العودة   حوار الخيمة العربية > القسم الثقافي > مكتبـة الخيمة العربيـة

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: قراءة فى مقال القواعد الأساسية للحوار (آخر رد :رضا البطاوى)       :: انـا لن اطلب من الحافي نعال (آخر رد :اقبـال)       :: فـليسـمع البعثيون غضبـهم (آخر رد :اقبـال)       :: حقيقة (آخر رد :ابن حوران)       :: تحميل برامج مجانية 2019 تنزيل برامج كمبيوتر (آخر رد :أميرة الثقافة)       :: عدي صدام حسين يرفض اسقاط النظام السياسي في العراق وترامب يمتثل لطلبه (آخر رد :اقبـال)       :: إيران والملاحق السرية في الاتفاقيات الدولية (آخر رد :ابن حوران)       :: حُكّام المنطقة الخضراء في العراق: وا داعشاه!! (آخر رد :اقبـال)       :: العراق (آخر رد :اقبـال)       :: تيجي نلعب دولة؟ (آخر رد :ابن حوران)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 06-03-2010, 07:00 PM   #1
هـــند
مشرفة
 
تاريخ التّسجيل: May 2008
الإقامة: بلاد العرب
المشاركات: 4,260
إفتراضي القصص القصيرة العالمية

وفاة موظف


ذات مساء رائع كان إيفان ديمتريفيتش تشرفياكوف، الموظف الذي لا يقل روعة، جالسًا في الصف الثاني من مقاعد الصالة، يتطلع في المنظار إلى "أجراس كورنيفيل".
وراح يتطلع وهو يشعر بنفسه في قمة المتعة. وفجأة (وكثيرًا ما تقابلنا "وفجأة" هذه في القصص).. والكتاب على حق، فما أحفل الحياة بالمفاجآت! فجأة تقلص وجهه، وزاغ بصره، واحتبست أنفاسه.. وحول عينيه عن المنظار وانحنى و... إتش!!!

عطس كما ترون. والعطس ليس محظورًا على أحد في أي مكان. إذ يعطس الفلاحون ورجال الشرطة، بل وحتى أحيانًا المستشارون السريون.
الجميع يعطس، ولم يشعر تشرفياكوف بأي حرج، ومسح أنفه بمنديله، وكشخص مهذب نظر حوله ليرى ما إذا كان قد أزعج أحدًا بعطسه. وعلى الفور أحس بالحرج. فقد رأى العجوز الجالس أمامه في الصف الأول يمسح صلعته ورقبته بقفازه بعناية ويدمدم بشيء ما. وعرف تشرفياكوف في شخص العجوز الجنرال بريزجالوف الذي يعمل في مصلحة السكك الحديدية. وقال تشرفياكوف لنفسه: "لقد بللته. إنه ليس رئيسي بل غريب، ومع ذلك فشيء محرج. ينبغي أن أعتذر".

وتنحنح تشرفياكوف ومال بجسده إلى الأمام وهمس في أذن الجنرال:
- عفوًا يا صاحب السعادة، لقد بللتكم.. لم أقصد.
- لا شيء، لا شيء.
- أستحلفكم بالله العفو. إنني.. لم أكن أريد!
- أوه، اسكت من فضلك! دعني أصغي!
وأحرج تشرفياكوف فابتسم ببلاهة وراح ينظر إلى المسرح، كان ينظر ولكنه لم يَعُد يحس بالمتعة. لقد بدأ القلق يعذبه. وأثناء الاستراحة اقترب من بريزجالوف وتمشى قليلاً بجواره، وبعد أن تغلب على وجله دمدم:
- لقد بللتكم يا صاحب السعادة.. اعذروني.. إنني لم أكن أقصد أن...
فقال الجنرال:
- أوه كفاك! أنا قد نسيت وأنت ما زلت تتحدث عن نفس الأمر !.. وحرك شفته السفلى بنفاد صبر.
وقال تشرفياكوف لنفسه وهو يتطلع إلى الجنرال بشك: "يقول نسيت بينما الخبث يطل من عينيه. ولا يريد أن يتحدث. ينبغي أن أوضح له أنني لم أكن أرغب على الإطلاق.. وأن هذا قانون الطبيعة، وإلا ظن أنني أردت أن أبصق عليه.. فإذا لم يظن الآن فسيظن فيما بعد.."...!

وعندما عاد تشرفياكوف إلى المنزل روى لزوجته ما بدر عنه من سوء تصرف. وخيل إليه أن زوجته نظرت إلى الأمر باستخفاف فقد جزعت فقط، ولكنها اطمأنت عندما علمت أن بريزجالوف "غريب"، وقالت:

- ومع ذلك اذهب إليه واعتذر وإلا ظن أنك لا تعرف كيف تتصرف في المجتمعات.
- تلك هي المسألة! لقد اعتذرت له، لكنه... كان غريبًا.. لم يقل كلمة مفهومة واحدة، ثم إنه لم يكن هناك متسع للحديث.
وفي اليوم التالي ارتدى تشرفياكوف حلة جديدة، وقص شعره وذهب إلى بريزجالوف لتوضيح الأمر.. وعندما دخل غرفة استقبال الجنرال رأى هناك كثيرًا من الزوار ورأى بينهم الجنرال نفسه الذي بدأ يستقبل الزوار. وبعد أن سأل عدة أشخاص رفع عينيه إلى تشرفياكو. فراح الموظف يشرح له:
- بالأمس في "أركاديا" لو تذكرون يا صاحب السعادة عسطت و.. بللتكم عن غير قصد.. اعذر...
- يا للتفاهات.. الله يعلم ما هذا! – وتوجه الجنرال إلى الزائر التالي – ماذا تريدون؟
وفكر تشرفياكوف ووجهه يشحب: "لا يريد أن يتحدث إذن فهو غاضب.. كلا لا يمكن أن أدع الأمر هكذا... سوف أشرح له"...

وبعد أن انتهى الجنرال حديثه مع آخر زائر واتجه إلى الغرفة الداخلية، خطا تشرفياكوف خلفه ودمدم:
- يا صاحب السعادة! إذا كنت أتجاسر على إزعاج سعادتكم فإنما من واقع الإحساس بالندم!. لم أكن أقصد، كما تعلمون سعادتكم.!
- فقال الجنرال وهو يختفي خلف الباب:
- إنك تسخر يا سيدي الكريم!
وفكر تشرفياكوف: "أية سخرية يمكن أن تكون؟
ليس هنا أية سخرية على الإطلاق! جنرال ومع ذلك لا يستطيع أن يفهم! إذا كان الأمر كذلك فلن أعتذر بعد لهذا المتغطرس. ليذهب إلى الشيطان! سأكتب له رسالة ولكن لن آتي إليه. أقسم لن آتي".!
هكذا فكر تشرفياكوف وهو عائد إلى المنزل. ولكنه لم يكتب للجنرال رسالة. فقد فكر ولم يستطع أن يدبج الرسالة. واضطر في اليوم التالي إلى الذهاب بنفسه لشرح الأمر..

ودمدم عندما رفع إليه الجنرال عينين متسائلتين:
- جئت بالأمس فأزعجتكم يا صاحب السعادة، لا لكي أسخر منكم كما تفضلتم سعادتكم فقلتم. بل كنت أعتذر لأني عطست فبللتكم... ولكنه لم يدر بخاطري أبدًا أن أسخر وهل أجسر على السخرية؟ فلو رحنا نسخر فلن يكون هناك احترام للشخصيات إذن...

وفجأة زأر الجنرال وقد أربد وارتعد:
- اخرج من هنا!!
فسأل تشرفياكوف هامسًا وهو يذوب رعبًا:
- ماذا؟
فردد الجنرال ودق بقدمه:
- اخرج من هنا!!

- وتمزق شيء ما في بطن تشرفياكوف. وتراجع إلى الباب وهو لا يرى ولا يسمع شيئًا. وخرج إلى الشارع وهو يجرجر ساقيه.. وعندما وصل آليًّا إلى المنزل استلقى على الكنبة دون أن يخلع حلته... ومات.


أنطون بافلوفيتش تشيكوف 1883



ترجمة للكاتب
طبيب وكاتب مسرحي ومؤلف قصصي روسي ،يعتبر من أكبر مبدعي القصة القصيرة و المسرح
__________________

هـــند غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 07-03-2010, 04:48 AM   #2
هـــند
مشرفة
 
تاريخ التّسجيل: May 2008
الإقامة: بلاد العرب
المشاركات: 4,260
إفتراضي

أحقا مات؟

أضطر الركاب المغادرون روما، في القطار الليلي السريع، للتوقف حتى يبزغ الفجر، في محطة صغيرة في (فابريا نو)، ليواصلوا رحلتهم في قطار محلي صغير، ذي طراز قديم ليقلهم إلى (سيلومونا).

بحلول الفجر، في واحدة من عربات الدرجة الثانية، هواءها فاسد، تعج بالدخان، كان خمسة أشخاص قد أمضوا ليلتهم هناك. انضمت إليهم امرأة ضخمة، مستغرقة في حزن عميق، بدت وكأنها كتلة بلا ملامح ، ومن ورائها زوجها يلهث ويئن، رجل ضئيل الجسم، ذو وجه نحيف، له عينان صغيرتان ومشعتان، بدا خجولا ومضطربا.
ما إن أخذ مقعده، وشكر بلطف الراكب الذي ساعد زوجته، وأفسح لها مكانا، التفت إلى زوجته محاولا إصلاح وضع شالها، وبأدب جم سألها:
- هل أنت على ما يرام عزيزتي؟
لم تجبه، سحبت شالها ثانية نحو عينيها وكأنها تريد إخفاء وجهها.

تمتم الرجل بابتسامة حزينة: - تعب كلها الحياة.

شعر بأهمية توضيح الأمر لبقية المسافرين، فزوجته تستحق الشفقة لأن الحرب أخذت منها ولدها الوحيد. شاب يافع في العشرين من عمره، كرسا له حياتهما تماما، حتى أنهما غادرا منزلهما في (سيلومونا) ليلحقا به في روما إبان دراسته هناك. بعد ذلك سمحا له بالتطوع للحرب، بعد أن أكد لهما بأنه لن يرسل للجبهة على الأقل في الأشهر الستة الأولى من انضمامه، لكنهما وعلى غير توقع، تسلما منه برقية، مفادها أنه يتوجب عليه الذهاب إلى الجبهة في غضون ثلاثة أيام، ويطلب منهما أن يأتيا لوداعه.

كانت المرأة تتململ تحت شالها الكبير، وأحيانا تدمدم مثل حيوان بري، واثقة من شعورها بأن إيضاحات زوجها تلك لن تحظى بأي تعاطف، من قبل هؤلاء الأشخاص الذين هم في الأغلب في نفس محنتها.

قال أحدهم بعد أن استمع لزوجها باهتمام شديد :

- عليك أن تشكر الله، لأن ابنك لن يذهب للجبهة إلا الآن، سيدي. إن ابني قد ذهب إلى هناك منذ أول يوم اندلعت فيه الحرب، عاد إلينا مرتين جريحا، وعاد أدراجه ثانية إلى الجبهة!!!

أضاف أخر:

- وماذا بوسعي أن أقول، لي ولدان في الجبهة الآن ولأخي ثلاثة.

تجرأ الزوج، وقال:

- قد تكون على حق. بالنسبة لنا الوضع مختلف، إنه ابننا الوحيد.

- وما الفرق؟ قد تفسد ابنك الوحيد بالاهتمام المفرط به، لكن يستحيل أن تحبه أكثر لو كان لديك غيره. الحب الأبوي ليس خبزا يمكن تقسيمه إلى قطع توزع بالتساوي بين الأبناء. إن الأب يعطي لكل واحد من أبنائه كل حبه، من غير تفضيل، بغض النظر عما إذا كانوا واحدا أو عشرة. إنني عندما أعاني من أجل أبنائي الاثنين، فأنا لا أعاني نصف المعاناة لكل منهما،بل أعاني الضعف....

تنهد الزوج المحرج وقال:

- حقا، لكن لنفرض – ونتمنى أن لا يحدث هذا لك – أن أبا له ولدان في الجبهة وفقد أحدهما، سيبقى له ولد آخر يعينه ويواسيه، لكن من ليس له إلا ولد وحيد فـــ ..........

- نعم، يتبقى لديه أخر ليعينه ويواسيه،.... لكن ذلك الذي يبقى، يتوجب على والده أن يعاني من أجله أيضا أما في حالة الأب ذي الولد الواحد، فلو مات ذلك الولد، فبوسع الأب أن يموت أيضا، ويضع نهاية لمحنته. فيا ترى أي الحالتين أسوأ ؟ ألا تتفق معي أن حالتي أسوء من حالتك؟

قاطعهما مسافر ثالث، رجل بدين ذو وجه مشوب بحمرة، وعينين محمرتين، كان يلهث ويكاد يتفجر من عينيه المتورمتين' عنف داخلي، لا يستطع جسده الواهن احتواءه، قائلا:

- هراء.

كرر الكلمة، محاولا تغطية فمه بيده، كما لو كان يريد إخفاء موضع سنيه الأماميتين المفقودتين، وأردف: -

- هل ننجب أبناءنا من أجل مصلحتنا؟

حملق فيه بقية المسافرين بضجر، وأجابه ذلك المسافر - الذي لديه ابن في الجبهة منذ أول يوم نشبت فيه الحرب- قائلا:

- أنت على حق، أطفالنا ليسوا لنا، إنهم للوطن.

وهنا ردٌ عليه الرجل البدين بقوة:

- هراء، وهل نفكر في الوطن عندما ننجبهم، أبناؤنا ولدوا لأنهم ..... حسنا .... لأنهم لا بد وأن يولدوا، وعندما يأتون إلى الحياة، فإنهم يأخذون حياتنا معهم... تلك هي الحقيقة. نحن لهم، لكنهم ليسوا لنا، وعندما يبلغون العشرين، فإنهم يكونون تماما، ما كنا عليه في تلك السن، نحن أيضا كان لكل منا أب وأم، ولكن كانت هناك أشياء أخرى كثيرة: ألأصدقاء، السجائر، الأوهام، العلاقات الجديدة....والوطن. من يا ترى منا عندما كنا في العشرين، كان يسمع لأبيه وأمه عندما يقولان له (لا). الآن وفي سننا هذه، حب الوطن ما زال كبيرا، بالطبع، ولكن أكبر منه، حبنا لأطفالنا، هل يوجد منا من يمانع أن يكون مكان ابنه في الجبهة لو استطاع إلى ذلك سبيلا؟

ساد صمت مطبق، بيد أن كل شخص أومأ برأسه موافقا.

واستطرد الرجل البدين:

- لماذا إذن لا نأخذ بعين الاعتبار مشاعر أطفالنا، عندما يبلغون العشرين؟ أليس من الطبيعي في هذه السن أنهم يعدون حبهم للوطن أعظم من حبهم لنا؟ إنني أتحدث عن الأولاد الصالحين. أليس من الطبيعي أن تكون المسألة على النحو التالي: أبناؤنا ينظرون إلينا على أننا أولاد كبار لم يعد بوسعنا الحراك وعليه لا بد أن نبقى في منازلنا، فطالما أن الوطن حاجة فطرية، مثله مثل الخبز فيجب على كل منا أن يأكل منه كي لا يموت جوعا، فلا بد أن يكون هناك من يدافعون عنه. لقد هبٌ أبناؤنا لذلك عندما بلغوا العشرين، لذا فهم لا يريدون منا دموعا، وإذا ماتوا فسوف يموتون سعداء مبتهجين، إنني أتحدث عن الأولاد الصالحين، وماذا يمكننا أن نرجو أكثر من ذلك لشاب مات سعيدا من غير أن يطوله الجانب القبيح من الحياة،السأم، التفاهة، خيبات الأمل. نعم ما الذي نرجوه له أكثر من ذلك؟ يجب أن يكف كل شخص عن البكاء، ويضحك بملء فيه، كما أفعل أنا، أو على الأقل يشكر الله كما أفعل أنا أيضا لأن ابني قبل أن يموت بعث إلي رسالة يقول فيها بأنه سيموت راضيا لأنه أنهى حياته بأفضل طريقة كان يرغبها، ولهذا السبب، وكما ترون فأنا لم أرتد أي لباس حداد من أجله.

أزاح معطفه الخفيف ليريهم أنه لا يرتدي تحته سترة حداد، كانت شفته المز رقة ترتجف فوق موضع سنيه المفقودتين. عيناه الشاخصتان مغرورقتان، أنهى حديثه بإطلاق ضحكة مدوية بدت كأنها تنهيدة.

ووافقه الآخرون بقولهم :

- حقا..، حقا.

جلست المرأة العجوز تستمع وهي متكومة في زاوية تحت شالها، تستمع، إنها منذ ثلاثة أشهر تحاول أن تجد في كلمات زوجها وأصدقائها شيئا ما فيه مواساة وعزاء عن حزنها العميق، شيئا ما يريها كيف يكون بوسع امرأة أن تذعن لفكرة إرسال ولدها ليس حتى إلى الموت ولكن إلى أي مكان فيه خطر محتمل على حياته. ومع ذلك لم تجد ولو كلمة واحدة من بين كل ما قيل تشفي علتها. وتعاظم حزنها لعدم رؤيتها أحدا كما ظنت يشاركها مشاعرها.

غير أن الوضع تغير الآن، فكلمات هذا الراكب، حيرتها وصدمتها، جعلتها تكتشف فجأة بأن الآخرين ليسوا هم الذين على خطأ، ولم يفهموها، بل هي نفسها التي لم تستطع أن ترقى بنفسها إلى مستوى هؤلاء الآباء والأمهات، الذين لديهم الرغبة ليكيفوا أنفسهم، من غير بكاء، ليس فقط على مغادرة أبنائهم بل حتى على موتهم.

أطلت برأسها، وسحبت نفسها، تحاول الاستماع باهتمام شديد إلى كل التفاصيل التي سيسردها الرجل البدين لمرافقيه عن الطريقة التي سقط بها ابنه بطلا من أجل مليكه ووطنه، سعيدا من غير ندم، بدا لها لحظتها وكأن قدمها زلت بها في عالم لم تحلم به قط، كانت مسرورة جدا لسماعها بقية الركاب، يهنئون ذلك الأب الشجاع الذي استطاع برباطة جأش الحديث عن سقوط ابنه ميتا في سبيل الوطن.

فجأة، كأنها لم تسمع شيئا من كل ما قيل، وكأنما أوقظت من منام، التفتت نحو الرجل البدين سائلة إياه:

- هل حقا مات ابنك؟

حملق فيها الجميع،التفت إليها الرجل العجوز بدوره مثبتا على وجهها نظرة عينيه الكبيرتين المتورمتين الشاخصتين، لوهلة حاول أن يجيبها، لكن الكلمات خذلته، نظر إليها محدقا، وكأنه فقط عند ذلك السؤال الغبي، اكتشف فجأة أن ابنه قد مات فعلا، وذهب إلى الأبد، نعم إلى الأبد، انكمش وجهه، وصار مشوها بشكل مفزع، في عجلة خطف منديلا من جيبه ووسط حيرة الجميع، انخرط في بكاء مرير

لويجي بيرنديللو

ترجمة للكاتب
أديب و كاتب إيطالي حائز على جائزة نوبل في الأدب عام 1934
__________________

هـــند غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 09-03-2010, 11:03 PM   #3
هـــند
مشرفة
 
تاريخ التّسجيل: May 2008
الإقامة: بلاد العرب
المشاركات: 4,260
إفتراضي

الغنيمة

فييوم من أيام عصرنا الحالي ، حدث زلزال قوي: ولكنه في هذه المرة كان أكبرما تم تسجيله قوة منذ إختراع مقياس ريختر والذي أتاح لنا قياس التحذيراتالغامضة.
ولقد أدى هذا الزلزال إلى تغييرات واسعة النطاق ، فهذه الهزات تتسبب غالبا في إحداث فيضانات ؛ بينماهذا الزلزال الضخم أحدث فعلا عكسيا ، فقد تراجع المحيط. وانزاح الستار عنالطبقة الأكثر غموضا من عالمناو هو: قاع البحر بما يحتويه من حطام السفن الغارقة وواجهات المنازل وأوعية دورات المياهوشاشات التلفاز وعربات البريد وأجسام طائرات وتماثيل من الرخام ومدافعكلاشينكوف والأجزاء المعدنية من حافلات السائحين وغسالات أطباق أتوماتيكيةوحاسب آلي وعملات تحولت إلي أحجار.
أما النظرات المذهولة فقد وضحتبين كل هذه الأشياء ؛ وكانت للسكان الذين هربوا من منازلهم المهدمة إليالتلال. وعلي الرغم أن الصرخات والإنهيارات الأرضية تسببت في رعبهم ، فقدكان يسيطر على المكان الصمت العاري. وتلألأ زبد البحر فوق كل هذه الأشياء ؛ ومن المفترضأن الوقت لا ولم يتواجد هناك على الإطلاق حيث أن مادية الماضي والحاضر لميكن لها ترتيب زمني ، حيث أن الجميع كانوا شخص واحد وكانوا لاشىء.
وقدهرع الجميع لأخذ كل ما يستطيعون وضع أيديهم عليه وخاصة الأشياء التي كانتتعتبر ذات قيمة في وقت ما ، ولكن ماهذا؟ حسنا ، شخص ما يعلم ، هذا لابدأنه يخص أحد الأغنياء ، ولكنه ملكي الآن.
وإذا لم تقم بسلب كل شيءهناك ، فشخص أخر سيقوم بذلك ، وزلت الأقدام وانزلقت على العشب البحريوغرقت داخل الرمال المشبعة بالماء وفغرت نباتات البحر فمها في دهشة نتيجةلأفعالهم ، ولم يلحظ أحد عدم وجود أي أسماك ، فقد أزيلت الكائنات الحيةلهذه الأرض التي تم إكتشافها مع المياه.
أما الفرصة العادية التي أتيحت للمواطنين لنهب المتاجر أثناء الإنتفاضات السياسية لا يمكن مقارنتها بما حدث.
ومنحتالبهجة المتسمة بالعربدة كل من الرجال والسيدات وأطفالهم القوة للتخلص منكل شىء لم يرغبوا به داخل الوحل والرمال ، بالإضافة إلى الإسراع من مشيتهمالمذهلة أثناء تجولهم ، وهذا كان يمثل أكثر من مجرد ربح نتيجة لظروف طارئة، حيث كان سلب لقوة الطبيعة والتي كانوا يهربون أمامها عاجزين.
خذ ،خذ ؛ واستطاعوا تناسي حطام منازلهم وفقد ممتلكاتهم هناك أثناء عملياتالسلب. وقد خرقت صيحاتهم لأحدهم الآخر الصمت الذي كان يلف المكان وأثناءهذه الصيحات التي كانت تشبه صيحات طائر النورس الغائب ، لم يلتفتوا إليقرب صوت بعيد يماثل الرياح الشديدة. وعندئذ عاد البحر مرة أخري وابتلعهملينضموا إلى كنوزه.
والكاتب يعلم هنا شيئا لا أحد غيره يعلمه ؛ ألاوهو تغير بحر الخيال. استمع الآن ، هناك شخص كان يرغب في الحصول على شىءمحدد طيلة حياته ، فهو لديه الكثير من الأشياء ، بعضها تسقط نظراته عليهابإستمرار لذا فهو مغرم بها بينما توجد أشياء أخرى لا يلحظها ، متعمدا ،والتي كان لا يجب عليه إقتنائها من البداية ولكن لا مفر.
يوجد مصباحجديد يستغله في القراءة ويوجد فوق مخدع رأسه رسم ياباني هوكوساي وتسمي "الموجة العظيمة" ، وهو لا يقم حقيقة بجمع الأشياء الشرقية وعلي الرغم منذلك وإذا كانت معلقة علي الحائط الذي يواجهه ، فربما لم تشكل أكثر من جزءمن الأثاث ، ولكنها كانت بعيدة عن نظره خلف رأسه لعدة سنوات.
وهو رجلمتقاعد ومطلق منذ فترة طويلة واختار فيلا قديمة ولكن في مكان جيد حيثتستقر فوق التلال البحرية وهو المكان الذي يستطيع من خلاله منح ظهرهلمساوىء المدينة. وتقوم سيدة من القرية بالطهي وتنظيف المكان ولاتزعجهمطلقا بأي وسيلة إتصال أخرى. وهذه حياة مباركة خالية من أي متعة ، خاصةوأنه اكتسب قدرا كافيا من هذا النوع من الإزعاج والمتعة وهو أحد أولئكالأشخاص الذي يسعون خلف كشف أسرار قاع البحر المتلألئ وكنوز الرمالالمتفتتة.
ومثل كافة السالبين الآخرين والذي لا يختلط بهم حيث لايوجد شىء مشترك بينهم ، أسرع الرجل من شىء إلي شىء وهو يقلب بين قطع منالرسم والنحت الصيني الذي صنعه النحاتون وبراميل النبيذ الخشبية ودراجةسباق آلية وكرسي لطبيب أسنان وساقته خطواته فوق عظام آدمية متحللة لميستطع التعرف عليها.
وعلي نقيض مافعله الآخرون ، لم يؤخذ شيئا – حتى: عثر على هذا الشىء وهو (مرآة) مزخرفة بخصلات من عشب البحر البني اللونوأصداف وشعاب مرجانية حمراء ، وكما لون أن المستحيل أصبح حقيقة ؛ فقد كانيعلم مكانها ، أسفل قاع البحر , ولهذا لم يعلم ماهيتها من قبل ولم يستطعالعثور عليها.
وأزيح عنها الستار نتيجة لشىء لم يحدث من قبل ، ألا وهو أكبر هزة للأرض يشهدها مقياس ريختر.
وعندئذ،قام بإستخراجها ، هذا الشيء ، المرآة ، وتدفقت الرمال منها وكانت المياههي اللمحة المضيئة الوحيدة المتبقية وسيقوم بأخذها معه ، ليتملكها أخيرا.
وجاءت الموجة الكبيرة من خلف مخدع رأسه لتأخذه معها.
وكانإلى جانبه بين هياكل الضحايا ، القراصنة القدامى والصيادين بالإضافة إلىالضحايا الأخرين الذين أسقطوا من الطائرات أثناء الحكم الديكتاتوري حتيلايمكن العثور عليهم داخل قاع البحر ، فمن الذي يمكنه التعرف عليهم فيمكان مثل هذا؟
حيث لاتطفو زهور وردية أو قرنفلية.

نادين جوديمر

ترجمةللكاتب
نادينجوديمر من جنوب إفريقيا . بدأت الكتابة في سن تسع سنوات، وجدت إهتماما كبيرا من الجمهور الأدبي بعدنشرها الرواية الأولى "أيام الكذب" عام 1953.
وفازت بجائزة نوبل في الأداب عام 1991 وكانت المرة الأولى التي تمنح فيها الجائزة لسيدة خلال 25 عاما
__________________

هـــند غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-03-2010, 07:08 PM   #4
هـــند
مشرفة
 
تاريخ التّسجيل: May 2008
الإقامة: بلاد العرب
المشاركات: 4,260
إفتراضي

الكلب
بمعطفه الجديد؛ وبشيء ما يتأبطه يلجُ العريف " آخميلوف " باحةَ السوق يتبعه شرطيٌّ ذوشعر أحمر، حاملاً ما صادراه من فاكهة.. الصمت يشيع في الأرجاء، وليست ثمّة حركة جلّية.. أبوابُ المحلات ونوافذها مواربةٌ علىَ سعتها مثل أفواه جائعة تحدّق بأسى لدنيا الله.
علىَ نحومباغت تٌمزّق أستار الصمت صرخةُ: " هكذا تريد أن تعضّني أيها الكلب الملعون. هذا زمان ما عاد للكلاب حرّية عضّ الآخرين.. آه!.. آه أوقفوه!.
يندلع نباحٌ متواصل.. تتوجّه أنظار " آخميلوف " ناحيةَ الصوت.. هناك كلبٌ برجلٍ عرجاء يفرٌّ هارباً من ناحية " مخزن أخشاب بنجوجن " ملاحَقاً مِن قبل رجلٍ ذي قميص أبيض يحاول الإمساك به فيتعثّر ساقطاً.. غير أنّه يفلح في القبض عليه من قائمتيه الخلفيّتين.. يعوي الكلبُ ومعه تستمرُ صيحاتُ الرجل.
وجوهُ بعيونٍ ناعسةٍ تطلُّ من نوافذ المحلات؛ تُطالع حشداً بشرياً التأم سريعاً كأنّه انبثقَ من ثنايا الأرض.
- " أتعتقد أنّ من الضروري توجيه اللوم والتوبيخ لتجمّع غير مسموح به كهذا؟ ".. يحاور آخميلوف شرطيَّهُ.
يستديرُ يساراً ويخطوباتجاه الحشد جوار الباب الرئيس لمخزن الأخشاب، يشاهد الرجلَ ذا القميص الأبيض يرفع يداً عارضاً على العيون المُبحلِقة إصبعاً مُدمّىَ فيما وجهه يشي بتعابيرِ رجلٍ شبه مخمور: " إنتظر!.. سأجعلك تدفع الكثير مقابل هذا، أيها الشيطان ".
وسرعان ما يتعرّف أخميلوف على الرجل: إنّه " كريوكين "؛ مثلما يشاهد الكلب خالقَ الجلبةِ يرتجفُ وسط الحشد وقائمتاه الأماميتان ممدودتان..كلبٌ أبيض تُبقّع ظهرَه بقعةٌ صفراء، عيناه تمتلئان بتعابير الخشية والقلق.
- " ما الخَطب؟! ".. يروح أخميلوف يتساءل، صانعاً طريقاً له وسط الحشد ". لماذا تقف هنا؟ وما الذي جرىَ لإصبعك؟ ومن كان يصرخ؟ "
- أنا.. لم أمَسَ أحداً.. ينطقُ "كريوكين" ثم يواصل "كنت أتجول في غابة ديمتري ديمتريفتش، هناك عندما هاجمني هذا الكلب المتوحش وعضّ اصبعي.. ليس لديَّ يا سيدي غير هاتين اليدين أعمل بهما، وعضّةُ هذا الكلب ستوقفني عن العمل لفترةٍ لا تقل عن سبعة أيام، لهذا على صاحبه أن يدفع لي تعويضاً؛ ألا يوجد في القانون ما ينبغي تحمله من تبِعات مخاطر الحيوانات، لانّه لوتُرِك لكلِّ حيوان حريةَ العضّ والفتك بالآخرين فلن يبقَ أحدٌ علىَ قيدِ الحياة في هذا العالم"
بصرامةٍ ظاهرة يرتفعُ حاجبا العريف أخميلوف ويهبطان:
- مَن هو صاحب هذا الكلب؟.. لن أسمح لمثلَ هكذا خروقات أن تحدث وتستمر. إنَّ على الجميع أن لا يتركوا كلابَهم طلقيةً كما تشاء، لقد ولّىَ الزمن الذي يُترك فيه مَنْ لا يُطيع القوانين سأعاقب مالكَ هذا الكلب، وسأعُلِّمه من أنا. يستدير إلى الشرطي المرافق:
- يا يلديرين، تحرَّ عمّن يكون صاحب هذا الكلب.. هذا الكلب يجب أن يُقتل.. إفعل ذلك سريعاً، فقد يكون مسعوراً.. على أي حال لمن هذا الكلب؟
- يبدوأنّه كلبٌ الجنرال ييجالوف.. ينطُقُ أحدٌ من الحشد.
- للجنرال ييجالوف؟ ها!.. يالديرين، إخلع معطفي!.. ما هذا الحر الشديد! من المحتمل أن تمطر هذا اليوم.. يوجد ثمة شيء لا أفهمه كيف عضّك هذا الكلب؟ يتوجه العريف أخميلوف إلى "كريوكين" متساءلاً. "وكيف طال أصبعك، إنّه كلبٌ صغير بينما أنتَ رجلٌ كبير؟.. ربّما فعلت ذلك بنفسك وأدّعيت جرحك من فعل هذا الكلب المسكين سعياً للحصول على مال.. أعرفكم أيها الشياطين!!
- " أطفأ السيجارة في وجه الكلب لكن الكلب ليس غبياً فعضّه، ياسيدي. " يتفوه الشرطي يلديرين.
- تكَذٌب!.. ما شاهد مثل هذا، يا سيدي ما شاهد مطلقاً.. ولكنْ دعْ الحاكم يقررّ، القانون يؤكد بسواسية الجميع في هذا العهد؛ ولي أخٌ يعمل في قسم الشرطة فإنْ لم..
- توقف!
- " كلاّ! هذا ليس كلب الجنرال "يقول الشرطي يلديرين مُظهراً إهتماماً، " لا يملك الجنرال كلباً كهذا، هذا كلبٌ لا يمُت إلى كلابه بشيء ".
- أمتأكد من ذلك؟ " يسأل العريف أخميلوف.
- نعم، كلّ التأكيد.
- وأنا متأكد أيضا.. كلابٌ الجنرال غالية الثمن، أما هذا الكلب فليس له شعر مقبول ولا شكل يُعتَد به لماذا يقتني الناس كلاباً قميئة.. لوكان في بطرسبورج أوموسكومثل هذه الكلاب هل تخمن ما يحدث؟ لن يجهدوا أنفسهم في البحث في فقرات القانون للتخلّص منها، بل يصنعون لها نهاية سريعة.. " ياكريوكين " لا شكّ أنك تعاني من ألم الجرح لذلك سوف لا أترك الأمرَ يجري عادياً، سألقّن مالكي هذه الكلاب درساً.. ولكن يبتسم أخميلوف مفكِّراً! أعتقد أنني شاهدتُ هذا الكلب في باحة الجنرال.
- "طبعاً؛ إنه كلب الجنرال " يأتي صوت من عمق الحشد.
- يالديرين؛ ساعدني.. ألبسني معطفي وخذ الكلب إلى الجنرال تأكد إن كان له أم لا. قل وجدته في الطريق فأتيت به؛ قدم لهم رجاءً؛ إرجوهم أن لا يتركوا الكلب في الشارع، لأنه كلب ثمين وقد يرتكب أحدهم حماقة فيطفئ سيجارة في خطمه فيتسبب في إيذائه، الكلب مخلوق رقيق.. وانت أيها الغبي.. أخفضْ يدك فلا ضرورة لعرض إصبعك السخيف، إنها حماقتك.
- ها هوطباخ الجنرال، دعونا نستفهم منه.. مرحباً بروخور تعال هنا للحظة، إنظر هل هذا كلبكم؟!
- هذا!.. لم نقتن مثل هذه الكلاب في حياتنا أبداً.
- هذا كلب لا يستحق السؤال عنه.. يتمتم أخميلوف.. متشردٌّ وينبغي قتله.
- كلا.. ليس لنا مطلقاً، بل هوعائد لأخ الجنرال الذي وصل إلى المدينة توّاً. سيدي لا يفضِّل هذه الأنواع، إنما أخوه من يرغبها.
- هكذا إذاً أخوه فلاديمير إيفانوفيتش وصل إلى هنا " يتساءل أخميلوف بمحّياً مُشرق وابتسامة تغمر وجهه: " حسناً، حسناً، لم أكن أعرف ذلك. " إذاً هوفي زيارة لمدينتنا!
- نعم، ياسيدي في زيارة،
- حسناً، حسناً وهذا هوكلبه، أنا مسرور جداً خذه! يا لهُ من كلب صغير وبارع، سريعاً أمسك باصبع هذا الرجل ها.. ها.. ها، لماذا ترتجف أيها الكلب الصغير.. لم تفعل شيئاً يستحق الخوف؛ وهذا الرجل وغدٌ وشرير..

ينادي "بروخور" على الكلب ويذهب به بينما يوجه أخميلوف تهديداته إلى "كريوكين". يحكم شدّ معطفه على جسده ثم يتخذ طريقه إلى داخل السوق يتبعه الشرطي يلدرين حاملاً الفاكهة المصادرة..

أنطون بافلوفيتش تشيكوف
__________________

هـــند غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .