العودة   حوار الخيمة العربية > القسم الثقافي > خيمة القصـة والقصيـدة

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: قراءة فى مقال القواعد الأساسية للحوار (آخر رد :رضا البطاوى)       :: انـا لن اطلب من الحافي نعال (آخر رد :اقبـال)       :: فـليسـمع البعثيون غضبـهم (آخر رد :اقبـال)       :: حقيقة (آخر رد :ابن حوران)       :: تحميل برامج مجانية 2019 تنزيل برامج كمبيوتر (آخر رد :أميرة الثقافة)       :: عدي صدام حسين يرفض اسقاط النظام السياسي في العراق وترامب يمتثل لطلبه (آخر رد :اقبـال)       :: إيران والملاحق السرية في الاتفاقيات الدولية (آخر رد :ابن حوران)       :: حُكّام المنطقة الخضراء في العراق: وا داعشاه!! (آخر رد :اقبـال)       :: العراق (آخر رد :اقبـال)       :: تيجي نلعب دولة؟ (آخر رد :ابن حوران)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 08-08-2011, 12:08 AM   #1
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي الطائر الصغير يقود السرب

الطائر الصغير يقود السرب



(1)


شعر (علوان) كأنه حصان وُضع في زريبة، وفُرشت تحته قِطعٌ صغيرة من أوراق كُتب التاريخ القديم، ووُضِع في (مِذْوَدِه) تبنٌ مكونٌ من فتافيت قصائد الحماسة والتغني بالأمجاد، ورُبِط بسلسلة من عنقه وأخرى من نقطة حساسة. عليه أن يفكر ويتحرك بقدر ما يَسمح به طول السلسلة. الوقت المتطاول يسمح له أن يقرأ كل كلمة على أي قطعة من الأوراق، ولم يعتنِ قط بترتيب تواريخ أحداثها، وأخذ العبرة، فكَوَّن تاريخاً خاصاً بنفسه من خلال مطالعته المستمرة ومضغه للتبن.

أغمض عينيه ليريحهما من مهمة متابعة الأحرف التي كانت تشبه النمل المتحرك باتجاهات مختلفة، ولأن الحصان لا يجتر، فكان يكتفي باستعادة الصور التي رُتبت على غير دراية في رفوف ذاكرته.

(2)

لم تمنعه قبضة أبيه أن يلتفت يميناً، في حين كان يساره محجوباً بجسم أبيه الضخم، والذي كان يمسك بيده بقوة حتى لا يفلت منه، ويتوه بين أزقة المدينة وأسواقها..

كان يتبعه بفعل قوانين الجذب الميكانيكية، ولأن خطوات أبيه السريعة أوسع من خطواته، كان عليه أن يخطو خمس خطوات مقابل ثلاث خطوات من أبيه، ولأن انتظام ذلك لم يكن سهلاً، كان أحياناً يرتطم بأسفل جسم أبيه الأيمن، ولكنه لا يتوقف عن السير...

هاله ما رأى من اختلافٍ بين أبنية تلك المدينة، وأبنية قريته التي لم يسبق أن غادرها. كان يَعُد طوابق العمارات، ولا ينجز عدها، لأن انتباهه كان يتوقف لمراقبة ما تعرضه واجهات المحال التجارية، وما يعتلي تلك الواجهات من قِطعٍ تعلن أسماء المحال.

راقته مسألة الأسماء، فأخذ يصعد ببصره ليتتبع ما أُلصِق على العمارات من قطعٍ تعلن عن أسماء محامين وأطباء اختصاص ومستشارين ومستوردين ومصدرين ومعالجين للسمنة والنمش وغيره..

ـ أبي، أبي .. هل يعرف فخامة الرئيس كل أسماء هؤلاء وأسماء من في الشقق والبيوت وأسعار ما يبيعون ويشترون؟

ـ امشِ، دعك من هذا السؤال..

ـ هل تعرف الجواب يا أبي، أم أنك لا تعرفه..
أحكم الوالد قبضته على يد ابن الثلاث عشرة سنة، وكأنه أجابه..



(3)


بعد ستة أعوام، وعندما كان يجلس مع من يُشاركه السكن في الجامعة، تذكر (علوان) تلك القصة وسردها لزملائه، فضحك الجميع إلا (واثق)، فنظر إليه زملاؤه متوقعين منه تعقيباً كعادته...

بعد أن ارتشف قليلاً من الشاي علق واثق بقوله: إن خبرة أبيك وآباءنا جميعاً، قد ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، فهم يعلمون أن الخوض في مثل تلك المسائل سيأتي لهم بوجع الرأس ويسبب لهم المعاناة ويُعطلهم عن مزاولة أعمالهم، التي بالكاد ينجزونها دون تأخير..

تدخل أحد الزملاء واسمه (نضال): وهل نحن نعيش كما يعيش الآخرون في بلاد أخرى؟ نسكن ونعمل ونتداوى ونتعلم دون معاناة؟ أو دون أن نبيع مدخرات أجدادنا لننجز بعض ما نحلم به دون حساب لما سنترك لأبنائنا بعدنا؟

ـ احمد الله على نعمة الأمن والأمان، فغيرنا قد حُرِم منها، فلا تشفع لهم مدخراتهم ولا أرزاقهم ولا اختراعاتهم لينعموا بها كما ننعم.

ـ بل قُل أمن النظام، وليس أمننا، فمعظم واردات البلاد، تذهب لدعم مثل ذلك الأمن، ومن الطبيعي أن يحس أمثالك أن الأمن قد صُنع لهم!

ـ لا فرق، بين أمن النظام وأمننا..

ـ بل هناك فرقٌ كبير، فالأمن بمفهومه الواسع، يشمل الأمن الغذائي والصحي والأمن المائي والأمن الثقافي وأخيراً الأمن، كما تفهمه حضرتك... وإن تحققت شروط الأمن الأولى فلا حاجة للأعداد الغفيرة من جيوش المستخدمين في الأمن. يُقال أنه من ذهب الى هولندا لن يصادف رجل أمنٍ في الشارع، ولن يلحظ أسواراً عالية للمنازل، ولا شبك حماية على النوافذ، لأن الناس يقومون بما تقوم به الحكومة لالتصاق مصالحهم بمصالحها واندماج مفاهيمهم مع مفاهيمها.

يتدخل زميلهم (عادل) ممازحاً: هولندا مرة واحدة؟ نحن أو غيرنا ممن يمارسون هواية التطوع للدفاع عن النظام، يختارون دولة متواضعة مثل (سيراليون) أو دولة مجاورة ليفحموا غيرهم بأن دولتنا أفضل من تلك الدولة! قوموا الى دروسكم حتى نجعل من بلادنا كهولندا..
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 27-08-2011, 01:07 AM   #2
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

(4)


شلال عبد الفتاح، موظفٌ من الطراز الرفيع، قضى ثلاثة عقود من حياته الوظيفية بين مساعد مسئول ومسئول رئيسي في دائرتي الأراضي وأمانة العاصمة.

عندما كان يُذكر اسمه، تنكسر النظرات احتراماً له، حتى وإن كان غائباً، فلم يرد على لسان أنه كان ممن يقبلوا حضور العزائم والولائم التي يقيمها أشخاصٌ يودون أن يجروا موظفاً ليدخلوه في دائرة الفساد، ولم يرد على لسان أحد أنه قبل هديةً أو رشوة.

كان مثقفاً موسوعياً، ويتمتع بالسكوت والصمت، حتى يُطلب رأيه، فإن كان ذلك، فإنه يوظف ثقافته في أقل عددٍ من الكلمات، ليترك انطباعاً طيباً، يُضاف الى رصيده الذي يزيد احترام المسئولين والحاضرين له.

كان يتمتع بصفات فريدة في حفظ القوانين، وتوظيفها عند طلب الرأي أو اتخاذ القرار، كما أنه يُعتبر من الموظفين القلائل الذين يستفيدون من أسفارهم الى خارج البلاد، لتنظيم المدن. وقد جعل من العاصمة مدينة سريعة التطور في تنظيم جسورها وطرقاتها وساحاتها. وقد كان الكثير من أمناء العواصم العربية يرجعون إليه لتقديم العون والاستشارة.

كان ابن عائلة ريفية، تملك الكثير من الأراضي، وأبنائها يقبلون على التعليم، كما كان له الكثير من الأخوة والأخوات والأبناء من زوجتين أحدهما توفت وتركت مجموعة من البنات والأولاد، كلهم قد تزوج وأنجب المزيد من الذرية. وقد ساعدهم موقعه وسمعته في أن يتسلموا مواقع وظيفية على درجة من الحساسية، في أكثر من وزارة.

استطاع شلال أن يؤسس شبكة دقيقة من أقرباءه وأصهاره، أشبه ما تكون بمنظمة سرية، تم تكليفها بفتح متاجر قروية في أطراف العاصمة، وكان كل واحدٍ منهم يعرف طبيعة عمله، فبعد مرور عشرين عاماً، كان يملك هو حوالي ثمانمائة ألف متر مربع، بعضها كان سداد دين عن حلاوة وتبغ وبعض المواد التموينية، وبعضها كان من خلال عمليات الشراء ب (تراب المال). لم يسجل شيئاً باسمه، بل رتب ذلك من خلال توكيلات وعقود معقدة، إضافة الى أنه أفاد من خدموه إفادة يجعلهم لا يفشون له سراً.

(5)

لم يستطع عملاء شلال من شراء مترٍ واحد من أراضي (أم الضباع) والتي تعود ملكيتها لعائلة (فارع أبو الزغاليل)، فقد كانت مواصفاتها أكثر جودة من الأراضي التي تم شرائها، كانت أراضي عميقة مطيرة، يزرع بها فارع القمح والبقوليات ويربي الدجاج البلدي والخراف والحمام وغيرها، فكان أهل العاصمة يعرفونه ويعرفون منتجاته التي يفضلونها على المستوردة أو المنتجة بطرق حديثة تحت مسميات (بيض بلدي، خروف بلدي، زغاليل فارع الشهية الخ).

مرت عدة سنوات، حتى امتد التنظيم الى تلك المنطقة، فاستطاع عملاء شلال أن يبيعوا مائة ألف متر لإسكان أساتذة الجامعات، وبعض كبار الموظفين، حتى امتلأ المكان بالفيلات والقصور الفخمة.

كانت امرأة فارع أبو الزغاليل، على قدرٍ كبير من الجمال والفتوة رغم سنين عمرها التي جاوزت الأربعين، فكانت تنظر الى نساء سكان الحي الجديد نظرة ممزوجة بالحسد والاستعلاء في نفس الوقت. لم تكفها المردودات التي تهل على العائلة من بيع المنتجات، بل أخذت تحسب، إنها تملك هي وزوجها حوالي مائتي ألف متر، وثمن المتر الواحد يعادل دخل العائلة لأسبوع أو أكثر، بماذا تتباهى عليها النساء اللواتي يقصدنها لشراء منتجاتها؟ وتطل إحداهن من شباك السيارة لتبلغها أنها تريد لبناً وزبداً وزغاليل؟ هي أجمل من أكثرهن، وهي تعلم كم غاب أزواجهن في الخليج والغربة ليشتروا قطعة أرض، فلماذا لا توقف (عنطزتهن) وتبني بيتاً أفخم من بيوتهن وتشتري سيارة أحدث من السيارات اللاتي يركبنها؟ ولماذا لا تنهي شقاء أولادها وتبعثهم الى الجامعات؟

كان من الصعب عليها أن تفاتح زوجها (فارع ) بتلك النوايا، فزوجها كأبيه، كأمه، لم يكن يعرف التصرف بمبلغ يزيد عن ألف دينار، فلم يتدرب على تماطي طلباته أو حتى أحلامه. فابتكرت طريقة جعلت سكان الحي يبتعدون عنها شيئاً فشيئاً، كانت تترك الأوساخ قريبة من مكان مناولة الحاجات التي يشريها الزبائن، وأحياناً ترمي ببعض الذباب فوق الحليب.

ما هي إلا أيام قليلة، حتى جاء موظفو الصحة، وبلغوا فارع بضرورة تصويب أوضاعه، والتوقف عن تربية الحيوانات أو ممارسة بيع المنتجات الغذائية.

كان لزوجة فارع ما أرادت، فتم بيع قطعة أرض وبناء بيت فخم وشراء سيارة وإرسال الأبناء الى الجامعات في الخارج.

(6)
دفعت الشفقة أحد الموظفين أن يُعطي والد علوان قطعة من الورق يساعده فيها على الوصول الى بيت المسئول الذي تملص من رؤيته في مبنى الدائرة الحكومية، وقد كان سبب تملص المسئول، أن من أبلغه عن وجوده في الدائرة أنه صوَّر حالته التي بدا عليها بأنه سيدخله في حرجٍ أمام زواره الأنيقين.

استغرب والد علوان، من التطور الكبير الذي حل بتلك المنطقة التي يسكن فيها قريبه، فقد كانت قبل عقدين منطقة موحشة قريبة من العاصمة، ولكن اسمها كان يعلن عن طبيعتها فكان يُطلق عليها (أم الضباع)، ولم يكن يسكن فيها إلا بعض الفلاحين الذين يزرعون البقوليات والبصل والقثاء.

لقد امتلأ المكان بالبنايات الفخمة والتي يسكنها حديثو النعمة من المغتربين وكبار الفاسدين والمشتغلين بغسيل الأموال، وبعض أصحاب الحظوظ.

لم يكن أبو علوان قادراً على ابتكار سيناريوهات تعينه على فهم لماذا تطورت تلك المنطقة بهذه السرعة، حتى لو استعان بعشرات الخبراء.

توقفت سيارة الأجرة أمام بيت (فارع أبو الزغاليل) وأنزل السائق أبا علوان وابنه، وأبلغهما أن أصحاب هذا البيت يعرفون كل سكان الحي. تحركت السيارة، وارتقى أبو علوان درجات البيت وطرق الباب، رغم وجود جرس كهربائي.

خرجت امرأة فارع غاضبة:
ـ لماذا تطرق الباب؟ ألا ترى الجرس؟ وماذا تريد؟
ـ تفاجأ الرجل الخشن من خشونة المرأة الناعمة، ورُبِط لسانه، فلم يعلم بماذا يرد عليها.. يا أختي كنت أود أن أسأل عن بيت قريبي سليمان بك.
ـ ومن قال لك أننا هنا مكتب استعلامات؟ فلم تدله رغم أنها تعرف كل بيوت الحي.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 04-09-2011, 02:03 PM   #3
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

(7)

سليمان بك، موظف دولة كبير، ابتدأ حياته السياسية منذ عهد الدراسة الثانوية منتمياً لأحد الأحزاب المنادية بالوحدة العربية والإطاحة بكل الأنظمة العربية. تنقل بين دولتين عربيتين مقيماً فيها أكثر من عشر سنوات، ونَسب عنه أقاربه ومعارفه بطولات، لم ينفها هو ولم يؤكدها. اتخذ من سلوك بعض رفاقه الذين انضموا لإدارات الأنظمة العربية الحاكمة في سوريا ومصر والعراق ولبنان والأردن، مبرراً يمهد لإتباع نفس السلوك. فمنهم من تذرع بأن العمل من داخل الدولة أفضل من معارضتها ومنهم من اختصر الطريق وأفشى لنظام الحكم خطط رفاقه فتم تكريمه وضمه لجوقة الحكم.

كان سليمان بك، إذا التقى مع بعض معارفه القدماء، لا يتوانى عن التهكم على بعض شخصيات الحكم، وكان يترفع في نفس الوقت عن الطلب من تلك الشخصيات، أن تقدم له خدمة طلبها أحد معارفه القدماء، لكي يتماشى سلوكه مع ما يعتقد أنه يمتاز عليهم به.

ولم يسأله معارفه عن سبب انضمامه للحكم، فكانوا يجلسون بحضرته كأصحاب حظوة خاصة، يمنون أنفسهم بأنهم قد يستثمروا تلك الحظوة في مسألة تعزز مكانتهم الاجتماعية أو الاقتصادية.

كان هذا الصنف من الموظفين، يريد أن يبعث برسالتين مزدوجتين تجعل منصبه في مأمنٍ من التغيير، أحدهما لإدارة الدولة، بأنه على صلة واسعة مع جماهير المثقفين وغيرهم، وهذه الصلة قد تهدئ من احتجاجهم ضد الدولة، أو أنه في حالة إهماله من الترقيات والتشكيلات الحكومية فإنه ربما يستثمر مثل تلك العلاقات. والرسالة الثانية لأتباعه أو ممن يراهنون على استثمار علاقاتهم به بأنه على علاقة مع أهم مفاصل الدولة، فعليهم أن يقبلوا جاهه إذا جاء للصلح بين طرفين متخاصمين عشائرياً، أو عليهم أن يسمعوا وجهة نظره في ترشيح رؤساء البلديات أو أعضاء مجلس النواب.

كان نادراً ما يتوسط لأحد عند الحكومة، وإن فعل فإنه سيحسبها حساباً دقيقاً، ما هو وزن أثر تلك الوساطة، وهل بالإمكان أنها ستمر دون المساس بإراقة ماء وجهه.

(8)
وقف علوان أمام حديقةٍ منزلية تتبع لبيت فخم، ولمح في أطرافها بقايا من السماد العضوي. تعرف الى أن هذا الروث يعطي ثماراً لذيذة ووروداً لها رائحة زكية، ومن يدري فلعل من في داخل البيت يكتسبون مظهرهم الأرستقراطي يتغذون بنفس الطريقة.

عندما ولج أبو علوان بيت قريبه سليمان بك، قابله بابتسامة، أو بثُمْن ابتسامة، كانت كافية لجعله يحس باطمئنان، كما أنه شجعه على عدم التحرج من نزع حذائه المُرَقّع ووضعه في مكان ما.

كان أبو علوان يكبر سليمان بك ببضعة سنوات، وكان يجعله ينتصر في مشاجراته مع أترابه في صغره. وكان يعتقد أن سليمان قادرٌ على التوسط، حتى لو كانت المشكلة مع حلف الأطلسي.

لقد جاءه من أجل التوسط لدى معهد (غوتا) لتعليم الألمانية، لولده نجيب الذي يكبر علوان بسبعة سنوات، والذي كان يرغب بالانتقال من كلية الهندسة من جامعة عربية، للدراسة في (ميونيخ). وقد استعد الوالد لذلك حيث باع قطعة أرض، كان قد اشتراها من والدة سليمان عندما كان في الجامعة أو في اللجوء السياسي كما كان يحب أن يقال عنه.

بفطنته السريعة، انتبه سليمان للسيناريو الذي سيصل إليه هذا الأمر فيما لو تحقق، فقرر أن ينزع فكرة الدراسة في معهد غوتا وميونيخ من رأس قريبه. فامتدح الجامعة العربية التي يدرس فيها نجيب، وعدد ثلاثة من رؤساء الوزراء الذين تخرجوا منها ومر على الكثير من كبار شخصيات الدولة ومن بينهم شلال عبد الفتاح. ولم ينس أن يضع الصعوبات في الدراسة بالجامعات الألمانية وبالذات جامعة ميونيخ، فذكر مثالاً يعرف والد علوان عشيرة من كان يتحدث عنه: (لقد كان يدرس أربع عشرة ساعة، لم يذق قطرة خمرٍ واحدة، وانكب على دراسته عشر سنوات وعاد دون مؤهِل جامعي!).

لقد صدَّق والد علوان كل كلمة قالها قريبه، وكان أصلاً مهيئاً لقبول أي حجة تصدر من قريبه لثني ابنه نجيب عن تحقيق هذا الطلب، فكيف إذا جاءت تلك المبررات من سليمان بك؟

(9)

ابتهج سليمان بك، للتمرين الذي نجح فيه لثني قريبه في طلبه دون أن يُكلف نفسه أي جهد، فأراد أن يُتوج هذا الانتصار بالإلحاح عليه في البقاء لتناول الغداء.

أراد أبو علوان، أن يصلي الظهر قبل أن يدركه العصر بقليل، تم إرشاده الى مكان الوضوء، وناولوه قطعة ليُصلي عليها، بدت وكأنها لم تُستخدم من قبل لنظافتها وحسن رسمها ونسيجها.

للصدفة كان الغداء مكوناً من (العكوب أو الكعوب) واللحم واللبن، ولكن الإضافات في الحساء ومواعين المقبلات جعلته مختلفاً عن مثيله في القرية.

كانت أدوات تناول الطعام الفاخرة جداً من صحون وملاعق وشُوَّكٍ وسكاكين، ترمق الجالسين الجدد بقربها استعداداً لاستعمالها بنظرات احتقارٍ واضحة، فهم طارئون على التعامل معها. وقد أحس علوان قبل أبيه بمثل ذلك الإحساس، فلم يستعملا أكثر من الملعقتين، لتناول القليل من الطعام.

أقلهما سليمان بك الى موقف السيارات، وغاب قليلاً ليدفع أجرتهما، ودس يده بجيبه ليضع قطعة ورق نقدية بيد علوان.

كان لتلك القصة أثرٌ كبير في القرية، لحسن تعامل سلمان بك مع أقاربه!
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 11-09-2011, 01:29 PM   #4
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

(10)

عندما أنهى علوان دراسته الثانوية، تغيرت الأحوال فيما يخص الوساطة والمعاونة، فقد ظهرت أنماط جديدة من مد يد العون للطلبة الراغبين في الدراسة الجامعية، فكانت جمعيات الصداقة السوفييتية العربية واليوغسلافية العربية، وكانت مجموعة من الجامعات العربية تود محاكاة الجامعات الشيوعية لتؤسس ما يشبه خلايا التبشير بمعتقدات الحكم في بلادها. إضافة الى ما سُمي بالتبادل الثقافي بين الدول، فكانت وزارات التعليم تخصص مقاعد جامعية لأبناء دولٍ أخرى..

بعد أن وضع علوان مغلف الأوراق الخاصة بالقبول في الجامعات بيد ابن جيرانه (سيف أبو معجونة) الذي كان يكبره بسنتين فقط، لم يكن يثق وثوقاً كاملاً بأنه سيقبل في الجامعة، فابن جيرانه لا يتفوق عليه إلا بالعمر، وبيتهم أقل فخامة من بيت أهل علوان، وثقافة علوان تفوق ثقافة ابن جيرانه، كانت المحادثة بهذا الخصوص لم تأخذ إلا بضعة دقائق. لم تكن تلك الطقوس مشابهة لطقوس التوسط المعروفة، فلم يكن هناك رجاء ولا رشوة ولا تملق ولا جلوس طويل...

فكَّر علوان بتلك الواقعة... هل يمكن للصدف أن تغير مجرى حياة فرد، فماذا لو لم يكن ابن جيرانهم قد تقدم لتلك الجامعة وانتسب الى الحزب الحاكم في تلك البلاد؟

ابتسم قليلاً. من بين أكثر من مليون ونصف حيوان منوي، استطاع واحد أن يصل الى بويضة أم نابليون ليغزو مصر، ولو تأخر بضع مليمترات لكان ما حدث لم يحدث... ولو أن الشيوعيين وهتلر بقوا على اتفاق لما كانت نتائج الحرب العالمية الثانية كما كانت! ولو أن شلال عبد الفتاح لم يدخل أم الضباع بمخططات تطوير أمانة العاصمة لما أصبح فارع أبو الزغاليل ثرياً..

لم يقصد سيف أبو معجونة، أن يكون وسيطاً، بل هي مبادرة تم تدافعها بمحض الصدف، لكن ذلك لم يبقَ كذلك طويلاً، فقد تغيرت نبرة صوت سيف، وأخذ يخشن صوته، ويتلمس ياقة قميصه كلما تكلم، وذلك عندما جاء ليبلغ علوان بأنه تم قبوله في الجامعة، وأن عليه أن يستعد ليرافقه في سفره قريباً...

(11)

لم تتلقَ أسرة علوان نبأ قبوله بفرح. فقد كان القبول سهلاً، وبلا عناء، وهي عادة يكرهها أهل الريف وبالذات أهل علوان. فقد سمع أن جده عندما أراد أن يخطب لابنه، جاوبه من طلب يد ابنته: (أجتك: يعني جاءتك: أي تم القبول)، فكان جواب جد علوان: (يلعن هكذا جيزة: أي: لم يشكر من وافق على إعطاءه)، فاستغرب الرجل متسائلاً: ما بك يا رجل؟ ألا يرضيك أنني أزوج ابنتي لابنك؟.. فأجاب جد علوان: نعم يرضيني، لكن، كان من الواجب تعذيبي بعض الشيء حتى أحس بالفرح!

لم يستطع (قدري) عم علوان أن يثني والده عن إرسال ابنه الثاني للجامعة، رغم الحجج التي ساقها، فقد أخبره أن ارتفاع سعر الأراضي أكثر ضماناً من تعليم الأولاد، وضرب له أمثلة كثيرة، عن أناس باعوا أراضيهم، ليعلموا أولادهم، وكانت النتيجة أن أولادهم تخلوا عنهم، ورحلوا للعاصمة، فلا هم احتفظوا بأراضيهم ولا هم احتفظوا بقرب أولادهم منهم.

كان لقدري ولدان، لم يستطيعا تخطي الابتدائية، فكان كل منهما يمضي سنتين في الصف الواحد، وأبوهما كان الوحيد من بين أخوته الخمسة الذي لا يقرأ، ويستخدم في صلاته الفاتحة وسورة قصيرة واحدة في كل صلواته.

كان افتتان والد علوان بقريبه (سليمان بك) هو من يحركه لإتمام دراسة أولاده، لم يشأ أن يصبح مستقبلهم شبيهاً لما هو عليه من خشونة. ومع ذلك أراد أن يسمع ممن يقدم له النصح في ذلك، فأخذ علوان وسار به في زقاق قذر تستعجل أشعة الشمس للخروج منه لشدة قذارته، ويفضي مختصراً لدار رجل وجيه يجلس في ديوانه أصدقائه من علية القوم في البلدة.

تناوب الرجال في المجلس على الحديث مع والد علوان، بعد أن أبلغه الوجيه بقَدَر العلم وأهميته، فإن كان بالمقدور أن يرسله للجامعة فليتوكل على الله ويرسله. في حين اقترح أحدهم أن يبعثه لمصر للدراسة لمدة سنة واحدة، واقترح آخر أن يجعله يتقدم لوظيفة ويراسل إحدى الجامعات في بيروت، فالنتيجة هي أن يكون جامعياً.

(12)

لم تُسعف سنون دراسة (نجيب) الشقيق الأكبر لعلوان في الجامعة، خبرة أم علوان في تجهيز ما سيأخذ معه من ملابس، وأشياء، فوضعت في حقيبة سفره بعض (البرغل) و (الملوخية) الجافة و (البامية) وأقراص من لبن مجفف، و(المقدوس) وغيرها من الحاجيات التي لم تمتحن ضرورتها لنجيب سابقاً.

قبل أن يغادر علوان مع سيف الى البلد الذي قُبل به، تلقى سيلاً من النصائح الضرورية وغير الضرورية. أنت ترى حالنا وكم يكلفنا سفركم للخارج، فلا تصرف إلا ما يلزمك، ولا تحرم نفسك من شيء! ابتعد عن التدخين ومرافقة أصدقاء السوء، لا تدع أحداً يضحك عليك ويقترض من فلوسك، لا تلته بأفلام السينما والدوران بالشوارع، حذار من بنات الهوى، تغطى جيداً عند منامك، احتفظ بنقودك في مكان أمين الخ.

كان عليهما أن ينتقلا لمدينة أكبر للسفر منها على متن حافلة الى البلد الذي يقصدانه، فما أن حطا في موقف السيارات، تأمل المكان بشكلٍ غير مرتاح، فضجيج السيارات، وأصوات المسافرين، وتنافر ألوان الملابس والسيارات والسماء وأرضية الساحة لا تسمح للتأمل أن يتم بصورة كما لو كان على شاطئ أو حتى بالصحراء. السيارات والحافلات متقاربة، ومنها ما يئن محركه للانطلاق، وكأنه ثورٌ حُجِز بعارضة خشبية قبل انطلاقه لساحة قتالٍ. لا أحد يستطيع التنبؤ بالمكان الذي ستستقر به تلك السيارات بعد ساعات، وإن استطاع أحدهم ذلك، فلا يستطيع التنبؤ أين سيستقر من يركبون على متنها، هل سينامون في دائرة قطرها نفس قطر البلاد أم سيقلعون بطائرات الى بلاد أبعد.

كانت الحافلة التي استقلا فيها قد أعيد ترميمها أكثر من مرة، وكل مرة تفقد فيها جزءاً من خصائصها الأصلية، حتى بدت وكأن الذي صنعها هو نفس السائق الذي يقودها، فكان قد تجاوز الستين من عمره، لكنه في كامل قوته ولم يبلغ عن تقدمه في العمر سوى شعرات بيض تطل من تحت غطاء رأسه ومكان سنٍ قد سقط من وسط فكه العلوي.

صرخ قائلاً: إن لم تتعبوني فسنصل بعد أربعة عشر ساعة، فلا تثقلوا بطلباتكم لقضاء حاجاتكم والتذرع بالجوع والعطش.. المسافة ألف كيلومتر، والوقوف على الحدود يحتاج بعض الوقت، تعاونوا معي، دون تدخل في السرعة والقيادة، ودون تبرم من صوت المذياع.

انطلقت الحافلة، وأخذت تتجاوز دائرة معرفة علوان في جغرافيا بلده، فألصق خده على الشباك يراقب كل شيء، أو لا شيء، فهي صحراء تتناثر فوقها الحجارة البازلتية السوداء وتلتصق أحياناً في بعضها البعض، إنها بقايا سيول حمم بركانية منذ ملايين السنين. تذكر أنه في خرائط البلدان العربية، يتكرر هذا اللون، ولعل هذا هو عامل إضافي على تشابه البلدان العربية وتشابه أمزجة أبنائها!

بعد عبور الحدود، صعد فتى يافع الى الحافلة يحمل صينية خشبية وينادي (حَبْ جكاير، عِلج: أي بذور البطيخ المحمصة والسجائر والعلكة)، فكانت تلك أول إشارة لاختلاف اللهجات... ثم عبر نهراً ونهراً وأخذت الحافلة تدخل شوارع العاصمة، فيلفت انتباهه قِطَعاً مكتوب عليها (شربت زبيب ب 15 فلس)، فسأل سيف أبو معجونة: لماذا هذا الخبر؟ فسأله: أي خبر؟ ثم بين له أنها ليست شربتُ بل شَربَتْ: أي شراب الزبيب ب 15 فلساً.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 20-09-2011, 03:27 PM   #5
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

(13)

حال علوان، كحال رئيس جمهورية مغمورة تم استقباله في المطار، واصطف أمامه كبار مسئولي الدولة، وسار بجانبه مرافقه من الدولة المضيفة، فبعد أن يصافح أحداً يتمتم المرافق باسمه ووظيفته، وما أن يترك كفه التي صافحه بها حتى ينسى اسمه، أو اسم وظيفته أو الاثنين معاً. فأسماء الشوارع والمساجد والساحات والمحلات لن تعني له شيئاً على المدى القريب.

عند دخولهما لباب بيت متوسط الحجم والنوعية، به خمس غرفٍ وصالون، استأجره الطلاب العرب، في حيٍ من الأحياء القريب من الجامعة، والتي بُنيت معظم بيوته لهذا الغرض، لاحظ علوان، ما أثر مستقبلاُ على نمط تفكيره.

كان (سيف) أحد المستأجرين لهذا البيت، فقام بالتعريف بالقادم الجديد، وعرَّف علوان بأسماء الموجودين، كانوا أكثر من عدد غرف البيت.

مكث علوان في بيت مُضيفيه نحو أسبوع، ريثما وجد غرفة يسكن فيها وليستفيد أيضاً من معاونة سيف والآخرين في إجراءات القبول.

(14)

لم ترقه صحبة سكان البيت ولا زائريه، فكان كل شيء لا يتوافق مع طباعه، فمنهم من كان يجلس بلباسه الداخلي ومنهم من كان لا يتحرج من إخراج الغازات من جوفه. وكان رمضان على الأبواب، وقد اعتاد أن يصوم بعض أيام من شهر شعبان، وهي عادة اكتسبها من أهله، ومن خلال دخوله لحزب (الخلاص) الإسلامي، والذي تركه بعد قضاء ثلاثة أعوام في تنظيماته لمبالغته في التنظير وشكوكه الهائلة في من حوله.

كان البيت متاحاً لأن يتجول في غرفه التي لم تُغلق أمام أحد، وكونه المقيم الوحيد الذي قد يبقى في البيت ساعات أطول، فقد استطاع أن يعزز شعور عدم الارتياح من ساكنيه، فكان يصادف بعض القناني الفارغة من مشروبات كحولية، وبعض قطعٍ من ملابس أكثر ظنه أنها كانت لنساء، إضافة الى عدم ترتيب المكان والتي تنافت مع طبعه، فقد تعثر في طريقه للحمام بشيء ظنه نتوء في بلاط الأرضية، لكنه وبعد التمعن فيه، وجد أن إبريقاً من الشاي قد انسكب قبل مدة غير معروفة، فقام أحدهم بتمرير ممسحة فوقه لمرة واحدة فتراكمت فوقه ذرات الغبار حتى أصبح له ارتفاع شبه ملحوظ.

اجتهد وأزال ذلك النتوء، ورتب أسرة الساكنين، وراودته نفسه أن يغسل كل ملابسهم، لكنه استنكف عن تلك الفكرة، واكتفى بجلي أدوات ما يسمى بالمطبخ وحضر لهم غداءً من الرز واللحم وبعض اللبن اليابس الذي أحضره معه.

كان في البيت مجموعات متناثرة من الكتب والكراريس، بعضها يتكلم عن الوحدة العربية، وفلسطين طريق الوحدة، والوحدة طريق فلسطين، ولينين والعمال، وكفاحي لهتلر، وبعض روايات نجيب محفوظ ومكسيم جوركي وتولستوي ومقدمة ابن خلدون، وكولن ولسون وهنري ميلر.

(15)

تساءل علوان: متى يدرس هؤلاء الطلبة؟ وكيف يقضون أوقاتهم؟
فبعد الرابعة مساء وحتى الفجر تقريباً يعج البيت بالموجودين، وتنفتح عناوين غير مترابطة لأحاديث من كل نوع، عن الماركسية والقومية والصوفية، وأفلام كوميدية، وعن الطبخ والأفاعي، وكل شيء، وهناك من يفترش الأرض ويلعب الشطرنج، أو الورق، والشاي لا يفارق الجلسات.

كانت أعمارهم متفاوتة، فمنهم (هشام ) مثلاً، عمره يساوي ضعف عمر علوان، فقد درس في الجزائر وأُبعد منها حسب زعمه، ودرس في كندا وأُبعد منها، لتأييده انفصال إقليم (كويبك)! كان مثقفاً جيداً، أو هكذا بدا، فكان يفرض بطريقة كلامه أن يصغي الجميع له، وكان يُتقن الانتهاء من وصلة ثقافية ساقها ببراعة لينتقل لأخرى لا تمت لها بصلة.


وكان أبو جريس وهو من الطلاب القادمين من يوغسلافيا، لا يذكر أسباب تركه ليوغسلافيا، هل لأسباب سياسية أم تتعلق بكلف الدراسة هناك، أم أنه تم استدعائه من هناك ليقوم بالإشراف على تنظيم الطلبة العرب، كانت النقطة الأخيرة، هي ما تدفع أبا جريس ليجعل الآخرين أن يستنتجوها.

كانت تلك المجموعة من الطلبة تقوم بتجنيس (أي صهر عادات الطلبة الوافدين لتتشابه في النهاية) هم لم يعلنوا ذلك، لكنه بعد الوقت تم لعلوان أن يكتشف أن عاداتهم وطرائق سلوكهم يتبناها كل الطلبة الذين يعرفونهم.

لم يُعلن أحدٌ منهم أنه مع الإلحاد، لكنهم كانوا يرددون بنشوة، ما يشاهدون في السينما، أو ما يتم مناقشته من كتب الشيوعيين. قَدَّر علوان ذلك السلوك بأنه نمط من البحث عن فقه يجيز لهم أن لا يكونوا فيه ورعين، فبالتأكيد هم لا يصلون أي فرض، ومن المرجح أنهم لا يصومون رمضان.

فَكر علوان أن يقوم بمهاراتٍ تعلمها من حزب الخلاص الإسلامي مثل كيف تناقش الشيوعي وكيف تناقش البعثي وكيف تناقش الملحد. فالملحد الفطري يتساوى عنده الإيمان مع الكفر، فإن تم إقناعه بعدم صدفة الخلق، وإن تم إقناعه بعجز البشر وعدم قدرتهم على مطاولة الخالق، فإنه بعد ذلك ستمهد الطريق أمام زعزعة إلحاده. لكن هؤلاء ليسوا ملحدين بالفطرة، فكلهم أتوا من بيئات محافظة، ولكنهم يستمرءون التعايش مع الإلحاد لفلسفة يحتاجونها في تبرير عبثية بعض سلوكهم. أقلع عن فكرة مجادلتهم.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 05-10-2011, 01:10 PM   #6
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

(16)

لم تتطابق توقعات علوان عن الجامعة بواقعها مع ما كان يتخيله، فكان ينشغل في صغره بعض الشيء في تكوين صور عن ثلاثة أشياء: الطائرة وعملها، وسلوك المخابرات داخل دوائرهم، ومجتمع الجامعة.

كان شباب وشابات الجامعة، كأنهم طُلاب فصلٍ دراسي في مدرسة ابتدائية ترك لهم مُدرس الرسم حصة كاملة ليرسموا ما يجول في خواطرهم. كانوا يحملون صوراً مختلفة كما يحمل علوان صوره، وكانت وحدة تصورهم أو التقاء بعض ما يجتمعون عليه في إحدى الصور هو ما سيضفي الطابع العام للمشهد الجامعي. فلن يكون هذا المشهد صناعة جهة ما بل هو اتحاد تكوين صور قد ترتبط بعض تفاصيلها في نشأة الخلق، وحمورابي وهولاكو وصلاح الدين وتكتمل بالخطاب الفكري السائد بين جنباتها .

سيبتكر الجميع وبدون قرار من أحد نمطاً للسلوك الموحد ولغة تخاطب موحدة تختلف عن كل لغة كانت تتم في مدرسة ثانوية أتى منها كل منهم، سيتلمسون ماذا يجعلهم مقنعين ومحبوبين ومنطقيين ومفهومين. وهذا سيتماهى مع الزي الموحد للباس الطلاب والطالبات، فبنطلون أو تنورة ذات لون رمادي فاتح مع سترة ذات لون أزرق غامق (كحلي).

كانت مشاغل الخياطة تصنع تلك الملابس بنمر متفاوتة لآلاف الطلاب والطالبات، وتوزع مجاناً على الطلبة، ومن الطبيعي أن يقوم الطالب أو الطالبة بأخذ ملابسه الى خياطٍ خارج الجامعة ليجعلها أكثر ملائمة للجسم.

في حين كان بعض الطلبة والطالبات الذين أنعم الله على أسرهم، يذهبوا ليشتروا قماشاً بنفس الألوان ولكنه أجود وأفخم من تلك التي توزعها الجامعة. وكانت الفتيات يتفنن في تصفيف شعورهن، ويضفن بعض الإكسسوارات والعطور، التي ستعطيهن بعض التميز.

وكان في بوابة الجامعة مسئولون ومسئولات للقيام بتفحص المارين والمارَّات من الطلاب والطالبات وتنبيه أو منع من يبالغ في التطوير على الزي الموَّحد. وأحياناً إن فلت طالب أو طالبة من اعتراض من كانوا على البوابة، فإنه قد يكون عرضة لتنبيه المحاضر أو تلميحات الطلبة في قاعة الدرس.

(17)

لاحظ علوان شيئاً لم يكن يحسب حسابه ـ حتى بالتخمين ـ، لقد كان للجامعة مشهدٌ يختلف عمَّا نسجه في خياله، كانت ما يشبه حقلاً به أشجارٌ متناثرة غطته الثلوج لمدة عامين، فلا الأشجار واضحة المعالم، ولا النباتات الزاحفة أو العشبية يمكن التعرف عليها بسهولة، ومع ذلك لم يكن ليُقتل أي نبات من النباتات ولا حتى يفنى أو سيُلغى نموه.

كان قد مضى على حرب عام 1967 ثلاث سنوات تقريباً، والشكوك تلف كل الكائنات البشرية المنتشرة في المنطقة العربية، فلا المشاريع الفكرية مرضٍ عنها ولا القيادات السياسية أثبتت نجاحها في طرح الشعارات والعمل على تنفيذها، كانت الخسارة أو الهزيمة تعني كل فردٍ أو حتى شخصٍ، فشك بمواطنته أو انتمائه لجماعة أو رقعة جغرافية، كان في أعماق كل الأشخاص حِراكٌ غير موجه، لكنه في النهاية سيلتقي مع حراكات الجميع.

ومن الطبيعي أن تظهر في كل أصقاع الوطن العربي، جماعات تلقي اللوم على من سبقها، ولكون سجلاتها لم تلوَّث، فإنه سيظهر لها مريدون ومؤيدون وأنصار، ولو لوقت ريثما تقع بأخطاء تكون سبباً في الابتعاد عنها أو الانشقاق بحجة التصحيح.

في أجواء مثل هذه، سيتراكض الناس حول من يُقَّدم خطاباً موزوناً ويقدم معه عناصر جذبٍ مساعدة كإغراءات يحتاج بعضها الفقراء ويأخذها المخلصون دون تعفف واضح. وقد انتبه كثير من الدول العربية الناشئة حديثاً بثوراتها أو انقلاباتها وحتى تلك الدول القديمة لتلك الناحية، فركزت بالبداية على فصائل المقاومة الفلسطينية المسلحة وخصت بعضها بكرمٍ مُبالغ فيه، حتى تورم جسمها ودخل فيه الغث والسمين في زحمة التهافت حولها، لتصنع تلك الأموال خلايا مفسدة نائمة أو قائمة تعمل بوحي ممن يُغدق عليها المال، فاستلهمت أساليب مموليها وحتى أدواتهم في العمل والمتابعة، وحتى مراسيم التشريفات.

كانت ظلال كل تلك الشواهد، تترك ضوءاً خافتاً فوق سطح الثلج، ولم يكن في الإمكان متابعة هذا الكم الهائل من الخيوط الملونة والمبعثرة والمتشابكة لصنع سجادة ذات هوية.

(18)

في ساحات الجامعة، من قاعات درس، وشوارع، وقاعات استراحة وطعام، كان ينتشر جيشٌ من المبشرين، بعضهم لم يتدرب القتال، وبعضهم لم ينه تدريبه، وبعضهم زجَّ نفسه في هذه المعمعة دون قناعة.

ولأن الكوادر المحترفة قليلة، كان الكل يتسابق لاحتلال مواقع متقدمة نوعاً ليزحف الى الأمام في معركته. وكان المؤشر لترقية هؤلاء هو الكسب (للصف) فبقدر ما يُحضر أحدهم عناصر جديدة، بقدر ما يتم ترقيته وإناطة المسئوليات به، وبقدر ما يثبت المنضمون حديثاً جدارتهم، بقدر ما يعود على من ضمهم من نفع، ولأن الكل أدرك تفاصيل اللعبة، كانت (الروزنامة) هي التي تتحكم في ترقية الجميع.

لم يستثنِ المنتشرون للكسب أي أحد، ولم يتملص المهيئون للكسب من أحد، إلا اللهم أولئك الذين حضروا من خلال اتفاقيات ثقافية أو هِبات تمنحها الدولة لحركات سياسية كفصائل الثورة الإريترية وجنوب السودان ودول الخليج وغيرها ممن لم يكن لديهم جامعات في وقتها، فهؤلاء كانت حزم التعليمات لهم بعدم اختلاطهم بالغير أو التأثر به.

لم يعانِ الكاسب كثيراً في ضم أحد، أو ربما أنه لم يبحث عمن يسبب له المعاناة فهو في عجلةٍ من أمره، لكي يضع في رصيده من الكسب أكبر عددٍ ممكن، فإن جادله أحدهم وأطال في النقاش أو أحرجه في الحوار حيث لم تكن لهؤلاء الكاسبين إلا أرصدة قليلة من الثقافة والتعليمات التي يُمرّنوا عليها، فإن كان مثل ذلك الشخص هو من يصادفه، فإنه سيكتب تقريراً بأن هذا الشخص معادي أو شيوعي أو مخابرات لبلده، وقد يُبعد مثل هذا الشخص عن البلاد أو يتم فصله من الجامعة إذا شهد أحدهم أنه كان يتناول الخمر! وقد يشعر الشخص نفسه بعدم ودية الأجواء ويرحل عن الجامعة في وقت مبكر.

__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .