العودة   حوار الخيمة العربية > القسم العام > الخيمة السيـاسية

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: قراءة فى مقال القواعد الأساسية للحوار (آخر رد :رضا البطاوى)       :: انـا لن اطلب من الحافي نعال (آخر رد :اقبـال)       :: فـليسـمع البعثيون غضبـهم (آخر رد :اقبـال)       :: حقيقة (آخر رد :ابن حوران)       :: تحميل برامج مجانية 2019 تنزيل برامج كمبيوتر (آخر رد :أميرة الثقافة)       :: عدي صدام حسين يرفض اسقاط النظام السياسي في العراق وترامب يمتثل لطلبه (آخر رد :اقبـال)       :: إيران والملاحق السرية في الاتفاقيات الدولية (آخر رد :ابن حوران)       :: حُكّام المنطقة الخضراء في العراق: وا داعشاه!! (آخر رد :اقبـال)       :: العراق (آخر رد :اقبـال)       :: تيجي نلعب دولة؟ (آخر رد :ابن حوران)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 07-12-2009, 01:34 PM   #1
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي كيف نفهم القاعدة الاقتصادية؟

كيف نفهم القاعدة الاقتصادية؟


القاعدة في المثلث كالقاعدة في البناء كالقاعدة التي تثبت عليها المكائن الثقيلة كالقاعدة في الاقتصاد كالقاعدة في التنظيم النقابي أو السياسي. تعطيه تعريفه العام بصلاته فيما استند عليه.

كلما كانت الاحتياطات والاعتبارات الهندسية أو الفكرية، تراعي دوام ثبات القاعدة، كلما كان البناء الذي يُبنى فوق القاعدة آمناً وسالما ويمنح من يقيم فيه الطمأنينة والسكينة.

يراعى في تأسيس قواعد الأبنية اعتبارات كثيرة، منها فحص التربة ومدى تحملها للأثقال التي ستوضع فوقها، ويراعى حجم البناء ووقوع موقع البناء الجغرافي والزلزالي الخ، كما يراعى رغبات مالك البناء بالطراز المعماري الذي يرغب به ونواياه المستقبلية في أي إضافات جديدة على البناء.

أما في القواعد التي تحمل المكائن الثقيلة ذات (الشغل العالي)، فإن حساب المتغيرات الآتية من الشغل وطبيعته تستلزم وضع كتل كونكريتية مُسلحة هائلة الحجم وشديدة التوازن أو التسوية، فإن كانت القاعدة ستحمل ماكنة لضخ المياه بجانب نهر فإن مقدار ميلانها لا يقبل خطأ بقدر واحد من مائة ألف.

عندما تنهال التقارير الاقتصادية على مسامع ومرأى المشاهدين في أجهزة الإعلام، تكشف حجم القروض الشخصية التي تنتشر في البلدان العربية، والتي تصل قرابة نصف تريليون دولار، وعندما نرى أن حجم أضرار الصناديق المالية العربية نتيجة الأزمة المالية العالمية والتي سبقتها أزمات أسواق البورصات قد وصلت أربعة أضعاف القروض الشخصية المتعثرة أي قرابة 2 تريليون دولار. عند كل ذلك لا بد لنا من محاولة فهم ما تعنيه القاعدة الاقتصادية.

كيف يستحق العمل الاقتصادي صفة القاعدة؟

هل الوظيفة أو العمل بأجر يسمى قاعدة اقتصادية على المستوى الفردي؟
الموظف أو العامل الأجير أو سائق التاكسي أو غيرهم من الأعمال الفردية يشكلون النسبة الأعظم على مستوى اقتصاديات العالم. وكل واحد من هؤلاء يسهم في إيواء وإطعام وتعليم وعلاج مجموعة من البشر. وكلما كانت أجور هؤلاء كافية، كلما استطاعوا إنجاز المهام المطلوبة منهم تجاه أسرهم.

ولكن، قد يتوفى الفرد أو يُطرد من عمله، أو يضطر لعمل لا يتناسب أجره مع المهام الموكلة لذلك الفرد. وعند ذلك ستنقطع فاعليته في أداء مهامه، فيلجأ الى قرض شخصي، إن تمكن من الحصول عليه، فإنه سيقوم بإنجاز المهام التي عجز عنها قبل أخذ القرض، ولكن ستبقى قدراته على تصريف حياته مهزوزة وغير ثابتة، فهو إن لم يكن قد استطاع القيام بمهامه قبل القرض، فكيف سيقوم بتصريفها مع سداد أقساط القرض؟

لا يمكن تسمية هذا الصنف من النشاطات بالقاعدة الاقتصادية، كما لا يمكن تسمية المحامين والأطباء والمهندسين والمعلمين بالقاعدة الاقتصادية. إذ أنه بوفاة الطبيب أو المحامي فأي قاعدة اقتصادية سيرثها الوارثون؟ فالرخصة المهنية ورخصة مزاولة المهنة تُمنح للأحياء من النقابيين.

وصف الشركات الخاصة والمختلطة والعامة كقواعد اقتصادية

الشركة التي تقوم بصنف معين من الأعمال، صناعية أو زراعية أو قطاع النقل أو في مجال الخدمات العامة، بتصنيفاتها الثلاث (خاصة، عامة، مختلطة)، تستحق صفة (القاعدة الاقتصادية)، كونها لا تتأثر بتغير حالة مالكها، فهي تصنع وتزرع وتتاجر وتقدم خدماتها، طالما أن إداراتها (المتغيرة أو الثابتة) تقوم بعملها، وطالما أن كوادرها العملية ومستلزمات تشغيلها من أبنية ومكائن ومصدر تمويل قائمة.

العلاقات الانتاجية وأثرها على ثبات القواعد الاقتصادية

الأفراد العاملين والمنتجين والشركات بأنواعها، هي وحدات تتفاوت بحجم الأموال الموظفة فيها وحجم السلع أو الخدمات التي تنتجها، لكنها تتحد في انتمائها الوطني والاهتزاز الذي يربك الفرد أو الشركة، سيصل أذاه للاقتصاد الوطني وبالتالي للدولة.

لكن ما هي الكيفية التي تعبر عنها الدولة في تمثيلها لهذه الوحدات المتباعدة والمتفاوتة في حجومها؟

إن المادة الرابطة لتلك الوحدات، تسمى علاقات الإنتاج، وفهمها العام والمتخصص يقود الى صياغة لوائح القوانين والتعليمات التي تضمن حركة الوحدات الانتاجية مهما صغر حجمها أو كبر، وحتى العاملين بالأجور دون أن تصطدم تلك الوحدات ببعضها، ودون أن يُهضم حق الوحدة الإنتاجية (فرداً، أو فئة، أو هيئة).

وتلك القوانين واللوائح ليست مطلوبة من الدولة وحدها، بل مطلوبة من الهيئات الاقتصادية والأهلية والممثليات الفكرية والسياسية والنقابية التي تستطيع الحديث عن كل صنف متخصص من أصناف المجتمع باستفاضة وفهم كاملين، ليكون المُشرع مرافقاُ لشريك عضوي محلي ساعده في رسم الوعي العام لمستقبل تلك الفئة المنتجة وأفرادها، وهذا يستدعي رسم الأطر التي ينضوي داخلها أفراد ومؤسسات المجتمع، وبالتالي التفكير الجاد بمؤسسات المجتمع المدني، ليس من باب البطر والتقليد الأعمى لغيرنا، بل من باب الوظيفة والضرورة التاريخية.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 23-12-2009, 01:27 PM   #2
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

عندما يفرض العمل أصول العلاقات الإنتاجية

في الأصل، كان الجهد الشخصي هو الذي يُحدد شكل التعامل وحجم الأحلام الشخصية، وكان هو نفسه الذي يحدد برامج النمو للمشاريع الشخصية والفئوية والوطنية. فكان غالباً ما يُقًايَض الجُهد بالجهد أو ما أصبح يساوي قيمة ذلك الجهد.


متطلبات الإنسان في أبسط مستوياتها المعقولة، تنحصر في غذائه وسكنه وزواجه، فكان ثلث جهد الإنسان ليوم واحد يؤمن له غذائه، ويبقى الثلثان للإدخار من أجل تحقيق خطوات طبيعية أخرى كتأمين السكن والزواج.

كان مالك الأرض يُعطي رُبع إنتاج أرضه لمن يستأجرهم في العمل بها، كان هذا مدوناً في شرائع حمورابي، وبقي العمل به في كثيرٍ من أقطارنا لقبل عقود. كان هذا الربع لو حسبنا إمكانية قدرة الأجير على إنجاز ما هو مطلوب منهم في الأراضي (البعلية ـ المعتمدة على المطر) فإن بإمكانه السيطرة في قدرته على عشرة هكتارات من الأرض والتي تعطي ناتجاً بحدود عشرة أطنان من القمح. وبالتالي فإن حصته منها ستساوي طنان ونصف من القمح سنوياً، ومع ما يستخرج معها من قش وتبن وغيره.

كان على هذا الناتج أن يحقق خطط الأجير كاملة، من غذاء وبناء مسكن والزواج،

مع تطور أشكال العمل، واستحداث مهام أخرى لا تنتسب للجهد العضلي مباشرة، ظهرت وظائف لا حصر لها لا تعتمد على الجهد العضلي، فمنها ما يعتمد على العضلات الممزوجة بنشاط ذهني كالحرف اليدوية التي تؤمن أدوات العمل وأدوات الطبخ والأثاث الخ، والتي لا يتقنها إلا نوع من الناس، وجهد ذهني صرف يعتمد على المتاجرة والإدارة بكل أنواعها.

مع تطور فكرة الدولة، استحدثت الدولة مئات الآلاف من الوظائف الجديدة التي يجب تأمين رواتب لها من خلال الضرائب والرسوم التي تفرضها على الناس. فأصبح على الشخص العامل أو المنتج أن يضيف بنداً جديداً لأنواع مصروفاته الأساسية، وهي مستحقات الدولة من ضرائب ورسوم مختلفة، تستوفيها بدل خدمات صحية وتعليمية وتنظيمية، لكي تصون هي الأخرى (الدولة) بنيان أجهزتها الحكومية وتطورها.

كل هذه التطورات ستُصاغ بشكل لوائح تنظم علاقات الإنتاج بين مكونات الدولة (حكومة ومجتمعا وأفراد).

الخيال والتنبؤ ضروريان لصيانة القاعدة الاقتصادية

كما أن البنية التحتية في الدولة تشكل أساسا ضرورياً لدوام حياتها الاقتصادية فإن تلك البنية لن تلبي احتياجات الدولة بمصاريفها العامة (الحكومية) ومصاريف مواطنيها، تلك المصاريف التي تتغير بتغير أعداد السكان وأعداد الموظفين وأعداد الأجهزة الأمنية، وتتغير أيضاً بتطور أنماط الحياة الاجتماعية وما يترتب عليها من التوق الى تطوير المساكن وطرق النقل ووسائله وفتح المزيد من المدارس والجامعات والمستشفيات الخ.

فالخيال، إن صح أن يُقال في مجال الفن والشعر والأدب، فإن ما يحاذيه هنا، هو الوعي، أي القدرة على رسم صورٍ لم تكن موجودة، بل ستوجد مستقبلاً، كمتطلبات الغذاء والماء النقي وما سيحتاجه ما يُضاف من أعداد جديدة من المواطنين الجدد الذين وجدوا كنتيجة طبيعية للولادات والتكاثر. كما يقتضي التنبؤ أن الزيادة بأعمار المواطنين ستحتاج أموالاً إضافية لرعاية المتقاعدين وغيرها.

هذا فيما يخص الدولة، والتي هي أرض وثروات ومجتمع وحكومة، وعليه فليس بعيداً على الدولة بوجهها الحكومي أن ترعى وتراقب صيانة القواعد الاقتصادية الفئوية والفردية، كونها وحدات طبيعية مكونة لشكلها النهائي.

كيف تُصان القاعدة الاقتصادية في المشاريع الفردية والفئوية ؟

القاعدة الاقتصادية كما أسلفنا، هي كالبناء (العمارة) أو كالإنسان في حياته، ستمر بمراحل الطفولة والشباب والشيخوخة، وكل مرحلة من مراحلها تتطلب جهدا يختلف عن غيره من المراحل الأخرى.

فإن كان أحدهم يستثمر مالاً في شراء شاحنةٍ يعيش من دخلها، فإن تلك الشاحنة ستحتاج الى مبالغ لصيانتها تتصاعد قيمة تلك المبالغ مع تقدم عمر الشاحنة، حتى ينتهي عمرها الافتراضي. فكيف سيتصرف صاحب الشاحنة لبقاء دخله ثابتاً أو متصاعداً مع تصاعد نمو حاجات أسرته؟

وإن كان أحدهم يستثمر مالاً في بناء صالة أفراح، فإن تلك الصالة ستمر بمراحل نمو حتى لا تعود ذات نفع في يوم ما، فكيف سيتصرف؟

وإن كان أحدهم يستثمر مالاً في تربية أبقارٍ حلوب، وهو يعلم أن العمر الإنتاجي الافتراضي للبقرة هو بين 8ـ 10 سنوات. كم عجلة سيحتفظ بها دون البيع حتى تجدد قطيعه؟

هذه الأسئلة وغيرها سنتطرق إليها في المرة القادمة
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 23-01-2010, 10:05 AM   #3
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

الثابت والمتغير في القاعدة الاقتصادية

الثابت في اللغة هو دوام الحال. وسواء كانت تلك الحال مادية كما في الجبال والأودية والأبنية، أو معنوية وهي التي تصف الرجال بثباتهم على مواقفهم، أو الدول والجماعات الخ. وفي حالات التخطيط والسياسات فإن الثبات في هذه الحالة يسمى إستراتيجية، أي الخطط طويلة المدى التي تقسم الزمن لتوزع عليه الخطوات التنفيذية، ويرافق هذا المفهوم أو المصطلح، مصطلحٌ آخر يُطلق عليه التكتيك وهو ما يطرأ من عوامل مفاجئة تستوجب تأخير الخطوات الإستراتيجية أو تطويرها بما يلاءم ذلك التغيير الطارئ.

وبالمقابل فإن المتغير هو المتبدل وهو الذي يغاير الحالة التي كان عليها في ثباته، فالسير تغير والنمو تغير والتقزم (تراجع النمو) تغير، والربح تغير والخسارة تغير، والبناء تغير والهدم تغير الخ. فالتغير هو الخروج عن الحالة السابقة صعوداً أو هبوطاً، يميناً أو يساراً.

مرجعية المتغير

الطير يطير ويعود لعشه كمرجع، والبخار يتصاعد من البحار والمحيطات ليعود بشكل أمطار للأرض كمرجع، والاختراع انفلات من حالة الثبات والتعود على نمط ليعود الى الاستعمال من قبل من اخترعه كمرجع. والأفراد في الأسرة يتنقلون من مكان لآخر ويعودون في الغالب لأسرهم كمرجع، والمؤسسات الاقتصادية صغيرة أم كبيرة تنتج ويعود إنتاجها لمنشئها (الوطن) في حالة المؤسسات الوطنية و (الكارتل أو الترست) في حالة المؤسسات الاقتصادية العالمية.

ولن يكون الثبات ثباتاً مطلقاً، بل قد يكون ثباتاً نسبياً أو مجازاً، فالمركبة الفضائية هي مرجع لرواد الفضاء الذين يستقلونها فهي متحركة وهم إن خرجوا منها في الفضاء وعادوا لها كمرجع فيكون المتغير والثابت متغيران، لكن أحدهما يشكل مرجعاً للآخر. كما هي حالة حركة النجوم والكواكب في مجراتها وانتماء حركة الجرم لمنظومته المتحركة كمرجع.

ماذا يعني ذلك وما علاقته بالقاعدة الاقتصادية؟

لقد وضعنا عنواناً: كيف نفهم (نحن) القاعدة الاقتصادية؟ أي بعيداً عن العلوم الاقتصادية ولغة المحترفين فيها، بل من خلال ملاحظاتنا وفهمنا العلاقات بين وحدات المكونات الاقتصادية، ومن هنا تتسلسل تساؤلاتنا وِفق الفهم المتكون لدينا وليس وِفق الفهم المتفق عليه أكاديمياً.

وعودة الى الثابت والمتغير في القاعدة الاقتصادية ـ حسب فهمنا ـ وما ربطناه تشبيهاً بالمرجعية، فإنه لا يمكن أن يكون هناك ثابتٌ مطلق، حتى في الأنهار والبحار، فإن كان مجرى النهر يشكل مَعْلَماً جغرافياً ثابتاً في المدى المنظور، فإن محتوياته من الماء ليس هي نفسها إذ تتغير كل لحظة، وقد ينحرف مسار النهر جارفاً خط مساره لينتقل الى عدة كيلومترات في اتجاه مختلف.

هذه الظاهرة تنسحب على الأوطان والشعوب، فالقارات ثابتة بالذاكرة العالمية، كذلك هي أسماء الأمم والشعوب، لكن أفراد الشعب ومهاراتهم ستختلف من قرن الى قرن محتفظة بتقاليد وقيم تؤثر إيجاباً وسلباً، بقوة أحياناً وعلى استحياءٍ في أحيانٍ أخرى.

وبالقدر الذي تنمو فيه مختلف مناحي الحياة في مجتمع واحد بطريقة متناغمة بالقدر الذي تتصف به قاعدته الاقتصادية بالقوة والثبات. وبعكسه فإن اختفت بعض المهارات التي يتصف بها شعبٌ ما وفي نفس الوقت تنمو النزعة الاستهلاكية والميل للكسل واختيار مهناً لا ترتبط بمهارات وتراث ذلك الشعب، فإن التشوهات الاقتصادية ستحل باقتصاده وستهدد ثبات القاعدة الاقتصادية، بل وتنذر بتفكيكها.

علاقات الوحدات الصغرى بالقاعدة الاقتصادية المركزية

إن مجموع نشاط الأفراد الاقتصادي سواء كانوا فرادى أو ضمن مجموعات صغيرة أو ضمن مجموعات اقتصادية كبرى، سيصب في مجرى الاقتصاد العام للمجتمع ودولته، وسيبحث بالتالي عن موقعه ضمن المنظومات الاقتصادية العالمية وفق توازن يحفظ ثبات القاعدة الاقتصادية.

فإن أخذنا موضوع الثبات علينا تذكر مثال الأبنية وترتيب وحداتها السكنية وغرفها على القاعدة (الأساس)، والذي يراعى في تصميمه احتمالية حدوث هزات عالية الذبذبة (حسب مقياس ريختر).

وإذا أخذنا التغير وقارنا التغير في الأجسام المصنعة كالسيارات، فإن منظومة الكهرباء والميكانيكا والتكييف وغيرها بما تحوي من أجهزة دقيقة يتناغم أداؤها ليحرك جسم السيارة المستند على هيكل قوي، هو ما يصف السيارة بالجودة أو الرداءة.

أما إذا أخذنا التغير العضوي، كجسم الإنسان مثلاً، فإن أداء الجسم وحيويته ستتأثر سلباً إذا اختل أداء الكلى أو الجهاز الهضمي أو غيره.

هكذا إذن هي المجتمعات والدول، مجموعة بين الثوابت النسبية، والمتغيرات المادية والمعنوية وغيرها، والخلل في أي منظومة سيؤثر سلباً على القاعدة الاقتصادية التي تستند إليها النشاطات العامة في المجتمع سواء كانت ثقافية أو اجتماعية أو عسكرية.

إهمال الوحدات الصغرى في الدول النامية يقف وراء مشاكلها

تتركز صياغة القوانين الخاصة بالضرائب والإعفاءات وإصدار الرخص، والفقه الاقتصادي العام، في معالجة المشروعات الكبرى سواء كانت وطنية خالصة من القطاع العام أو المختلط والخاص أو من تلك التي تمتلكها قوى اقتصادية دولية تقوم بالاستثمار في البلاد.

في حين يُترك الأفراد والجماعات ذات المشاريع الصغرى يتخبطون في أدائهم الذي يصطدم أحيانا بالرغبة باستبعاده من قِبل أصحاب المشاريع الكبرى بأنواعها المذكورة، ويؤول مصير مثل تلك المشاريع الى الزوال بعد أن يستنزفوا أموالاً وطاقات ستعود طبيعة خسارتها في التالي على الاقتصاد الوطني.

من زاوية أخلاقية وأدبية، لا يحلو لمن يتناول أفخر الأطعمة أن يتناولها بحضور من حُرموا منها وهم ينظرون إلى من يتناولها. ومن زاوية اقتصادية فإن انتعاش قدرة الفرد الشرائية يعزز من تنشيط الاقتصاد نتيجة إقبال المشترين على البضائع والخدمات المصنعة محلياً.

إذن، فالسعي لحماية الأفراد والهيئات الإنتاجية الصغرى، يحمل معنىً أخلاقياً ومعنىً اقتصادياً، كما أنه يدعو لمفخرة الحكام أمام نظرائهم من حكام دول العالم، فليس هناك من مفخرة عندما يحكم الحاكم ملايين الأفراد البؤساء المتسولين والذين لا يسجلون براءة اختراع واحدة.

هذا يعزز من ضرورة البحث الجاد في رسم علاقات إنتاج لا تتوقف عند حد، بل تراقب وتصدر ملاحظاتها وتعليماتها، كمراقبة الجهاز العصبي المركزي لحركة رياضي يلعب وسط مجموعة لاعبين.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 18-02-2010, 09:29 AM   #4
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

الاقتصاد الجزئي مقابل الاقتصاد الكلي

بعد كل أزمة اقتصادية عالمية أو إقليمية مؤثرة، يقوم خبراء الاقتصاد بمراجعة النظريات الاقتصادية المعمول بها والتي آل تأثيرها الى النتائج الراهنة، فيتتبع هؤلاء الصيغ القانونية التي نظمت اقتصاديات الدولة أو الإقليم، أو حتى العالم في الحالة الراهنة، فينتقدون الهفوات التي جاءت من خلال الممارسة، أو يذهبوا الى أكثر من ذلك في انتقاد النظرية نفسها، فيخرج جيلٌ جديد من نظريات مُحسنة ليست على قطيعة كاملة بما سبقها من نظريات، بل تطور تلك النظريات وتضيف عليها لتتجاوز من خلالها ما وقع به الاقتصاد من أزمات، وتُعقد الندوات وتدرس المراكز المتخصصة والجامعات والمعاهد تلك الأفكار المستحدثة ويمتلئ الفضاء الذهني بمثل تلك المناقشات، وتتأثر السلطات التشريعية التي تدقق النظر في الدراسات والتوصيات المختلفة، فيتم بعد ذلك تعديل وتصويب القوانين المؤثرة بعلاقات الإنتاج.

في الدول التي تتنافس في البقاء بين مصاف الدول الأكثر قوة في العالم، توضع حزمة أو حُزَم من الدراسات التي تناقش كل ركائز القوة نفسها (اقتصادية، عسكرية، صحية، تعليمية، الخ). فالدولة أو النظام الاقتصادي والسياسي الموسوم بسمة معينة، سيقوم الباحثون فيه بمناقشة كل صغيرة وكبيرة، من خلال دراسات وإحصاءات موثوقة، انطلاقاً من أن كل شيء يتأثر بكل شيء.

في بلادنا، ليس هناك سمة واضحة وثابتة لأي اقتصاد أو حتى نظام سياسي، فتجد الاقتصاد الحُر (المرتبط بالليبرالية كفكر سياسي واقتصادي متكامل) تتعايش مع أفكار اشتراكية منتخبة بما يتماشى مع نظرة النظام السياسي، ولكن ليس بحدود ثابتة وقواعد معروفة، بل يمكن أن تنام البلاد على حالة مركزية التعليم والصحة بصورتها وأهدافها الاشتراكية، وتصبح على قرار يأمر بخصخصة مشاريع صحية أو إنتاجية أو متعلقة بالاتصالات والمواصلات والنفط والمياه الخ.

وفي بلادنا، يعيش النظام الجمهوري، مستلهماً خصائص النظام الملكي في كل شيء. أما النظام الملكي، فلن تجد له مثيل في كل أنحاء العالم، فقد تكون الدولة العربية من نتاج النظام البريطاني في مؤسساتها وتوجهاتها واختيار صداقاتها، لكنها لا تقبل بطبيعة النظام الملكي البريطاني، من حيث طبيعة صنع القرار فرئيس الوزراء يعينه الملك، ورئيس الوزراء يعين الوزراء، والوزراء لا يعترضون على قرار، والشكل البرلماني ما هو إلا ديكور، يبقى طالما قام بمباركة ما تراه مؤسسة الملك في كل شيء، وإن بدت أي معارضة، يتم حل البرلمان ضمن صلاحيات دستورية وُضعت لصيانة نظام الملك، وأصبحت لحماية نظام رئيس الجمهورية أو الأمير أو أي مسمى آخر في البلدان العربية.

والاقتصاد، ورأس مال الدولة، يذهب في جُله في خدمة مؤسسات تُبنى يوماً بعد يوم، دوافعها الأساسية والكامنة، هي الهواجس الأمنية، فتتضخم وزارات الداخلية وتكثر مبانيها، وتتفرع لدوائر وتكثر المسميات والأجهزة الإلكترونية ودورات احتراف المحققين وكلف تلك الدورات، حتى يتشوه الاقتصاد وتتشوه مفاهيم الحريات، وتبقى دوائر تناقل السلطة والمسئوليات محصورة بعينات محدودة ومراقبة لتصل للجد الثالث أو الرابع.

خلاصة القول، أن بلداننا والكثير من بلدان العالم الثالث، لا تسهم في صياغة نظريات وأسس قانونية لتنظيم علاقات الإنتاج، بل تنتقي ما يحلو لها من نُظم مبتكرة في أقوى الدول بالعالم، وضعتها تلك الدول لمعالجة أوضاعها هي، وليس لمعالجة أوضاع العالم الذي يشكل لها ميداناً رحباً لإثبات قوتها.

ماذا يعني الاقتصاد الجزئي والاقتصاد الكلي؟

دراسة الاقتصاد الجزئي هي دراسة الندرة والاختيار. والاقتصاد الجزئي يركز على صنع القرار الفردي أو (المجموعي) في أجزاء أو قطاعات من الاقتصاد من المناسب كثيراً وصفها كأسواق (حسب قول: كيث هارتلي). والسوق هو أي ترتيب يقوم الأفراد من خلاله بتبادل اختياري قائم على معطى أساس يفترض وجود مردودات من المعاملات والمتاجرة الاختياريتين.

في الاقتصادات الرأسمالية تتعدد الأسواق المتبادلة الاعتماد على بعضها، فمثلاً لا يعتمد الطلب على النفط على سعره فقط بل أيضاً على أسعار الفحم والغاز والكهرباء والسيارات أيضاً، وستتأثر سلعٌ وخدماتٌ أكثر بُعداً من ذلك، مثل الثلاجات والمطاعم، وتذهب الى الأفراد العاملين في حقولٍ تصب في مناحي لها علاقة بأي سلعة. فمثلاً في بلادنا، عندما يتم محاصرة بلد مثل العراق (سابقاً) فإن ميكانيكي السيارات سيكون له شأن أكثر من دولة مثل الأردن، لأن قطع الغيار واستيراد السيارات لا يكون سهلاً في حالة العراق.

في حين يعني الاقتصاد الكلي للدولة، مجموع الاقتصادات الجزئية، وبعد أن تم استحداث منظمة التجارة العالمية، وبعد أن أصبحت الأموال تتنقل ما وراء الحدود والبحار والقارات، فإن كل اقتصاد وطني والذي هو مجموع الاقتصادات الجزئية للبلد، سيكون جزءا للاقتصاد الكلي العالمي. وهذا ما لوحظ في الأزمة المالية والاقتصادية العالمية والتي طال تأثيرها كل مناطق العالم، فلن يستطيع أحدنا أن يذهب (متذاكياً) الى بنغلاديش أو السودان ليستورد منها بعض الحبوب كغذاء للإنسان أو الحيوان، ظناً منه أنها في معزلٍ عن حركة الأسعار في العالم.

كيف يتم اختيار الاقتصاد الجزئي وتوجيهه؟

سواء كان الاقتصاد اشتراكي أو رأسمالي، فإنه في حالة اختيار نوعياته وأنماطه الجزئية سيخضع الى صيغتين (النمساوية والكلاسيكية) إذ على القائمين أن يقرروا:

1ـ ماذا سننتج ـ مثلاً ـ سيارات، أو أجهزة تلفزة، أو مدارس، أو مستشفيات، أو أسلحة؟

قبل أكثر منعقدين من الزمن، في نهايات الثمانينات من القرن الماضي، كانت تنتشر في الأردن وفود تضع دراسات، منها أمريكية ومنها يابانية، وكان أحد واضعي الدراسات اليابانية أو ممن يملئون الاستمارات الاستبيانية يتجول في النقابات المهنية، ويطرح في استمارته عشرة خيارات لنوع الاقتصاد المرغوب في البلاد، طالباً من المستجوَب أن يرتبها حسب أهميتها ( صناعة ثقيلة، تعليم، زراعة، صحة، سدود، صناعات تحويلية الخ). وقد ضحك فجأة، وعندما سُئل عن سبب ضحكه، أجاب: أن رجال الأعمال والمهندسين والأطباء والطلاب والكسبة والوزراء وضعوا الزراعة في المرتبة الأولى، وبلادكم لا تصلح للزراعة، فلا ماء بها ولا سكان يستوجب هدر الأموال في الزراعة، لو تمرنتم على صناعة المساطر والأقلام لدرت عليكم أرباحاً أكثر من الزراعة!

2ـ كيف سينتج السلع والخدمات، مثلاً، هل يجب استعمال الفحم، أو النفط، أو الطاقة النووية لتوليد الكهرباء؟

3ـ من سيشتري تلك السلع أو يقبل على طلب تلك الخدمات، وكيف يتم توزيعها وأين، وما هي تسعيرتها وعلى ماذا تعتمد؟

نلاحظ في أسواق الدجاج، أنه عندما يقل المعروض من تلك السلعة، تفتح الدولة باب الاستيراد، فيدب الذعر في صفوف المنتجين، والسؤال هنا؟ كيف ينتج الفرنسي أو الهولندي دجاجاً في بلاده التي تزيد فيها أجور العمال عن بلادنا؟ ولهذا حديث مطول، لم يتم الإجابة عليه مركزياً من قبل الحكومات العربية، تتعلق بتخفيض الكلفة ودعم المنتجين الخ.

4ـ من سيقوم بالاختيار؟ أي اختيار نمط أو أنماط الاقتصادات الجزئية، هل تكفي رغبة الدولة أن تدفع الاقتصادات الجزئية لأن تتوجه الى نوع من الاقتصاد، فكيف يمكن للحكومة الأفغانية حالياً أن تقنع مزارعي الأفيون أن يستبدلوه بالقمح؟ إنها قضية أو قضايا متشابكة ومعقدة.

يتبع
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 14-03-2010, 04:09 PM   #5
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

جدلية البحث النظري في القاعدة الاقتصادية

لقد حاولنا تشبيه القاعدة الاقتصادية بالبناء أو الآلة أو الأسرة أو الإنسان (والذي يتكون جسمه من أجهزة وأعضاء)، وحاولنا ربط الاقتصاد الفردي باعتباره قاعدة اقتصادية منفصلة ولكن لها روابطها مع الأسرة أو صنف العمل الذي يقوم به الفرد كالمزارع بين صنف المزارعين، وربط الأسرة أو الصنف مع الاقتصاد الخاص بالمجتمع المحلي (مدينة، ريف، صناعة، تجارة) وربط هذه الوحدة الأكبر مع الاقتصاد الوطني للدولة، والتي لم تعد معزولة عن الاقتصاد العالمي.

مزاعم قد تؤذي الوصول الى حالة الفهم العام للقاعدة الاقتصادية:

هناك ميلان يتدخلان في الشأن الاقتصادي، ويتركا أثراً يخلخل التشريع الخاص بالاقتصادات الوطنية أو الفردية، كما يؤثران على رسم الخطط الاقتصادية وتحويلها لإجراءات عملية، يُفترض أن يقتنع بها الأفراد أو الوحدات الاقتصادية الجزئية:

الميل الأول ـ الميل النظري:

يجلس خبراء محليون أو دوليون ويبدءوا بطرح المشكلات الاقتصادية التي تمر بها منطقة معينة، سواء في مناقشة الهجرة الريفية أو الهجرة من البلدان الأفقر للبلدان الأغنى، أو لتحديد النسل أو لدعم الأنشطة الاقتصادية للأسر الفقيرة الخ.

إن هذا النوع من النشاط الذهني ليس طارئاً على البشرية، فقد كان يزاوله سكان ما بين النهرين في القدم قبل آلاف الأعوام، وأخذ بالتطور والتعقيد كلما زاد عدد أشكال الأنشطة الاقتصادية، ولم يكن في يوم من الأيام محل اتفاق الجميع، فما أن توضع نظرية، حتى يأتي من يدحضها ويبين الثغرات الكثيرة فيها، وقد يأتي من ينقضها بعد عقود أو بعد سنين أو أحياناً يكون نقضه لها وقت ظهورها.

إذا أسقطنا أحد الأمثلة التي شبهنا بها، ولتكن حالة الإنسان بأجهزة جسمه وأعضائه، على الحالة الاقتصادية، فإنه لا يوجد ولم يوجد طبيبٌ ادعى أنه يستطيع معالجة كل أمراض الجسم، من أسنان وعيون وكبد الخ، فظهرت التخصصات وظهرت المختبرات التي تضع كل حالة فردية، أمام مجموعة من المختصين وأدوات مختبراتهم، وأحياناً تنجح في المعالجة، أو تفشل ويموت المريض الذي بين يديها. ولم نسمع بمريض تم علاجه بالهاتف أو أن مرضى تم تعميم علاج لهم بشكل جماعي من خلال توصيات!

فكيف لخبراء وضعوا نظرياتهم في إحدى جامعات الغرب، وتم ترجمتها الى لغات مختلفة، أحياناً يفتقر المترجم لمعرفة المصطلحات الموضوعة، أن يناقشوا حالات أكثر من ستة مليارات شخص يعيشون على ظهر هذا الكوكب؟

الميل الثاني ـ الميل التقني

للسدود خبراء ومهندسون، وللجسور والآلات كذلك مثلهم، وللهندسة الوراثية خبرائها ولكل شيء خبير فَهِمَ أساس تصميمه وأسس تركيب أجزاءه، وكيفية التعامل الجيد معها، ولكن هؤلاء الخبراء يكونوا بفاعليتهم المؤثرة في المختبرات وفي المطارات وفي المستشفيات. ولكن حضورهم مع كل وحدة صغيرة في بلدٍ ناءٍ لن يكون متاحاً في أغلب الأوقات.

فاستخدام التقنيات قد يكون نادراً بين أيدي أكثر من ثلثي سكان العالم، وإن استخدم أحدهم تلك التقنيات، فقد يستخدمها بشكل خاطئ مضيعاً ثمنها الذي جمعه، أو مسبباً لأضرار جانبية معينة. مثلاً، تعج أسواق دول العالم الثالث، ومن بينها بلادنا بآلاف الساحبات والجرافات وغيرها من المكائن التي أحيلت منذ زمن بعيد على التقاعد وتم معاملتها بشكل (سكراب أو نفايات)، ولو تمعن أحدنا بجدوى تلك الآلات، لرأى أنها تُشكل أحد المسارب الرئيسية للثروة الوطنية، وأن كفاءتها تقل كثيراً عن كفاءة مثيلاتها (بالاسم) في الدول المتقدمة، مما يزيد من كلف الإنتاج ويقلل من إنتاجية الوحدة الواحدة.

سيقول قائل: أن إمكانيات المنتج الفردي أقل من أن تسمح له بشراء آلات أكثر كفاءة. فلذلك يضطر لشراء مثل تلك الآليات، ولذلك يضطر لبناء حظائر للدواجن متواضعة، وستكلفه تلك الحظائر تدفئة إضافية وتبريد إضافي وعمال أكثر وستكون في النهاية كلفة الكيلوغرام الواحد أكثر من كلفته في الغرب، وعندها ستكون البضاعة المستوردة أرخص وأفضل للمستهلك، وقد يؤدي ذلك الى ضمور قطاع كامل أو قطاعات نتيجة الخسائر وعدم القدرة على منافسة المستورد، خصوصا بعد توقيع معظم دولنا على اتفاقية (الجات).

كيف نتلمس طريقنا للخروج من تلك الحالة؟

هذا ما سنتناوله في المرة القادمة




__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 05-04-2010, 10:02 AM   #6
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

الاستيراد الأقل كلفة.. أم الإنتاج الأكثر كلفة؟

في أوائل السبعينات وبالتحديد، في الأول من حزيران/يونيو 1972، أمم العراق نفطه، ومنذ ذلك التاريخ فُتحت عليه أحقاد العالم الغربي، فتم حصاره بعد قرار التأميم ومنع من تصدير نفطه، فامتنعت دول العالم عن شراء النفط العراقي، وابتدأت الدول الدائنة للعراق بالمطالبة بتسديد ديونها، ومن بين تلك الدول (الاتحاد السوفييتي)، الذي كانت مجموع ديونه 16 مليون دولار فقط، فعرض العراق على السوفييت أن يأخذوا قمحا من القمح العراقي حيث كان الموسم جيداً، (7 مليون طن إنتاج العراق في ذلك العام)، وبعد طول مفاوضات، فقد وافق السوفييت على أخذ مليوني طن بسعر الطن 8 دولار، في الوقت الذي كان فيه السعر العالمي للقمح بين 39 و 45 دولار.

تركت تلك الواقعة، أثراً كبيراً عند صانع القرار العراقي، فبعد أن كان شعار الدولة (الزراعة بديل النفط)، تراجع ذلك الشعار، ليظهر مرة أخرى عندما مهد الغرب لمكيدة (دخول العراقيين للكويت)، إذ سبق ذلك التاريخ، ظهور ما سمي في نهاية الحرب العراقية الإيرانية، توجه العراق لحيازة أسلحة الدمار الشامل، فبعد تهمة تطوير (المدفع العملاق) ألغيت صفقات القمح الأمريكي والقمح الأسترالي في شهر مارس/آذار 1990، ليجد العراق نفسه أمام محاصرة اقتصادية في قوت الشعب، فأدرك أهمية عدم الاعتماد على الاستيراد.

وصرح بذلك وزير التجارة الخارجية العراقي،عندما قال (كنا نعتقد أنه من إنتاج يومٍ أو يومين من النفط نستطيع أن نؤمن لشعبنا قمح عام كامل، ولكن اتضح لنا أنا كنا على خطأ)

آراء صانعي القرار في بلداننا لا تختلف كثيراً

في أحد اللقاءات مع وزير الزراعة، مع منتجي الدجاج اللاحم، سأل الوزير: لماذا تخشون من استيراد الدجاج اللاحم من الأسواق الخارجية؟ ألا تستطيعون أن تبيعوا دجاجكم بنفس السعر الذي يبيعه فيه المستوردون؟

كانت أجوبة المنتجين المحليين: إن كلفته عند منتجيه في الخارج أقل بكثير من كلفته عندنا.. ضحك الوزير وقال: توقفوا إذن عن إنتاج الدجاج.

النماذج الحكومية المشابهة لذلك النموذج كثيرة، ففي بعض الدول العربية ينتشر فهمٌ يصل الى حدود التعليم العالي، ففي بعض الدول يقول المسئولون : لماذا نُدرس الطب؟ ولماذا نُرهق أبنائنا في دراسته، لننتج بالتالي أطباء غير أكفاء؟ في حين أنه بالإمكان استقدام آلاف الأطباء من دولٍ كثيرة (كوبا مثلاً) وبكلفة زهيدة؟

حمى الفهم الخاطئ تصل الى الأسر والأفراد

يجلس بعض أفراد الأسرة، يناقشون وضعهم الداخلي ومستوى معيشتهم، ويقارنون أوضاعهم بأوضاع الأسر الأخرى، فشكل البيت والأثاث والملابس والطعام هي دون مستوى غيرهم.

فيتفحصون ممتلكاتهم من عقارات، فتقع أعينهم على قطعة أرضٍ لا تنتج في الموسم إلا القليل من القمح أو الشعير، وإنتاجها كله لا يكفي لإعاشتهم شهراً واحداً. في حين أن ثمنها سينقلهم من حالٍ الى حال، فيبيعونها ويتنعموا بثمنها لفترة، وقد يؤسسون لمشروع تم دراسته على عجل، فغالباً ما تفشل مثل تلك المشاريع وغالباً ما يستنزفون مدخراتهم وأملاكهم في ظرف عدة سنوات، حارمين أنفسهم من ضمانة معنوية ومادية، وحارمين أبنائهم من الاتكاء على تلك الضمانات مستقبلاً.

وقد ينسحب ذلك على تسرب التلاميذ من المدارس، بتشجيع من ذويهم أو بغض نظرٍ عن ذلك التسرب، بحجة أنه لماذا أتعلم؟ وما هو مستقبل ذلك العلم؟

هناك مسائل لا تُقاس بالمردود المادي لها

عندما يجتهد شيخٌ في الثمانين من عمره، في أن يتم أصغر أبنائه دراسته الجامعية، فإنه لا يطمح أن يقوم هذا الابن بالتكفل برعاية والده، ولكن روح الاهتمام بإكمال رسالته تجاه الأسرة هي الدافع لاجتهاده.

هذا الأمر ينسحب على الدولة أيضاً، فعندما تفتح المدارس وتعبد الطرق وتؤسس المستوصفات الصحية في المناطق النائية، فإنها لا تنشد الربح المباشر، بقدر ما هي مسئولية أدبية وأخلاقية تقود في نهاية المطاف للارتقاء بالشعب الى حالة من القوة تعتمدها الدولة في تحسين مكانتها بين الدول.

لكن هل المشاريع التي يكون إنتاجها أكثر كلفة من استيرادها، يخضع لنفس المفهوم؟

هناك بعض الدول، توقفت عن إنتاج بعض السلع وتركتها لدولٍ أخرى ضمن تفاهم معين، كاليابان في صناعة التلفزيونات والأجهزة الكهربائية وحتى السيارات. وهناك دول تخصصت في جزء من صناعة مُنتَجٍ ما، وتعاونت مع دول أخرى في تصنيع الأجزاء الأخرى. وهذا يُفسر اقتصادياً بأن تلك الدول تريد ربط أسواقها الخاصة وأسواق شركائها بمصلحة واحدة تعود بالنفع على تلك الدولة، كما أنه ببعض الحالات يكون من الأوفر على الدولة أن يقوم شركائها من الدول الأخرى في تصنيع أجزاء من منتجها الأساسي، كون الأيدي العاملة أقل كلفة أو أن المواد الخام والقوانين الصناعية في تلك الدولة متوفرة بشروط أحسن.

لكن كل ذلك، لم يؤثر على القاعدة الاقتصادية، في أيٍ من أطراف الإنتاج، لأنه في حالة فك الشراكة، فإن قدرة الدولة لن تضعف على إيجاد شركاء جدد، أو أنها تقوم بالتصنيع نفسه.

جدلية نمو القاعدة الاقتصادية

إن تمسك الدولة بتنويع أبواب اقتصادها، سيحفز الباحثين الإداريين والفنيين على تطوير الإنتاج والبحث عن وسائل تقليل الكلفة، والبحث عن أسواق، إضافة الى تأمين فرص عمل لقطاعات واسعة من الشباب الداخلين حديثاً لسوق العمل. إضافة لتنويع أبواب الدخل القومي للدولة.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 21-04-2010, 12:53 PM   #7
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

القاعدة الاقتصادية .. المكان والتطريد

عندما تنخفض قدرة خلية النحل، ولم تعد تكفي أفراد طائفتها، لأسباب قد تتعلق بانخفاض كفاءة الملكة على وضع البيض، أو أن الملكة تكون قادرة على وضع البيض وخصوبتها عالية، لكن المرعى أو المكان يكون غير كافٍ لتزويد الخلية بالرحيق وحبوب اللقاح، عند ذلك تبرز ظاهرة (التطريد) أي تفكيك طائفة الخلية لعدة مجموعات، تغادر المكان وتحاول إنشاء خلايا جديدة.

هذه الظاهرة، تنسحب على أبناء البشر في كل مستوياتهم، فالبيت كمكان للأسرة، سيلفظ بعض أعضائه عندما يكبرون ويتكاثرون ولن يعود هناك حيز لاستيعابهم، وقد يكون خروج بعض الأفراد طوعياً وسلمياً وقد يأتي كنتيجة لاحتراب أو احتكام بعد الاختلاف.

كما يحدث في الأسرة، فإنه يحدث بالشركات أو المحال الحرفية الصغرى، فقد لا تكفي أرباح محل بيع اللحوم (الجزارة) لشريكين (أخوان أو غيره)، فيضطرا الى المخالصة وتصفية المحل، وإحالته لأحدهما.

وكان يحدث ذلك في المجتمعات القبلية (البدوية الرعوية)، حيث لا تكفي مساحة المرعى لإطعام مواشي الجميع، فيبادر أضعفهم، وأحياناً أقواهم، للرحيل بحثاً عن مراعي جديدة، مع ما تحمله تلك الرحلات من صعوبات واقتتال وغيره.

كذلك كانت وما تزال، تفعل الدول بتطلعاتها للتوسع، تمشياً مع نظرية (مالتوس) التي ظهرت قبل أكثر من قرن ونصف، عندما تنبأ بعدم كفاية العالم على اتساعه لإطعام أبناءه، علماً بأن عدد سكان العالم لم يكن يتجاوز المليار، فكيف اليوم والعالم على أعتاب السبعة مليارات.

هل الأمن كفيلٌ بحل ما يترتب على ظاهرة التطريد؟

يعتمد مربو النحل طرقاً للتعرف على ظاهرة التطريد، فيعالجونها بتغيير الملكة أو التغذية الصناعية أو زراعة النباتات المزهرة، وإن كانت المسببات آتية من أعداء ك (الزنابير أو طيور الوروار) فإن حمايتها ستكون سهلة أيضاً.

لكن، هل تتكفل الجيوش القوية وأجهزة الأمن المتيقظة لتدعيم قاعدة اقتصادية، يعاني أفرادها من الجوع والعطش والبطالة والجهل والمرض؟ إن ذلك لن يحدث في المنطق، فالخزنات المنيعة يكون داخلها كنوز عظيمة، ولا يمكن أن تفرد دولة ضعيفة في مواردها هزيلة في إنتاجها جزءا كبيراً من ميزانيتها للتسليح وتقوية أجهزة الأمن، وإن فعلت ذلك، فستكون سياستها مكرسة لإدامة من هم في الحكم وتكون أيضاً أحد العوامل المباشرة في إعاقة نمو القاعدة الاقتصادية.

هل الجهل أحد أسباب التطريد؟

قبل أربعة عقود، كان هناك في منطقتنا سبعين من العاملين يكدون ليلاً ونهاراً لإطعام مائة، وهذه النسبة كانت في كوريا الجنوبية أيضاً.

بعد انتشار العلوم والتقنيات، لم يعد هناك حاجة لتخصيص 70% من الشعب للعمل في الزراعة، بل يكفي حوالي 10ـ20% من الناس ليتخصصوا في تلك المهمة، وزيادة النسبة وقلتها تعتمد على تطور العلوم والبذور والأدوات وطرق الري وطرق استغلال الأرض الخ.

ولكن، الى أي المجالات سينصرف ال 80ـ90% من الناس؟ وهل الزيادة في السكان ستضمن بقاء نسب العاملين والعاطلين عن العمل؟ وهل انصراف الشباب والشابات (طبعاً) لمقاعد الدراسة الجامعية سيحل المشاكل وحده وسيدعم القاعدة الاقتصادية؟ وهل تضمن الدول أنها في بذل نقودها ونقود أبنائها أن لا تذهب تلك الأموال لصالح الدول التي يتطلع هؤلاء الشباب للهجرة إليها بعد تنفيذهم تلك الهجرة؟

وعي الأفراد ووعي الدولة..

الوعي هو القدرة على إنتاج صور.. هكذا بكل بساطة.. فإن كان الوعي يخص حدثاً كان في الماضي فإنه يصبح وعياً (ماضوياً)، وهذا الوعي يستخدم في استجوابات الشرطة عندما يحثون متهميهم على إعادة رسم صورة كانوا شهداء عليها، أو يستخدمه المؤرخون والمحللون السياسيون عندما ينبشوا أوراق الماضي لمئات بل ولآلاف السنين، لتكون لهم بمثابة نقاط لإحداثيات لإتمام رسم الصورة، وعندما تقل نقاط الإحداثيات فإنه تقل معها معالم الصورة والعكس صحيح.

في تصور ما سيحدث بعد سنة أو عشرة سنين أو مائة سنة، يستحضر من سيقوم بتشكيل الصورة كل مهاراته وثقافاته ومعلوماته الإحصائية ليقوم (بوعيه) في رسم تلك الصورة المستقبلية، فإن كان مثقفاً متعلماً (كفرد) فإنه يستطيع رسم صورة دقيقة أو قريبة من الدقة، وإن كان جاهلاً فإن الضبابية والميتافيزيقة ستلف تلك الصورة.

في حالة (وعي) الدولة، يلزم استحضار كل أدوات الوعي من مؤسسات ومفكرين وعلماء وأجهزة استخبارية. لتخطط فيها الدولة لكل شيء: مراكز صحية، مدارس، مساكن، فرص عمل، طرق مواصلات الخ. ومن أين ستأتي بتمويل تلك الخطط وما يستوجب عليها انتهاجه.

من هنا، نجد بعض الدول وأفرادها يأخذون مسألة النمو السكاني بشكل جدي وقاسٍ في بعض الأحيان، وطبعاً لا يخلو أي نمط من أنماط التفكير من خطورات اجتماعية واقتصادية وأمنية الخ.

يتبع
__________________
ابن حوران

آخر تعديل بواسطة ابن حوران ، 21-04-2010 الساعة 01:05 PM.
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 11-05-2010, 08:55 AM   #8
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

موقع العمل في القاعدة الاقتصادية

الحديث عن العمل، بشكل عام سيقود الى تفرعات كثيرة، منها ما يتعلق بضرورة العمل ومنها ما يتعلق بالرغبة بالعمل ومنها ما يتعلق بتقسيم العمل ومنها ما يتعلق بالمسئولية في تأمين العمل للمواطنين ومنها ما يتعلق بمردود العمل على مستوى الأفراد أو مستوى الجماعة أو مستوى القاعدة الاقتصادية الوطنية، وغير ذلك من العناوين الفرعية المهمة، ولكن سنستعرض ما يتعلق بمستوى فهمنا لتأثير العمل على القاعدة الاقتصادية.

وقبل أن ندخل في مناقشة موضوع العمل، دعنا نذكر ما رواه أحدهم ونتأمل في قوله: (لقد تزوجت في شتاء عام 1948، وكنت أعلم أن المساحة التي كُلفت من الأسرة في زراعتها بالقمح، لن يساعدني أحد على إنجازها، لأن كل من كان في عمري، كان مكلفاً بحجم عمل، عليه إنجازه في الوقت المحدد، فزراعة القمح لها موعدها، ولا يجوز تجاوز ذلك الموعد، ولأن وسائل الحراثة كانت بدائية (بواسطة الحيوانات) فإن تقديرات العاملين وخبرتهم تجعلهم يراقبون أنفسهم... قطعت إجازة عرسي في اليوم الثالث، وأخذت بغلي والمحراث والبذار وخرجت قبل الفجر حتى أصل الى الأرض التي سأزرعها وأحرثها، فأذن الفجر وأنا في طريقي، وكنت لا زلت على جنابة، فتذكرت قول والدي [ لا يصح أن نلمس القمح أو نبدأ العمل دون طهارة وصلاة]، فالتفت فإذا بتجمع لماء الأمطار وقد علا سطحه طبقة من الصقيع، فكسرتها، وأخذت من ماء المطر واغتسلت، وقمت بعملي، وعندما عدت في آخر النهار، كانت الحمى والقشعريرة قد نالت مني، ومع ذلك لم أتغيب عن عملي ساعة واحدة)


ضرورة العمل والرغبة فيه

هناك من ينظر الى العمل، على أنه نزوع فِطري لتوكيد ذات الإنسان، وهناك من ينظر إليه على أنه وسيلة أو معبر لتأمين ضرورات العيش، أي لتأمين دخل ثابت يستطيع الإنسان من خلاله إنجاز طلباته الأساسية التي تبدأ من إشباع المنفعة الحدية كتأمين السكن بشكله الأولي الذي يحقق استقرار الإنسان بعيداً عن الأذى الذي قد يلاقيه من الطبيعة (بردها وحرها ووحوشها)، أو يلاقيه من التطفل على خصوصياته التي تؤمنها عزلة السكن الخاص. أو كتأمين الطعام بشكله الأولي الذي يحفظ الحياة، والملبس وغيره، وما أن تتحقق تلك المطالب الأولية حتى تمتد رغبة الإنسان في تطويرها من حيث الفخامة والرفاه.

من ناحية أخرى، هناك من لا يُعلق أهمية على العمل، فيقول: إذا كان الناس يعملون من أجل أن يعيشوا، فإن كان باستطاعتهم العيش دون عمل، لماذا يعملون؟

هذه النظرة تغلغلت هذه الأيام في نفوس الكثيرين من أبناء دول العالم الثالث، فبالرغم من أن الفقر ينتشر في أوساطهم بشكل كبير، فإنهم ينزعون بتفكيرهم الى البحث عن مصادر رزق لا يتعبون في تحصيلها، فإن كان أحدهم قد ورث قطعة أرض أو عقار فإنه سيفكر على الفور ببيعها ليؤسس مشروعاً لا يكدح فيه، وإن لم يكن قد ورث شيئاً فإنه سيفكر بالهجرة بحثاً عن فردوس لا عمل فيه، أو أن العمل فيه أقل قسوة من العمل الذي في ذاكرته.

لقد أدت التطورات الحضارية في العالم وانتقالها بسرعة الى انتشار مفاهيم لم تكتمل بشكل وافٍ عند الناس للتعامل معها، فحتى الآباء والأجداد الذين كدحوا وتعبوا، أرادوا أن يريحوا أبنائهم من ذلك الكدح، وما التوجه الى التعليم في أحد أشكاله إلا دافعاً وراء تأمين شكلٍ مريح للأبناء. ولو سألنا طلاب الصف التاسع عن أحلامهم في المستقبل لرسم معظمهم صوراً، يكون فيها مديراً أو مشرفاً على آخرين يعملون!

فالرغبة بالعمل تتلاشى مع ضبابية الظنون التي يعيشها الإنسان، قبل مدة (سنة أو اثنتين)، كشفت فضائح (البورصة) التي أكلت معظم مدخرات الناس، راكضين وراء أوهام تعدهم بأرباحٍ هائلة وبوقت قياسي، ودون تعب!

إدارة العمل وتقسيمه بين الناس

في المثال الذي ورد بالقصة التي استهللنا بها الموضوع، كان الناس البسطاء يقسمون العمل فيما بينهم بصورة فطرية، وكان التقسيم في المجتمعات الزراعية يشمل كل أعضاء الأسرة حتى الأطفال منهم، والذين كانوا يكلفون برعاية من هم أصغر منهم أو الاعتناء بصغار الحيوانات، في حين كان يعرف الأب وتعرف الأم ويعرف كل يافع وراشد دوره بشكل صارم.

بعض المهندسين في أيامنا هذه، لا يدركون بشكل جيد إدارة العمل والعمال، فمثلاً كان أحدهم يخسر في كل المقاولات التي يأخذها، أو أنه يربح بشكل ضئيل لا يسد رمقه. ماذا كان يفعل؟ كان يقدر أن صب الكونكريت لسقف ما يحتاج الى ستة عمال، فيذهب بالصباح الباكر فيحضر العمال بسيارته ويذهب الى مطعم ليشتري فطوراً لهم ويذهب الى المخبز ليشتري خبزاً لهم ويكون متفقاً معهم على 60 دولاراً لذلك اليوم من العمل، وعندما يصل الى أرض الورشة يتذكر أنه لم يوصي على صهريج ماء، فيدفع أجور العمال ليواعدهم في اليوم التالي!

خطوات العمل المتسلسلة ومعرفة قدرة العامل على إنجاز ما يُطلب منه، تعتبر من الفنون التي نهضت بها الأمم المتقدمة. في دراسة أجريناها بين عامي 1974 و1977، على عشرة ألوان من العمل الزراعي (إنتاج حيواني، حقول، بساتين، غابات، وقاية نبات الخ) وجدنا أن معدل إنتاجية العامل الواحد يومياً هي ساعة و13 دقيقة، وعندما ناقشنا الأسباب والتي افترضنا لها أكثر من 100 سبب، منها الرواتب والتغذية والسكن والانتساب لنقابة أو حزب والديانة والطائفة ونمط الإدارة الخ، (كان ذلك في محطة بحوث بستنة نينوى/العراق)، خلصنا الى أن انتهاج العمل في بلداننا بالأجرة وقوانينه وإداراته لا زالت تحتاج الى المزيد من الدراسات والبحث.

الدولة وسوق العمل

لم تكن للوظائف العمومية في بلداننا تلك الأهمية التي أصبحت عليها في أيامنا هذه. ومعلوم أنه حتى منتصف فترة الحكم لمحمد علي باشا في مصر، لم تكن الدولة هي من يُعطي الرواتب للموظفين، بل كان الموظفون هم من يعطوا الدولة بدل تعيينهم، لأنهم كانوا يستوفون أتعابهم من العامة.

مع بدايات الدولة العربية في القرن العشرين، تم تدخل الدولة في إدارة شؤون الحياة العامة وحتى جزء من الحياة الخاصة، حيث تم تقليد الشكل القائم للدول التي كانت تستعمر بلداننا وتديرها.

وشيئاً فشيئاً، أصبح أثر الدولة يظهر جلياً في حياة الناس، فهي التي تخزن الأغذية وهي التي تنظم العلاقات العامة وهي التي تشرف على العقود المدنية والتجارية، وهي التي تشرف على التعليم،الخ. فانجذبت نفوس الناس إليها باعتبارها الملاذ الأكثر أمناً.

ولتوسع أدوار الدولة، احتاجت الحكومات الى أعدادٍ من الموظفين الجباة والعمال والموظفين والشرطة والجنود الخ. وظهر أن ما تعطيه الدولة من رواتب يفوق ما يحصل عليه المواطن العادي من كدحه في أعمال الرعي والزراعة والبناء، وظهر أيضاً أن تلك الميزات تعلو كلما علا قدر الموظف بدرجته وعلمه، فأخذ هذا المسار طريقه بتسارع أثر على خريطة الأعمال والحرف وغيرها.

بعد أن عجزت الدولة على استيعاب كامل القوى العاملة في الشعب، تراجعت الميزات التي كان يحصل عليها الموظف والعامل العمومي، لتصبح فيما بعد تلك الميزات والرواتب لا تغطي إلا جزءا يسيراً من متطلبات الحياة اليومية لهؤلاء العاملين، مما ترك أثراً سلبياً في أخلاقيات العمل (الفساد والرشوة والبطالة المقنعة ورداءة الإنتاج العمومي وتدني كمياته).

كما أن هذا الالتزام الأدبي غير المصرح به، قد أثقل كاهل المصاريف للدولة، وبنفس الوقت تفشت البطالة، وتشير بيانات البنك الدولي الى أن معدل البطالة خلال الفترة من العام 2000 الى العام 2005 قد بلغ في الجزائر 29.5% عام 2000 ليتراجع الى 15.3% في عام 2005. وفي مصر 11% والمغرب 11.2% والأردن 12.4% وتونس 14.7% والعراق 26.8% وكذلك في الأراضي الفلسطينية المحتلة*1

خلاصة:

لقد تأثرت القاعدة الاقتصادية الفردية والمؤسسية والحكومية، تأثراً بليغاً، ولا توحي المشاهد الحقيقية أن هناك من يتوجه بشكل جاد للخروج من تلك الحالة، وهذا بدوره يتطلب المزيد من البحث والمناقشة، لا على صعيد الحكومات، بل على صعيد الجامعات والنقابات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني.

هوامش:

*1ـ حال الأمة العربية (2007ـ2008)/مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت/ صفحة 243.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 10-06-2010, 12:05 PM   #9
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

الأسعار والتسعير والقاعدة الاقتصادية

لو كان شخصان يتوهان في الصحراء، أحدهما يحمل ذهباً والآخر يحمل قربة ماء، فإنه في لحظة معينة سيدفع حامل الذهب كلما لديه مقابل أن يحصل على شربة ماء. أي أن الحاجة اللحظية والقاهرة والتي تحكمت فيها ندرة الماء ستكون وراء تسعير وتثمين تلك السلعة. لكن في عالمٍ أصبح مفتوحاً على مصراعيه للمعلومات وللبضائع فإن للتسعير مسارات مختلفة.

يسعى كل فرد وكل مؤسسة وكل دولة، أن يكون للجهد الاقتصادي الذي يُبذل منها مردودٌ يكفي لتغطية الكُلَف المبذولة على الأقل، مع هامشٍ آخر يكون عوناً في تطوير مستلزمات الإنتاج، وتوفير أسباب الحياة الاعتيادية، فإن تحقق سيسعى الفرد والمؤسسة والدولة الى تحقيق الرفاه للمشتغلين في ذلك الجانب الاقتصادي، وإن لم يتحقق الحد الأدنى من توفير شروط الحياة الاعتيادية، فإن النشاط كله سيكون موضع إعادة تقييم، إما بتركه والتخلي عنه أو ببيعه بثمن بخس.

أثر الندرة في التسعير

الندرة: هي أن تكون الخدمة أو السلعة المطروحة أقل بكثير من حاجات طالبيها، فمثلاً يكون خبير المتفجرات في بلدٍ مليء بالألغام، ويخرج من حرب أهلية من الخبرات النادرة، عالية الأجور. كما تكون ندرة عمال النظافة ورفع القاذورات في بلدٍ كهولندا مثلاً سبباً وراء غض النظر عن دخول أعدادٍ من المهاجرين وهو ثمن (معنوي).

في سنين القحط كانت ترتفع أسعار القمح والشعير، وتنخفض بالمقابل لها أسعار اللحوم والحيوانات كون مواد العلف غير متوفرة، وفي تسعير النفط عندما تحس الدول أن المخزون من النفط في بلاد تستهلكه بكثرة كالولايات المتحدة قد انخفض فإن الأسعار سترتفع عالمياً.

وتتحكم دولٌ منتجة لبضاعة معينة كالنفط من خلال (كارتل) ينسق فيما بين إنتاج أعضاءه للتحكم بالسعر. وهذا يحصل مع عمال (المياومة) الذين يرفعون أجورهم بمواسم البذار أو مواسم الحصاد أو مواسم البناء.

المُشتري والبائع والسوق

يشتري الشاري حاجاته أولاً بأول، إذا كانت قدرته الشرائية محدودة أو منخفضة، ويستغل المقتدرون فترة العرض الأضخم ليخزنوا حاجاتهم للسنة كلها، ليستخرجونها وقت قلة عرضها وارتفاع أسعارها، ومنهم من يُحول تلك المواد من حالة الى أخرى تصلح للتخزين. ومنهم من يشتري تلك البضائع ليعيد طرحها في الأسواق وقت ندرتها.

وهناك من الدول أو الشركات العملاقة من تكون هي (الزبون) الوحيد لشراء تلك المواد، ففي أستراليا مثلاً، يتم شراء كل القمح وكل الصوف لبيعه وِفق أسس مدروسة في الأسواق العالمية. وكذلك تفعل الكثير من دول العالم الثالث في شراء المنتوجات الزراعية لتبعد الاحتكار عنها.

دعم الأسعار

تلجأ الكثير من دول العالم الى دعم الأسعار في كثيرٍ من الخدمات والسلع، ولا يتوقف هذا السلوك على نمط معين من الدول، وتسلكه الدول الاشتراكية كما تسلكه الدول ذات الاقتصاد الحر.

وتتضمن الخدمات المدعومة، تلك التي يكون لندرتها أو تذبذب أسعارها أثرٌ ذو طابع سياسي، كالخبز والوقود والتعليم والصحة. لكن مع ذلك فإن الحكومات في كثيرٍ من الدول تترك الباب موارباً للالتفاف على مسألة الدعم، وتبقى آثار الالتفاف على هذا الدعم محدودة وتحت المراقبة.

ففي بعض الدول، تقدم الدول بضائع مدعومة وتوزعها بموجب بطاقات ليأخذ كل مواطنٍ نصيبه منها بالتساوي. وهناك أسلوبٌ آخر لبضائع يكون أثر ندرتها أقل من البضائع الأساسية، وهذا الأسلوب يسمى (من يَحضر أولاً يحصل على البضاعة أولاً)، فتنزل الدولة بمعارض معينة (أسواق مركزية حكومية، جمعيات تعاونية، وخيرية) ويصطف المشترون بطوابير للحصول عليها، وعندما ينتهي المعروض من البضاعة، لا يستطيع من يجيء متأخراً الحصول عليها، فتزدهر معها الأسواق السوداء لتُباع البضاعة بسعرٍ أعلى، وبعيداً عن عيون المراقبة!

في أسواق التعليم والصحة كخدمات مُلزمة بها الدولة في كثير من بلدان العالم، تُحدد الدولة أعداد المقبولين في جامعاتها بأسعار مخفضة أو مجاناً، وليكن مثلاً في بريطانيا، نصف مليون مقعد. وعندما يتقدم مليون طالب لإشغال تلك المقاعد، فإن الدولة تلجأ لأسلوب المفاضلة بين الطلاب حسب مجموع علاماتهم، ثم تفتح الباب للدراسة بأجورٍ (التعليم الموازي، كما في الأردن مثلا).

وهذا ينسحب على قطاع الصحة، فعندما يكون المتقدمون للعلاج في المستشفيات الحكومية أعلى بكثير من أعداد الأسِرَّة في المستشفيات، فتلجأ إدارة المستشفيات لإعطاء مواعيد للمراجعة تصل أحياناً الى عدة شهور، قد يُتوفى المريض المراجع خلالها، فيضطر المريض المقتدر الى البحث عن مستشفى يتقاضى مالاً بدل المعالجة.

وهنا، ستكون القطاعات الأهلية تزحف جنباً الى جنب مع القطاعات الحكومية، الى احتلال مواقع الخدمة التي يُفترض بالدولة تأمينها، مما سيؤثر بالنهاية على استنزاف مُدخرات المواطنين وتوظيفها مقابل خدمات لم يضعها المواطن بحسبانه، مما سيؤثر على وضعه كمؤثرٍ في القاعدة الاقتصادية أينما كان موقعه.

بقي علينا القول، أن الدولة تتدخل أحياناً في تحديد الحد الأدنى من الأجور، ومع ذلك يجري على ذلك التحديد التفافات كثيرة، ففي الأردن مثلاً، تحدد بعض النقابات أجور المهندسين المتدربين لدى الشركات، بحيث تدفع النقابة جزءاً منه ويدفع صاحب العمل الجزء الآخر، فيتم الاتفاق أن لا يتقاضى المتدرب من الشركة شيئاً ويكتفي بالجزء الذي يتقاضاه من النقابة، ويغض النظر صاحب العمل عن ساعات دوامه، حتى وإن لم يحضر للعمل نهائياً.

كما تلجأ بعض الدول من أجل الحصول على العملة الصعبة في تخفيض أسعار المواد المُصدرة أو دعمها بالمال أو الإعفاءات الضريبية.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 24-06-2010, 02:06 PM   #10
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

النمطية.. وتراكم الخبرات

يحمل الكثير من العائلات أسماءً تخص مهنة بعينها، ففلان الحداد وفلان القاضي والنجار والبزاز والباججي والعوَّاد والسمَّاك والمُنَجِّد الخ. وقد يكون جد هذه العائلة يمتهن المهنة التي أخذت العائلة اسمها منه، وقد يبقى كل أفراد العائلة يمتهنون مهنة جدهم الأول. فيبقى (الحلواني) ينجب أولاداً يصنعون الحلوى ويتكاثرون وتتكاثر معهم فروع محلاتهم. وقد يتخصص بعضهم في الاسم فيصبح (كنفاني) أي من يصنع الكنافة.

إن هذا النوع من التنميط للمهن له دورٌ في تطوير تلك المهن واكتساب المهارات السريعة في إنجاز كميات أكبر منها في وقت أقل وسرعة أكبر وكلفة أقل. فلا يصلح (هاوٍ) يأخذ منه صناعة طبق من الفول كل نهاره حتى ينقعه ويغسله وينقيه ويقشره ويدق بعض الثوم ويعصر بعض الليمون وإضافة المنكهات، وهو يوسخ العديد من الأواني وقد يجرح أصبعه وهو يمارس هوايته، لا يصلح لتلبية حاجات حي يتناول إفطاره في بحر ساعة أو ساعتين من الصباح، في حين أن بعض المحترفين يقدرون على ذلك بسهولة ودون الإخلال بنوعية ما يقدمونه لزبائنهم.

التنميط في الشركات العملاقة

في اليابان مثلاً، يسودُ عرفٌ بين شركات صناعة السيارات، بأن الشركة لن تستقبل عاملاً فنياً أتى من شركة أخرى دون رغبتها، فبالرغم من العمال الفنيين يستخدمون الآلات الحديثة فإن من يبدأ حياته في شد (براغي) الإطارات لن يغادر هذا الصنف من العمل الى غيره حتى تقاعده، فلا يُنقل لشد أسلاك الكهربائيات ولا يذهب الى قسم الدعاية ولكن يبقى في ما بدأه بحياته المهنية، فهذا التنميط سيجعله ينجز عدداً أكبر من شد البراغي في شكل أكثر متانة ووقت أقل، وهنا سيدعم القاعدة الاقتصادية التي يعمل بها.

تجربة تم تطبيقها في الزراعة

في الدراسة التي تمت في محطة بحوث بستنة نينوى على عمال المشاتل مثلاً، وُجد أن العامل ينجز تطعيم 300 شتلة يومياً، ونسبة نجاحها 90%، ولكنه يبقى في دوامه 9 ساعات (ثمانية للعمل وواحدة للاستراحة). فكان المقترح الذي يُطرح على العاملات والعاملين. أعطونا 350 شتلة مطعمة بنجاح 90% ثم اذهبوا الى بيوتكم. ويُحبذ أن تبكروا في دوامكم حتى تكون ساعات الصباح الباردة ملائمة أكثر لنجاح الطعوم.

كانت المفاجأة أن العمال أنجزوا ما طُلب منهم بأكثر من ساعة بقليل من الدقائق، وكانوا يذهبون قبل الدوام الرسمي للموظفين والإدارة، وكانت المفاجأة الأكبر أن نسبة النجاح اقتربت من 100% بعد تفقد الشتلات بعد مرور ثلاثة أسابيع. والسبب يعود في ذلك لتركيز العمال فيما طُلب منهم وما ينتظرهم من ساعات نهار طويلة يكونون فيها أحراراً، بالإضافة الى أن التطعيم كان في ساعات النهار الأقل حرارة.

أثر التنميط في صياغة القوانين

عندما لا يرتاح أحد العمال بعمله، فإنه سيغيره الى عمل آخر، وهذا أمرٌ يبدو للوهلة الأولى أنه عاديٌ وغير مُضر، وأعرف أشخاصاً ـ وغيري يعرف ـ قد تنقلوا في حياتهم بين ستة أو عشرة أنواعٍ من المهن والأعمال. فتجده اليوم عامل بناء (كونكريت) وبعدها قد يشتغل في تمديد إسالة المياه وبعدها قد يعمل صباغاً، أو يتركه ليقلي (الفلافل) أو يهاجر لغير رجعة الخ.

هذا ليس مقتصراً على العمال غير المهرة، بل يتعداه الى الجامعيين، وقد سبق وكتبنا عن مهندس ميكانيكي انتظر دوره في الوظيفة حوالي خمس سنوات، عمل خلالها بائعاً للبطيخ في الصيف وصاحب مشتل ومتعهد حفلات أعراس.

إن الابتعاد عن التنميط وتغيير المهنة يؤدي الى ما يلي:

1ـ تقطع الخبرة وعدم تراكمها ليتم تذخيرها لصالح المهنة وصالح القاعدة الاقتصادية والاقتصاد الشخصي والوطني.

2ـ فصل العلم والمعرفة عن الامتهان والحالة الإجرائية للعمل، فأن يدرس أحدهم اللغة الإنجليزية ـ الترجمة الفورية، ويفتح محلاً لخياطة الملابس، فلا علاقة بين علمه وعمله.

3ـ عدم الدفاع عن المهنة، بل تركها عندما لا تلبي حاجة صاحبها سيؤدي الى اندثار من يمتهنون بها ويجعل سوقها متذبذباً بين الارتفاع المبالغ فيه بالأجر الذي يتقاضاه من يمتهنها، وبين رداءة النوعية في نتاجها.

4 ـ الابتعاد عن المهنة سيجعل الكُتاب والمشرعين لا يولونها اهتماماً كبيراً وبزوالها سيختل سوق العمل وستختل معه القاعدة الاقتصادية.

5 ـ الابتعاد عن المهنة، سيجعل من سوق العمل باباً واسعاً للعمالة الوافدة لتغطية النقص في ذلك السوق.

ما السبيل الى التمسك بالمهنة؟

يبدأ السبيل الى ذلك، بتأسيس نقابات أو روابط (جمع رابطة) ترعى سوق العاملين بالمهنة، وتنظم علاقاتهم، وتلتقي بالمرشحين للانتخابات البرلمانية لتسمع صوتها وتملأ الفضاء الذهني بمطالبها.

وعند تقديم مسودات لقوانين تهتم بتلك المهنة، لا بد لممثلي تلك المهنة من الحضور والمناقشة الجاهزة.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .