العودة   حوار الخيمة العربية > القسم العام > الخيمة الفـكـــريـة

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: عمليات مجاهدي المقاومة العراقية (آخر رد :اقبـال)       :: نقد كتاب زهر العريش في تحريم الحشيش (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب كرامات الأولياء (آخر رد :رضا البطاوى)       :: اصلاحات حكومية - شدة لاتحلين وقرصة لاتثلمين واكلي لما تشبعين (آخر رد :اقبـال)       :: نقد كتاب نخب الذخائر في أحوال الجواهر (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب أحاديث مسندة في أبواب القضاء (آخر رد :رضا البطاوى)       :: خطوبة هبة زاهد وحسن الشريف: (آخر رد :عبداللطيف أحمد فؤاد)       :: نقد كتاب فضائل أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب التحصين في صفات العارفين من العزلة والخمول (آخر رد :رضا البطاوى)       :: قراءة فى زيارة أمير المؤمنين (آخر رد :رضا البطاوى)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 05-08-2010, 12:37 PM   #21
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

أعراف المجتمع المدني

من يستعرض ما تقدم من الكتاب لحد هذه الساعة، سيرى أن الأفكار والنظريات التي وُضعت حول المجتمع المدني، كانت تنضوي تحت مفهومين: مفهوم المساواة المطلقة، ومفهوم التسليم بالتراتبية.

إذا كان جان جاك روسو هو أحد أركان النظريات التي تدعو الى المساواة المطلقة، فإن (إدموند بورك) كان من ألد أعداءها. و(إدموند بورك) هذا إيرلندي ولد في دبلن عام 1729 وتوفي في عام 1797، وهو رجل دولة ومؤلف وخطيب ومنظر سياسي وفيلسوف. خدم مدة طويلة في مجلس العموم البريطاني. ومعروف بدعمه للمستعمرات الأمريكية في كفاحها ضد الملك (جورج الثالث)، الذي أدى الى الثورة الأمريكية، كما أنه معروف بمعارضته للثورة الفرنسية، وقد كتب في ذلك خلاصة الموقف الأوروبي من الثورة في كتابه (تأملات في الثورة الفرنسية).

(1)

المساواة والمساواتية (المساواتية Leveling: هي إلغاء المراتب الاجتماعية، وامتيازاتها، و(المساواة Equality): هي التمتع بحقوق واحدة أمام القانون. وهما في نظر (إدموند بورك) لا يساعدان إلا على تدمير المجتمع المدني.

لقد أرجع (بورك) عنف الثورة الفرنسية الى تمسكها بالحلم الأخلاقي غير الواقعي في المساواتية، لأنها في نظره تتعدى على القدرة الإبداعية والتجديدية للمجتمع المدني. إن أفضل النوايا في العالم لا يمكنها أن تكون نظاماً جديداً. وحالما جرف الطيشُ الفرنسيين وراء الحدود التاريخية والعرفية للإصلاح المعتدل، لم يبق أمامهم من خيار سوى الانسياق وراء الهجوم على الحضارة نفسها. وعلى العكس من ذلك فإن البريطانيين فهموا سلطة ((العرف)) والتاريخ، فاحترمت الثورة الإنجليزية المجيدة الأعراف، والممارسات، والمؤسسات التقليدية التي تنبع منها كل حرية.

التاريخ والعرف يؤسسان توازناً دقيقاً بين عناصر أي دستور، ومن الحكمة ألا نعبث فيها. (إن ميثاق المجتمع والتزامه، الذي يطلق عليه عموماً اسم الدستور، يمنع مثل هذا الإقحام أو هذا الاستسلام. إن الأقسام المكونة لدولةٍ ما ملزمة بالتمسك بإيمانها المشترك بعضها ببعض، وبأولئك الذين يتحصلون على أي مصلحة جدية تجري بفضل التزاماتهم، بمقدار ما تلتزم الدولة كلها بإيمانها بالجماعات المنفصلة. وإلا فسرعان ما يصيب الوهن السلطة والكفاءة، ولا يعود ثمة قانون، بل إرادة القوة المتغلبة)*1

(2)

إن تشديد (بورك) على قوة العرف الموحدة يبين سبب عدم قلقه من الحزبية، أو حتى النزاع. فالسلم الاجتماعي يقتضي الحفاظ على مراكز السلطة الموجودة.

في استعراضنا السابق لرؤى (مونتسكيو) وجدناه قد لام الفرنسيين لتخليهم عن المؤسسات الأرستقراطية التي كانت أداة لاحتواء الجماهير، وكابحاً للنظام الملكي. وكان لِزاماً عليهم أن يتعظوا بالأحداث الإنجليزية، وأن يقيموا البناء على الأسس التي تركها أسلافهم.

كان ممكن لبعض التعديلات البسيطة (حسب مونتسكيو) على النظام الملكي أن تضمن الحريات العامة وفي نفس الوقت أن يبقى نفوذ النظام الملكي على الكل دون انحراف الأقسام المختلفة*2

إن المجتمع المدني يتشكل على أساس علاقات تكاملية بين الفئات الاجتماعية التي يكون لانسجامها المتبادل جذور تاريخية عميقة، ولا خير يُرتجى من طموحٍ في غير محله. ولا يمكن إهمال التاريخ، أو إعادة كتابته باسم أي أيديولوجيا. فالاستقرار والنظام والتقاليد والأعراف والملكية الخاصة والدين كلها تشكل أسس أي مجتمع مدني مستقر. وهي ركائز دمرتها الثورة الفرنسية (برأي بورك).

(3)

في عام 1215 صدر ما يُسمى ب (الميثاق الأعظم) أو (الوثيقة العظمى للحريات)، وكانت مناسبة صدور تلك الوثيقة خلافات نشبت بين (جون) ملك إنجلترا والبابا (إنو سينت الثالث) والبارونات حول حدود سلطة الملك. وأقرت هذه الوثيقة أن إرادة الملك مقيدة بالقانون. فصارت فعلاً أعظم وثيقة في تاريخ الديمقراطية.

وفي عام 1689 صدر في إنجلترا إعلان حقوق الإنسان، حصل بموجبه الشعب، المُمَثَل بالبرلمان على حريته وحقوقه، فضلاً عن بنود أخرى عديدة.

يُذَكِر (بورك) الأوروبيين والفرنسيين بالذات، بالمسيرة التي كانت بين التاريخين، وتأصيل المسيرة الديمقراطية الإنجليزية التي راعت التاريخ والأعراف. ويقول: (لدينا تاج متوارث، وطبقة نبلاء متوارثة، ومجلس عموم وبَشرٌ يرثون الامتيازات، والحقوق الدستورية والحريات المتحدرة من شجرة ممتدة من الأجداد.

ثم يخاطب الفرنسيين: (كان لديكم كل هذه المنافع في دولكم القديمة، ولكنكم شئتم التصرف كما لو أن لديكم كل شيء لتبدأوا من جديد. لقد بدأتم بداية كريهة، لأنكم احتقرتم كل شيء كان ينتمي إليكم.

لقد هاجم المساواتية الفرنسية فيقول أنها تؤدي الى حماية الشعب، صحيح، وتجعله مطيعاً أيضا صحيح، ولكنها تجعله مكتفاً وغير سوي. فالمجتمع المدني تشكله اللامساواة.



هوامش من تهميش المؤلف
*1ـEdmund Burke, Reflections on the Revolution in France, Edited by Thomas H.D. Mahoney (New York: Macmillan 1955. صفحة 23.
*2ـ نفس المصدر صفحة 40

__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 12-09-2010, 01:45 PM   #22
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي


الدروس الأمريكية

في عام 1835 أصدر الأرستقراطي الفرنسي (ألكسي دي توكفيل 1805ـ 1859) كتابه ( الديمقراطية في أمريكا). وهو الذي سافر الى أمريكا وهو في عمر 25 عاماً، لوضع دراسة عن السجون الأمريكية، ولكنه فوجئ بمادة مختلفة للدراسة، جعلته يضع مؤلفه (الديمقراطية في أمريكا) من مجلدين وهو من أهم الكتب التي صدرت عن هذا الموضوع في الحقبة نفسها، ليعود بإصدار مجلده الثاني في عام 1940.

(1)

كتب توكفيل (( من بين الأشياء الغريبة التي لفتت انتباهي، خلال إقامتي في الولايات المتحدة، لم يستوقفني شيءٌ بهذه القوة أكثر من المساواة العامة في الظروف القائمة بين الناس)).

كان توكفيل يخاطب الأوروبيين وبالذات الفرنسيين، يدعوهم لدفن الماضي، وإدراك الفرص والمخاطر التي طرحتها المساواة الاقتصادية على السياسة والمجتمع المدني على حد سواء.

كان ضعف الدولة (في أمريكا) أول شيء يستوقف توكفيل. فجاء تفسيره ليرسي أول التمييزات بين أمريكا ( المجتمع القوي، والدولة الضعيفة)، وأوروبا (الدولة القوية، والمجتمع الضعيف)، وهو التمييز الذي ترك تأثيراً فاعلاً في التنظير المعاصر. إن الافتقار الى التراث الإقطاعي الراسخ، وما صاحبه من غياب ( للنظام القديم)، وندرة المدن الكبيرة وما ترتب عليه من تزايد أهمية من تزايد أهمية المجالس المحلية، والغياب النسبي للبيروقراطية، وهو غياب مقرون بتقاليد اللامركزية، والعزلة الجغرافية، وغياب جيش كبير دائم، كل هذه العوامل، لا سيما عندما تُضَمُ الى المساواة الاجتماعية الواسعة، وثقافة الاعتماد على الذات، ومستوى منخفض من صراعات الطبقات، تُبين لماذا لم يكن لأمريكا تقاليد الدولة القوية التي ميزت التاريخ الأوروبي.

(لا شيء يستوقف المسافر الأوروبي في الولايات المتحدة أكثر ما نسميه نحن بالحكومة، أو الإدارة. ثمة قوانين مدونة في أمريكا، ويرى المرء التنفيذ اليومي لها، ولكن على الرغم من تحرك كل شيء بانتظام، لا يمكن اكتشاف المحرك في أي مكان. واليد التي توجه الماكنة الاجتماعية غير مرئية)*1

(2)

يذكر مؤلف الكتاب الذي بين يدينا (جون إهرنبرغ)، الكيفية التي يستدعي فيها (توكفيل) نماذجه لإحداث التأثير في نفسية من يخاطبهم.

فهو في حديثه عن نمط الإدارة والدور الشعبي في الولايات المتحدة يقول (كان تدخل الناس في الشؤون العامة، والتصويت الحر على الضرائب، ومسئولية ممثلي السلطة، والحرية الشخصية، والقضاء المستند الى هيئة المحلفين في حين أن الأشياء كانت تمارس بشكل منقوص في أوروبا وبالذات في إنجلترا الجديدة فالقوانين هي من وضع الدولة)*2

في إنجلترا الجديدة، تشكلت دوائر البلديات (Township) تشكلاً تاما ومؤكداً منذ بواكير العام (1650). وكانت استقلالية البلدات النواة التي تلتقي حولها المصالح والأهواء والحقوق والواجبات وتتشبث به. فهي وفرت سَعَةً في نشاط الحياة السياسية الحقيقية بشقيها الديمقراطي والجمهوري. وكانت المستعمرات ما زالت تعترف بسيادة البلد الأم.

عينت البلدات في إنجلترا الجديدة حكامها على اختلاف أنواعهم، وخمنت مقدار ما عندها، وفرضت على نفسها الضرائب. وفي أي بلدة من بلدات إنجلترا، لم يجرِ قانون التمثيل؛ بل كانت شؤون المجتمع تبحث في الساحات العامة كما في أثينا.

ليلاحظ القارئ الكريم، أن توكفيل شأنه شأن (مونتسيكيو) من المعجبين بصدارة إنجلترا في التجربة الديمقراطية، ولكنه زاد عليه في دمجها أو دمج ما يبشر به من أفكار مع التجربة الأمريكية.

وعندما يعرج (توكفيل) على التجربة الفرنسية ـ رغم ثورتها ـ فإنه يصفها بالسلطة (الممركزة حول الثورة) والتي لن تلاءم الحياة في أمريكا ( مهما تكن السلطة المركزية متنورة وبارعة، فلا يمكنها بنفسها أن تستوعب كل تفصيلات حياة أمة عظيمة. فمثل هذه اليقظة تتجاوز قوى البشر. فقوة هذه السلطة تخذلها عندما يُراد تحريك المجتمع على نحو عميق، أو تسريع تقدمه، وإذا ما صار تعاون المواطنين الخصوصيين أمراً ضروريا لتعزيز تدابيرها يفتضح سر عجزها)*3

وعلى الجانب الأمريكي فإن النقاط المناقضة للنزعة المركزية للدولة الفرنسية تتمثل في المؤسسات المحلية القوية المدعومة بثقافة (فردانية) ومحلية ضيقة تذود عن الحرية من خلال تقييد سلطة الدولة، وجعل الناس أقرب الى أداء مهمات القيادة في مواطنهم.

إن الحكم الذاتي المحلي كان ملائما تماما للثقافة الأمريكية المتمثلة في الاعتماد على الذات؛ فكل شخص هو أفضل من يُقَيم ما يخصه، وهو أنسب شخص يوفر لنفسه ما يحتاجه. أما البلدة والمقاطعة فإنهما كفيلان بالعناية بمصالحهما الخاصة، والدولة تمارس الحكم، لكنها لا تنفذ القوانين.

(3)

(يشكل الأمريكيون، من كل الأعمار، والمراتب والميول، تجمعات طوعية. فهم لا يملكون فقط الشركات التجارية والصناعية، التي يساهم فيها الجميع، بل يشكلون أيضاً تجمعات من ألف نوع ونوع؛ دينية وأخلاقية، جادة وعابثة، جليلة أو مقيدة، صغيرة أو ضخمة. والأمريكيون يكونون التجمعات للاستمتاع، ولتأسيس المدار، وبناء النُزُل، وإقامة الكنائس، ونشر الكتب، وإرسال المبشرين الى جهات المعمورة، وبهذه الطريقة أسسوا المستشفيات والسجون والمدارس... إنهم يؤلفون جمعية طوعية، ترأس ما تدير بعكس فرنسا التي ترأس فيها الحكومة أي مشروع)*4

يقول توكفيل ( أن المجتمع المدني سيخدم التحرر عن طريق التخفيف من وطأة تأثير أي مصلحة مفردة، وإضعاف الأغلبية، والاحتراس من تجاوزات الديمقراطية نفسها التي حفزت على ظهور هذه الأمور)*5

وعندما يشير بطرف خفي لخطورة التسلط تحت أي مسمى فإن توكفيل يؤكد (لا أرى ثمة وقاية ضد الطغيان الأشد إثارة للسخط؛ وربما يمكن لفئة صغيرة أو فرد واحد، يطوق نفسه بحصانة لا يطولها القانون، أن يقمع شعباً كبيراً)*6

(4)

بعد هذا التغزل الطويل من توكفيل بالنموذج الأمريكي، فإنه يتساءل متخوفاً من مصير هذا النموذج فيقول: ( عندما تكون الظروف الاجتماعية متساوية، يميل كل إنسان للعيش بمعزل عن الآخرين، ويتمحور حول نفسه متناسياً البشر حوله)*7

هو يريد توازناً دقيقاً ومدروساً، ولا يحقق هذا التوازن إلا مجتمع مدني حر وقوي ومؤمن بما يفعل، لأنه حسب رأيه (فالديمقراطية لا تجعل من كل إنسان متنكراً لأسلافه فحسب، بل هي تطمس أصله وتفصل معاصريه عنه. وترده فريسة لذاته ووحيداً. وتهدد في الأخير بحبسه في عزلة مشاعره القلبية الفردية)

وهنا يتوجه بنصيحة لتواصل الفرد بالمجموع لتعزيز قيمته أمام الآخرين (قد يكسبك إنجازٌ رائع رضا الناس بضربة واحدة؛ ولكن لكي تحظى بحب واحترام السكان الذين يحيون حولك، سيتوجب عليك أن تثابر في تقديم الخدمات الصغيرة المتصلة، والأعمال الخيرية الخفية، وأن تتطبع على العطف الدائم، وأن تكون معروفاً بالنزاهة)

وفي التحذير من تغول الدولة ( كلما حلت السلطة محل التجمعات الطوعية، فقد الأفراد فكرة الاتحاد معاً، وزادت حاجتهم الى مساعدة الدولة)


هوامش من تهميش المؤلف
*1ـ Alexis de Tocqueville, Democracy in America, 2 vols. (New York: Random House, 1990, vol1 صفحة 70.
*2ـ صفحة 39 من المجلد الأول.
*3ـ صفحة 90 من المجلد الأول.
*4ـ صفحة 106 من المجلد الثاني.
*5ـ صفحة 191 من المجلد الأول.
*6ـ صفحة 195 من المجلد الأول.
*7ـ صفحة 256 من المجلد الأول.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 14-10-2010, 03:22 PM   #23
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

القسم الثالث: المجتمع المدني في الحياة المعاصرة

الفصل السابع: المجتمع المدني والشيوعية

(الصفحات 327 وما بعدها من الكتاب)

(1)

تكمن جذور الاهتمام المعاصر بالمجتمع المدني في قناعة ـ سادت لدى بعض المثقفين الغربيين الأوروبيين في عقد الثمانينات من القرن العشرين ـ مفادها أن تسارع أزمة الشيوعية كان (ثورة المجتمع المدني ضد الدولة). فتشكل ببطء أدبٌ منشقٌ، مناوئ تماماً لدعاوى الأحزاب الحاكمة التي تصف نفسها بالطليعية، ومناوئ لفهمها البيروقراطي للسياسة، وهو أدب رأى أن الاشتراكية القائمة، ما هي إلا دولة مسيطرة ومندسَّة في ثنايا كل شيء، دولة تقترن بتخطيط مركزي عالٍ لإنتاج الصناعات الثقيلة، وبقمعٍ شاملٍ مانعٍ لكل مبادرة اجتماعية تقع خارج سيطرة الدولة ـ الحزب.

لقد بلور المحللون الأوائل، استناداً الى النزعة الدستورية الليبرالية، والى (توكفيل)، والأدبيات الغربية حول (النزعات الشمولية أو التوتاليتارية)، نقداً قوياً لما اعتبروه افتقار الماركسية للحدود، ونزعتها في تسييس كل شيء، وخيانتها للديمقراطية، ورغبتها في توجيه أو استيعاب كلّ فاعلية عفوية تنشأ عن المجتمع المدني.

نتيجةً لتجذرِ هذا النقد في الرغبة الشعبية الواسعة في نيل الديمقراطية السياسية، فإنه تجاهل تماماً المسائل الاقتصادية، وقدم نفسه ابتداءً باعتباره تجديداً للفكر الاشتراكي. ما من شك في أن أحكام هذا النقد لم تكن جديدة، غير أن الأزمة الاقتصادية الخانقة وانتصار اليمين السياسي في إنجلترا والولايات المتحدة قدَّما إليها دعماً جديراً بالاعتبار. فكان ما كان في تحالف العوامل الداخلية والخارجية لانهيار الشيوعية.

(2)

لما كانت (الاشتراكية: النظم السياسية السابقة) تتطور بوصفها إستراتيجية دولة تدير النمو الاقتصادي والتنظيم الاجتماعي [ استناداً لأقوال ماركس وهو يسمي نفسه: ديمقراطياً اجتماعياً]، انجذب النقد المُنشَّق نحو النظريات الليبرالية بصدد المجتمع المدني التي تركزت على الحد من سلطة الدولة القسرية.

استندت الاشتراكية الحديثة، توأم الليبرالية في (عصر التنوير)، الى توسيع الديمقراطية لكي تشمل المجال الاقتصادي؛ وهذا في الواقع هو السبب الذي حدا بماركس أن يصف نفسه بالديمقراطي الاجتماعي في المقام الأول.

إن فهم المجتمع المدني بوصفه كياناً ذاتي التنظيم بكل بساطة جَنَحَ الى رؤية الدولة عائقاً أساسياً أمام الديمقراطية، والى عدم إقامة الاعتبار للاقتصاد. ولكن إذا كانت النظرية تصور المجتمع المدني بوصفه ميداناً لفوضى الإنتاج، والمصلحة الخاصة، واللامساواة، فإن ديناميكية الاقتصاد الداخلية يمكن أن تخضع للضبط. ويكمن هذا التوجه في جوهر النظريات الاشتراكية كلها عن المجتمع المدني.

فمن سياسات إعادة التوزيع المعتدلة التي دافع عنها البعض الآخر، بدت المساواة والديمقراطية بحاجة الى استعمال سلطة الدولة للتدخل في الملكية الخاصة ومنطق التسليع.

يفسر صاحب الكتاب (جون إهرنبرغ) سر انجذاب العالم الى الشيوعية نظرياً وعملياً في الفترة التي عقبت الحرب العالمية الثانية وما أصاب العالم من خراب ودمار احتاج قسوة في تطبيق العدالة لإعادة إعماره، وحماية المتضررين من الحرب من استغلال متصيدي الفرص!

تعليق

رغم الحرص على تقديم الكتاب كما يراه المؤلف، والذي بذل جهداً كبيراً في تقديم تفسيرات تساعد المثقف والقارئ في كل أنحاء العالم للاستدلال على مراحل التطور في تكوين المجتمع المدني وما رافقها من نظريات سياسية واقتصادية، بالرغم من كل هذا، فإن المؤلف، شأنه في ذلك شأن مؤلفي صراع الحضارات ونهاية التاريخ الكتابين اللذين سبق وقدمنا لهما قراءات وعرض، لا يفتأ في التبشير بالليبرالية الحديثة، وسيرى القارئ فيما تبقى من فصول هذا الكتاب.

فإن كانت الشيوعية والماركسية بنظره تسم من يتبناها من أنظمة بالدكتاتورية والقمع ونكران الدين الخ، فهي بنظر أصحابها تزعم نشر العدالة وتبشر ما بشر بها أصحاب الأديان السماوية وغير السماوية، فهي تزعم القدرة على معرفة كيفية تحقيق العدل والمساواة بين الناس، حتى ولو بالقوة، وقد يكون نهجها قد ألحق الأذى بالإبداع الفردي المتعلق بالملكية الفردية وحمايتها.

لكن من زاوية أخرى، فإن الليبرالية والديمقراطية الغربية، وإن بدت للمراقب الساذج أنها متاحة بعدالة ومساواة كاملة لتناقل السلطة ومواقع القيادة بين كل الناس بالتساوي، فهذه النظرة كاذبة كل الكذب، فالمرشح للرئاسة والبرلمان يركض من مكان لمكان ومن لوبي لآخر ليسترضيه حتى يُسمى مرشحاً لحزب أو غيره، وقد انتقلت تلك العدوى للدول التي تدور بفلك الدول الليبرالية الغربية، فلن ينجح بترشيح من لا يتلاءم مع فكر أعوان هؤلاء. والعراق ومصر واليابان وأوروبا كلها أمثلة صارخة، فأي اختلاف بين ديكتاتورية شمولية وديكتاتورية ليبرالية تدعي أنها متاحة للجميع؟
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 18-11-2010, 02:00 PM   #24
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

النزعة الشمولية (التوتاليتارية)

(1)

كان المشروع العظيم لكارل ماركس هو تحليله النقدي للمجتمع المدني البرجوازي. لقد قضى وقتاً قصيراً نسبياً في وصف فكرته عن طريقة تنظيم الشيوعية. ولكنه قدم مخططاً متماسكاً تماماً للانتقال الى الاشتراكية. وتصور ماركس أن الاستيلاء على السلطة سوف يسبق المجتمع المدني ويجعل تغييره ممكناً، وتوقع ماركس بيقين أن مشروعه سيحظى بدعمٍ فاعل من أغلبية الجماهير.

تبين لفلاديمير لينين بأن تحويل المجتمع المدني أصعب بكثير من الاستيلاء على سلطة الدولة. فأجل ذلك للتغلب على الثورة المضادة وتصفية جيوبها المعيقة لتحويل المجتمع الى مجتمع اشتراكي شيوعي. وكانت ظروف الاتحاد السوفييتي كافية لإعاقة بناء مجتمعٍ مدني راقٍ، فكيف وقد جاءت الحرب العالمية الأولى بنتائجها وثقلها؟

تراجعت أفكار الشيوعيين التي كانت تريد مجتمعاً بلا دولة، تقوده سوفياتات محلية من العمال والفلاحين، وتُرك هذا الموضوع جانباً، لتقوم مكانه دولة حديدية هي من يفرز منظمات المجتمع المدني وتسخرها لتكون رديفة للدولة نفسها.

أدرك لينين أن صهر الدولة بالحزب وتحييد القوى المعارضة سيكون خطراً كبيراً بالاعتماد على الدولة والحزب وحدهما، وحذر زملاءه مراراً وتكراراً من أن سيطرة العمال وإشرافهم هو الأمر الوحيد الذي سوف يحول مركزية الثورة الحتمية لصالح الاشتراكية. وأقر بصعوبة تفادي البيروقراطية، لكنه اعتقد بإمكان تحجيم آثارها السيئة من خلال إشراف الطبقة العمالية، وفي نهاية حياته أدرك بأسى أن قول ذلك نظرياً أسهل من تحقيقه على أرض الواقع.

(2)

لم يقدم موت لينين عام 1924 الكثير لحل التناقضات المتأصلة في استعمال الدولة لتحويل المجتمع المدني. لقد بدا أن كل هدف من أهداف الثورة بحاجة الى تقوية سلطة الدولة المتعاظمة، وتقوية قيادة الحزب للتعبئة الاجتماعية العامة والتحديث الاقتصادي. فجرت مناقشات التصنيع المهمة في أواخر العشرينات في سياق إجماع القيادة السوفييتية الواسع على أن الرأسمال اللازم لبناء الصناعة سوف يأتي من الفلاحين. وكان السؤال الوحيد هو مدى سرعة استخلاص هذا الرأسمال.

ضَخمَت الحرب العالمية الثانية والمواجهة اللاحقة مع الولايات المتحدة من دور الدولة في الصناعة الثقيلة، ومن كونها في حال طوارئ مستديمة، وغدت الضرورة العسكرية هي ما يميز الاشتراكية السوفييتية، سار الاقتصاد السوفييتي منذ البداية على الاستعداد للحرب، واعتمد على التخطيط المركزي، والسيطرة الصارمة، وإحكام القبضة على قوى السوق.

انتشرت عدوى النموذج السوفييتي لعقود طويلة في القرن العشرين، واستلهمتها كثير من الدول المتخلفة في العالم، فاتسم هذا النمط من الإدارة الى حتمية الهجوم على المجتمع المدني وصبغه بصبغة نظام الحكم القائم، تحت ما يُسمى بالصالح العام ومقتضيات ظروف الثورة أو المعركة.

(3)

وصف المفكرون السياسيون، منذ أرسطو، الحكم المطلق بأنه تشكيل سياسي يتسم بالتعسف واللامسئولية وانعدام الحدود. فالنزعة الشمولية بما تتميز به من رغبة شديدة في فرض الوحدة الأيديولوجية، وإزالة الاختلافات الاجتماعية، وتنظيم مستويات عالية من المشاركة الجماهيرية والتلاعب بها، هي جذور النزعة الشمولية في محاولتها إخضاع دوافع المجتمع المدني التلقائية لغايات محددة سلفاً.

إن قدرة الدولة الشمولية غير المسبوقة على الإقناع والعقاب تساعدها على تنظيم (سيطرة وتوجيه مركزيين للاقتصاد برمته من خلال التنسيق البيروقراطي للكيانات التعاونية والمستقلة سابقاً.

وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها الأنظمة الشمولية لتحطيم وجود الكيانات المنفصلة عنها، تظل في هذه الأنظمة الديكتاتورية، بعض المجموعات تعمل على مقاومة السلطة الشمولية. فالعائلة والكنائس والجامعات ومراكز أخرى للمعرفة التقنية، والكُتَّاب والفنانون، كلٌ حسب تقديره لوجوده باعتباره كائناً عاقلاً، يتعين عليهم، إن أرادوا البقاء، مقاومة مطالب الأنظمة الشمولية.

ستواجه النُظم الشمولية والتي على شاكلتها جماهيرها بنفس الصيغة التي يتعامل معها المحتلون (فرق تَسُد). ويكون قيام الحركات الشمولية ممكناً حيثما توجد جماهير تجنح لسبب أو لآخر الى التنظيم السياسي. فالجماهير لا تأتلف معاً بداعي الوعي بالمصلحة المشتركة، فهي تفتقر للوضوح الطبقي الخاص الذي يتم التعبير عنه في أهداف مقررة ومحدودة وُضعت لهم دون مشاركتهم الفعالة في فهم مفرداتها.

خاتمة تلك المقالة

إن الدولة الاشتراكية العاجزة عن نبذ شكوكها في المجتمع المدني، اندفعت الى (تمزيق كل الصلات والروابط الاجتماعية وغير الرسمية التي تقع خارج نطاق العائلة). فالمجتمع السياسي ـ عندها ـ يعني أولوية الدولة السياسية على الحياة الاجتماعية ككل، وأن المجتمع ملحق بالدولة الكلية القدرة أكثر منه كياناً مستقلاً. وهنا يتم شَّل الأفراد عن تبيين حاجاتهم، ويتحولوا الى كيانات فردية خالية من الإبداع الحقيقي.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 11-12-2010, 01:12 AM   #25
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

الثورة (المحدودة ذاتياً)

(1)

كانت النزعة الشديدة المناهضة للدولة، التي وسمت أدبيات المجتمع المدني المبكرة، ردَّ فعلٍ مفهوماً تماماً على ما تتصف به (الاشتراكية القائمة) من روتينية وبيروقراطية. وبنهاية السبعينات من القرن العشرين، كانت تصور المجتمع المدني في أوروبا الشرقية على أنه (ميداناً للنشاط الاجتماعي المستقل واللاسياسي ظاهرياً) الذي لا يسعى الى تحدي سيطرة الدولة على زمام السلطة الرئيسة، وقد حقق هذا عقداً ضمنياً بين تلك المنظمات وسلطات دولة الحزب الحاكم.

إن الفكرة القائلة إن نقابات العمال المستقلة، والحركات الاجتماعية الجديدة، والمنتديات المدنية، ومنظمات حقوق الإنسان، والدوائر الأخرى (للمجتمع المدني الاشتراكي) يمكن أن تصل الى تسوية مع الدولة هو قول يدل ضمناً الى إمكانية التفكير في المجتمع المدني بمعزل عن سلطة الدولة المباشرة، ويقر بأن مراكز السلطة المستقلة كانت تتطور في مجتمعات اشتراكية (ناضجة).

كانت الفائدة المجتناة من (النزعة الشمولية) قد أصبحت في الحقيقة إشكالية متزايدة. فمع غروب عقد الستينات، تعرضت قضيتان مركزيتان طرحهما منظرو النزعة الشمولية الى هجوم كاسح، تتمثل الأولى في أن العلاقات الاجتماعية الفردية تمت تذريتها (Atomized) بشكل يتعذر إصلاحه، والثانية هي أن الحياة الاجتماعية والسياسية المستقلة أمرٌ مُحَال.

وأن الفكرة المُبسطة القائلة إن المصالح المُستقلة لا يُمكن أن تُنَظَم في المجتمعات الاشتراكية، نُبذت تلك الفكرة حتى أن معاينة نماذج متسامحة كان ممكن أن يراها المراقب حتى في العهد الستاليني. وبعد مجيء (نيكيتا خروتشيف) وإتباعه لسياسة (شيوعية الغولاش) [وهي كناية للشوربة الهنغارية، وترمز الى غض النظر الذي اتبعه السوفييت والتهاون في مضايقة المجر بعد أحداث 1956، والتي قمعت فيها القوات السوفييتية ثورة المجر، فأُريد من تلك السياسة عدم تكرار ما حدث.]

(2)

بعد تلك الأحداث، لم تعد السياسة تدخل من الباب الأمامي لمنزل المواطن، واختفى دور المُحرض السياسي الذي كان الشيوعيون يرسلونه ويسمى (قارع الأبواب). وحل محله شاشة التلفزيون. ولكن التسييس الشمولي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة. ولم يعد هناك مناقشات سياسية في العمل، فساعات العمل للعمل فقط، وبإمكان المواطن أن يفعل ما يريد في أوقات فراغه.

بدت الأحداث التي جرت في بولندا مصداقاً للمقاربة التعددية، وتوكيداً للتخمينات المبكرة حول تجذر مجتمع التنظيمات الوسيطة المدني. فحركة الاحتجاج الفاعلة في بولندا حفزت التطورات المبكرة، وكثفتها في نظرية المجتمع المدني الأولى في أوروبا الشرقية.

كان الناطقون باسم المعارضة البولندية، الذين لم يدفعوا الأمور الى أقصى حد، حريصين على عدم الظهور بمظهر التخريب السياسي. فبدلاً من مهاجمة سلطة الدولة مباشرة، نشد التنظيم الذاتي للمجتمع تقييد تجاوز دولة الحزب حدود ميدانها الخاص. فالمنظمون أولوا عنايتهم لنقابات العمال، وفِرق الطلبة، والجمعيات الثقافية، ولجان العمال، ومنشورات الأدب السرِّي [ نوع من النشاط ظهر بعد موت ستالين 1953]. وغيرها من النشاطات التي أصبحت مؤثرة فيما بعد.

(3)

أطلق (آدم مشنيك)*1 ما دعاه بالمعارضة (المحدودة ذاتياً) وتتلخص فكرته في تحسين تنظيم المجتمع في منظمات طوعية ليس لها علاقة بالدولة، وعدم الاصطدام بالدولة مباشرة، بل على العكس كان يطلب مساعدة الدولة، ولكن فكرته وأسلوبه هذا لم يأتي بنتائج ملموسة.

لكنه في جانب آخر نجح في التأكيد أن تطور المعارضة يجب أن يكون من خلال توجهها للرأي العام وليس للسلطات.

استطاعت نقابة تضامن البولندية من انتزاع اعتراف الدولة بها، حتى لو كان هذا الاعتراف مقترناً بتعهد من النقابات بأنها لا تسعى لانتزاع السلطة.

كانت تسود الفضاء الذهني أجواءٌ تشجع لتقدم مثل تلك النشاطات. فمقاومة الكنيسة للإلحاد الرسمي، ومقاومة القرى للتعاونيات، ومقاومة الطبقة المثقفة للرقابة، عبَّدت الطريق أمام العمال لتنظيم أنفسهم.

(4)

في بداية عهد (غورباتشوف) في الاتحاد السوفييتي، اعترفت جريدة (برافدا) الناطقة بلسان الحزب الشيوعي السوفييتي، بوجود أكثر من ثلاثين ألفاً من المنظمات الطوعية غير الرسمية في الاتحاد السوفييتي، وقد تصاعد نشاط تلك المنظمات مع الشعور بأن غورباتشوف قد أطلق حملة إصلاحات، تدعو الى اعتبار الديمقراطية السياسية خطوة أولى في التجديد الاشتراكي لا يمكن تمييزها من الديمقراطية الاجتماعية الكلاسيكية.

كان غورباتشوف يدرك أن خططه لا يمكن أن تتم إلا بتخفيف الرقابة وإطلاق الحريات، حتى يصل لما سماه (الغلاسنوست: أي سياسة الشفافية) والتي يمكن أن تؤدي الى (البيروسترويكا: إعادة البناء)...

هكذا أدركت الشعوب وقياداتها محدودية نشاط منظمات المجتمع المدني في ظل النظام الاشتراكي، فسواء كان انتشارها يتم انتزاعاً أو من خلال إرادة رأس الحكم فالأمران سيان، لا مكان لمنظمات المجتمع المدني الحقيقية في ظل النظم الاشتراكية (هذا رأي المؤلف).

هوامش:
*1ـ [ آدم مشنيك هذا هو من كبار من أوحى لفاليسا صاحب فكرة نقابة تضامن، وهو أيضاً من أوحى للقيادة البولندية للاشتراك مع (بوش) في غزو العراق]
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 30-12-2010, 01:57 PM   #26
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

بلوغ الحدود

(1)


إن هدف المُنشقين الأولي في تحقيق تعددية اشتراكية قادهم الى وصف مشروعهم باعتباره (تنظيماً ذاتياً للمجتمع لا أكثر). فبعد محاولات، بات المجتمع المدني في عموم منطقة أوروبا الشرقية يعني المعارضة صراحةً. وربما كان بالوسع التفاوض بشأن تسوية مؤقتة بين المجتمع والدولة الفاقدة للشرعية باطراد.

لقد كانت رؤية (فاسلاف هافل: الرئيس التشيكي فيما بعد) تعبر عن طبيعة التفكير التي كانت سائدة في أوروبا الشرقية بما فيها (الاتحاد السوفييتي) فالمهمة الملائمة المنوطة بالدولة بالنسبة له هي: الدفاع عن القواعد المؤسساتية لمجتمع مدني غير مُسَيّس، ومُستقل، وتعددي، ومنظم ذاتياً. وأي شيء خلاف ذلك سيكون تهديداً مميتاً للاستقلالية الشخصية ولسلامة المجتمع.

(2)

أوحى بعض المنظرين أن الأصل المصطنع للاشتراكية الأوروبية الشرقية يُفسر تشوّه البنى الاجتماعية في بلدانهم. فالمسار الطبيعي للتطور للتطور الرأسمالي الديمقراطي قد أجهضته الحرب العالمية الثانية، كما فرضت معاهدة (يالطا) نموذج الدولة القائدة في الاتحاد السوفييتي على بيئة لم تكن مناسبة لها. فاملاءات السياسات الدولية حفظت هذه البيئة المصطنعة في مكانها لوقت طويل.

إذا كان السوق يقع في صميم المجتمع المدني، فإن (مناهضة السياسة) أنتجت نظرية ليبرالية عن الدولة. (( إن الدولة يمكن أن تحمي المجتمع، وتقوم بالتعبير عن مصالحه؛ وهذه الأمور في الحقيقة هي من صميم عملها)).*1

((إن الدولة تزج أموراً، وقضايا، وقرارات لا حصر لها في السياسة التي لا شأن لها فيها؛ فالأمور الشخصية وقضايا التقنية ليس للدولة، في نهاية المطاف، علاقة بها))*2. إن المجتمع المدني العادي يقتضي تحرير ميادين كالعلم والموسيقى والدين وتربية الحيوانات، وتحريرها من (الانتفاخ المَرَضي للدولة السياسية)*3

(3)

لقد آمن القائمون على مناهضة الدولة الاشتراكية، بأن المجتمع المدني (المنظم ذاتيا) و(المحدود ذاتيا) المنفصل عن الدولة بحقوق الملكية وحكم القانون سوف يتشكل حتماً بفضل السوق.

ويرى هؤلاء: إن الاقتصادات الأوامرية (الموجَهة)، ودول الحزب الواحد، تعطل، بكل ما للكلمة من معنى استقلالية تلك الميادين المنفصلة، بحيث يصبح من المحال تنظيم مسعى المصلحة الشخصية في الميدان الوحيد الذي يهمها فعلاً. ولهذا برأي هؤلاء فإن الديمقراطية السياسية والرأسمالية الآن شيئاً واحداً.

لذلك، فإن إحياء الاهتمام بالمجتمع المدني نشأ ضمن جهود الطبقة المثقفة في أوروبا الشرقية لدمقرطة (الاشتراكية القائمة). وإذ تركزت جهودهم ضد احتكار دولة الحزب للنشاط السياسي، أولى هؤلاء المثقفون عناية قليلة بالمسائل الاقتصادية. ولكنهم سرعان ما اضطروا الى مواجهة البنى الاقتصادية الأساسية للاقتصاد المخطط، ثم اكتشفوا أن السوق بوصفها ميداناً مُنظماً ذاتياً للفرص الفردية والرفاه الاجتماعي قادر على أن يوجه ضربة قاضية لبيروقراطية الدولة، المتملقة وعديمة الكفاءة التي تقوم بخدمة أغراضها الخاصة.

(4)

وفي النهاية، فإن آمالهم في أن المجتمع المدني (المحدود ذاتياً) قادر على دمقرطة الشيوعية من دون التحول الى الرأسمالية لم تستطع أن تتجاوز محدودية مضامين ليبراليتهم. وبعد أن صاغوا نداءاتهم بلغة (الديمقراطية) و (الميدان العام) و (التعددية) وما شابه، فشلوا في معالجة مفعول السوق، ويبدو أنهم تخيلوا أن (المجتمع المدني) يمكن أن يُعاد تشكيله من دون ثمن.

فالمجتمع المدني الذي (يحكم ذاته) من دون أحزاب سياسية محترفة وكُتل سياسية مستقلة، أو من دون حياة سياسية متماسّة كان منذ البداية محض خيال.

هوامش من تهميش المؤلف
*1ـ Hungarian by Richard E. Allen (New York; San Diego: Harcourt, Brace, Jovanovich, 1984 صفحة 160.
*2ـ المصدر السابق صفحة 228.
*3ـ المصدر نفسه صفحة 229.


__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 22-01-2011, 11:33 AM   #27
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

الفصل الثامن

المجتمع المدني والرأسمالية

(1)

لعل المنشقين في أوروبا الشرقية الذين استخدموا لغة المجتمع المدني في هجومهم على الدولة الاشتراكية، معذورون لفشلهم في تقدير خطر السوق الرأسمالية الداهم. وأياً كان مزيج سذاجتهم، ويأسهم، ولامسؤوليتهم، فقد كان لهم خصوم أقوياء تتوجب منافستهم، وحلفاء مهمون يجب إرضائهم، وقلة من مصادر الدعم النظري والنشاط العملي المحلي يستندون إليه. ولعلهم تخيلوا صادقين أن (المجتمع المدني) المعافى يمكن أن تتعايش مع مجموعة من الخدمات الاجتماعية السخية، غير أن آمالهم تبخرت أمام المنطق الحديدي لمتطلبات السوق القاسية.

لقد حققت (الاشتراكية التي كانت قائمة في أوروبا الشرقية) قدراً من الرفاه الاجتماعي (اختفاء البطالة، التعليم المجاني، الصحة المجانية، تأمين السكن الخ)، ولكن الديمقراطية السياسية كانت مسألة أخرى تماماً. وهذا يساعدنا على تفسير السبب الذي دفع الأوروبيين الشرقيين الى التنظير للمجتمع المدني بمصطلحات ليبرالية.

لقد نُحيّت المسائل الاقتصادية جانباً تقريباً، وأما آثارها الجانبية البغيضة فلسوف تعالج بعد إقامة (دولة القانون)، وإعادة توحيد أوروبا. لكن لذلك ثمنه الذي كان يجب دفعه، وسرعان ما وصلت فاتورته. ولكن الأمل في أن يكون الشعب الحيوي قادراً على الدفاع عن مجاله العمومي (Public Sphere) قد تلاشى عندما تبين أن كلاً من السوق والدولة التي وسعته وحمته هما ميدانان للقسر، واللامساواة، والإقصاء. وفي منتصف عقد التسعينيات أخذ الخطاب الجامح عن المجتمع المدني يذوي في أوروبا الشرقية.

عندما أعلن المثقفون في الغرب (نهاية عصر الأيديولوجيا)، وفسروا كيف أن لا مبالاة المواطن تتيح للنخب قيادة المجتمعات الجماهيرية في شروط من الإصلاح الاجتماعي والاستقرار السياسي. كان ثمة مجتمع استهلاكي غير مسبوق تاريخياً آخذاً بالتشكل في الغرب، وساعدت التعددية على تلطيف الجو عندما برهنت على أن المصالح غير السياسية يمكن أن تسهم في الاندماج الاجتماعي.

أسس التعددية

(2)

خرج علم السياسة الأمريكي من الحرب العالمية الثانية وهو واقعٌ تحت تأثير النماذج الاقتصادية، فراح يركز على الفاعل الفرد (Actor) بوصفه العنصر الناشط الوحيد الذي يستطيع أن يفهم مصالحه، ويضع الخطط للوصول إليها.

وقف (ترومان)*1 ليقول: ((أن الفرد في المجتمعات كلها، المُعقد منها والبسيط، يتأثر مباشرة بالمجتمع ككل بصورة أقل من تأثره بأقسام هذا المجتمع الثانوية ومجموعاته)). وأن فهم السياسة يقتضي دراسة التوسطات الناشئة.

قال ترومان: (( عند بلورة تفسير مجموعة ما للسياسة، فلن نكون بحاجة الى تفسير مصلحة شاملة كلياً؛ لأن مثل هذه المصلحة الكلية لا وجود لها))*2. تنشأ السياسة العامة (الحكومية) عن التفاعل بين اداعاءات مجموعات المصالح؛ والقدرة على الوصول الى ما تبتغيه هذه المجموعات يعتمد على موقعها في المجتمع المدني، وتنظيمها الداخلي، وعلى المؤسسات التي توجه إليها جهودها.

وفهم السياسة يعني فهم التفاعلات المعقدة. ((وسواء أكنا نعاين مواطناًَ فرداً أو منتمياً لحزب سياسي، أو مُشرعاً، أو رجل إدارة، أو حاكماً، أو قاضياً، فإننا لا نستطيع وصف مشاركته في مؤسسة الحكومة، دع عنك تفسيرها، إلا بموجب مصالحه التي يحددها لنفسه، وبموجب المجموعات التي ينتمي إليها ويواجهها))*3

(3)

لقد حدد ترومان وسيلتين تنظيميتين تصونان الاستقرار السياسي. أولاهما البنية المعقدة للانتماءات المتعددة والولاءات المتشابكة، وثانيهما مفهوم المصلحة غير المنظمة.

وتتأسس الانتماءات المتعددة في الجماعات المحتملة على المصالح المتبناة والمقبولة التي كانت بمثابة عجلة توازن في نظام سياسي قائم. ومن دون الانتماءات المتعددة يستحيل إيجاد نظام حكم قابل للحياة. وفي نظام سياسي حيوي نسبياً تكون تلك المصالح (غير المنظمة) سائدة بتواتر كافٍ في سلوك قطاعات مهمة في المجتمع.

(4)

يقول صاحب الكتاب: ثمة ثلاثة خلائط من النزعات والمستويات النفسية للنشاط السياسي أطرت التحليل. تميزت الثقافة (الضيقة) ل (العالم الثالث) المتخلف بمستويات منخفضة من المصلحة، ومن النشاط، ومن الولاء. بينما كشفت ثقافة (الإذعان) الشيوعية عن مستويات عليا من المعرفة السياسية عن النشاط الحكومي، ولكنها ثقافة عرجاء بسبب مفهومها المتدني للفاعلية الفردية. وأخيراً، اتسمت ثقافة (المشاركة: Participant) الأنجلوأمريكية بمستويات عليا من المصلحة، والنشاط، والتأثير الفردي.

لقد أوصى (ألموند وفيربا) مؤلفا كتاب (الثقافة المدنية: The Civic Culture) المجتمعات التي يتصف حكمها بالقومية (التحديثية) في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية بأن تتبنى مجتمعاً مدنياً يتألف من التجارب الثلاث كلها.

لقد سعت المدرسة التعددية الى تفسير كيف أن مجموعات المصالح في المجتمع المدني تترجم الانشغالات الفردية الى مصطلحات سياسية، وتساعد في صياغة سياسة عامة. فالانتماءات المتعددة والولاءات المتشابكة تفضي الى التسويات الوسطية والتكامل، لتطمين مدى واسع من المصالح الناشئة في المجتمع المدني من دون وقوع اضطراب سياسي كبير.


هوامش
*1ـ ديفيد بيكنيل ترومان (1913ـ 2003): أكاديمي أمريكي، الرئيس الخامس عشر لكلية (ماونت هوليوك) ـ جامعة كولمبيا.

*2ـ David Bicknell Truman, The Governmental Process; Political Interests and Public Opinion نيويورك 1951، صفحة 51. (تهميش المؤلف).
*3ـ المصدر نفسه صفحة 502.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 18-02-2011, 03:08 PM   #28
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

تسليع الميدان العام

(1)

إن محاولة العديد من مفكري الغرب تفسير الأزمة التي شهدتها أواخر الستينات من القرن الماضي، قادتهم الى عمل (أنطونيو غرامشي) الشيوعي الإيطالي الذي سجنه الفاشيون بضع سنين والذي أراد أن يعرف سبب نجاة الرأسمالية الأوروبية بعد اشتعال حربين عالميتين واندلاع الثورة الروسية ونشوب الأزمة الاقتصادية الخ.

لقد ميَّز (غرامشي) بين البيئتين الروسية التي حدثت فيها الثورة البلشفية، وبين أوروبا التي لم تتعرض لثورات. وقد عزى ذلك لتطور الدولة والمجتمع المدني في الغرب، في حين كانت الدولة الروسية هشة والمجتمع المدني في روسيا بدائياً وهلامياً*1

فإن كانت الثورة في روسيا قد نجحت في طريقتها، فإنها لن تنجح في أي بلد أوروبي غربي، لتعقيد العلاقات بين الحاكم والمحكوم، فالحاكم في الغرب الأوروبي ليس فرداً مستبداً بل صيغ معقدة من العلاقات يقابلها مجتمع مدني يشارك وينتقد ويحرس القيم التي تبقي الدولة واقفة.

شدد غرامشي على الأيديولوجية ومنحها منزلة مساوية لمنزلة (القسر المنظم) الذي تمارسه الدولة، فقد ظهرت في المجتمع المدني الرأسمالي المتقدم بنية إجماع متراتب، وهو إجماع يتصف بالسلاسة، والمرونة، والفاعلية. فالهيمنة التي تمارسها الدولة الأوروبية الغربية تفترض درجة معينة من الرضا، والتشارك، والتعاون.

فالمؤسسات من قبيل العائلة، وعلاقات المِلكية، والقانون تفاعلت مع المعايير غير الرسمية التي حكمت الزواج والعمل وأوقات الفراغ، لإنتاج مجتمع مدني برجوازي عَبَأ درجة مهمة من الإجماع.

(2)

كان عصر التنوير يَعِدُ بتحرير البشر من قبضة التقليد الميت، والتراتبية الاجتماعية والخرافة، ولكن انتهى به المطاف الى أن أخضع البشر لقوى جردتهم من قدرتهم على تكوين الأحكام المعيارية (Normative) أو جردتهم حتى من إدراك أن عليهم بلورة أحكام معيارية.

لقد تم ضخ ثقافة سوقية وأصبحت تلك الثقافة سلعة. لقد حُفِّز المجتمع الاستهلاكي الضخم الذي أعقب الحرب النموّ المتسارع ل (صناعة ثقافة) امتثالية وطامعة بالربح، ثقافة تتوخى الحد الأدنى من القاسم المُشترك الذي يجمع منتجاتها، ثقافة أفرغت كل شيء من محتواه.

اتفق (هربرت ماركوز) مع كل من (هوركهايمر) و (أدورنو) على أن صناعة الثقافة كانت تعمل بوصفها قوة مستقلة أكثر فأكثر. وإن دورها المباشر في (تسليع الحياة) يميل الى تسطيح كل شيء؛ لأنها تلتمس أدنى قاسم مشترك في محاولة منها للبيع قدر ما أمكن. فيتم بذلك احتواء البدائل الأخرى، وامتصاص منابع المعارضة المحتملة، فتضمر قوة الفكر المستقل الانعتاقية*2.

وبينما كانت العصور السابقة تستخدم الحريات المدنية، وحرية الكلام، والتفكير، والعقل، والضمير استخداماً مقوضاً وتحررياً، فإن المجتمع الصناعي المتقدم يستخدمها للإبقاء على الوضع القائم. وعندما تتلاشى البدائل، يصبح عدم الإذعان عقيماً وصعباً. ويقول ماركوز: عندما تتكثف الهيمنة، والاستغلال، واللاعدالة فإن صناعة الثقافة تجعل المقاومة مستحيلة تقريباً؛ لأنها تجعلها غير مرئية.

(3)

وصف ريتشارد سينيت سقوط الإنسان العام وزوال (الحميمية) من بين أفراد المجتمع، بأن وراءه ما تعززت فيه القيمة الفردية للحياة الخاصة. وإن الاهتمام المهووس بالأشخاص على حساب العلاقات الاجتماعية، وهذا يشبه المصفاة التي تفسد فهمنا العقلاني للمجتمع؛ فهو يحجب الأهمية المتزايدة للطبقة في المجتمعات الصناعية المتقدمة؛ ويقودنا الى النظر الى الجماعة على أنها بوح ذاتي متبادل، والى أن نبخس من قيمة علاقات الغرباء الجماعية، لا سيما تلك التي تحدث في المدن.

لقد كشف سينيت عن المفارقة المريرة المتمثلة في أن المجتمع الحميمي يجعل الحياة المدنية أمراً مستحيلاً. فالناس لا يستطيعون تطوير علاقاتهم مع الآخرين إذا عدّوها غير مهمة لكونها علاقات لا شخصية. لأن الحياة المدنية هي النشاط الذي يحمي الناس من بعضهم بعضا، ويتيح لهم مع ذلك أن يتمتعوا برفقة الآخر. فالعيش مع الناس لا يستلزم (معرفتهم). ولا يستلزم التأكد من أنهم (يعرفونك).*3

إن كتاب سينيت (سقوط الإنسان العام) نقدٌ ثاقب البصيرة بشكل لافت للفكرة الرائجة التي تفيد أن المجتمع المدني الذي ينظم حول الجماعة والحميمية يوفر بالضرورة بديلاً مناسباً من الضعف، والاغتراب، والوحدة. فمنطق الدفاع المحلي ضد عدوانية العالم الخارجي يغفل خبرة الإنسانية التي تؤكد أن الناس يتطورون عندما يجربون أشياء جديدة وناساً جدداً.

(4)

لقد هدد منطق شكل (التسليع الشمولي) بصهر العام بالخاص، معرضاً الديمقراطية بذلك للخطر. واكتسبت المسائل الاقتصادية الخاصة أهمية عامة عندما أنتجت أسواق السلع أسواقاً للأخبار، وعندما صار من غير الممكن الاستغناء عن المعلومات في التجارة. فأخذت الصحافة بالتطور، ولكن سرعان ما انضمت إليها المقاهي والصالونات، والمسارح، وجمعيات المتعلمين، ومواقع أخرى انتظمت حول تبادل المعلومات الحر.

ويتصرف المواطنون بصفتهم هيئة عامة عندما يتشاورون بصورة غير مقيدة ـ في ظل ظرف يضمن لهم حرية الاجتماع والارتباط، وحرية التعبير عن آرائهم ونشرها ـ في مسائل الصالح العام.

ويقف تسليع الميدان العام من وراء (أزمة مشروعية) نظام سياسي غير قادر على تقديم تبرير عقلاني لسلطة الدولة، وهو تبرير كان قادراً على تقديمه مرة. والقادة السياسيون يستعينون زيفاً بجمهور عام، لا من أجل المساعدة على صوغ السياسة، إنما هم يناورون لخلق دعم عابر. وإن العملية الطويلة من التشاور المتبادل، والتنوير، والنقاش التي ميزت الميدان العام في السابق قد تفككت وانسحقت، تحت وقع مطالب الدولة ووقع احتياجات السوق في المجتمع المدني.

يرى الكثير من علماء الاجتماع السياسي، أن الاندماج والشرعية من خلال التواصل (الاتصال)، لا من خلال الهيمنة، هو الحل الأمثل لإبقاء المجتمع المدني بعافية.



هوامش من تهميش المؤلف
*1ـ Antonio Gramsci, Selection from the Prison Notebooks of Antonio Gramsci, Edited and Translated by Quintin Hoare and Geoffrey Nowell Smith (New York: International Publishers 1971) p.238
*2ـ Herbert Marcuse, One- Dimensional Man: Studies in the Ideology of Advanced Industrial Society (Boston: Beacon Press 1966, pxvi
*3ـ Richard Sennet, The Fall of Public Man: On the Social Psychology of Capitalism (New York: Random House 1978) p.4

__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 22-03-2011, 01:49 PM   #29
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

أحلام التجديد

(1)

اكتشف الغرب أن خطاب الأخلاق لا يستطيع بناء ميدان عام ديمقراطي في بيئة موسومة بالنزاع السياسي، والصراع الطبقي، والعنف، واللامساواة الرأسمالية.

اعتقد بعض علماء الاجتماع والسياسة الأمريكيين، أن التاريخ الأمريكي قدم إجابة لحل هذا المأزق؛ لأنه أثبت أن مقولات الفردية لا تستطيع أن تقدم تفسيراً غنياً كفاية للحياة الاجتماعية. فالناس لا يَخْلقون أنفسهم بأنفسهم كما يبدو. وهذا ما قاله (روبرت بيلاه Robert Bellah) (( نحن لم نكن، ولسنا أبداً، مجموعة أفراد خصوصيين لا شيء يجمعهم غير عقدٍ واعٍ لتكوين حكومة الحد الأدنى. لقد صار لحياتنا معنى بألف طريقة وطريقة، وأغلبها لا نعيها، بسبب تقاليد يمتد عمرها لقرون إن لم يكن لألف عام. إن هذه التقاليد التي تعيننا على معرفة أهمية اختلاف طبائعنا وطبيعة تعاملنا مع بعضنا بعضاً))*1

لا تشكل الذاكرة الجمعية والتقاليد المنتقاة من (الألفية) أسساً يُعتمد عليها على نحوٍ خاص لبلورة نظرية عن المجتمع المدني، ولكن من السهولة فهم ما تحظى به من جاذبية. فالفضائل التي كانت تسود البلدة الصغيرة في عصرٍ غابر لا تستطيع أن توفر المحتوى الديمقراطي لمجتمع مدني تؤطره قوى اقتصادية جبارة ودولة قوية. ولكن يمكن للتقاليد التراثية أن تمد يد العون.

إن تصور المجتمع بوصفه متكوناً من مجموعات مختلفة تماماً، ولكن مستقلة عن بعضها بعضاً، من شأنه أن يُنتج لغة عن الصالح العام يمكنها أن تقضي بين الحاجات والمصالح المتعارضة، وبذلك تخفف من الأثقال التي ينوء بها منطق الحقوق الفردية*2

(2)

إن البديل الواعد من دولة السيادة ليس مجتمعاً عالمياً واحداً قائماً على تضامن الإنسانية، إنما على مجتمعات وهيئات سياسية متنوعة ـ بعضها أكبر من الأمم وبعضها أصغر ـ تتوزع عليها السيادة. ويرى صاحب هذا القول أنه (إذا لم تستطع الأمة أن تستجمع أكثر من الحد الأدنى من الشراكة، فلا يبدو أن المجتمع العالمي يستطيع أن يفعل ما هو أفضل... صارت السياسة في المجتمع الصغير أهم لا أقل أهمية. فالناس لا يقدمون الولاء الى الكيانات الكبيرة والنائية، أياً تكن أهميتها، إنما يمنحون ثقتهم لتلك المؤسسات المرتبطة بنوع من التنظيمات السياسية التي تعكس هوية المشاركين)*3


يرى أصحاب مثل تلك الآراء، أن مؤسسات المجتمع المدني، كالمدارس، وأماكن العمل والمعابد والنقابات والجمعيات الخيرية، هي المواقع الجديدة للنشاط الديمقراطي في عالم ما بعد الحداثة المكتظ بالعديد من الولاءات والهويات والذوات. وإن التشتت والخصوصية والهوية يمكن أن ترسي فلسفة عامة تعالج ضياع الحكم الذاتي وتآكل الجماعة.

إذا كان الرأي السابق يعود للمدرسة الليبرالية التي تركز على الفرد باعتباره مركز لفلسفتها، فإن هناك مدرسة (الجماعيون) [ أي التي تنأى بالتركيز على الجماعات]، وهي مدرسة أقل عداءً للدولة، لا بل تذهب الى ضرورة حماية قدرة الدولة على رعاية الجماعات، وذلك بحماية تلك الجماعات من مساومات جماعات المصالح. وهي ترى أن دولة إيجابية يمكنها أن تحسن الصالح العام الأكثر أهمية من دفع المدرسة التعددية باتجاه المصلحة الخاصة.

(3)

حاول (روبرت بوتنام Robert Putnam ) أن يفسر ظاهرة تفوق شمال إيطاليا على جنوبها في التجربة الديمقراطية، وهو بذلك كان يبحث كمُنظِّر عن المصادر العميقة للديمقراطية. وقد كشف لنا أن الديمقراطية والمؤسسات السياسية الفاعلة تعتمد على مجتمع مدني متطور تزدهر فيه روابط وسيطة وثقافة مدنية.

يكتب (بوتنام) بأن شمال إيطاليا ووسطها ومركزها الصناعي، قد شهدا مشاركة فاعلة في الشأن العام، ومساواة سياسية واسعة، وانتشار قيم التضامن، والثقة، والتسامح، إضافة الى بنية كثيفة من الروابط ذات الانتماءات المتعددة، وقام في ما بينها تعاضد عالي المستوى، بصورة أقوى بكثير مما شهده جنوب إيطاليا الريفي والمتخلف. فأهل الشمال مشاركون فاعلون في الشأن العام، ويتابعون الصحف بانتظام، وغالباً ما يشاركون في التصويت. وهم راضون عن الهيئات والقادة المحليين.

يفسر بوتنام تلك الظاهرة، بأنه وخلال ألف عام، أرست التجارب (الكومونات) [أي الأشكال الأولية من التنظيم السياسي المحلي، وإدارات محلية سبقت نشوء الجمهورية]، والتي أكسبت السكان مهارات في تنظيم شؤونهم وتمويل القطاعات العامة، ولم تكن الكنيسة (مثلاً) إلا مؤسسة واحدة من بين مؤسسات عديدة، فكانت الروابط الاجتماعية والاقتصادية والمدارس وغيرها تدار بطريقة تنشد التطور والتقدم الذي يرفد الثلاثي (المال، والأسواق، والقوانين).

أما الجنوب، فكان الحال على العكس: فالنظام الملكي المركزي القوي كان ينظم الحياة بأوامر فوقية، وخانقاً المبادرات المحلية، ومعيقاً تطوير تقاليد الروح المحلية. وعملت العلاقات الاجتماعية التراتبية، والكنيسة المتنفذة، وأرستقراطية قوية مالكة للأرض على كبح قيام حكم محلي ذاتي. ما زال الجنوب، الى يومنا هذا، تسوده تقاليد اللامساواة، والتبعية الشخصية. (إن المناطق ذات الروابط المدنية العديدة، والكثير من القرَّاء المتابعين للصحف، والكثير من المصوتين المعنيين بالمسائل الخلافية، وقلة من شبكات الإتباع للسادة والزبائنية، كلها تساعد على ازدهار حكومات أكثر فاعلية). *4

(4)

يُعَبِّر كثير من علماء الاجتماع (الجماعيين) عن مخاوفهم من نظام اجتماعي أمريكي مهترئ. فيعتقد (بوتنام) أن ضعف المجتمع المدني الأمريكي يعود الى تدهور رأسماله الاجتماعي. وعلى الرغم من مستويات التعليم العالية، فإن الناس يدلون بأصواتهم، ويشاركون في الأنشطة السياسية الأخرى بزخم أقل مما كانوا يفعلون من قبل. ومعروف الآن أن ثقتهم بالحكومة أقل من السابق. غير أن التدهور لا يقتصر على السياسة وحدها. فلقد شهدت جموع المواظبين على الحضور الى الكنيسة، وكذلك النشاطات ذات الصلة بها، انخفاضاً ملحوظاً، وتقلصت أعداد المنتمين للاتحادات العمالية ..الخ

ويسخر بوتنام من المنظمات الاجتماعية الحديثة، فيقول إن تلك المنظمات الأمريكية لا تفعل سوى أن تتيح لأفرادها التحدث عن أنفسهم أمام الآخرين.

يُطلق (بونتام) على هذا التدهور (تآكل رأس المال الاجتماعي)، والذي ينذر بتفتيت الولايات المتحدة واندثار بنيتها الاجتماعية، ويسأل لمَ يحدث كل هذا؟ ويتطرق في إجابته الى أن الأجيال الجديدة لا تهتم بشأن عام، فتقضي معظم أوقات فراغها في مشاهدة التلفزيون، وألعاب الكمبيوتر والمحادثات الجانبية غير المهمة. ولكنه يسأل لما يفعلون ذلك؟ فيرجع أسبابه الى طبيعة الدولة وقوانينها التي تجعل من نفسها شيئاً بقدر ما يُعتمد عليه في إدارة شؤون البلاد، بقدر ما تجعل من نفسها مشرعة لقوانين لا حول للمواطن ولا قوة في تغييرها، فتحدث اللامبالاة!




هوامش من تهميش المؤلف
*1ـ Robert N. Bellah et al. , Habits of the Heart: Individualism and Commitment in Amarican Life (Berkeley: University of California Press, 1985 p.282
*2ـ المصدر نفسه، ص 285.
*3ـ المصدر نفسه ص 346.
*4ـ Robert D Puntam, Robert Leonardi and Raffaella Y. Naneti, Making Democracy Work: Civic Tradition in Modern Italy (Princeton University Press, 1993) p 99
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 21-04-2011, 01:11 PM   #30
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

الفصل التاسع: المجتمع المدني والسياسة الديمقراطية

(الحلقة الأخيرة)

الصفحات 437 حتى نهاية الكتاب

(1)

اتفق المفكرون وأصحاب العقائد المناصرون لفكرة المجتمع المدني، منذ أيام أرسطو الى يومنا الحاضر، على أن المجتمع المدني دعامة هامة وضرورية لحماية الديمقراطية وتناقل السلطة بين الجميع دون تقنينٍ أو قسر. فهو بنظرهم جميعاً يُفترض أن يُحيي دور الجماعات، وأن يُدرب المواطنين الناشطين، وأن يؤسس تقاليد الاحترام والتعاون، وأن يوفر بديلاً أخلاقياً من المصلحة الذاتية، وأن يحد من البيروقراطيات الطفيلية، وأن يُنشط الميدان العام.

لقد تأثر الغرب بما كُتب وقيل عن المجتمع المدني، وحوَّل تأثره الى إجراء يتطور مع تطور ما كان يقال وما يزال. وقد يكون التأثر ب (توكفيل) هو الأكثر والأطول عمراً. ومع ذلك فإن الدعوات للمجتمع المدني واعتماده أسلوباً ناجعاً ما زال يكتنفه بعض الغموض والضبابية.

ففي خطابٍ له صرح (كولن باول) في مؤتمر القمة الرئاسية (1997) عن مستقبل أمريكا قائلاً (إن مجتمعاً مدنياً هو مجتمع يحرص أعضاؤه على رعاية بعضهم بعضاً، وعلى رفاه الجماعة كُلها)... (فالتسامح والاحترام والسلوك المتحضر يمكن أن تبنيها خدمات طوعية للجماعة؛ ذلك لأننا نساعد الجيل القادم من الأمريكيين على أن يُنشئوا مواطنين صالحين، ونعرّف الجيل الراهن مرارا وتكرارا، بالحاجة الى تجاوز عوائق العرق والطبقة والسياسة التي تفرقنا)*1

(2)

ظهرت منذ البدء، إشكاليتان في التعامل مع مفهوم المجتمع المدني. الإشكالية الأولى: الموقف المتذبذب للسلطة منه، ففي حين نظر اليونانيون الى غيرهم من الشعوب على أنهم (برابرة) لأنهم في أحد أشكال تعاملهم مع المجتمع المدني لا يولون اهتماماً خاصاً، بل ينكرون حق تنظيم المجتمع لنفسه. وهذه النظرة لا زالت قائمة حتى اليوم، فإذا أرادت دولة كبرى كالولايات المتحدة مثلاً أن تتهم دولة أخرى بخرق لوائح حقوق الإنسان، فإنها تبحث في القضايا التي تشكو منها منظمات المجتمع المدني من نظامهم السياسي. وبنفس الوقت تقمع مثل تلك الدول أي نشاطات تتعارض مع سياساتها، (تلوث البيئة، الاحتباس الحراري، سياسات التسابق في التسلح النووي، شن الحروب الخ).

والإشكالية الثانية: صعوبة التنسيق بين محاور نشاطات منظمات المجتمع المدني. فما الذي يجمع منظمة تهتم برعاية نوع من السلاحف مهدد بالانقراض، مع منظمة تهتم بالمحاربين القدماء أو منظمة تهتم بشؤون الناجين من سمك القرش؟

ترعى بعض الدول أو كلها أحياناً نوعاً معيناً من منظمات المجتمع المدني، ويتسابق أفراد الأسر الحاكمة بتسلم رئاسة مثل تلك المنظمات لتسوق نفسها على أنها أنظمة متحضرة، رءوفة برعاياها ومحبة للنشاطات الإنسانية. (اتحادات رياضية، منظمات نسائية لدعم نشاط اقتصادي أُسري الخ). في حين تلاحق وتضطهد أفراد آخرين ينشطون بمجالٍ لا تحترمه تلك الأنظمة (نساء معارضات للحرب على العراق، مجتمع محلي يعارض التجارب النووية في بعض مناطق العالم الخ).

(3)

يتفق الليبراليون والماركسيون على أن المجتمع المدني يصب في جهود الارتفاع بالديمقراطية لمستويات أفضل. فالليبراليون يرغبون بإيجاد منظمات مجتمع مدني تنضوي تحت حكم مركزي يحد من تسلط هذا الحكم وتفرده، في حين يرى ماركس بعقيدته الثورية (إن المجتمع المدني هو إشكالية يجب حلها بدلاً من كونه حلاً يجب العثور عليه). فقد استمد الماركسيون ارتيابهم من أن الأسواق غير المنظمة (الحرة أو الفالتة) تستطيع أن تدمر إمكانية الحياة المتحضرة نفسها*2

ولتبيان أهمية منظمات المجتمع المدني، يسوق المؤلف (جون إهرنبرغ) مثالاً حدث في الأرجنتين عندما خرجت نساء تتبع لمنظمة (Mothers of the Plaza de Mayo) وهن نساء اختطف النظام الأرجنتيني أطفالهن بين عام (1976ـ 1983) خلال ما سُمي ب (الحرب القذرة) وعدد هؤلاء الأطفال حوالي ثلاثين ألفاً وقتلهم جميعاً لأن آباؤهم من اليساريين المناهضين للنظام، فخرجت الأمهات والجدات لابسات الملابس البيضاء (رمزاً لحفاظ الطفل)، وهذا ما جعل النظام الأرجنتيني مفضوحاً أمام العالم وأمام شعبه.

ولكن المؤلف يسوق مثالاً آخراً، يبين التلاعب في نوعية المزايا التي تتحقق من تلك المنظمات، فيذكر أن مطالب كثيرة قام بها الأهالي المجاورون لأراضي زراعية تملكها الحكومة الفدرالية الأمريكية يطالبون بتمليكها للمزارعين للاستفادة منها، وبعد تلك المطالبات تم توزيع الأراضي واستفاد منها كبار المزارعين بشكل كبير في حين لم يستفد صغار المزارعين إلا بالنزر اليسير.*3

(4)

يتناول المؤلف قضية مهمة جداً، وهي أنه من يهتم بالمجتمع المدني؟ هل يهتم به المُشرد والكادح والفقير؟ أم حتى أنه هل تهتم به نسوة هذه الأيام اللواتي لم يعدن يجلس ببيوتهن، لقسوة الظروف الاقتصادية، بل يعملن وأزواجهن لا يقل عن 12 ساعة في اليوم.

ويذهب أبعد من ذلك، عندما يُجبر أشخاص لحضور اجتماعات تناقش قضايا المجتمع المدني (والإجبار هنا، بحكم العلاقة بين الداعين للاجتماعات وتابعية المدعوين وعدم قدرتهم على رفض طلبات من دعوهم). وتكون المعلومات والحقائق محجوبة (بخبث أو بطيب نية) عن المدعوين، فيتداول مناقشتها متنافسون يعلمون سبب حضورهم!

ويذهب صاحب كتاب (الصوت واللامساواة) الى القول: (المشاركة السياسية بدءاً من التصويت، مروراً بكتابة الرسائل، والانتماء الى التنظيمات السياسية، والدعم بالأموال، والمشاركة في المظاهرات، موسومة بدرجات من اللامساواة أعلى من أشكال النشاط العام الأخرى.) ويصل في حديثه عن المجتمع المدني على أنه (مخترق كلياً بالعلاقات الطبقية، أما اللامساوة في توزيع الموارد السياسية فهي دالة الحياة الاقتصادية)*4

إن المشاركة الديمقراطية المثمرة تقتضي أن تكون أصوات المواطنين في السياسة واضحة وعالية ومتساوية: واضحة حتى يعرف المسئولون ما يريده المواطنون وما يحتاجونه؛ وعالية حتى تكون حافزاً للمسئولين لإيلاء العناية بتلك المطالب؛ ومتساوية حتى لا يُنتهك المثال الديمقراطي.

(5)

يمر المؤلف على إحصائيات تدلل على أهمية الاقتصاد في تحفيز المواطنين الأمريكان في الاشتراك بالديمقراطية، أو منظمات المجتمع المدني. فيقول: أنه وقت تأليف كتابه كان 1% من الأمريكان يملكون ثلثي الثروة في الولايات المتحدة. وأنه في نفس التاريخ انخفض دخل نصف الأمريكان الى أقل بكثير مما كان عليه في عام 1973. وأنه في عام 1998 وحدها اتحدت مجموعة شركات بما مقدار رؤوس أموالها (التريليون من الدولارات).

ويصف جورج سورس (George Soros) وهو واحد من أكبر أصحاب النفوذ الإعلامي في العالم، ومن أكبر المدافعين عن المفاهيم الليبرالية الأمريكية، يصف الوضع بقوله في مقالة نافذة في (أتلانتيك مونثلي Atlantic Monthly في 2/2/ 1997) (( إن الزيادة الكثيفة في ما تتمتع به رأسمالية المنافسة الحرة من انفلات من رقابة الدولة وانتشار قيم السوق في نواحي الحياة كلها يعرضان مجتمعنا المفتوح للخطر؛ أن العدو الرئيس للمجتمع المفتوح، على ما اعتقد، هو الخطر الرأسمالي لا الشيوعية)).

انتهى عرض الكتاب بحمد الله





هوامش من تهميش المؤلف

*1ـ Colin L. Powell, "Recreating the Civil Society – One Child at a Time," Brookings Review, vol. 15, no. 4( Fall 1997), pp. 2-3
*2ـ Karl Polanyi, The Great Transformation (Boston: Beacon Press1957
*3ـ McConnell, Private Power and American Democracy, p349
*4ـ Sidney Verba, Kay Lehman Schlozman and Henry E. Brady, Voice and Equality: Civic Voluntarism in American Politics (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1995) p522
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .