العودة   حوار الخيمة العربية > القسم العام > الخيمة الفـكـــريـة

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: قراءة فى مقال القواعد الأساسية للحوار (آخر رد :رضا البطاوى)       :: انـا لن اطلب من الحافي نعال (آخر رد :اقبـال)       :: فـليسـمع البعثيون غضبـهم (آخر رد :اقبـال)       :: حقيقة (آخر رد :ابن حوران)       :: تحميل برامج مجانية 2019 تنزيل برامج كمبيوتر (آخر رد :أميرة الثقافة)       :: عدي صدام حسين يرفض اسقاط النظام السياسي في العراق وترامب يمتثل لطلبه (آخر رد :اقبـال)       :: إيران والملاحق السرية في الاتفاقيات الدولية (آخر رد :ابن حوران)       :: حُكّام المنطقة الخضراء في العراق: وا داعشاه!! (آخر رد :اقبـال)       :: العراق (آخر رد :اقبـال)       :: تيجي نلعب دولة؟ (آخر رد :ابن حوران)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 26-06-2014, 12:41 PM   #1
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي المسئول الحزبي: خطوة في طريق القيادة

المسئول الحزبي: خطوة في طريق القيادة



في الوقت الذي تتغير فيه المجتمعات من حالٍ الى حال، وتكون الجماهير هي الفاعل الظاهر لذلك التغيير، نتيجة انتفاضها على أوضاعٍ سيئةٍ صبرت على تحملها سنين طويلة، عسى أن تتحسن الأحوال ويرعوي الحكام فيلجئوا الى الإصلاح أو المصالحة مع جماهيرهم أو (رعاياهم)، ويذهب رجاء الجماهير عبثاً، وتزداد سطوة الأنظمة، ويصبح الفساد (عِلماً)، يتتلمذ فيه الفاسدون الصغار أو الناذرون أنفسهم للفساد على أيدي أساتذة الفساد الكبار الذين عبرت خبراتهم الحدود، عندها تنتفض الشعوب، تمشّيّاً مع المقولة (كل فعل غاشم يستنهض فعلٍ مُضادٍ له).

كما أن الجيوش تتقسم الى فيالق وفِرق وألوية وكتائب وسرايا وغيرها من التقسيمات التي يوكل لكل مجموعة منها، مهمة أو مهام، ويكون على رأس كل مجموعة صغرت أو كبرت مسئول، فإن التحركات الجماهيرية التي تظهر بشكل (حشود) يعتقد البعض أنها مُنظّمة، ويعتقد البعض الآخر أنها خرجت لهدف أو أهداف دون تنظيم، بل بوازع فطري أساسه الثورة على ما هو قائم، تنجح تلك الجماهير بتحقيق أهدافها إذا ضبطت تنظيمها، وتخفق إذا اعتمدت النزعة الفطرية، وتكون عرضة لسرقة جهودها، من قبل لصوص الثورات.

وإن ما حدث ويحدث، في البلدان العربية التي انتفضت شعوبها وتنتفض وستنتفض البقية الباقية منها، وسخر من انتفاضاتها البعض وألصق بها التهم، محقاً في جانب ومخطئاً في جانب آخر، فإن سوء الحكم عليها آتٍ ـ بلا شك ـ نتيجة عدم كفاءة المسئولين عن تلك الانتفاضات، أو عدم تأهيلهم تأهيلاً جيداً.

(1)

إن اختيارنا لموضوع المسئول الحزبي، آتٍ من تسليمنا، بأن الانتفاضات والتغييرات لن يكمل مشوارها إلا تنظيمات حزبية تعرف ما تريد أن تحرك به تلك الجماهير، دارسة لإمكانياتها ووسائل التغيير التدريجية أو الثورية، ومُدربة لكوادرها لكي يحسنوا قيادة تلك الجماهير، ويحسنوا في نفس الوقت التعامل مع غيرهم من الأحزاب.

سيكون هناك من يعترض على فكرة دور الأحزاب في التغيير وقيادة الانتفاضات، وهؤلاء ـ مع الاحترام لوجهة نظرهم ـ سيكونون خارج نقاش هذا الموضوع، وإن أكملوا قراءة ما تحويه تلك الصفحات، قد يغيرون رأيهم، وإن لم يكملوها، فلا ضير من ذلك.

قد يكون أداء الأحزاب العربية، طيلة قرن من الزمان، هو ما يجعل التعويل على أدوارها مرتبكاً وغير مؤكد، سواء تلك التي استلمت زمام الحكم، أو تلك التي أسست بعد استلام الحكم، أو تلك التي بقيت دون استلام الحكم فأخذت شهادة بالطهارة (من نفسها) بأنها لم تتلوث بالفساد!

(2)

سيكون لزاما علينا ونحن نناقش موضوع المسئول الحزبي (ككادر للصورة)، أن نناقش الظروف المحيطة به، كدأب من يناقش موضوع (نبتة أو شتلة)، فإنه سيمر على موضوع الأصل والطُعم والآفات الزراعية، و الري والتسميد وبنيان التربة ودرجات الحرارة الخ.

وفي موضوع المسئول الحزبي، ستتم مناقشة الحزب ما هو، و ما هي أدواره وأنواعه، وشكله التنظيمي والانضباط والالتزام والاحتراف السياسي والبنيان الأيديولوجي كبناء دعائي، وعلاقة الحزب بالمنظمات الإدارية (النقابات) و(الجمعيات) و(الأندية) و (البرلمان)، و(الحكومة)، وغيرها، وكيف كانت تجارب الدول العربية بهذا الشأن وأين أخفقت؟ وما هي التجارب العالمية التي يمكن الاستفادة منها، دون إسقاطٍ أعمى.

(3)

قد يختار الفرد الانضواء تحت حزبٍ ما، لعناوين أهدافه وأفكاره، ولكنه لن يكون متوقعاً للشخص الذي سيقوم على تربيته وتثقيفه السياسي والحزبي، ومن هنا تبرز أهمية إعداد المسئولين وانتقاء الخلايا التي ستكون تحت مسئوليتهم.

فقد تتسرب عناصر منذ الفترة الأولى من الحزب لسوء اختيار من يستقبلها، ويعلمها (ألف باء) السياسة، وقد يكون لتلك العناصر المتسربة شأناً مهما في المستقبل، ولكن سوءُ الاختيار للمسئول عن تربيتها حكم على الحزب بخسارتها بوقت مبكر.

وقد تجامل التنظيمات الحزبية شخصاً أو أشخاص لهم مكانتهم الاجتماعية (عشائرياً) أو (اقتصادياً) أو أنهم يتمتعون بخصائص كاريزمية معينة، فتغض النظر عن الحزم بتربيتهم وتثقيفهم، فيصيبهم الغرور ويعتقدون أنهم مستثنون من القواعد الصارمة، فيتسلقوا المواقع القيادية، ويتسرب من خلال مسئولياتهم العليا من هم دونهم، فيحدث الانشقاق والشرذمة للحزب.

وقد يعتلي المواقع القيادية أشخاصٌ مثقفون متطورون جداً في المعرفة والفكر، ولكنهم أمضوا حياتهم بين الكتب وفي جلسات المثاقفة والجدال، وليس لهم خبرة في الشوارع والمقاهي ودونية القوم، فيخطئوا في وضع الخطط والتصورات، وحتى التكتيك السياسي.

هذا ما سنناقشه تباعاً
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 05-07-2014, 02:33 AM   #2
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

عدم رسوخ الإيمان بالحزبية

المسئول الحزبي هو بالأساس فردٌ انتمى لحزب بمحض إرادته أو لظروف معلومة، ومثله بذلك مثل الطالب الذي ينتسب للدراسة في إحدى الكليات الجامعية، فإن كان انتسابه للجامعة عن قناعة أو إيمان كحبه للحقوق أو الزراعة أو الطب، فينتسب للجامعة لينمي معرفته ومهاراته، فإن احتمالية أن يبدع ذلك الطالب بعد تخرجه واردة جداً. أما، إن كان ذلك الطالب انتسب للكلية تمشياً مع معايير القبول في الجامعات أو لقرب الكلية من منزله وقلة تكاليفها، فإنه بعد تخرجه سيكون بينه وبين الإبداع خصومة دائمة.

إن انتماء الفرد لحزب ما، لقناعة راسخة دون أن تجبره الظروف على ذلك الانتماء، فإن ولاءه للحزب وأفكاره وبرامجه ستزداد ويصبح التخطيط والتنفيذ وكسب المؤيدين والأنصار شغله الشاغل وسيتدرج في ترقي الدرجات الحزبية، بعكس ذلك الذي يأتي عندما يكون الحزب في الحكم، أو أن ينتمي لرغبة أهله أو أصدقائه، فسيكون حضوره بالحزب رقمياً لا تأثير فيه للطرفين (أي هو والحزب لا يؤثران في بعضهما).

(1)

الحزبية، في بلادنا العربية، هي أقرب للكره في نفس المواطن منها للرغبة، وأسباب ذلك معروفة، فلفظ ( حزب وأحزاب) في القرآن الكريم، كانت باستمرار مقرونة بالشرور ومعاداة الإيمان والرُسُل منذ القِدم حتى لو لم يجتمعوا في زمان واحد، فالصفة المشتركة عندهم هي مخالفة أوامر الله عز وجل { وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب} [ ص 13]؛ { من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} [الروم32]؛ { فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم اليم} [الزخرف 65]. وهكذا فقد اقترن الشر بالأحزاب في 16 موضع في القرآن الكريم.

في حين لم يكن نصيب الخير المقترن في الأحزاب إلا في موضعين في القرآن الكريم، إذ جاء في التنزيل { ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} [المائدة56]؛ {... أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} [المجادلة 22].

كما أن الأنظمة العربية، نَفَّرت من إتباع الأحزاب، واستعانت بخطباء المساجد ووعاظ السلاطين من الانخراط بالأحزاب. وكانت الحركات الإسلامية السياسية ـ حتى عقدين من الزمان، عدا حزب التحرير الإسلامي ـ تتجنب استخدام كلمة حزب في تنظيماتها، فتسميها: جماعة، حركة، جمعية، أتباع الطريقة الفلانية الخ.

(2)

إن حجج الذين يمقتون العمل الحزبي والانتماء للأحزاب، تحمل في طياتها بعض الوجاهة، خصوصاً عندما يحصروا مضار العمل الحزبي بما يلي:
أ ـ إن العمل الحزبي يشتت ويفرق أبناء الأمة، ويُحدث الفرقة فيما بينهم، من خلال حملات الدعاية المضادة التي تستخدمها الأحزاب للنيل من خصومها من الأحزاب الأخرى.
ب ـ إن انتماء نواب (البرلمان) من الأحزاب يكونوا محدودي الحرية، وولائهم لأحزابهم ومصالحها، أكثر من ولائهم للوطن والشعب حتى لو زعموا عكس ذلك.
ج ـ إن حجم الأحزاب وكثرة أعدادها، ستكلف الدولة كثيراً، نظراً لتعطيل جهد أعضاء تلك الأحزاب لجهود غيرهم بالإضافة لجهدهم المعطَّل أصلاً، كما أنه يفتح الأبواب لدس أنوف من يتربص بالبلاد شراً*1.

هذه السمات التي يصدق من يطلقوها في ظنهم، خصوصاً إذا تفحصنا تلك الظاهرة في الدول العربية خلال عشرة أعوام مضت (العراق، الجزائر، مصر، اليمن، تونس الخ).

لكن تلك الظواهر ربما ستختفي بعد تأصيل التجارب الديمقراطية وتجذيرها في البلاد، فلم نحس بذلك الأثر في ألمانيا أو بريطانيا أو فرنسا وغيرها من الدول التي سبقتنا في لعبة تناقل السلطة بوسائل مختلفة عن وسائلنا. فالسياسة العامة لتلك الدول تبقى كما هي، ولنلاحظ ذلك في الكيان الصهيوني أو الولايات المتحدة، لا فرق يذكر بين سياسة حزب العمل أو الليكود أو غيرها، أو الجمهوريين والديمقراطيين.

(3)

أنصار إباحة العمل الحزبي من المفكرين الإسلاميين، يستندوا في رأيهم على أن تعريف الحزب ـ أصلاً ـ أنه جماعة تسعى لاستلام السلطة أو المشاركة فيها، وكونها جماعة فلا ضير من تكوينها وتأسيسها طالما أنها تسعى لخير البلاد والعباد. ويذهب البعض منهم مستنداً على النظام المعرفي (البياني) الذي يعتمد اللغة والفقه، ويسوقوا الأدلة القرآنية والأحاديث النبوية التي تجيز الانخراط في العمل الحزبي.

فالحزب في اللغة هو الجماعة أو المجموعة، وقد قُسم القرآن الكريم الى ستين حزباً وثلاثين جزءاً. وفي التنزيل {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}، والحبل هنا التماسك والتنظيم.

والمسلم خُلِق للعبادة (كما بين الله في التنزيل)، وإقامة شرع الله، والأخيرة لا تتم إلا بوجود عمل منظم ودقيق، وهنا تبرز القاعدة التي أشار لها العز بن عبد السلام ( ما لم يتم الواجب إلا به، فهو واجب)*2؛ وهنا يبني العلامة الموصللي (إبراهيم النعمة) موقفه من أن التنظيم الحزبي واجب*3

بالرغم أن الحزبية لم تأخذ اسمها في القديم كما هي عليه الآن، إلا أنها كانت موجودة من قبل الإسلام، فالأحلاف شكل من أشكال الحزبية، والتجمعات القبلية شكلٌ آخر من أشكال الحزبية، وقد أشار الى ذلك مجموعة من الكُتّاب والمؤرخين وعلماء الاجتماع العرب في كتبهم*4.

وبعد الإسلام ظهر الخلاف السياسي منذ العهد الراشدي، وظهرت معه التكتلات التي كانت تحمل رؤى سياسية وتقوم مقام عمل الأحزاب في الوقت الحاضر، وظهرت دراسات مطولة لمؤرخين قديمين وحديثين تبين تلك التيارات التي هي في الواقع تيارات حزبية، بعضها على هامش قبلي وبعضها على هامش اجتهاد ديني*5

إذن، لا يستطيع أحدٌ إنكار وجود الحزبية ومرافقتها للنشاط السياسي منذ قيام الدولة الإسلامية أو العربية الإسلامية. ولكن نحن هنا، بصدد مناقشة الإيمان بها كأسلوب لجعل الحياة السياسية ملائمة ومقبولة ومراقبة من خلال مؤسسات منظمة. وإن كانت الأنظمة العربية قد نجحت في جعل الحزبية عملا شائناً، فلا بد للمثقفين أن يجعلوها محببة وعصرية للمواطنين. وهذا الارتباك بالإيمان بها هو ما يجعل المسئول الحزبي مرتعشاً ومهزوزاً ونادرا ما يكمل طريقه.




هوامش
*1ـ عبد الحميد ناجي عبيد السامرائي/ مشروعية تأسيس الأحزاب السياسية في الشريعة الإسلامية/جامعة بغداد: كلية الفقه والأصول الإسلامية (رسالة ماجستير 2007)، إشراف: محسن عبد الحميد أحمد.
*2ـ عز الدين بن عبد السلام السلمي/ قواعد الأحكام في مصالح الأنام/ بيروت: دار المعارف ج2 صفحة 204.
*3ـ إبراهيم النعمة/ مشروعية العمل الجماعي صفحة 20.
*4ـ أنظر مثلاً: النزاع والتخاصم بين بني أمية وبني هاشم لتقي الدين المقريزي؛ وانظر مقدمة في المجتمع العربي/ الياس فرح.
*5ـ انظر مثلاً: اليمين واليسار في الفكر الديني/ حسن حنفي؛ وانظر العقل السياسي العربي/ محمد عابد الجابري..وانظر الخلافات بين الصحابة لمحمد الشنقيطي.. وانظر الحزبية السياسية منذ قيام الإسلام لرياض عيسى؛ وانظر التعددية السياسية في الإسلام لصلاح الصاوي.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 09-07-2014, 11:45 PM   #3
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

التوليفة الأيديولوجية للحزب


تشكل الحزبية شكلاً من أشكال التقييد حتى بالفكر، وهي تتناقض بذلك بجبريتها وتقييدها مع (التلقائية) أو (العفوية). ففي التلقائية ينشغل الناس بتصرفهم ضمن إمكانياتهم وحسب فهمهم لملائمة تلك الإمكانيات مع محيطهم، دون ضغوط خارجية كما في حالة الحزبية، وهذا حسب رأي (دوركيم، و أريك فروم) يقلل من فرص الفتن والحروب الأهلية، ويظهر مقابلها جرائم فردية يمكن السيطرة عليها.

لكن كيف يتم توليف المضمون أو النسيج الأيديولوجي للحزب؟ وكيف يمكن للمسئول الحزبي أن يتعامل مع هذه التوليفة؟

إن أول إشارة للتوليفة الأيديولوجية تظهر في اسم الحزب أو شعاره، فعندما يُطلق اسم الحزب الشيوعي على تنظيم فيتبادر للذهن أممية هذا التنظيم وعبوره للحدود الإقليمية والقارية، وعندما يقول (يا عمال العالم اتحدوا) فإنه أعلن بذلك الشعار انحيازه أو (زعمه بالانحياز) لفئات العمال والكادحين. وعندما يطلق تنظيم على نفسه حزب (البعث)، فإنه يزعم بأنه سيقوم ببعث عوامل القوة في الأمة التي حددها للعمل ضمن حدودها، ويضيف بشعاره (وحدة وحرية واشتراكية)، فهو بذلك لخص هويته من خلال الاسم والشعار.

وفي خلال عقد من الزمان أو أكثر قليلاً، ظهرت في المنطقة العربية أحزاب كثيرة، وجدنا أن أكثر من أربعين حزباً استخدمت كلمة (العدالة) في عنوانها، وأكثر من ثلاثين حزباً استخدمت كلمة الحرية.

(1)

يكون دور الأحزاب في تعيين الوعي السياسي للأعضاء وتحكمها في تحديد مضمون هذا الوعي، وهذا ما يفسر الجهد الإرادي الذي تبذله الأحزاب في هذا الميدان. وهذا الجهد الإرادي يتخذ لدى بعض المفكرين صيغة مقننة بقدر ما يمثل الشرط الرئيس للانتقال من الوعي العفوي الى الوعي السياسي*1

في بلادنا العربية، ترفع الأحزاب شعارات ولكنها لا تجعل من شعاراتها وحتى تفاصيل التوليفة الأيديولوجية منهاجاً إجرائياً، فهي تقوم على الفور بتنصيب آخر من الأحزاب السياسية العاملة على أرض البلد، وتقوم بتثقيف كوادرها وأعضائها على النيل من الأحزاب الأخرى، ولذلك أسباب معروفة، فهي لا تستطيع مهاجمة الدولة أو النظام الذي يُفترض أنها وجدت لتعديله أو إزاحته من الحكم، فتقوم بتعبئة أعضائها على مناكفة الأحزاب الأخرى، وقد تكون تعلم أو لا تعلم أن النظام سيتساهل في عدم ملاحقة تلك الأحزاب بمهاجمة بعضها (طالما رأسه سالم) وبعيد عن الانتقاد المباشر.

وقد يقوم أحد الأحزاب باستعارة موضوعات ثقافية من حزب آخر، حتى لو كان غير متحالف معه أو حتى على عداء معه، وقد يُحرّف بعض من يقوموا على وضع توليفة ثقافية أو أيديولوجية من موضوع ثقافي وضعه حزب مُفارق، فيحذف من يولف شيئاً ويغير العنوان، وينسبه لحزبه، وهذا ما كان يجري لدى بعض الأحزاب القومية العربية، عندما تتكلم بمواضيعها الثقافية عن الاقتصاد، فتحرف التجربة اليوغسلافية (أيام تيتو) وتنسبها لنفسها.

وفي أواسط الستينات، كانت تنظيمات حزب التحرير الإسلامي والذين لم يكونوا ـ ولا زالوا ـ على اتفاق مع الأخوان المسلمين، يحضر المسئول كتاباً، وضع على جلدته الخارجية غلافين من ورق الجرائد حتى لا يعرف اسم الكتاب، وقد قام أحد أعضاء الخلية بمغافلة المسئول ـ بمكر ـ وأزال ورق الجرائد، فتبين أن الكتاب هو (في ظلال القرآن) لسيد قطب!

(2)

في المنهاج الثقافي يختار الحزب مسارا يحصن فيه أعضائه من الانحراف ـ هكذا يزعم ـ ويحذرهم من الاطلاع على تجارب الأحزاب الأخرى الثقافية والفكرية، فيصنع بذلك جداراً قوياً بين الحزبيين وبين محيطهم الفكري والثقافي والسياسي، وحتى موضوعات التثقيف الذاتي التي يقوم بها الأعضاء أنفسهم، قد تؤدي بهم الى الفصل من الحزب، بتهمة الانحراف والانحياز للماركسية عندما يكون الحزب قوميا أو دينياً، ويحدث أن يفصل أحد الحزبيين لأن لديه أفكار يمينية (برجوازية، دينية، رجعية)، هذا إذا كان الحزب يسارياً ووجد بين أعضائه من اطلع على تجارب غيره.

هذه الظاهرة تنتشر انتشاراً واسعا بين الأحزاب العربية، وبالذات تلك التي تنضوي تحت نوع الأحزاب التكاملية، أي تلك التي تؤمن أن حل مشكلة الأفراد لن تُحل إلا إذا حُلت مشاكل المجتمع كاملة، ومن أمثالها (حزب البعث، والشيوعي، والأخوان المسلمين والتحرير وغيرها)، بعكس الأحزاب التي تنضوي تحت نوع الأحزاب (التمثيلية) كالأحزاب الليبرالية وغيرها..

(3)

قد ينضوي في صفوف حزب ما عناصر ذات كفاءة فكرية عالية، منهم الفلاسفة وأساتذة العلوم السياسية في الجامعات، وترفد الحزب بحزمة من الأفكار تتحاذى مع برامج الحزب، ولكن الإلمام بتلك الأفكار وفهمها فهماً حقيقياً لدى الحزبيين من الدرجة الثانية أو الثالثة، لا تكون بنفس المستوى الذي يفهمه واضعوها أو المؤمنون بها إيماناً (عضوياً).

يواجه المسئولون من الدرجات الدنيا مواقف محرجة، فقد ينفي أحد هؤلاء المسئولين إيمانه بالعلمانية، في حين يُصرح مسئولٌ من مستوى أرفع أنه يؤمن بالعلمانية، وقد يهاجم أحد المسئولين من الدرجات الدنيا موضوع الدين باعتباره موضوعاً رجعياً لا يتلاءم مع سياسة الحزب، في حين يصرح مسئولٌ أرفع أنه مع الإيمان ضد الإلحاد، وكذلك تحدث خلافات في المواقف تجاه المرأة والانتخابات وغيرها.

يؤسس عدم التطابق في المواقف الفكرية (الأيديولوجية) في صفوف الحزب، حالة أو حالات من التشكك وكثرة (ما يُسكت عنه)، وتظهر نتائجه في الحوار مع السياسيين من مختلف الأحزاب، ويظهر هناك العداء والنزق في الحوار وعدم التمهيد لحالة القبول بالتعددية الحزبية أو حتى عدم التوافق الشعبي، والذي يبدو أن الأحزاب هي التي تدفع باتجاه عدم التوافق، وبالتالي ظهور الانقسام في صفوف الشعب، والذي سيؤدي بالتالي الى غياب الأمن الاجتماعي بعد غياب الأمن السياسي، وهذا ما نشاهده في مصر والعراق وغيره من الدول.

فالمسئول الحزبي الذي يُبنى كيانه على لون فكري (أيديولوجي)، غير متين، لن يكون في يوم من الأيام سياسياً جيداً، وبالتالي لن يكون قائد سياسي شعبي.




هوامش
*1ـ عبد الرضا حسين الطعان/ البعد الاجتماعي للأحزاب السياسية/ جامعة بغداد/ كلية العلوم السياسية/ 1990 صفحة 362
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 17-07-2014, 10:53 AM   #4
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

التعددية أم الثنائية؟




قد يستغرب القارئ، أننا نطرح أسئلة لا تلاءم حالتنا العربية، وقد يكون صاحب الاستغراب محقاً في ذلك، كون العرب ـ وإن فكروا بتكوين الأحزاب ـ لا يتعاملوا معها كأدوات للصناعة السياسية كما هي في بلدان كثيرة من العالم، بل يتعاملون معها وكأنها تقليد مُستحق، فلا تختفي فكرة محو الآخر أو مغالبته حتى تصفيته ـ عند العرب ـ في حين تحل المنافسة عند غيرنا من الشعوب محل المغالبة.

مع ذلك، ومن باب عمومية العلم، باعتبارها أحد ركائز النظرية العلمية الثلاث (العمومية، والحتمية، والوضعية)، فإن هذا التقليد سيتطور مع الزمن ليصبح الحزب أداة لصناعة السياسة، فالسيف في العصور القديمة كان أداة للقتال، واليوم قد نشاهده في البيوت معلقاً على الجدران للزينة والتباهي، وهو مثال لا ينطبق كثيراً على حالتنا العربية، إلا إذا عكسناه، فاليوم الأحزاب تأخذ شكل الزينة والتباهي، وفي المستقبل الذي لن يطول كثيراً ستكون أداة للصناعة السياسية.

وعودة الى العنوان: التعددية أم الثنائية، وكيف تؤثر تلك الحالة في تطوير المسئول الحزبي وتحوله الى مشروعٍ لقائد سياسي؟

(1)

قد يتبادر للذهن، أنه إذا سمحت قوانين البلاد أن تُرخص الأحزاب بسهولة، فإنه وعلى (التوافيق والتباديل) يمكن أن يكون في أي دولة أحزاب قد يفوق عددها أعداد سكان البلاد، هذا إذا كان يؤذن للفرد أن ينتمي لأكثر من حزب. ويصبح الحزب لا يحتاج حسب رأي (موريس ديفرجه) إلا الى مقر وسكرتير وختم، وقد يكتفي بالختم دون مقر وسكرتير. وقد حدث هذا في البلدان العربية، عندما تسمح السلطات ـ لأي ظرف، وغاية ـ في تأسيس الأحزاب، فإننا نسمع بأن عشرات الأحزاب قد تكونت، وبعدها بسنة أو أكثر قليلاً، لو تراهن اثنان ممن يتابعون الأحداث على ذكر اسم أو اسمين من تلك الأحزاب، لخسر المتحدي بذكر مثل تلك الأحزاب، لأنه سيخطئ بالاسم المبتذل بنسيان حرف جر أو (أل) التعريف.

الثنائية في المجتمعات موجودة منذ زمن، فهي تأتي على هامش الدين أو الطائفة أو العرق أو حتى التقليد المرتبط بالاقتصاد، (كاثوليك ـ بروتستانت؛ سنة ـ شيعة؛ أمازيغ ـ عرب؛ محافظون ـ يساريون الخ).

والتعددية موجودة هي الأخرى، وبالنسبة للأحزاب ـ وهو موضوعنا ـ فإن هناك، حتى في البلدان العريقة والتي يغلب على ظاهرها الثنائية (عمال ـ محافظون في بريطانيا)، و (ديمقراطي ـ جمهوري في الولايات المتحدة)، فإنه يوجد العديد من الأحزاب الصغيرة الأخرى، ولكن تلك الأحزاب يزول أثرها في الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية، فإن الناخبين والذين ألزمهم نظام الصوت الواحد (في الولايات المتحدة مثلاً) بدفع الناخب الى اختيار أحد مرشحي الحزبين والابتعاد عن تضييع صوته لمرشح من حزب ثالث.

والثنائية ـ عند البعض ـ أفضل من التعددية، لأن الحكومة تكون من حزب الأكثرية الذي لن يتعرض الى مسألة حجب الثقة، وتتعرض الحكومة للابتزاز والرشاوى في تعيينات أشخاص غير أكفاء، مثل حالة ائتلاف ( حكومة تانسون شيلار في تركيا) حيث كانت جلسة الثقة وحجبها تكلف حزبها (الطريق القويم) 2 مليون دولار لكل نائب في البرلمان*1، أو الحالات التي تتم في الكيان الصهيوني وإيطاليا في الحكومات متعددة الأحزاب، أو حتى المهزلة المسماة بالتعددية الحزبية في العراق اليوم.

(2)

في الأحزاب التكاملية (ذات البعد الأيديولوجي)، فإن المسئول الحزبي يكون نشاطه بارزاً، خصوصاً إذا اقترن النشاط الحزبي (الدعائي فكرياً)، مع نشاط إداري كالنقابات والجمعيات والمجالس المحلية والأندية وغيرها.

أما، في الأحزاب التمثيلية كالأحزاب في الولايات المتحدة، فإن قادة الرأي ومؤسسات الإعلام، وجماعات الضغط، هي مَن تقوم بالحشد للأنصار في الانتخابات العامة المختلفة. وتختلف الأحزاب البريطانية عن الأمريكية في أن الناحية المركزية فالمركزية واضحة بالأحزاب البريطانية والأحزاب في بريطانيا أقرب للمفهوم الكلاسيكي للحزب، بعكس الحالة في أمريكا حيث لا تستند الى قاعدة أيديولوجية أو حتى اجتماعية، وأنها تتضمن في داخلها عناصر وعقائد متنافرة تماما.

(3)


لضمان دور الثنائية في أي دولة، يجب أن تبتعد الأجواء عن الثورات الكثيرة والانقلابات على السلطة والألاعيب الانتخابية، وهذا حدث في دول أمريكا اللاتينية في القرن التاسع عشر والعشرين ففي أورغواي، مثلاً هناك حزبان أسسا في عام 1835 هما (حزب كولورادو وحزب بلانكو) وهما يقسمان الى (زمر)، ولكنهما نادراً ما يحدث داخل صفوفهما انشقاق*2.

أما في حالات عدم الاستقرار، فيكون الحديث عن الثنائية والتعددية عبارة عن كلام في الهواء، حالات الانقلابات الثلاثة في تركيا*3، معظم أحزاب أمريكا الجنوبية في أواسط القرن العشرين، الجزائر (بداية تسعينات القرن الماضي) ومصر (بعد مرسي).

وقد تتكون الثنائية في الكثير من دول العالم من مجموعات هائلة من الأحزاب لكنها ضمنا تشكل واحد من اثنين ( الاشتراكيون بأصنافهم في الدول الاسكندينافية)، الأحزاب الكثيرة الإسلامية في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية (ما قبل إبعاد مرسي)، فقد تحالفت ضمنا وشكلت واحداً من اثنين ـ بغض النظر عن هوية الثاني.

(4)

إن المسئول الحزبي الذي يعيش في أجواء سياسية مضطربة، لن يرتقي الى مصاف السياسي أبداً، ولن يكتسب مهارات تؤهله لأن يقود حالة حزبية بشكل سياسي، وسيتحول شئنا أم أبينا، أو شاء أم أبى حزبه، الى عضو في عصابة أو عضو في (مليشيا) أو عضو في عشيرة التي ينطبق عليه وعليها قول عمرو بن كلثوم

ألا لا يجهلن أحد علينا............ فنجهل فوق جهل الجاهلين
ونشرب إن وردنا الماء صفواً..... ويشرب غيرنا كدراً وطينا

أما إذا كانت الأجواء السياسية سليمة، ويسود فيها التنافس بدلا من المغالبة، فإن جدلية التطور واكتساب قدرات الحوار والبحث عن المعرفة ستكون كلها مجالات يصبو إليها المسئول الحزبي الذي يؤهله للارتقاء نحو مشروع قائد سياسي.



هوامش
*1ـ تانسو تشيلار: أول امرأة تشغل منصب رئيسة وزراء لتركيا من سنة 1993ـ 1996، من مواليد استانبول 1946، تحمل الجنسية الأمريكية، ميكافيلية تدرجت بالسياسة بطرق ملتوية، دخلت حزب (الطريق القويم) مع سليمان ديميريل.
*2ـ نظام الزمر أشبه ما يكون بنظام الحكم الكون فدرالي، حيث يستقل كل جزء من أجزاء الدولة إلا في شؤون الدفاع والخارجية، وهذه الحالة موجودة في الأحزاب الإيطالية.
*3ـ موريس ديفرجيه/ الأحزاب السياسية/ترجمة: علي مقلد وعبد الحسن سعد/ بيروت: دار النهار للنشر الطبعة الرابعة 1983 صفحة 223.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 24-07-2014, 04:22 PM   #5
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

الاحتراف السياسي: صناعة ناقصة عند أحزابنا


فيما تعنيه السياسة، فإنها فن لضبط توازنات القوى المحلية والإقليمية، وفن إدارة الصراعات الأيديولوجية، وفهم تحليل العلاقات الاجتماعية، وقدرة على حل الأزمات السياسية.

والسياسي هو ذلك اللاعب المؤثر في المجالات السابقة، ويختلف تأثير السياسيين من فرد لآخر كاختلاف أداء وأساليب لاعبي كرة القدم، أو تحضير الشواء، فكل تغيير في شيء صغير سيؤدي الى نتيجة مختلفة عن نموذجية الصيغة المتعارف عليها.

والاحتراف السياسي شأن أو شرط من شروط تكوين الأحزاب*1، وإن أُخِذ الاحتراف السياسي على محمل الفهم اللغوي، فإن شرطيته عند الأحزاب ستكون مثيرة للجدل والاستغراب. فالقاتل المحترف لا يجعل لعواطفه أو آراءه ومعتقداته أي دور، فهو يقتل وينجز مهمته بنجاح دون النظر لصوابية الهدف من عدمها، ولاعب كرة القدم المحترف هو يلعب مقابل أجر وربما يلعب ضد فريق بلده أو أقاربه، فهذا لا يعني له شيئاً. فكيف لنا هنا أن نواضع بين هذا المعنى وشرطية الاحتراف بالأحزاب؟

(1)

ما الذي يصنع الاحتراف السياسي؟
قد تضع قيادات التنظير في أحد الأحزاب مجموعة من المنطلقات النظرية التي تبشر بفكر طموح يخلص البلاد والعباد من واقعهم المرير، وتضع مجموعة من الضوابط (أنظمة ولوائح داخلية) تحدد صلاحيات الفرد المسئول أو غير المسئول، وهذا بدوره سيصنع أنماطاً من الذهنيات التي ترضى عنها القيادات وترفع شأن أصحابها بين حين وحين، وإضافة الى صنع تلك الأنماط فإن نماذج من السلوك الحزبي (الكلاسيكي) ستكون هي السائدة لدى العناصر المرشحة للترفيع وتسليم زمام القيادة مستقبلاً.

إن تقييد المنتسب للحزب بتلك المنهجية الحديدية، أشبه ما يكون بشخص يجلس (متربعاً) كما في (اليوغا) أمام شخص آخر أكبر منه سناً، ويجلس نفس جلسته مقابلا إياه وبينهما مسافة عدة أمتار، ويقوم الأكبر سناً بدحرجة كرة قدم بواسطة يديه لتلميذه الصغير، والآخر يعيدها لأستاذه، إن اعتقاد الأستاذ أن يصنع من التلميذ لاعبا لكرة القدم هو اعتقاد مريض وخاطئ بالتأكيد. لا بُد للاعب كرة القدم أن يلعب في المدارس والحارات والأزقة ويسقط على الأرض ويتعرض للسخرية، وتلك المخاضات هي التي تفرز اللاعبين الساقطين الذين لا يمكنهم تكملة المشوار، عن النجوم الذين تتنافس عليهم الأندية!

قد تتورم الأحزاب فيقفز عدد أعضائها من عشرات الى ملايين، وهذا يحدث بعد الانقلابات والتغييرات التي تُسمى في بلادنا (ثورات)، ويصبح فن البقاء داخل صفوف الحزب هو الضابط الذي يضبط حركات المحاباة والنفاق والكذب والخداع، فيموت الإبداع، وتكبر عقدة التعاظم لقادة الانقلاب بأنهم أصبحوا من القادة التاريخيين الملهمين، وتكثر التصرفات البوليسية لمراقبة المبدعين والذين سيصنفون ـ على الفور ـ بأنهم معارضة وجيوب خطيرة يجب تصفيتها.

إن صناعة السياسي المحترف، لها مسارات تتعلق بما يُسمى جدلية النمو السياسي لدى أعضاء الحزب، والتي ستصب بجدلية نمو الحالة السياسية في البلاد. وتلك المسألة لا تأتي إلا بانخراط أعضاء الحزب بالتجمعات الإدارية والإبداع فيها، إضافة الى استمرار البناء المعرفي والمعلوماتي المواكب لتطور الحياة لحظة بلحظة.

(2)

تُصنف الأحزاب، حالها حال المنتديات الفكرية بأنها تجمعات دعائية تتوسم من الشعب من خلال تجمعاته الإدارية أن تتبنى أفكارها بالاقتصاد والاجتماع والتعليم والثقافة والبيئة وغيرها من مناحي الحياة، لتخضعها في البرامج التطبيقية.

ويندرج تحت التجمعات الإدارية، البرلمان، والحكومة، والبلديات،والنقابات المهنية والحرفية وغرف التجارة والصناعة والزراعة والجمعيات التعاونية والخيرية وغيرها من منظمات المجتمع المدني.

وفي اليابان، مثلاً، لن يُسمح بالترشح للبرلمان إلا من مر بعدة تجارب تقع أهميتها دون أهمية البرلمان ـ كونه يقوم بعملية التشريع ومراقبة الحكومة ـ كالنقابات وغيرها، فعلى المرشح للبرلمان أن يُبرز ما يُثبت أنه كان عضواً في أربعٍ أو خمسٍ من المنظمات المدنية بشكل فاعل.

إن تنمية المهارات المتخصصة سياسياً في مجالات محددة، مثلاً عندما يكون المسئول الحزبي مسرحياً (كاتب، مخرج، ممثل مسرحي)، فعليه أن يربط بين الدور الذي يؤديه المسرح مع معتقداته الفكرية، ويكوِّن صداقاته وعلاقاته مع من يتفقون معه عقائدياً ومن يختلفون، فلو كون علاقاته مع من يتفقون معه فقط، لضمرت إمكاناته وتوقف نموه السياسي الإبداعي المتخصص. وكذلك يفعل الاقتصاديون والمهندسون والأطباء، وعندما تكون هناك قيادات واعية للحزب فإنها ستجمع الدراسات المختلفة من قطاعاتها ويبقى خطابها السياسي حيوياً يتطور مع تطور المتغيرات المحلية والعالمية.

(3)

إن المحترف السياسي، إن لم تضبطه مؤسسات حزبية تتنافس أخلاقياً مع مؤسسات حزبية أخرى داخل البلاد، فإنه سيصبح بيروقراطياً، يسكت عن دوام بقاء رئيس للبلاد مقابل إغلاقه لدائرة نفوذه وعدم فتحها إلا بشروط، وهذه بذور الفساد (مصر، سوريا أمثلة واضحة).

وقد يتحول المحترف السياسي الذي لم تضبطه قوانين ومؤسسات أخلاقية الى زعيم (مليشيا، أو شبيحة، أو قبضايات) كفتوة أيام زمان، ولكن الفرق بين تسميات أيام زمان والآن أن التسمية الحديثة تأخذ صيغاً مختلفة (أمن الدولة، المكتب الخاص المكتب الرابع الخ) وهي في الحقيقة لا تعدو عن أنها مليشيات تابعة لسياسيين محترفين أو احترفوا السياسة واكتشفوا أنها مجالا للتكسب.

لقد أشار (ماكس فيبر) الى نوعين من السياسيين المحترفين: النوع الأول: أولئك الذين يعيشون من (السياسة) والنوع الثاني: أولئك الذين يعيشون من أجل السياسة*2

وتشير المفكرة (فيللس بك كريتك)، عن ظاهرة خضوع الأطراف التي لا يحق لها أن تجلس على طاولة المفاوضات، بأنها سترضى بما يقرره الجالسون، وتبدأ تلك الأطراف غير المقررة (أي المتلقية) تتكيف بالشكل الذي تقبل أو ترضخ فيه لما يقرره الآخرون.*3

لكن أولئك السياسيون الذين يعيشون من أجل السياسة، ماذا يريدون؟ وما هي دوافعهم؟ تطرق الكثير من الفلاسفة وعلماء النفس لتلك المسألة فردّها فرويد للمحفزات ولكنه ـ مع الأسف ـ لم يكشف عنها بالتحديد. وردّها (برتراند رسل) الى حب السلطة، لتحقيق المجد، كما ردّها (مارسال) الى الرغبة في الألقاب والتشريفات وغيرها.. *4







هوامش
*1ـ في التنظيم والتربية الحزبية/ مجموعة مؤلفين/ بيروت: دار الطليعة ط5 1980 صفحة 22.
*2ـ العلم والسياسة بوصفهما حرفة/ ماكس فيبر/ ترجمة: جورج كتورة/ بيروت: المنظمة العربية للترجمة 2011 ص 261.
*3ـ التفاوض من موقعين غير متكافئين/ فيللس بك كريتك/ ترجمة: بشرى ملكة/ الرياض: مكتبة العبيكان 2011 صفحة 57
*4ـ مصطفى حجازي/ الجماهير والقائد في ضوء التحليل النفسي/ بيروت: مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد11 نيسان/أبريل 1981 صفحات 57ـ73
__________________
ابن حوران

آخر تعديل بواسطة ابن حوران ، 24-07-2014 الساعة 04:35 PM.
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 31-07-2014, 01:54 PM   #6
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

الالتزام والانضباط

الالتزام في اللغة من (لزم) وهو معروف، ، وفي التنزيل الكريم { قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما}*1، و{ ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما واجل مسمى}*2، ففي الآية الأولى يختتم المولى عز وجل سورة الفرقان بها، بعد أن عَدّد صفات عباد الرحمن المرضي عنهم، ومن يعصاه ستلازمه العقوبة ملازمة. والضبط في اللغة الملازمة الشديدة التي لا تدعو الى شك وأسد ضابط يضرب بيساره كما يضرب بيمينه، وامرأة ضبطاء كاللبوءة نزقة شديدة الحركة، والضابط الرجل القوي الذي يضبط عمله، والحزبي الملتزم المنضبط هو الذي تتلازم عقيدته مع فعله ولا يألو جهداً في تنفيذ ما وُكِّل إليه من مهام.

(1)

توضع في دساتير الأحزاب وأنظمتها الداخلية المئات بل الآلاف من القواعد التي ترسم مسار حياة الحزبي، في مختلف شؤون حياته وحياة المجتمع، سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية أم أخلاقية، وتجعله يُقِبل على شيء لتوافقه مع مبادئ حزبه، ويبتعد عن شيء لتناقضه معها.

ويتلقى الحزبي تفاصيل تلك الجزئيات من خلال المحاضرات والمواضيع الثقافية التي يناقشها داخل حلقته، وتصقل تلك السلوكيات من خلال ما يُسمى بالنقد والنقد الذاتي.

ويُراقب أعضاء الحزب الكوادر العُليا قبل الكوادر المتوسطة والدُنيا، ويحكمون على صلاحية الحزبي من عدمها، من خلال تطابق ما يعرفونه عن الحزب أو الحزبي من أقوال مع ما يسلكه فعلاً في حياته الحزبية والعامة.

عندما يردد الحزبي (كبيراً) كان أم (صغيراً)، شعار مثل (وحدة، حرية، اشتراكية)، أي أنه يؤمن بضرورة توحيد أقطار الوطن العربي جميعاً (هذا ما يردده)، ويراه البعض يشتم بأبناء مصر أو السعودية ويصفهم بأوصاف لا تليق بما يؤمن به، فإنه سيكون من الحزبيين الساقطين جماهيرياً، ويسقط في نظر الملتزمين فعلاً من أبناء حزبه. والطامة الكُبرى إذا عرف الناس أنه متخاصم مع أخوته من أمه وأبيه، على ميراث سنتيمترات قليلة، فأي وحدة يطالب بها أمثال هؤلاء.

وعندما يسرق مدير عام جهد العاملين تحت إمرته وينسب أبحاثهم وابتكاراتهم لنفسه، فأي اشتراكية (وعدالة اجتماعية يطالب بها)؟

وعندما يسمع صوت زوجته تطلب منه الحضور لاستلام الشاي من وراء الباب ليقدمه الى ضيوفه، وبعد أن يغادروا يعنفها ويشتمها أو يضربها، لأنها أسمعت صوتها لضيوفه! فأي حرية وأي حقوق للمرأة، أتلف أذان الناس وهو يرددها؟

(2)


يتربى الحزبيون على قواعد أخلاقية عالية، أو هكذا يفترض، مثل (الحزبي أول من يضحي وآخر من يستفيد)، وعندما تراهم العامة يتسنمون وظائف قيادية عالية في الدولة، وهناك الآلاف ممن هم أحق منهم في تسلم مثل تلك الوظائف مما يقدم للوطن والمواطنين الخير الأعم فيما لو تنحى هؤلاء الحزبيون عن طريقهم، فعندها سيكفر الشعب بالحزب وعناصره ويعتبرون خطابه خطاباً فارغاً لا يمت بأي صلة للشعب وأحلامه.

وقد يتفهم الكثير من الوصوليين تلك اللعبة، ويبدءون في التسلق في الدرجات الحزبية حتى يُنسّبوا لمثل تلك الوظائف التي تدر الخير لهم ولأسرهم. يعُمُّ عندها الفساد ليس داخل الحزب فحسب بل داخل الدولة التي يقودها ذلك الحزب.

(3)

في البلدان التي لم تتسلم فيها الأحزاب الحكم، فإن لوائح الانضباط تكون فيها من الغرابة بحيث تتشابه تلك التنظيمات بترهلها مع تنظيمات الأحزاب الحاكمة.

فهناك قواعد مثل ضرورة الانضباط بتنفيذ ما يُطلب من الحزبي، وأولها حضور الاجتماعات، ففي دولة مشرقية لا يزال يحكمها حزب، يذكر أحد الكوادر المطالبة بإصلاح الحزب مجموعة من الإحصائيات المذهلة، فيقول في فرقة حزبية فيها 300 عضو عامل مثبّت يحضر عشرون عضوا والباقي لا أحد يعلم عنهم شيئاً، أما الأنصار في فرقة أخرى فكان عددهم 400 نصير يحضر منهم عشرة أنصار والباقي لا أحد يعرف عنهم شيئاً*3

أما في الأقطار التي لا يحكم فيها حزب ما، ففي الأردن مثلاً، وعند توقيع اتفاقية (وادي عربة)، دعت أحزاب المعارضة الأردنية لمظاهرة ضد الاتفاقية، وعندما حضرت قوات مكافحة الشغب وكان عددها 2200 (دركي) مدجج بالأسلحة والهراوات، لم يتبق من الحزبيين سوى 9% في حين هرب البقية، وبقي أناسٌ لم يُعرف لهم انتماءٌ حزبي.

(4)

هناك مصطلحات تدلل على عملية الانضباط والالتزام تستخدمها الأحزاب التكاملية أي التي تعتمد الأيديولوجيا والتنظيم بعكس تلك التي تنتشر في أمريكا واليابان، ومنها في بلداننا العربية (البعث، والشيوعي، والأخوان). ومن هذه المصطلحات: التهويش والاتصالات الجانبية والنقد والنقد الذاتي وغيرها.

فالتهويش والاتصالات الجانبية، هي ذلك (اللغط) الذي يتم بين صفوف الحزبيين خارج التنظيم، يتم فيه تناول أخطاء القيادات العليا والمتوسطة والدنيا، ويحدث هذا الشيء نتيجة تجاهل المسئولين لملاحظات القواعد أو قمعها في وقت مبكر مما يدفع هؤلاء بالحديث خارج تنظيماتهم.

ونفذ ثم ناقش، حيث تأتي أوامر بالاصطفاف في الانتخابات مع مرشح غير مقنع أو اتخاذ خطوات سياسية معينة، وعدم الاستماع لملاحظات القواعد، مما يدفعهم للالتزام أو التحايل على الالتزام والتمرد عليه، وعندما يحين دور النقاش، فإن القيادات تميل الى التسويف أو القمع من جديد.

إن أحزاباً لا تمارس الديمقراطية بين صفوفها، لا يجدر بها أن تطالب الحكومات بالديمقراطية، وإن استلمت الحكم سيكون رفضها للديمقراطية أنكى من الحكومات التي اجتثتها، وإن أحزاباً لا تكن الود والاحترام لقواعدها أبعد مما تكون دَعيّة بحب الجماهير وتمثيل مصالحها.








هوامش
*1ـ القرآن الكريم سورة الفرقان آية 77
*2ـ القرآن الكريم سورة طه آية 129.
*3ـ عبد الرحمن التيشوري/ في مقالة في موقع (سيريا لايف) نُشرت في 14/1/2014 تحت عنوان (إعادة البناء التنظيمي.. يبدأ بتثبيت العضوية).
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .