يعبر عن ضيقه وتبرمه بفساد عصره واختلال القيم والموازين فيه، ويكشف عن كثير مما ظهر في عصره من صراعات فكرية ومذهبية، كما يسجل ظهور بعض الطوائف والمذاهب والأفكار الدينية والسياسية.

وقد عرف له أهل بغداد فضله ومكانته؛ فكانوا يعرضون عليه أموالهم، ويلحُّون عليه في قبولها، ولكنه كان يأبى متعففًا، ويردها متأنفًا، بالرغم من رقة حالة، وحاجته الشديدة إلى المال، ويقول في ذلك:

لا أطلبُ الأرزاقَ والمو....لى يفيضُ عليَّ رزقي


إن أُعطَ بعضَ القوتِ أعـ.....ـلم أنَّ ذلك فوق حقي



وكان برغم ذلك راضيًا قانعًا، يحمد الله على السراء والضراء، وقد يرى في البلاء نعمة تستحق حمد الخالق عليها فيقول:

"أنا أحمد الله على العمى، كما يحمده غيري على البصر".



رسالة الغفران

لم يطل المقام بأبي العلاء في بغداد طويلاً؛ إذ إنه دخل في خصومة مع "المرتضي العلوي" أخي "الشريف الرضي"، بسبب تعصب "المعري" للمتنبي وتحامل المرتضي عليه؛ فقد كان أبو العلاء في مجلس المرتضي ذات يوم، وجاء ذكر المتنبي، فتنقصه المرتضي وأخذ يتتبع عيوبه ويذكر سرقاته الشعرية، فقال أبو العلاء: لو لم يكن للمتنبي من الشعر إلا قصيدته: "لك يا منازل في القلوب منازل" لكفاه فضلاً.

فغضب المرتضي، وأمر به؛ فسُحب من رجليه حتى أُخرج مهانًا من مجلسه، والتفت لجلسائه قائلاً: أتدرون أي شيء أراد الأعمى بذكر تلك القصيدة؟ فإن للمتنبي ما هو أجود منها لم يذكره. قالوا: النقيب السيد أعرف! فقال: إنما أراد قوله:

وإذا أتتك مذمَّتي من ناقص
فهي الشهادة لي بأنِّي كامل


وفي تلك الأثناء جاءت الأخبار إلى أبي العلاء بمرض أمه، فسارع بالرجوع إلى موطنه بعد نحو عام ونصف العام من إقامته في بغداد.

العودة إلى الوطن

غادر أبو العلاء بغداد في (24 من رمضان 400 هـ = 11 من مايو 1010م)، وكانت رحلة العودة شاقة مضنية، جمعت إلى أخطار الطريق وعناء السفر أثقال انكسار نفسه، ووطأة همومه وأحزانه، وعندما وصل أبو العلاء إلى بلدته كانت هناك مفاجأة قاسية في انتظاره.. لقد تُوفِّيت أمه وهو في طريق عودته إليها.

ورثاها أبو العلاء بقصيدة تقطُر لوعة وحزنًا، وتفيض بالوجد والأسى. يقول فيها:

لا بارك الله في الدنيا إذا انقطعت
أسباب دنياكِ من أسباب دنيانا


ولزم داره معتزلاً الناس، وأطلق على نفسه "رهين المحبسين"، وظلَّ على ذلك نحو أربعين عامًا، لم يغادر خلالها داره إلا مرة واحدة، عندما دعاه قومه ليشفع لهم عند "أسد الدولة بن صالح بن مرداس" - صاحب حلب - وكان قد خرج بجيشه إلى "المعرة" بين عامي (417،418هـ = 1026،1027م)؛ ليخمد حركة عصيان أهلها، فخرج أبو العلاء، متوكئا على رجُل من قومه، فلما علم صالح بقدومه إليه أمر بوقف القتال، وأحسن استقباله وأكرمه، ثم سأله حاجته، فقال أبو العلاء:

قضيت في منزلي برهةً.......سَتِير العيوب فقيد الحسد


فلما مضى العمر إلا الأقل......وهمَّ لروحي فراق الجسد


بُعثت شفيعًا إلى صالح...... وذاك من القوم رأي فسد


فيسمع منِّي سجع الحمام..... وأسمع منه زئير الأسد



فقال صالح: بل نحن الذين تسمع منَّا سجع الحمام، وأنت الذي نسمع منه زئير الأسد. ثم أمر بخيامه فوضعت، ورحل عن "المعرة".

أبو العلاء النباتي

وكان أبو العلاء يأخذ نفسه بالشدة، فلم يسع في طلب المال بقدر ما شغل نفسه بطلب العلم، وهو يقول في ذلك:

"وأحلف ما سافرت أستكثر من النشب، ولا أتكثر بلقاء الرجال، ولكن آثرت الإقامة بدار العلم، فشاهدت أنفس مكان لم يسعف الزمن بإقامتي فيه".

ويُعدُّ أبو العلاء من أشهر النباتيين عبر التاريخ؛ فقد امتنع عن أكل اللحم والبيض واللبن، واكتفى بتناول الفاكهة والبقول وغيرها مما تنبت الأرض.

وقد اتخذ بعض أعدائه من ذلك المسلك مدخلاً للطعن عليه وتجريحه وتسديد التهم إليه، ومحاولة تأويل ذلك بما يشكك في دينه ويطعن في عقيدته.

وهو يبرر ذلك برقة حاله وضيق ذات يده، وملاءمته لصحته فيقول:

"ومما حثني على ترك أكل الحيوان أن الذي لي في السنة نيِّفٌ وعشرون دينارًا، فإذا أخذ خادمي بعض ما يجب بقي لي ما لا يعجب، فاقتصرت على فول وبلسن، وما لا يعذب على الألسن.. ولست أريد في رزقي زيادة ولا لسقمي عيادة".

وعندما كثر إلحاح أهل الفضل والعلم على أبي العلاء في استزارته، وأبت به مروءته أن يرد طلبهم أو يقطع رجاءهم، وهم المحبون له، العارفون لقدره ومنزلته، المعترفون بفضله ومكانته؛ فتح باب داره لا يخرج منه إلى الناس، وإنما ليدخل إليه هؤلاء المريدون.

فأصبح داره منارة للعلم يؤمها الأدباء والعلماء، وطلاب العلم من كافة الأنحاء، فكان يقضي يومه بين التدريس والإملاء، فإذا خلا بنفسه فللعبادة والتأمل والدعاء.

وكما لم تلن الحياة لأبي العلاء يومًا في حياته، فإنها أيضًا كانت قاسية عند النهاية؛ فقد اعتلّ شيخ المعرَّة أيامًا ثلاثة، لم تبق من جسده الواهن النحيل إلا شبحًا يحتضر في خشوع وسكون، حتى أسلم الروح في (3 من ربيع الأول 449هـ = 10 من مايو 1057م) عن عمر بلغ 86 عامًا.

آثاره أبي العلاء

وقد ترك أبو العلاء تراثًا عظيمًا من الشعر والأدب والفلسفة، ظل موردًا لا ينضب للدارسين والباحثين على مر العصور، وكان له أكبر الأثر في فكر وعقل كثير من المفكرين والعلماء والأدباء في شتى الأنحاء، ومن أهم تلك الآثار:

- رسالة الغفران: التي ألهبت خيال كثير من الأدباء والشعراء على مَرِّ الزمان، والتي تأثر بها "دانتي" في ثُلاثيته الشهيرة "الكوميديا الإلهية".

- سقط الزند: وهو يجمع شعر أبي العلاء في شبابه، والذي استحق به أن يوصف بحق أنه خليفة المتنبي.

- لزوم ما لا يلزم (اللزوميات)، وهو شعره الذي قاله في كهولته، وقد أجاد فيه وأكثر بشكل لم يبلغه أحد بعده، حتى بلغ نحو (13) ألف بيت.

- الفصول والغايات (في تمجيد الله والمواعظ).

- عبث الوليد: وهو شرح نقدي لديوان "البحتري".

- معجز أحمد: وهو شرح ديوان "أبي الطيب المتنبي".

- رسالة الملائكة.

- رسالة الحروف.

- الرسالة الإغريضية.

- الرسالة المنيحية.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 17-02-2010, 07:32 AM   #44
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,367
إفتراضي

محمد الفاتح.. صاحب البشارة

(في ذكرى وفاته: 4 ربيع الأول 886هـ)



محمد الفاتح

شاءت الأقدار أن يكون السلطان العثماني محمد الفاتح هو صاحب البشارة التي بشّر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديثه: "لتَفْتَحُنّ القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش" [مسند أحمد: 4/335].

وانتظر المسلمون ثمانية قرون ونصف قرن حتى تحققت البشارة، وفُتحت القسطنطينية بعد محاولات جادة بدأت منذ عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه (32هـ=652م)، وازدادت إصرارًا في عهد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في مرتين: الأولى سنة (49هـ = 666م) والثانية بين سنتي (54-60=673-679م)، واشتعلت رغبة وأملاً طموحًا في عهد سليمان بن عبد الملك الخليفة الأموي سنة (99هـ=719م).. لكن هذه المحاولات لم يُكتب لها النجاح والتوفيق.

نشأة محمد الفاتح

ولد السلطان محمد الفاتح في (27 من رجب 835 هـ = 30 من مارس 1432م)، ونشأ في كنف أبيه السلطان "مراد الثاني" سابع سلاطين الدولة العثمانية، الذي تعهّده بالرعاية والتعليم؛ ليكون جديرًا بالسلطنة والنهوض بمسئولياتها؛ فأتم حفظ القرآن، وقرأ الحديث، وتعلم الفقه، ودرس الرياضيات والفلك وأمور الحرب، وإلى جانب ذلك تعلم العربية والفارسية واللاتينية واليونانية، واشترك مع أبيه السلطان مراد في حروبه وغزواته.

ثم عهد إليه أبوه بإمارة "مغنيسيا"، وهو صغير السن، ليتدرب على إدارة شئون الدولة وتدبير أمورها، تحت إشراف مجموعة من كبار علماء عصره، مثل: الشيخ "آق شمس الدين"، و"المُلا الكوراني"؛ وهو ما أثر في تكوين شخصية الأمير الصغير، وبناء اتجاهاته الفكرية والثقافية بناءً إسلاميًا صحيحًا.

وقد نجح الشيخ "آق شمس الدين" في أن يبث في روح الأمير حب الجهاد والتطلع إلى معالي الأمور، وأن يُلمّح له بأنه المقصود ببشارة النبي صلى الله عليه وسلم، فشبَّ طامح النفس، عالي الهمة، موفور الثقافة، رهيف الحس والشعور، أديبًا شاعرًا، فضلاً عن إلمامه بشئون الحرب والسياسة.

تولى محمد الفاتح السلطنة بعد وفاة أبيه في (5 من المحرم 855 هـ=7من فبراير 1451م)، وبدأ في التجهيز لفتح القسطنطينية، ليحقق الحلم الذي يراوده، وليكون هو محل البشارة النبوية، وفي الوقت نفسه يسهل لدولته الفتية الفتوحات في منطقة البلقان، ويجعل بلاده متصلة لا يفصلها عدو يتربص بها.

ومن أبرز ما استعد له لهذا الفتح المبارك أن صبَّ مدافع عملاقة لم تشهدها أوروبا من قبل، وقام ببناء سفن جديدة في بحر مرمرة لكي تسد طريق "الدردنيل"، وشيّد على الجانب الأوروبي من "البوسفور" قلعة كبيرة عُرفت باسم قلعة "روملي حصار" لتتحكم في مضيق البوسفور.

فتح القسطنطينية



وبعد أن أتم السلطان كل الوسائل التي تعينه على تحقيق النصر، زحف بجيشه البالغ 265 ألف مقاتل من المشاة والفرسان، تصحبهم المدافع الضخمة، واتجهوا إلى القسطنطينية، وفي فجر يوم الثلاثاء الموافق (20 من جمادى الأولى 857هـ= 29 من مايو 1453م) نجحت قوات محمد الفاتح في اقتحام أسوار القسطنطينية، في واحدة من العمليات العسكرية النادرة في التاريخ، وسيأتي تفاصيلها في يوم فتحها.. وقد لُقب السلطان "محمد الثاني" من وقتها بـ"محمد الفاتح" وغلب عليه، فصار لا يُعرف إلا به.

ولما دخل المدينة ترجّل عن فرسه، وسجد لله شكرًا، ثم توجه إلى كنيسة "آيا صوفيا"، وأمر بتحويلها مسجدًا، وأمر بإقامة مسجد في موضع قبر الصحابي الجليل "أبي أيوب الأنصاري" الذي كان ضمن صفوف المحاولة الأولى لفتح المدينة العريقة، وقرر اتخاذ القسطنطينية عاصمة لدولته، وأطلق عليها اسم "إسلام بول" أي دار الإسلام، ثم حُرفت بعد ذلك واشتهرت بإستانبول، وانتهج سياسة متسامحة مع سكان المدينة، وكفل لهم ممارسة عباداتهم في حرية كاملة، وسمح بعودة الذين غادروا المدينة في أثناء الحصار إلى منازلهم.

ما بعد الفتح

بعد إتمام هذا الفتح الذي حققه محمد الثاني وهو لا يزال شابًا لم يتجاوز الخامسة والعشرين -وكان هذا من آيات نبوغه العسكري المبكر – اتجه إلى استكمال الفتوحات في بلاد البلقان، ففتح بلاد الصرب سنة (863هـ=1459م)، وبلاد المورة (865هـ= 1460م)، وبلاد الأفلاق والبغدان (رومانيا) سنة (866هـ=1462م)، وألبانيا بين عامي (867-884م=1463-1479م)، وبلاد البوسنة والهرسك بين عامي (867-870هـ=1463-1465م)، ودخل في حرب مع المجر سنة (881هـ=1476م)، كما اتجهت أنظاره إلى آسيا الصغرى ففتح طرابزون سنة (866هـ=1461م).

كان من بين أهداف محمد الفاتح أن يكون إمبراطورًا على روما، وأن يجمع فخارًا جديدًا إلى جانب فتحة القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية، ولكي يحقق هذا الأمل الطموح كان عليه أن يفتح إيطاليا، فأعدَّ لذلك عدته، وجهّز أسطولاً عظيمًا، تمكّن من إنزال قواته وعدد كبير من مدافعه بالقرب من مدينة "أوترانت"، ونجحت تلك القوات في الاستيلاء على قلعتها، وذلك في (جمادى الأولى 885هـ= يوليو 1480م).

وعزم محمد الفاتح على أن يتخذ من تلك المدينة قاعدة يزحف منها شمالاً في شبه جزيرة إيطاليا، حتى يصل إلى روما، لكن المنيّة وافته في (4 من ربيع الأول 886هـ=3 من مايو 1481م)، واُتهم أحد أطبائه بدس السم له في الطعام، وكان لموته دوي هائل في أوروبا، التي تنفست الصعداء حين علمت بوفاته، وأمر البابا أن تقام صلاة الشكر ثلاثة أيام ابتهاجًا بهذا النبأ.

محمد الفاتح رجل الدولة وراعي الحضارة

لم تكن ميادين الجهاد والحرب التي خاضها محمد الفاتح خلال مدة حكمه التي بلغت ثلاثين عامًا هي أبرز إنجازات محمد الفاتح؛ حيث اتسعت الدولة العثمانية اتساعًا عظيمًا لم تشهده من قبل -وإنما كان رجل دولة من طراز رفيع، فقد استطاع بالتعاون مع الصدر الأعظم "قرة مانلي محمد باشا"، وكاتبه "ليث زاده محمد جلبي" وضع الدستور المسمى باسمه، وقد بقيت مبادئه الأساسية سارية المفعول في الدولة العثمانية حتى عام (1255هـ=1839م).

واشتهر محمد الفاتح بأنه راع للحضارة والأدب، وكان شاعرًا مجيدًا له ديوان شعر، وقد نشر المستشرق الألماني "ج. جاكوب" أشعاره في برلين سنة (1322هـ=1904م)، وكان الفاتح يداوم على المطالعة وقراءة الأدب والشعر، ويصاحب العلماء والشعراء، ويصطفي بعضهم ويُوليهم مناصب الوزارة.

ومن شغفه بالشعر عهد إلى الشاعر "شهدي" أن ينظم ملحمة شعرية تصور التاريخ العثماني على غرار "الشاهنامة" التي نظمها الفردوسي. وكان إذا سمع بعالم كبير في فن من الفنون قدّم له يد العون والمساعدة بالمال، أو باستقدامه إلى دولته للاستفادة من علمه، مثلما فعل مع العالم الفلكي الكبير "علي قوشجي السمرقندي"، وكان يرسل كل عام مالاً كثيرًا إلى الشاعر الهندي "خواجه جيهان"، والشاعر الفارسي "عبد الرحمن جابي".

واستقدم محمد الفاتح رسامين من إيطاليا إلى القصر السلطاني، لإنجاز بعض اللوحات الفنية، وتدريب بعض العثمانيين على هذا الفن.

وعلى الرغم من انشغال الفاتح بالجهاد فإنه عُني بالإعمار وتشييد المباني الراقية، فعلى عهده أنشئ أكثر من ثلاثمائة مسجد، منها في العاصمة "إستانبول" وحدها (192) مسجدًا وجامعًا، بالإضافة إلى (57) مدرسة ومعهدًا، و(59) حمامًا.

ومن أشهر آثاره المعمارية مسجد السلطان محمد، وجامع أبي أيوب الأنصاري، وقصر "سراي طوب قبو".

لقد كان الفاتح مسلمًا ملتزمًا بأحكام الشريعة الإسلامية، تقيًا ورعًا بفضل النشأة التي نشأها وأثرت فيه تأثيرًا عظيمًا، أما سلوكه العسكري فكان سلوكًا متحضرًا، لم تشهده أوروبا في عصورها الوسطى ولم تعرفه شريعتها من قبل.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 18-02-2010, 07:17 AM   #45
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,367
إفتراضي

مذبحة القلعة..

(في ذكرى وقوعها: 5 من صفر 1226 هـ)


بعد خروج الحملة الفرنسية من مصر سنة (11216 هـ= 1801م)، سادت مصر حالةٌ من الفوضى والاضطراب، نتيجة لصراع المماليك على الحكم، وانقسامهم على أنفسهم، فبعضهم يسعى إلى السيطرة على الحكم في البلاد والوصول إلى السلطة بدعم من إنجلترا، التي بدأ شعورها يتنامى بأهمية مصر، وخشيت من عودة النفوذ الفرنسي إليها، ومن ثم فقد حرصت على أن توطد أقدامها في مصر، وأن يكون أصحاب السلطة فيها من الموالين لها؛ فسعت إلى تأييد تلك الطائفة من المماليك ومعاونتها على الوصول إلى الحكم.

أما الفريق الآخر فكان يرى أنه يمكنه الاستقلال بالحكم دون مساعدة من أي قوى خارجية، وذلك بإيجاد نوع من التحالف والتنسيق بين بعض قوى المماليك ذات المصالح المشتركة، والأهداف المتقاربة.

قوى شعبية وزعامات وطنية

وظهرت قوة أخرى في مصر لا تقل نفوذًا ولا تأثيرًا عن المماليك الذين بدأت قواهم تخور وشوكتهم تضعف؛ نتيجة الصراع الدائم بينهم والمؤامرات المستمرة.

بدأت تلك القوة الجديدة -قوة القيادات الشعبية متمثلة في العلماء والمشايخ والتجار- يزداد تأثيرها ويتسع نفوذها مع ضعف المماليك، وأفرزت تلك القوة زعامات وطنية أصيلة حاولت أن تساهم بشكل جاد في توجيهه الأمة، وإقالتها من عثرتها، والنهوض بها في مواجهة الأخطار المحدقة بها، سواء في الداخل أو الخارج.

وشعرت تلك القيادات الشعبية والوطنية بحاجة البلاد إلى شخصية قوية يلتف حولها الجميع لتتولى زمام الأمور في لبلاد، وتقود مسيرة الحياة فيها.

ووجدت تلك القيادات بغيتها في أحد ضباط الحامية العثمانية، حيث توسمت فيه القدرة والكفاءة لتولى حكم مصر، وكان ذلك الضابط هو "محمد علي" الذي التفت حوله القيادات الشعبية حتى صدر فرمان ولايته لمصر في (12 صفر 1220هـ= 12 من مايو 1805م).

وسعت تلك القيادات إلى تثبيت دعائم حكم محمد علي لمصر، فقادوا حملة لجمع التبرعات وتدبير الأموال اللازمة لدفع المرتبات المتأخرة للجنود الذين بدأ التمرد يسري بينهم، كما كان لتلك القيادات دور مهم في الإبقاء عليه واليًا للبلاد رغم محاولات "الباب العالي" نقله من مصر.

الإنجليز في رشيد

وكان لتحالف تلك القيادات الوطنية ومن حولها جموع الشعب مع محمد علي أكبر الأثر في إلحاق الهزيمة بالحملة العسكرية الإنجليزية التي ضمت نحو أربعة آلاف جندي قرب "رشيد"، في (18 من المحرم 1222 هـ= 29 من مارس 1807م) والتي جاءت لتأييد بعض عناصر المماليك، وتمكينهم من الوصول إلى الحكم في مصر ليكونوا أعوانًا لهم.

وأحس محمد علي بخطورة المماليك، وتهديدهم لأمن واستقرار البلاد؛ فعمل على إبعادهم عن القاهرة، وتعقّبهم في الصعيد، حتى استطاع أن يخضع الصعيد لحكمه، واستقرت له الأمور، وأبدى له بعض المماليك الذين فروا إلى الصعيد الطاعة والولاء، فسمح لهم بالعودة إلى القاهرة، ولكنهم ظلوا يتآمرون عليه ويدبرون المكائد للتخلص منه.

أصبحت مقاليد السلطة في مصر بيد محمد علي، واستقر له حكم البلاد، ولكنه بدأ يشعر بالقلق إزاء تصاعد نفوذ القيادة الشعبية، والزعامة الوطنية التي كانت سببًا في وصوله إلى الحكم، واختارته واليًا على البلاد، فبدأ يسعى إلى التخلص منها خوفًا من انفرادها بالحكم بعد أن تُستنزف قوته في حرب المماليك، وسعى محمد علي إلى الوقيعة بين القيادة الشعبية متمثلة في المشايخ، ثم نفى السيد "عمر مكرم" خارج القاهرة في عام [1224 هـ=1809م]، واستطاع أن يقلص نفوذ المشايخ، ويحدّ من دورهم في الحياة العامة.

محمد علي ومؤامرات المماليك



محمد علي

وبالرغم من محاولات محمد علي الدءوبة للتخلص من مراكز القوى في دولته متمثلة في زعماء المماليك، فإنه ظل يقاسي من مؤامراتهم وغدرهم، وكانت كل الدلائل تشير إلى أن المماليك سيتعاونون مع الإنجليز.

وفي بداية شهر (المحرم 1226 هـ= يناير 1811م) سافر محمد علي إلى السويس، ليتفقد الأعمال التي كانت تجري في مينائها، ولكنه لم يلبث أن عاد إلى القاهرة في (10 من المحرم 1226هـ= فبراير 1811م) بعد أن وصلته الأخبار بضبط رسائل مريبة متبادلة بين مماليك القاهرة، وزملائهم في الوجه القبلي.

في تلك الأثناء أرسل إليه السلطان العثماني "محمود" يطلب منه إرسال قواته إلى نجد للمساعدة في القضاء على الثورة الوهابية، وعندئذ قرر محمد علي القضاء على المماليك قبل خروج الجيش بقيادة ابنه "طوسون" إلى "نجد"؛ حتى لا يثوروا ضده بعد خروج الجيش.

يوم المهرجان!



أعد "محمد علي" مهرجانًا فخمًا بالقلعة دعا إليه كبار رجال دولته، وجميع الأمراء والبكوات والكشاف المماليك، فلبى المماليك تلك الدعوة وعدوها دليل رضاه عنهم، وقبل ابتداء الحفل دخل البكوات المماليك على محمد علي فتلقاهم بالحفاوة، ودعاهم إلى تناول القهوة معه، وشكرهم على إجابتهم دعوته، وألمح إلى ما يناله ابنه من التكريم إذا ما ساروا معه في الموكب، وراح محمد علي يتجاذب معهم أطراف الحديث؛ إمعانًا في إشعارهم بالأمن والود.

وحان موعد تحرك الموكب، فنهض المماليك وبادلوا محمد علي التحية، وانضموا إلى الموكب، وكان يتقدم الركب مجموعة من الفرسان في طليعة الموكب، بعدها كان والي الشرطة ومحافظ المدينة، ثم كوكبه من الجنود الأرناؤود، ثم المماليك، ومن بعدهم مجموعة أخرى من الجنود الأرناؤود، وعلى إثرهم كبار المدعوين ورجال الدولة.

وتحرك الموكب ليغادر القلعة، فسار في طريق ضيق نحو باب "العزب"، فلما اجتاز الباب طليعة الموكب ووالي الشرطة والمحافظ، أُغْلِق الباب فجأة من الخارج في وجه المماليك، ومن ورائهم الجنود الأرناؤود، وتحول الجنود بسرعة عن الطريق، وتسلقوا الصخور على الجانبين، وراحوا يمطرون المماليك بوابل من الرصاص، أخذت المفاجأة المماليك وساد بينهم الهرج والفوضى، وحاولوا الفرار، ولكن كانت بنادق الجنود تحصدهم في كل مكان، ومن نجا منهم من الرصاص فقد ذُبِح بوحشية.

وسقط المماليك صرعى مضرجين في دمائهم، حتى امتلأ فناء القلعة بالجثث، ولم ينج من المماليك الأربعمائة والسبعين الذين دخلوا القلعة في صبيحة ذلك اليوم إلا واحد يسمى "أمين بك" كان في مؤخرة الصفوف، واستطاع أن يقفز بجواده من فوق سور القلعة، وهرب بعد ذلك إلى الشام.

الفوضى تسود المدينة

وصل خبر تلك المذبحة إلى الجماهير المحتشدة في الشوارع لمشاهدة الموكب فسرى الذعر بينهم، وتفرق الناس، وأقفلت الدكاكين والأسواق، وهرع الجميع إلى بيوتهم، وخلت الشوارع والطرقات من المارة.

وسرعان ما انتشرت جماعات من الجنود الأرناؤود في أنحاء القاهرة يفتكون بكل من يلقونه من المماليك وأتباعهم، ويقتحمون بيوتهم فينهبون ما تصل إليه أيديهم، ويغتصبون نساءهم، وتجاوزوا بالقتل والنهب إلى البيوت المجاورة.

وكثر القتل، واستمر النهب، وسادت الفوضى ثلاثة أيام، قُتل خلالها نحو ألف من المماليك ونُهب خمسمائة بيت، ولم يتوقف السلب والنهب إلا بعد أن نزل محمد علي إلى شوارع المدينة، وتمكن من السيطرة على جنوده وأعاد الانضباط.. وهكذا استطاع محمد علي الانفراد بالحكم، ولكن على أشلاء المعارضين.‏
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-02-2010, 07:08 AM   #46
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,367
إفتراضي

"أرغون".. والتحالف ضد المسلمين

(في ذكرى وفاته: 6 من ربيع الأول 690هـ)


يعد أرغون بن آباقاخان واحدًا من أكثر سلاطين الإيلخانيين عداء للإسلام وحقدًا على المسلمين، ومن أشدهم جبروتًا وظلمًا وسفكًا لدماء المسلمين.

والإيلخانيون أسرة مغولية حكمت إيران زهاء قرن من الزمان، وامتد حكمهم من نحو عام (654هـ = 1256م) إلى عام (756هـ= 1355م).


ومؤسس هذه الأسرة هو "هولاكو خان بن تولوي بن جنيكيز خان"، وقد استطاع هولاكو توحيد صفوف المغول تحت رايته واجتاح العالم الإسلامي، مرتكبًا العديد من المذابح والفظائع التي تقشعر لها الأبدان حتى سقطت بغداد في أيدي المغول سنة (656 هـ= 1258م).

قطز يقضي على صلف هولاكو

تمكن هولاكو من الاستيلاء على معظم أقاليم العالم الإسلامي، فاستطاع الاستيلاء على الجزيرة والشام ودمشق وحلب وديار بكر وربيع، ولم يبق أمامه سوى مصر التي كان يحكمها المماليك. فأرسل هولاكو برسالة إلى السلطان قطز سلطان المماليك، تمتلئ بالوعيد والتهديد، وتقطر بالصلف والغرور، وتحمل معاني المهانة والتحقير، يدعوه فيها إلى المبادرة بالاستسلام، والإسراع بتقديم فروض الطاعة والولاء لسلطان المغول، وإعلان الخضوع.

ولم يكن أمام قطز إزاء كل هذا الصلف والغرور إلا أن يرد بحسم وقوة على وعيد هولاكو وتهديده، ويمحو تلك الإهانة التي وجهها إلى سلطان المسلمين، فأمر بقتل رسل هولاكو والخرج بجيشه للتصدي لصلف المغول، فالتقى بهم في يوم (25 من رمضان 658 هـ= 24 من أغسطس 1260م) في عين جالوت؛ حيث ألحق بهم هزيمة منكرة، ودفعهم إلى الفرار في تلك الموقعة.

وفي عام (663 هـ= 1265م) تُوفي هولاكو خان، عن عمر بلغ ثمانية وأربعين عامًا، تاركًا لأبنائه وأحفاده تلك الإمبراطورية الشاسعة التي امتدت من الهند شرقًا إلى شواطئ البحر المتوسط غربا، وضمت إيران، والعراق وسوريا وآسيا الصغرى.

وتعاقب على عرش الإيلخانيين في إيران عدد من أبناء هولاكو خان وأحفاده، الذين شاركوا في الحفاظ على تلك الإمبراطورية، وعملوا على زيادتها واتساعها ومنهم آباقا خان، -أو أبغا كما تسميه المصادر العربية-، وهو أكبر أبناء هولاكو وأول خلفائه على مملكته العريقة.

وبالرغم من أن آباقا خان كان بوذيًا فإنه كان شديد العطف على المسيحيين، وقد ارتبط بملوك أوروبا المسيحية وباباواتها، وعقد معهم عددًا من المعاهدات كما تحالف معهم ضد الدول الإسلامية في مصر والشام وآسيا الصغرى، وسعى إلى القضاء على سلطان المماليك ودولتهم في مصر والشام، وارتكب عددًا من المذابح ضد المسلمين، حتى إنه قتل من المسلمين العزل في آسيا الوسطى ما يزيد على مائتي ألف مسلم؛ انتقامًا منه لهزيمة جيوشه فيها على يد جنود بيبرس.

تكودار أول حاكم إيلخاني مسلم

وتُوفي آباقا خان سنة (680 هـ = 1281م)، وخلفه أخوه "أحمد تكودار"، وكان تكودار قد اعتنق المسيحية في صغره، وسُمي "نيقولا"، ولكنه أسلم بعد ذلك وسمى نفسه أحمد تكودار؛ فكان أول حاكم إيلخاني يعتنق الإسلام.

وقد حاول تكودار أن يحمل المغول اعتناق الإسلام، ونجح في إقناع عدد كبير منهم، كما سعى إلى تحسين العلاقات بينه وبين المماليك، وإنهاء حالة الحرب والصراع بين المغول والمسلمين.

وقد شجّع هذا ابن أخيه الأمير أرغون بن أباقا خان إلى الثورة عليه بمساعدة كبار أمراء المغول وقادتهم، وانتهى الأمر بمقتل تكودار في (17 من ربيع الآخر 683هـ = 4 من يوليو 1284م). وأصبح الطريق إلى العرش ممهدًا أمام أرغون، الذي كان يعتبر ذلك حقه منذ وفاة أبيه آباقا خان.

اعتلاء أرغون العرش

وكان أرغون دمويًا يكره المسلمين؛ فسعى منذ اليوم الأول إلى إقصائهم عن جميع الوظائف والمناصب المهمة في الدولة، وعندما شعر "شمس الدين الجويني" صاحب الديوان ببوادر الغدر من أرغون بعد توليه الحكم فر من خراسان إلى أصفهان؛ خوفًا من بطشه، ولكنه خشي على أسرته من جبروت أرغون وتنكيله بهم؛ فقرر العودة إلى أصفهان، والتوسل إلى أرغون للعفو عنه وعن أقاربه، مستشفعًا بطول خدمته هو وأقاربه للإيلخانيين لنحو ثلاثين سنة.

ولكن خصومه اتهموه بخيانة السلطان السابق ودس السم له، فعقدوا له محاكمة صورية، وتقرر أن يفتدي شمس الدين نفسه بالمال، فطلب مهلة لتدبير المال، فباع أملاكه، واقترض من أصدقائه وقومه، حتى تمكن من جمع ما يقرب من أربعين تومانًا (أربعمائة ألف من الذهب)، وبالرغم من ذلك فقد صدر الحكم بإعدامه هو وأبنائه الأربعة وحفيده، وعدد من أفراد أسرته، وتم تنفيذ الحكم في (4 من شعبان 683هـ = 17 من أكتوبر 1248م)، كما تم إعدام أبنائه الأربعة، وصودرت جميع أمواله وممتلكاته.

التحالف ضد المسلمين

وسار أرغون على نهج أبيه وجده من التحالف مع المسيحيين، والسعي الدائب إلى القضاء على المماليك، وتقويض سلطانهم، والاستيلاء على أملاكهم، ومن ثم فقد حرص على إرسال السفراء والبعوث والرسائل إلى ملوك أوروبا وباباواتها، كما سعى إلى التحالف مع حكام دول أوروبا المسيحية، وإثارتهم لحرب المماليك، وفي سبيل ذلك أرسل السفارات والوفود والرسل إليهم يحملون رسائله لتشجيعهم على التعاون، وحثهم على حرب المماليك.

فأرسل رسالة إلى البابا "هونوريوس الرابع" سنة (684هـ = 1285م) قال فيها:

"أنفذنا إليك رسلنا لتلتمس من قداستكم إرسال جيش إلى مصر، فإذا قدمتم من جهة وجئنا من الجهة الأخرى، استطعنا بفضل عساكرنا الأصحاء الأشداء أن نستولي على هذه البلاد، ولتخطرنا عن طريق رسول صادق أمين كيف يجري تحقيق هذا الموضوع، وسوف نطرد بذلك المسلمين بفضل ما يبذله من مساعدة كل من البابا والخان الكبير، ولكنه لم يتلق ردًا منه.

ثم أرسل رابان صوما Rabban Sawma (أي الحبر الصائم)، وكان أحد كبار رجال الكنيسة في آسيا سفيرًا إلى فيليب لوبل ملك فرنسا، وإداوارد الأول ملك إنلجترا سنة (686، 687هـ = 1287، 1288م)، فعرض عليهما التحالف معه، وتكوين حلف (أوروبي مغولي) للقضاء على نفوذ المماليك في آسيا الصغرى والعراق والشام.

وقد لقيت تلك الأفكار والمقترحات استجابة كبيرة لدى كل من الملكين، إلا أنها لم تخرج إلى حيز التنفيذ.

تقريب المسيحيين واليهود

وكان أرغون شديد الاهتمام بالعمران وإقامة الأبنية؛ فأنشأ قصرين كبيرين في الجانب الغربي من "تبريز"، كما شيّد مدينة "بين القصرين"، واهتم ببناء العمائر ذات النقوش الجميلة والسقوف المقرنسة والشرفات المقوسة، وسميت تلك المدينة بـ"الأرغونية"، كذلك عُني بترميم الكنائس التي تهدمت في عصر السلطان أحمد تكودار.

وراح أرغون يُقرب المسيحيين واليهود، فعهد بالوزارة إلى طبيب يهودي يُدعى "سعد الدولة" كان قد نجح في علاجه من علة شديدة أصابته، ومنذ ذلك الحين قرّبه أرغون وجعله من خاصته حتى إذا ما آلت إليه أمور السلطنة كافأه بمنصب الوزارة، وجعله كبير مستشاريه.

سعد الدولة ومؤامراته

اشتهر "سعد الدولة" بالذكاء والمكر، وتميز بالمرونة وطلاقة الحديث باللغتين التركية والمغولية، كما كان على دراية تامة بكل ما يجري في بلاط الإيلخانيين، وساعده على ذلك أنه كان طبيبًا؛ مما مكنه من الاتصال بكل الأطراف ذات النفوذ في البلاط، والتردد على جميع ذوي المكانة والسلطان في الدولة.

واستطاع سعد الدولة بدهائه أن يوطد لنفسه، ويكتسب ولاء الرعية وحبها له، ويستميل قلوب الناس إليه، من خلال قيامه بعدة إجراءات إصلاحية؛ فقد منع السادة الإقطاعيين من نهب أموال الناس وابتزازهم، وعمل على تخفيف وطأة الضرائب والالتزامات عن كاهل الشعب.

وأراد أن يجعل لحكومته طابعًا عسكريًا صارمًا، فحرَّم على القادة العسكريين الامتناع عن تنفيذ قرارات المحاكم.

وسعى سعد الدولة في البداية إلى إرضاء المسلمين ومصانعتهم، وتجنب إثارة سخطهم حتى تستقر له الأمور؛ فزاد فيما يرصد من الأوقاف على الأعمال الخيرية، وجعل النظر في قضايا المسلمين وفقاً للشريعة الإسلامية، وشجّع العلماء والأدباء، ولكنه في الوقت نفسه راح يكيد للمسلمين، ويضيق عليهم، ويمنعهم من الوصول إلى المناصب الرفيعة والوظائف الكبرى.

ثم لجأ سعد الدولة إلى مؤامرة أخرى لإثارة أرغون ضد المسلمين وتحريضه على اجتثاثهم، فأوعز إليه أن النبوة قد انتقلت إليه بالتوارث عن جنكيز خان، وأنه بذلك أصبح رسولا من عند الله، وكان يسعى من وراء ذلك إلى التعجيل بوقوع الفتنة والصدام بين أرغون والمسلمين، وهو أمر واقع بلا ريب بعد أن يرفض المسلمون اعتناق دينه الجديد.

واستشعر سعد الدولة قوة نفوذه ومضاء سلطانه، فأطلق يده في كل شئون الدولة، واستبد بالسلطة، وعهد بالمناصب العليا والوظائف الكبرى لأقاربه وأبناء نحلته من اليهود، حتى صاروا يسيطرون على كل أجهزة الدولة ومرافقها، وأصبح لهم الكلمة العليا في جميع أمور الدولة من دون أمراء المغول، من غير أن يملكوا من الخبرات أو الكفاءات والمهارات ما يؤهلهم لذلك.

وقد أثار هذا المسلك نقمة أمراء المغول عليه، وتربصهم به بعد أن أصبح هو الآمر الناهي، ووجدوا أنفسهم معزولين عن الدولة والسلطان، لا يملكون أية سلطة أو نفوذ حقيقي في البلاد، فاتفقوا على التخلص منه والقضاء على أتباعه وأنصاره.

وسرعان ما سنحت لهم الفرصة عندما مرض أرغون واشتد عليه المرض، فقرر الأمراء التعجيل بالتخلص من سعد الدولة وأتباعه؛ فقبضوا عليه وساقوه إلى منزل الأمير "طغا جاد" أكثر الناقمين عليه وأشدهم عداوة له حيث تم القضاء عليه في صفر (690هـ = فبراير 1291م).

ولم تمض أيام قلائل حتى تُوفي أرغون في (6 من ربيع الأول 690هـ = 9 من مارس 1291م).
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 20-02-2010, 07:29 AM   #47
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,367
إفتراضي

ابن باديس.. رائد الإصلاح في الجزائر

(في ذكرى وفاته: 8 ربيع الأول 1359هـ)





كانت الجزائر أول أقطار العالم العربي وقوعًا تحت براثن الاحتلال، وقُدّر أن يكون مغتصبها الفرنسي من أقسى المحتلين سلوكًا واتجاهًا، حيث استهدف طمس هوية الجزائر ودمجها باعتبارها جزءًا من فرنسا، ولم يترك وسيلة تمكنه من تحقيق هذا الغرض إلا اتبعها، فتعددت وسائلة، وإن جمعها هدف واحد، هو هدم عقيدة الأمة، وإماتة روح الجهاد فيها، وإفساد أخلاقها، وإقامة فواصل بينها وبين هويتها وثقافتها وتراثها، بمحاربة اللغة العربية وإحلال الفرنسية محلها، لتكون لغة التعليم والثقافة والتعامل بين الناس.



غير أن الأمة لم تستسلم لهذه المخططات، فقاومت بكل ما تملك، ودافعت بما توفر لديها من إمكانات، وكانت معركة الدفاع عن الهوية واللسان العربي أشد قوة وأعظم تحديًا من معارك الحرب والقتال، وقد عبّر ابن باديس، عن إصرار أمته وتحديها لمحاولات فرنسا بقوله: "إن الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا لو أرادت، بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد، في لغتها، وفي أخلاقها وعنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج، ولها وطن محدد معين هو الوطن الجزائري".

المولد والنشأة

ولد "عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس" المعروف بعبد الحميد بن باديس في (11 من ربيع الآخِر 1307 هـ= 5 من ديسمبر 1889م) بمدينة قسطنطينة، ونشأ في أسرة كريمة ذات عراقة وثراء، ومشهورة بالعلم والأدب، فعنيت بتعليم ابنها وتهذيبه، فحفظ القرآن وهو في الثالثة عشرة من عمره، وتعلّم مبادئ العربية والعلوم الإسلامية على يد الشيخ "أحمد أبو حمدان الونيسي" بجامع سيدي محمد النجار، ثم سافر إلى تونس في سنة (1326هـ= 1908م) وانتسب إلى جامع الزيتونة، وتلقى العلوم الإسلامية على جماعة من أكابر علمائه، أمثال العلّامة محمد النخلي القيرواني المتوفى سنة (1342هـ= 1924م)، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور، الذي كان له تأثير كبير في التكوين اللغوي لعبد الحميد بن باديس، والشغف بالأدب العربي، والشيخ محمد الخضر الحسين، الذي هاجر إلى مصر وتولى مشيخة الأزهر.

وبعد أربع سنوات قضاها ابن باديس في تحصيل العلم بكل جدّ ونشاط، تخرج في سنة (1330هـ= 1912م) حاملاً شهادة "التطويع" ثم رحل إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، وهناك التقى بشيخه "حمدان الونيسي" الذي هاجر إلى المدينة المنورة، متبرّمًا من الاستعمار الفرنسي وسلطته، واشتغل هناك بتدريس الحديث، كما اتصل بعدد من علماء مصر والشام، وتتلمذ على الشيخ حسين أحمد الهندي الذي نصحه بالعودة إلى الجزائر، واستثمار علمه في الإصلاح، إذ لا خير في علم ليس بعده عمل، فعاد إلى الجزائر، وفي طريق العودة مرّ بالشام ومصر واتصل بعلمائهما، واطّلع على الأوضاع الاجتماعية والثقافية والسياسية لهما.

ابن باديس معلمًا ومربيًا

آمن ابن باديس بأن العمل الأول لمقاومة الاحتلال الفرنسي هو التعليم، وهي الدعوة التي حمل لواءها الشيخ محمد عبده، في مطلع القرن الرابع عشر الهجري، وأذاعها في تونس والجزائر خلال زيارته لهما سنة (1321هـ= 1903م)، فعمل ابن باديس على نشر التعليم، والعودة بالإسلام إلى منابعه الأولى، ومقاومة الزيف والخرافات، ومحاربة الفرق الصوفية الضالة التي عاونت المستعمر.

وقد بدأ ابن باديس جهوده الإصلاحية بعد عودته من الحج، بإلقاء دروس في تفسير القرآن بالجامع الأخضر بقسطنطينة، فاستمع إليه المئات، وجذبهم حديثة العذب، وفكره الجديد، ودعوته إلى تطهير العقائد من الأوهام والأباطيل التي علقت بها، وظل ابن باديس يلقي دروسه في تفسير القرآن حتى انتهى منه بعد خمسة وعشرين عامًا، فاحتفلت الجزائر بختمه في (13 من ربيع الآخر 1357هـ= 12 من يونيو 1938م).

ويُعدّ الجانب التعليمي والتربوي من أبرز مساهمات ابن باديس التي لم تقتصر على الكبار، بل شملت الصغار أيضًا، وتطرقت إلى إصلاح التعليم تطوير ومناهجه، وكانت المساجد هي الميادين التي يلقي فيها دروسه، مثل الجامع الأخضر، ومسجد سيدي قموش، والجامع الكبير بقسطنطينة، وكان التعليم في هذه المساجد لا يشمل إلا الكبار، في حين اقتصرت الكتاتيب على تحفيظ القرآن للصغار، فعمد ابن باديس إلى تعليم هؤلاء الصغار بعد خروجهم من كتاتيبهم.

ثم بعد بضع سنوات أسس جماعة من أصحابه مكتبًا للتعليم الابتدائي في مسجد سيد بومعزة، ثم انتقل إلى مبنى الجمعية الخيرية الإسلامية التي تأسست سنة (1336هـ= 1917م)، ثم تطوّر المكتب إلى مدرسة جمعية التربية والتعليم الإسلامية التي أنشئت في (رمضان 1349 هـ= 1931م) وتكونت هذه الجمعية من عشرة أعضاء برئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس.

وقد هدفت الجمعية إلى نشر الأخلاق الفاضلة، والمعارف الدينية والعربية، والصنائع اليدوية بين أبناء المسلمين وبناتهم، ويجدر بالذكر أن قانون الجمعية نصّ على أن يدفع القادرون من البنين مصروفات التعليم، في حين يتعلم البنات كلهن مجانًا.

وكوّن ابن باديس لجنة للطلبة من أعضاء جمعية التربية والتعليم الإسلامية، للعناية بالطلبة ومراقبة سيرهم، والإشراف على الصندوق المالي المخصص لإعانتهم، ودعا المسلمين الجزائريين إلى تأسيس مثل هذه الجمعية، أو تأسيس فروع لها في أنحاء الجزائر، لأنه لا بقاء لهم إلا بالإسلام، ولا بقاء للإسلام إلا بالتربية والتعليم.

وحثّ ابن باديس الجزائريين على تعليم المرأة، وإنقاذها مما هي فيه من الجهل، وتكوينها على أساسٍ من العفة وحسن التدبير، والشفقة على الأولاد، وحمّل مسئولية جهل المرأة الجزائرية أولياءها، والعلماء الذين يجب عليهم أن يعلّموا الأمة، رجالها ونساءها، وقرر أنهم آثمون إثمًا كبيرًا إذا فرطوا في هذا الواجب.

وشارك ابن باديس في محاولة إصلاح التعليم في جامع الزيتونة بتونس، وبعث بمقترحاته إلى لجنة وضع مناهج الإصلاح التي شكّلها حاكم تونس سنة (1350 هـ=1931م)، وتضمن اقتراحه خلاصة آرائه في التربية والتعليم، فشمل المواد التي يجب أن يدرسها الملتحق بالجامع، من اللغة والأدب، والعقيدة، والفقه وأصوله، والتفسير، والحديث، والأخلاق، والتاريخ، والجغرافيا، ومبادئ الطبيعة والفلك، والهندسة، وجعل الدراسة في الزيتونة تتم على مرحلتين: الأولى تسمى قسم المشاركة، وتستغرق الدراسة فيه ثماني سنوات، وقسم التخصص ومدته سنتان، ويضم ثلاثة أفرع: فرع للقضاء والفتوى، وفرع للخطاب والوعظ، وفرع لتخريج الأساتذة.

ابن باديس وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين

احتفلت فرنسا بالعيد المئوي لاحتلال الجزائر في سنة (1349هـ= 1930م) فشحذ هذا الاحتفال البغيض همّة علماء المسلمين في الجزائر وحماسهم وغيرتهم على دينهم ووطنهم، فتنادوا إلى إنشاء جمعية تناهض أهداف المستعمر الفرنسي، وجعلوا لها شعارًا يعبر عن اتجاههم ومقاصدهم هو: "الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا"، وانتخبوا ابن باديس رئيسًا لها، وسنتعرض لهذه الجمعية ودورها في حماية الثقافة العربية الإسلامية في حديث لاحق.

وقد نجحت الجمعية في توحيد الصفوف لمحاربة المستعمر الفرنسي وحشد الأمة الجزائرية ضدها، وبعث الروح الإسلامية في النفوس، ونشر العلم بين الناس، وكان إنشاء المدارس في المساجد هو أهم وسائلها في تحقيق أهدافها، بالإضافة إلى الوعّاظ الذين كانوا يجوبون المدن والقرى، لتعبئة الناس ضد المستعمر، ونشر الوعي بينهم.

وانتبهت فرنسا إلى خطر هذه التعبئة، وخشيت من انتشار الوعي الإسلامي؛ فعطّلت المدارس، وزجّت بالمدرسين في السجون، وأصدر المسئول الفرنسي عن الأمن في الجزائر، في عام (1352هـ= 1933م) تعليمات مشددة بمراقبة العلماء مراقبة دقيقة، وحرّم على غير المصرح لهم من قبل الإدارة الفرنسية باعتلاء منابر المساجد، ولكي يشرف على تنفيذ هذه الأوامر، عيّن نفسه رئيسًا للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية.

ولكي ندرك أهمية ما قام به ابن باديس ورفاقه من العلماء الغيورين، يجب أن نعلم أن فرنسا منذ أن وطأت قدماها الجزائر سنة (1246 هـ= 1830م) عملت على القضاء على منابع الثقافة الإسلامية بها، فأغلقت نحوا من ألف مدرسة ابتدائية وثانوية وعالية، كانت تضم مائة وخمسين ألف طالب أو يزيدون، ووضعت قيودًا مهنية على فتح المدارس، التي قصرتها على حفظ القرآن لا غير، مع عدم التعرض لتفسير آيات القرآن، وبخاصة الآيات التي تدعو إلى التحرر، وتنادي بمقاومة الظلم والاستبداد، وعدم دراسة تاريخ الجزائر، والتاريخ العربي الإسلامي، والأدب العربي، وتحريم دراسة المواد العلمية والرياضية.

إسهامات ابن باديس السياسية

لم يكن ابن باديس مصلحًا فحسب، بل كان مجاهدًا سياسيًا، مجاهرًا بعدم شرعية الاحتلال الفرنسي، وأنه حكم استبدادي غير إنساني، يتناقض مع ما تزعمه من أن الجزائر فرنسية، وأحيا فكرة الوطن الجزائري بعد أن ظنّ كثيرون أن فرنسا نجحت في جعل الجزائر مقاطعة فرنسية، ودخل في معركة مع الحاكم الفرنسي سنة (1352هـ= 1933م) واتهمه بالتدخل في الشئون الدينية للجزائر على نحو مخالف للدين والقانون الفرنسي، وأفشل فكرة اندماج الجزائر في فرنسا التي خُدع بها كثير من الجزائريين سنة (1353 هـ= 1936م).

ودعا نواب الأمة الجزائريين إلى قطع حبال الأمل في الاتفاق مع الاستعمار، وضرورة الثقة بالنفس، وخاطبهم بقوله: "حرام على عزتنا القومية وشرفنا الإسلامي أن نبقى نترامى على أبواب أمة ترى –أو ترى أكثريتها- ذلك كثيرا علينا…! ويسمعنا كثير منها في شخصيتنا الإسلامية ما يمس كرامتنا"، وأعلن رفضه مساعدة فرنسا في الحرب العالمية الثانية.

وكانت الصحف التي يصدرها أو يشارك في الكتابة بها من أهم وسائله في نشر أفكاره الإصلاحية، فأصدر جريدة "المنتقد" سنة (1345 هـ= 1926م) وتولى رئاستها بنفسه، لكن المحتل عطّلها؛ فأصدر جريدة "الشهاب" واستمرت في الصدور حتى سنة (1358هـ= 1939م) واشترك في تحرير الصحف التي كانت تصدرها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، مثل "السنة" و"الصراط" و"البصائر".

وظل هذا المصلح -رغم مشاركته في السياسة- يواصل رسالته الأولى التي لم تشغله عنها صوارف الحياة، أو مكائد خصومه من بعض الصوفية أذيال المستعمر، أو مؤامرات فرنسا وحربها لرسالته، وبقي تعليم الأمة هو غايته الحقيقية، وإحياء الروح الإسلامية هو هدفه السامق، وبث الأخلاق الإسلامية هو شغله الشاغل، وقد أتت دعوته ثمارها، فتحررت الجزائر من براثن الاحتلال الفرنسي، وإن ظلت تعاني من آثاره.

وقد جمع "عمار الطالبي" آثار ابن باديس، ونشرها في أربعة مجلدات، ونشرها في الجزائر سنة (1388هـ= 1968م).

وتوفي ابن باديس في (8 من ربيع الأول 1359 هـ= 16 من إبريل 1940م).
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 21-02-2010, 09:06 AM   #48
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,367
إفتراضي

الحرب العالمية الأولى

(في ذكرى اندلاعها: 9 ربيع الأول 1327هـ)

تولى السلطان عبد الحميد الثاني عرش دولة الخلافة العثمانية سنة (1293هـ=1876م) في ظروف بالغة الصعوبة شديدة القسوة تموج بالفتن والمؤامرات، لا تكاد تخرج الدولة من أزمة حتى تدخل فيما هو أشد منها، ولا تتخلص من حرب حتى يفرض عليها أعداؤها حربا أخرى، ولا تنجو من بنود معاهدة مجحفة حتى تُجرّ إلى معاهدة أشد إجحافا.

وتكالب على جسد الدولة المنهك الدول الكبرى الأوربية يقتطعون منه أجزاء غالية، ويمنون أنفسهم بالمزيد؛ فكان من أعز أماني روسيا أن تستولي على إستنبول حاضرة دولة الخلافة، وتضع يدها على مضيقي البوسفور والدردنيل لتخرج سفنها من البحر الأسود إلى المياه الدافئة وفي البحر المتوسط وتعود دون قيد أو شرط.. واحتلت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا أقطارا عربية.

ولولا أصالة الدولة وعراقتها لأصبحت كلأ مباحا لدول أوربا، أو غدت هباء منبثًا في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر، لكنها ظلت تقاوم عوادي الزمن وحقد أوربا الصليبي أكثر من قرنين من الزمان، حتى آلت الخلافة إلى عبد الحميد الثاني والدولة تعاني من الوهن والإعياء اللذين لم يكن لعبد الحميد بطبيعة الحال يد فيهما.. وكان عليه أن يستنفر كل ما في دولته من مكامن القوة وأسباب الحياة والرغبة في البقاء ما يمكنه من دفع غوائل أوربا، وقيادة دولته بحكمة حتى تشفى وتبرأ من أدوائها، أو ينفخ في روحها أسباب التعلق بالحياة؛ فتنهض من رقدتها وتعود إلى سابق عهدها.

ولاية عبد الحميد الثاني

تولى السلطان عبد الحميد الثاني الخلافة في (10 من شعبان عام 1293هـ= 31 من أغسطس 1876م) وبدأ في قيادة الدولة التي تحيط بها المشكلات من كل جانب، فالديون المتراكمة على الدولة بلغت 252 مليون ليرة ذهبية، وكان هذا مبلغا هائلا وقتها. وروسيا القيصرية تتربص بدولته الدوائر؛ فأعلنت الحرب عليها وألحقت بها هزيمة هائلة عُدّت من نكبات التاريخ العثماني. والبوسنة والهرسك تموج بها ثورة هائلة تبغي الانفصال عن الدولة، أو على الأقل تُحكم حكما ذاتيا مسيحيا. والصرب والجبل الأسود تحاربان الدولة مؤازرة للثائرين بتحريض من روسيا التي لم تكن أصابعها بعيدة عن إثارة الفتنة وإمداد أعداء الدولة بالسلاح. وإنجلترا تطلب من سفيرها في إستنبول مقابلة السلطان عبد الحميد وتوجيه اللوم إلى الدولة العثمانية واتهامها بإقرار الظلم في بلغاريا، وتعريض المسيحيين بها للذبح، ومطالبتها باسم الملكة فيكتوريا تعويض ثوار بلغاريا، وبناء كنائسهم على نفقة الدولة العثمانية، وتقديم العون لهم عاجلا، وتوقيع عقوبات رادعة على المسئولين العثمانيين ببلغاريا.

ومضى السلطان يواجه بعد ذلك أخطارا جساما وحروبا متلاحقة تشنها أوربا والشعوب المسيحية التي بقيت خاضعة للدولة.

وآزرت هذه الأخطار الخارجية، معارضةٌ داخلية نشطة ومنظمة، في صورة جمعيات سرية وعلنية وعسكرية ومدنية، واتخذت لنفسها برامج سياسية ظاهرها المطالبة بإعادة الدستور، وباطنها الإطاحة بحكم السلطان عبد الحميد.

وعلى الرغم من ذلك فإن السلطان عبد الحميد لم ينشغل بتلك الأخطار عن القيام بتنفيذ برامج إصلاحية شملت مناحي الحياة للنهوض بالدولة من عثرتها؛ فتوسع في نشر التعليم بشتى مراحله، وأنشأ جامعة إستنبول والمدارس العليا ودور المعلمين، وعني بالتعليم العسكري وإنشاء المدارس الحربية، وعمل على إصلاح القضاء بإصدار قوانين تنظم شئونه، وتوسع في مد السكك الحديدية في ولايات الدولة، ووسائل المواصلات الأخرى، واحتضن فكرة الجامعة الإسلامية؛ باعتبارها سياجا يحمي الدولة من أخطار الدول الأوربية.

الاتحاد والترقي

تعرّض السلطان عبد الحميد لهجمة شرسة من قبل خصومه وأعدائه، فألصقوا به كل التهم، التي تشوّه صورته في العالم العربي والإسلامي، ونسبوا إليه كل نقيصة، ولم يتركوا عملا من أعماله إلا وعابوه، وأساءوا تفسيره ولو كان عملا إصلاحيا ظاهرا للعيان، ولم يكن ذلك إلا بسبب رفضه إعطاء اليهود أي جزء من فلسطين، ودعوته إلى إحياء الخلافة وتقويتها وتبنّيه للجامعة الإسلامية، ووقوفه أمام أطماع أوربا.

وكان وراء هذه الحملات المنظمة، الدعاية الصهيونية، والجمعيات العلنية والسرية التي كانت تناهض حكم السلطان عبد الحميد، وتعمل على تقويض حكمه، وتباشر نشاطها من داخل الدولة في أماكن بعيده عن العاصمة، وأحيانا من خارجها في بعض الدول الأوربية، ويقف على رأس تلك الجمعيات المناهضة للسلطان، جمعية الاتحاد والترقي، وهي منظمة سرية ظهرت سنة 1308هـ= 1890م، واستقر بها المطاف في مدينة سالونيك، وضمت أخلاطا شتى من عناصر من جنسيات مختلفة وديانات متعددة، وكان أكثر أعضائها من الأتراك العثمانيين، يليهم اليهود ثم بعض العرب، ومعظم هؤلاء من الضباط العسكريين، ويستهدفون القضاء على حكم السلطان عبد الحميد.

وكانت هذه الجمعية تمارس نشاطها من ثلاث ولايات عثمانية -تكوّن ما يعرف بـ"مقدونيا"- هي: موناستير وقوصوه وسلانيك؛ حيث كان المناخ ملائما، لعملها حيث كانت تخضع لنظام الرقابة الدولية على الشئون المالية وأجهزة الأمن، وتركز نشاطها في الدعوة إلى إصلاح الأحوال العامة في الدولة العثمانية، وإنهاء حكم عبد الحميد الثاني وإعادة الدستور.

وكان هؤلاء الاتحاديون يظنون أنهم بإزالة حكم عبد الحميد يمكنهم التقريب بين عناصر الدولة المختلفة، وتخفيف مضايقات أوربا التي تبغض السلطان عبد الحميد، وأن إعادة الدستور ستعجّل بتحسين العلاقات بين الدولة العثمانية وأوربا.

نجحت الجمعية في حمل السلطان عبد الحميد على إعلان الدستور في 23 من جمادى الأولى 1326هـ = 23 من يوليو 1908م، وأجريت الانتخابات العامة، وتولت الجمعية الحكم –وقد سبق أن أصدر السلطان عبد الحميد الدستور للمرة الأولى في مستهل عهده، ثم لم يلبث أن عطّل العلم به- واستأثرت الجمعية بالنفوذ، وأصبح السلطان عبد الحميد لا حول له ولا قوة.

فلتعش الشريعة المحمدية

ولم يكد يمر تسعة أشهر على صدور الدستور حتى اندلعت ثورة عارمة ومظاهرة كبيرة في العاصمة في 9 من ربيع الأولى 1327هـ = 31 من مارس 1908م تطالب بإلغاء الدستور، وإعلان الشريعة المحمدية، وإسقاط حكومة الاتحاد والترقي، وفض المجلس النيابي.

وقد ضمت هذه المظاهرة التي اشتهرت في التاريخ العثماني بـ"حادث 31 مارس" عناصر من رجال الدين وأئمة المساجد وبعض المتصوفة، وكذلك عناصر عسكرية من جنود الحامية العسكرية المرابطة في إستنبول، وقد وقع هؤلاء الجنود تحت تأثير العناصر الأولى الذين زعموا أن الدستور يخالف الشريعة الإسلامية، وأن الخليفة أصدره مضطرا.

وبلغ الحماس بالمتظاهرين إلى حد أن حاصروا مجلس "المبعوثان" (المجلس النيابي) ومبنى الباب العالي، وقتلوا طائفة من الضباط والجنود، وأطلقوا الأعيرة النارية في شوارع العاصمة، وكانوا يصيحون بأعلى صوتهم: "باشا سون شريعة محمدية" أي فلتعش الشريعة المحمدية، وفي الوقت نفسه أرسلوا وفدا إلى السلطان يطالبونه بتنفيذ رغباتهم، فلقيت مطالبهم استجابة منه، وأمر بتأليف وزارة جديدة لتنفيذ هذه المطالب.

اتهمت حكومة الاتحاد والترقي السلطان بتدبير هذه المظاهرة العارمة، واتخذوا من ذلك ذريعة للتحرك وتحقيق أمانيهم القديمة بخلع السطلان عبد الحميد؛ فتحركت سريعا واحتل جيشها العاصمة، واجتمع مجلس "المبعوثان" مع أعضاء الأعيان، وقرروا خلع السلطان عبد الحميد، وتعيين أخيه "محمد رشاد" سلطانا للدولة باسم محمد الخامس، وكان رجلا مسنًّا في الرابعة والستين من عمره لا يملك من أمره شيئا، وذلك في 6 من ربيع الآخر 1327هـ= 27 من إبريل 1909م.

وندب "المجلسان" وفدا لإبلاغ السلطان بقرار العزل، تكوّن من أربعة أشخاص من بينهم يهودي يسمى "قرصو أفندي" كان يكنّ شديد العداوة للسلطان المخلوع لأنه طرده من قصره حين حاول التأثير عليه لقبول تهجير اليهود إلى فلسطين، فوجد في هذه المناسبة فرصة للتشفي والانتقام؛ ولهذا لم يكن غريبا أن تسهم الحركة الصهيونية بكل أجهزتها الإعلامية والسياسية في حملات التشهير بالسلطان عبد الحميد، الذي كان حَجَر عثرة أمام أهدافهم ومؤامرتهم لتهويد فلسطين.

ومن العجيب أن الذين خلعوا السلطان عبد الحميد تحت دعوى أنه حاكم مستبد كانوا أشد طغيانا واستبدادا وهم يحكمون باسم الدستور، فضلا عن حماقاتهم وجهلهم بأصول الحكم؛ الأمر الذي عجّل بسقوط الدولة.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 22-02-2010, 09:05 AM   #49
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,367
إفتراضي

ألب أرسلان بطل ملاذ كرد

(في ذكرى وفاته: 10 ربيع الأول 465هـ)



دولة السلاجقة (باللون البرتقالي)



نجح السلاجقة في النصف الأول من القرن الخامس الهجري في إقامة دولة قوية في خراسان وبلاد ما وراء النهر على حساب الدولة الغزنوية، وأن يعلنوا تبعيتهم للخلافة العباسية، ثم لم تلبث هذه الدولة أن اتسعت بسرعة هائلة؛ فسيطرت على إيران والعراق، وتوج "طغرل بك" إنجازاته العسكرية بدخول بغداد في (25 من رمضان 447هـ = 23 ديسمبر 1055م)، وبدأ عصر جديد للدولة العباسية، أطلق عليه المؤرخون عصر نفوذ السلاجقة؛ حيث كانت السلطة الفعلية في أيديهم، ولم يبقَ للخليفة سوى بعض المظاهر والرسوم.

ويُعَدُّ طغرل بك من كبار رجال التاريخ؛ فهو المؤسِّس الحقيقي لدولة السلاجقة، نشأت على يديه، ومدت سلطانها تحت بصره، وغدت أكبر قوة في العالم الإسلامي، ونفخت الرُّوح في جسد الدولة العباسية الواهن؛ فدبت فيه الحياة، بعد أن أوشكت على الموت، منذ أن أعلن "البساسيري" أحد قادة الجند تبعية بغداد للدولة الفاطمية في مصر، في سابقة لم تحدث في تاريخها.

الولاية

تُوفِّي طغرل بك في سنة (455هـ = 1063م) دون أن يترك ولدًا يخلفه على سدة الحكم، فشب صراع على الحكم، حسمه ابن أخيه ألب أرسلان لصالحه بمعونة وزيره النابه نظام الملك، المعروف بالذكاء وقوة النفوذ، وسعة الحيلة، وتنوع الثقافة.

وكانت سوابق ألب أرسلان تزكِّي اختياره للحكم؛ فهو قائد ماهر، وفارس شجاع، نشأ في خراسان، حيث كان والده "جغري" حاكمًا عليها، وأُسندت إليه قيادة الجيوش في سن مبكرة، فأظهر شجاعة نادرة في كل المعارك التي خاض غمارها، وبعد وفاة أبيه تولى هو إمارة خراسان خلفًا له.

ولم تسلم الفترة الأولى من عهده من الفتن والثورات، سواء من ولاته، أو من بعض أمراء البيت الحاكم؛ فقضى على فتنة ابن عم أبيه "شهاب الدولة قتلمش سنة (456هـ الموافق 1064م)، وكانت فتنة هائلة كادت تقضي على ألب أرسلان بعد أن استولى على "الري" عاصمة الدولة، وأعلن نفسه سلطانًا، وأحبط محاولة عمه "بيغو" للاستقلال بإقليم هراة سنة (457 = 1065م)، وبعد سنوات من العمل الجاد نجح ألب أرسلان في المحافظة على ممتلكات دولته، وتوسيع حدودها، ودانت له الأقاليم بالطاعة والولاء، وأُخمِدَت الفتنة والثورات، وتصاعد نفوذه، وقويت شكوته، حتى أصبحت دولته أكبر قوة في العالم الإسلامي في سنة (463هـ = 1070م) مما شجَّعه على التفكير في تأمين حدود دولته من غارات الروم.

فتح بلاد الروم


ألب أرسلان

اطمأن ألب أرسلان إلى جبهته الداخلية المستقرة؛ فبدأ يتطلع إلى ضم المناطق النصرانية المجاورة له؛ بهدف نشر الإسلام فيها؛ فأعد جيشًا بلغ أربعين ألف جندي لهذا الغرض، وتمكن به من فتح بلاد الأرمن، وجورجيا، والأجزاء المطلة على بلاد الروم، وكان لهذه الانتصارات أثرها؛ فتحرك قيصر الروم الذي أدرك أن بلاده معرضة للهجوم من ألب أرسلان، وأن القتال معه وشيك لا محالة؛ فخرج على رأس جيش كبير لمواجهة غزو السلاجقة لممتكلاته، وذلك في سنة (463هـ = 1070)؛ لتطويق الجيش السلجوقي، واستولى على حلب، وكان حاكمها يتبع الخليفة الفاطمي في مصر.

فطن ألب أرسلان إلى محاولات القيصر؛ فبعث ابنه"ملكشاه" على رأس قوة من جيشه؛ لاسترداد حلب من الروم، وتأمين الحدود الشمالية لبلاد الشام؛ فنجح في مهمته، واستولى على حلب، وأصبحت تابعة للسلاجقة، وضم القدس أيضًا، وأجزاء من بلاد الشام.

موقعة ملاذ كرد

لم يجد قيصر الروم بدًا من الهجوم على جيش ألب أرسلان بعد أن فشلت خطته في تطويق الجيش الإسلامي؛ فخرج بجيوشه الجرارة التي ضمت أخلاطًا من الروس والبلغاريين واليونانيين والفرنسيين إلى المنطقة التي يعسكر فيها جيش السلاجقة في "ملاذكرد"، وكان جيش ألب أرسلان صغيرًا إذا ما قُورِنَ بجيش القيصر، الذي يبلغ عدده مائتي ألف جندي، ويفوقه أسلحة وعتادًا.

أسرع ألب أرسلان بقواته الصغيرة، واصطدم بمقدمة الجيش الرومي الهائل، ونجح في تحقيق نصر خاطف، يحقق له التفاوض العادل مع القيصر؛ لأنه كان يدرك أن قواته الصغيرة لا قِبَل لها بمواجهة هذا الجيش العظيم، غير أن القيصر رفض دعوة ألب أرسلان إلى الصلح والهدنة، وأساء استقبال مبعوثه؛ فأيقن ألب أرسلان ألاَّ مفرَّ له من القتال، بعد أن فشلت الجهود السلمية في دفع الحرب؛ فعمد إلى جنوده يشعل في نفوسهم رُوح الجهاد، وحب الاستشهاد، والصبر عند اللقاء، ووقف الإمام "أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري" يشد من أزر السلطان، ويقول له: "إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره، وإظهاره على سائر الأديان، وأرجو أن يكون الله تعالى قد كتب باسمك هذا الفتح".

وحين دنت ساعة اللقاء صلَّى بهم الإمام أبو نصر البخاري، وبكى السلطان؛ فبكى الناس لبكائه، ودعا، ودعوا معه، ولبس البياض وتحنَّط وقال: "إن قُتِلت فهذا كفني"، والتقى الفريقان، وحمل المسلمون على أعدائهم حملة صادقة، وأبلوا بلاءً حسنًا، وهجموا عليهم في جرأة وشجاعة، وأمعنوا فيهم قتلاً وتجريحًا، وما هي إلا ساعة من نهار حتى انكشف غبار المعركة عن جثث الروم تملأ ساحة القتال، ووقع قيصر الروم "رومانوس ديوجينس" أسيرًا في أيديهم، وحلَّت الهزيمة بهذا الجيش الجبَّار في (ذي القعدة 463هـ = أغسطس 1071م).

ما بعد ملاذ كرد

افتدى الروم قيصرهم بفدية كبيرة قدرها مليون ونصف المليون من الدينارات، وعقدوا صلحًا مع السلاجقة مدته خمسون عامًا، وتعهدوا بدفع جزية سنوية طوال هذه المدة، واعترفوا بسيطرة السلاجقة على المناطق التي فتحوها من بلاد الروم، وتعهدوا بعدم الاعتداء على ممتلكات دولة السلاجقة.

وكان من نتائج هذا النصر العظيم أن تغيرت صورة الحياة والحضارة في هذه المنطقة؛ فاصطبغت بالصبغة الإسلامية بعد أن أشرقت عليها شمس الإسلام، ودخل سكانها في الإسلام، وتعلموا مبادئه وشرائعه.

الوزير نظام الملك

وما كان للسلطان ألب أرسلان أن يحقق كل هذه الإنجازات بدون جهود وزيره العظيم نظام الملك، الذي لم يكن وزيرًا لامعًا وسياسيًّا ماهرًا فحسب؛ بل كان داعيًا للعلم والأدب محبًّا لهما، أنشأ المدارس المعروفة باسمه "المدارس النظامية"، وأجرى لها الرواتب، وجذب إليها كبار الفقهاء والمحدثين، وفي مقدمتهم حجة الإسلام "أبو حامد الغزالي".

وقد ارتفع شأن ألب أرسلان بعد انتصاره الباهر، وصار مرهوب الجانب في الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، وحقق شهرة واسعة هو ووزيره نظام الملك الذي أسهم في وضع سياسة السلاجقة، وأشرف على تنفيذها، غير أن السلطان ألب أرسلان لم يهنأ كثيرًا بما حققه، ويجني ثمار نصره، ويواصل فتوحاته، فقد قُتِلَ بعد عام ونيف من موقعة ملاذ كرد على يد أحد الثائرين عليه، وهو في الرابعة والأربعين من عمره في (10 من ربيع الأول 465 هـ = 29 من نوفمبر 1072م"، وخلفه ابنه ملكشاه صاحب الإنجازات العسكرية والحضارية في القرن الخامس الهجري.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 23-02-2010, 08:00 AM   #50
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,367
إفتراضي

الدولة الطاهرية.. ملامح نشأة وحضارة

(في ذكرى وفاة عبد الله بن طاهر: 11 ربيع الأول 230هـ)




نجح "عبد الله بن طاهر" في إرساء دعائم تلك الدولة الفتية الناشئة، التي غرس أبوه بذرتها الأولى في تربة الدولة العباسية العريقة، واستطاع أن يوفر لها من أسباب النجاح، ما مكنها في تلك السنوات القليلة التي عاشتها (205 – 259هـ = 820 – 872م) من أن يكون لها دور بارز في مسيرة الحياة، وأن تترك بصمات واضحة في تاريخ تلك المنطقة، وتسجل اسمها بأحرف من نور في ذاكرة التاريخ عبر الأعوام والعصور.

جذور الدولة الطاهرية ومولدها

كانت الدولة الطاهرية دولة فارسية إسلامية، نشأت في ظل الصراع الدائم والمتجدد بين العرب والفرس في العصر العباسي، وساعد على ظهورها ذلك الاتجاه الجديد الذي اتخذته الخلافة العباسية نحو اللامركزية في الحكم والإدارة.

وتنسب الدولة الطاهرية إلى "طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق"، وكان أبوه أحد وجهاء "خراسان" ومن سادتها في عصر الخليفة العباسي "هارون الرشيد"، وقد ولاه "الرشيد" "بوشنج" –إحدى مدن "خراسنان"- والتي تقع بين "هراة" و"سرخس".

وقد ولد "طاهر" في "بوشنج" سنة (159هـ = 775م) ونشأ في كنف أسرة عريقة ذات مجد ورياسة، فأخذ عن أبيه الخبرة السياسية والمهارة العسكرية والدراية بفنون الحرب والقتال، وعُنِي أبوه بتربيته وتعليمه، فشب شجاعًا جوادًا مضحيًا.

وكان "طاهر" ذا مكانة خاصة لدى الخليفة "المأمون بن الرشيد"، وهو الذي لقبه بذي اليمنين؛ لشجاعته وجرأته في الحرب.

بعد وفاة "هارون الرشيد" –سنة (194هـ = 807م)- حدث نزاع حول الخلافة بين ابنيه: "الأمين" و"المأمون"، وتصاعد الخلاف إلى حد الحرب والاقتتال، وفي ظل تلك الأجواء المشحونة بالقتال والصراع، وجد "طاهر بن الحسين" طريقه إلى تحقيق حلمه الكبير في الاستقلال بخراسان حينما استطاع إلحاق الهزيمة بـ"علي بن عيسى" قائد جيش "الأمين"، فبالرغم من تفوق جيش "علي بن عيسى" في العدة والعتاد فإن "طاهر" استطاع بخبرته العسكرية وقيادته الواعية أن يقود جيشه إلى النصر، محطمًا صلف وغرور "علي بن عيسى" وثقته المفرطة في قوته وقدراته.

وأسرعت رسل "طاهر بن الحسين" لتزف إلى "المأمون" بشرى ذلك الانتصار، حاملة معها كتاب "طاهر" إليه ورأس "علي بن عيسى".

وعندما علم "الأمين" بهزيمة جيشه ومقتل قائد جنده، أرسل إلى "طاهر" يتوعده ويهدده، ولكن "طاهر" لم يبال بتهديده، فأرسل إليه الأمين جيشًا آخر بقيادة "عبد الرحمن بن جبلة"، ولكن "طاهر" تمكن بخبرته ومهارته من إلحاق الهزيمة به والاستيلاء على "الأهواز"، فأرسل "الأمين" إليه جيشين آخرين لدحره وهزيمته، وفي هذه المرة يلجأ "طاهر" إلى المكيدة والحرب النفسية، حيث احتال حتى يوقع الخلاف والشقاق بين الجنود، وتمكن –في النهاية- من السيطرة على الموقف وتحقيق النصر.

وأدت تلك الانتصارات المتتالية التي حققها "طاهر" إلى خروج عمال "الأمين" عن طاعته، والمسارعة إلى خلعه وإعلان الطاعة لأخيه، واتجه "طاهر" بجيوشه إلى "بغداد" فحاصرها مدة طويلة حتى ضاق الناس واشتد الجوع، فلما تمكن من دخولها قبض على "الأمين" ثم أمر بقتله.

بداية ولاية الطاهريين على خراسان


موقع إقليم خُراسان (باللون الأخضر الفاتح)


واستقر الأمر للمأمون بالخلافة –سنة (198هـ = 813م)- فأسند إلى "طاهر" ولاية "خراسان" وبقية ولايات المشرق، وولّى ابنه "عبد الله" على "الرقة" وعهد إليه بحرب "نصر بن شبث" القائد العربي الذي خرج على العباسيين لتقريبهم العجم.

فلما توفى "طاهر" –سنة (207هـ = 822م)- عهد "المأمون" إلى "عبد الله بن طاهر" بولاية "خراسان" خلفًا لأبيه، فاستخلف "عبد الله" عليها أخاه "طلحة"، فاستمر عليها حتى توفي بعد سبع سنين.

واستطاع "عبد الله" أن يدفع "نصر بن شبث" إلى الاستسلام –سنة (209هـ = 824م)- بعد أن وعده بالأمان، فقضى بذلك على واحدة من أخطر حركات التمرد والعصيان التي واجهت العباسيين.

عبد الله بن طاهر في مصر

وبعد ذلك اتجه "عبد الله" بجيشه إلى "مصر" التي كانت تموج بالفتن والاضطرابات بعد تمرد ولاتها على سلطان العباسيين، فزحف إليها بجيشه –سنة (211هـ = 826م)- وأرسل إلى "عهد بن السري" –والي مصر- يدعوه إلى السمع والطاعة للخليفة "المأمون"، ولكن "ابن السري" حاول رشوته بهدية كبيرة، أرسلها إليه خفية، فردها "عبد الله"، وكتب إليه يقول: "لو قبلت هديتك نهارًا لقبلتها ليلاً.. بل أنتم بهديتكم تفرحون".

ولم يجد "ابن السري" بدًا من الاستسلام، فاستسلم له في (5 من صفر 211هـ = 17 من مايو 826م)، ودخلها "عبد الله" واليًا عليها.

وقد شهدت فترة ولاية "عبد الله بن طاهر" على مصر –بالرغم من قصرها- استقرارًا وازدهارًا ملحوظًا في مختلف نواحي الحياة؛ فقد أعاد الأمن والهدوء إلى البلاد بعد أن تمكن من القضاء على الفوضى والاضطراب، كما شهدت العديد من مظاهر العمران، فقد أدخل "عبد الله" زيادات وتحسينات ملموسة في بناء الجامع العتيق بالفسطاط –"جامع عمرو بن العاص"- وزاد من عدد أبوابه، ودعم جدرانه، ورقّم مبانيه.

وحفلت كذلك ببعض مظاهر الإصلاح الاقتصادي، وتجلى ذلك في الاهتمام بتحسين أحوال الناس، والارتقاء بظروفهم المعيشية، كما اهتم بتطوير الزراعة.. ومما يذكر له أنه أول من أدخل زراعة البطيخ "العبدلي" الجيد –نسبة إلى "عبد الله"- بمصر.

وتميزت فترة ولايته بالعدل والنزاهة وحسن السيرة، والجود وحب الخير، فيروى أنه عندما دخل مصر منحه "المأمون" خراجها سنة، فصعد "عبد الله" المنبر، ولم ينزل حتى وزعها كلها على الناس.

حركة بابك الخرمي

وما لبث "عبد الله" أن ترك مصر بعد أن اطمأن إلى استقرار الأمور بها، واستتباب الأمن والنظام فيها، وعاد إلى "بغداد" فأرسل الخليفة ابنه "العباس"، وأخاه "المعتصم"، وكبار رجال الدولة وأعيانها لاستقباله على مشارف المدينة تكريمًا له وتقديرًا لمكانته، ثم استقبله الخليفة في قصره وأكرمه وأظهر الحفاوة به.

وفي تلك الأثناء ظهرت حركة "بابك الخرمي" أولى الحركات الخارجة على سلطان الخلافة، والتي كانت واحدة من الفرق الهدامة التي تدعو إلى إباحة الأموال والنساء، وتستحل القتل والغصب.

وأراد "بابك" أن يحرك مشاعر "الفرس" لتأييده، فأشاع أنه من نسل "فاطمة بنت أبي مسلم الخراساني"، وأنه جاء لإقامة دولة الفرس، واستفحلت تلك الحركة، واشتد خطرها بعد أن استحل "بابك" دماء المسلمين والذميين على حد سواء، وفشلت كل محاولات الخلافة للقضاء عليهم، بعد هزيمة "محمد بن حميد" قائد الجيش الذي أرسله "المأمون" لقتال "بابك الخرمي" ومقتل "ابن حميد"، وأدى ذلك إلى انتشار الفزع في القرى المجاورة، وازداد نفوذ "بابك"، وتنامى خطره بعد أن انضم إليه قُطّاع الطرق، وأصحاب النحل الفاسدة، والناقمون على الخلافة.

فأرسل "المأمون" "عبد الله بن طاهر" –سنة (213هـ = 828م)- للقضاء على فتنة "بابك"، فلما علم "بابك" بقدومه لجأ إلى جبال "أذربيجان"، لتجنب الهزيمة أمام جيش "عبد الله"، الذي اضطر إلى رفع الحصار عنه والعودة إلى "خراسان".

القضاء على حركة المازبار

كما تصدى "عبد الله" كذلك لحركة "المازبار" في جبال "طبرستان"، وكان "المازبار" قد خرج على الخليفة "المأمون"، واشتدت فتنته في عهد الخليفة "المعتصم" –سنة (218-227هـ = 833-842م)- واعتنق "المزدكية" واستخف بالإسلام والمسلمين، واشتدت فتنته حتى ضج الناس، وهربوا من "طبرستان" بعد أن اشتد بها الخراب، فأخرج إليه "عبد الله بن طاهر" ثلاثة جيوش حاصرته حتى تمكنت من هزيمته وأسره، فساقوه إلى "عبد الله" في "خراسان" مكبلاً بالأغلال.

الدولة الطاهرية.. نمط فريد من الحكم والإدارة

وكانت الدولة الطاهرية نمطًا فريدًا من أساليب الحكم، فهي لم تكن دولة منفصلة تمامًا عن الخلافة، كما لم تكن أيضًا ولاية تابعة بشكل مباشر لسلطة الخليفة، يعين عليها الولاة أو يعزلهم، وإنما كانت إمارة شبه مستقلة يحكمها أمير، يتوارث أبناؤه الإمارة من بعده.

وقد عمل "عبد الله بن طاهر" على توطيد أركان تلك الدولة الناشئة، واهتم بتنظيم النواحي الإدارية فيها، فكان يشدد الرقابة على عماله، ويحاسبهم على ما يخولهم فيه من سلطات إدارية، وكان حريصًا على الكتابة إليهم ومتابعتهم؛ فَسَادَ في عهده العدل والإنصاف.

واهتم كذلك بالنواحي الحربية والعسكرية في إمارته، فقد كان إقليم "خراسان" –مقر "الدولة الطاهرية"- يعد من ثغور دولة الخلافة الإسلامية، ومن ثم فقد اهتم بتحصينه، ووضع الفرق والحاميات العسكرية لحماية تلك الثغور، وعندما وجد "عبد الله" مدينة "نيسابور" المقر القديم للجند، قد ازدحمت بالجند والسكان، نقل مقر الجند إلى ضاحية جديدة هي "الشاذياخ"، وذلك لمنع المنافرة بين جنوده وسكان المدينة، وحتى لا يميل الجند إلى الحياة المدنية الوديعة، وظلت "نيسابور" عاصمة للدولة الطاهرية ومركزًا للحكم.

وعُنِي "عبد الله بن طاهر" بالقضاء، فنظم مجالس القضاء، واهتم بإقامة الحدود على الجرائم، وكان يعتني باختيار القضاة الذين يتحلون بسعة العلم والدقة والأمانة.

وعمل "عبد الله" على إيجاد وسيلة اتصال جيدة بينه وبين عماله من جهة، وبينه وبين الخلافة من جهة أخرى، لنقل الرسائل والمكاتبات الرسمية، واهتم بإصلاح وتطوير نظام البريد، وتلافي بعض السلبيات التي كانت تحدث من قبل نتيجة استغلال عمال البريد لوظيفتهم –وكانوا يتبعون الخلافة مباشرة، وينقلون إليها أخبار الولاة- فكان بعضهم يبتز الولاة ويهدد القضاة وعمال الخراج بالإساءة إليهم عند الخلفاء، فاستخدم "عبد الله بن طاهر" الحمام الزاجل في مراسلاته مع عمال دولته ومكاتباته للخلافة.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .