العودة   حوار الخيمة العربية > القسم الثقافي > صالون الخيمة الثقافي

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: عمليات مجاهدي المقاومة العراقية (آخر رد :اقبـال)       :: مــــــــردوع (آخر رد :ابن حوران)       :: نقد كتاب مظلوميّة الزهراء (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب عقيدة أبي طالب (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب سبب وضع علم العربية (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب أدلة أن الأئمة اثنا عشر (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب الصحابي و عدالته (آخر رد :رضا البطاوى)       :: عن الثورة التشرينية في العراق (آخر رد :ابن حوران)       :: نقد كتاب حديث الطير (آخر رد :رضا البطاوى)       :: عن الثورة التشرينية في العراق (آخر رد :ابن حوران)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 18-09-2008, 02:16 PM   #21
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

الفصل الرابع عشر: صورة الإفريقي لدى المثقف العربي: محاولة تخطيطية لدراسة (ثنائية قبول/استبعاد) ..

قدمه: حلمي شعراوي .. مركز البحوث العربية ـ القاهرة .

يشكل موضوع (السود) في الثقافة العربية مشكلة كبيرة لا تختلف كثيرا عن تلك التي تحيط بموضوع المرأة. فهو موقف مرتبك بين الاعتذار عن السلوك تجاه هاتين المسألتين انطلاقا من سماحة الشرع والتعامل الديني الإسلامي مع هذين الموضوعين بشكل إنساني يشهد الجميع به حتى أعداء الإسلام، وبين موقف أو مجموعة مواقف مستمدة من التراث العربي قبل الإسلام وغيره من الروافد التي ورثتها الأمة.

أولا: إيضاحات تعريفية:

1ـ يحس العرب بأن لسانهم الذي نزل به القرآن، وكتبت به العلوم الشرعية واللغوية والتطبيقية سواء بأيديهم هم أو بأيدي من دخل الإسلام من غير العرب، يعطيهم الحق في إسقاط نظرتهم لمختلف المسائل على غيرهم من الأمم التي دخلت في دين الله الذي نزل بلسانهم! ومن بين تلك المسائل ما يخص نظرتهم للزنوج والأحباش وغيرهم، التي تكونت لديهم قبل دخول العرب في الإسلام.

2ـ سوسيولوجيًا، ترتبك النظرة العربية بين القبول والاستبعاد للآخر الإفريقي، ولن يصمد تفسير السلوك (التصويري) العربي تجاه الإفريقي أو الآخر المسلم، الذي حث الله عز وجل في كتابه على اعتباره أخا، كما حث الرسول صلوات الله عليه على مثل ذلك. وفي نفس الاتجاه يميل العربي لقبول الآخر المسلم (عجمي، إفريقي، كردي) في حالات الإنجاز العلمي أو الفلسفي أو العسكري (ابن سينا، الفارابي، يوسف ابن تاشفين، صلاح الدين الأيوبي).

من ناحية أخرى، تمتلئ الثقافات العربية أو المترجمة بتبرير السلوك المتعالي لعرق تجاه آخر، اليونانيون والبرابرة (أي غير اليونانيين الواقفين على حدودهم)، المكتشفون الأوروبيون لأمريكا وسلوكهم مع الهنود الحمر، الإيطالي الشمالي ونظرته لأهل جنوب إيطاليا. وقد تحدث عن ذلك باقتدار وتفصيل كل من (جرامشي) و(إدوارد سعيد).

3ـ قد يكون ما كتبه ادوارد سعيد حول هذه المسألة الأحدث والأشمل والأوسع إجابة عن ما هو معروف ب ((الثقافة الامبريالية))، حيث يتحدث عن أنماط من الكتابات الأوروبية وخطابها الاستشراقي أو نحو نظرتها الى إفريقيا والهند، إن مجموعة المؤلفين الذين اختارهم إدوارد سعيد ليكتب عن كتاباتهم يؤكون فيها أن استعمار بلادهم لغيرها كان من أجل نقل الحضارة لها، وعندما يكون الحديث عن رفض تلك الشعوب للاستعمار وثورتها ضده وردة فعل الغرب في قمع تلك الثورات، فإن الكتاب يقولون: ( إنهم برابرة .. ليسوا مثلنا .. ولذا يستحقون أن نحكمهم ونجبرهم على القبول بنا كأسياد عليهم)! (كونراد) .. وكونراد هذا، معروف بأنه معادٍ للإمبريالية!

4ـ إن علاقة ما ذكر سابقا بالكيفية التي ينظر العرب فيها الى الآخر، هي أن العرب كانوا في عينة من الوقت ينظرون الى غيرهم من الشعوب التي حكموها بأن حكمهم لتلك الشعوب رحمة لها وإنقاذا لها من جهلها. وبغض النظر عن صحة تلك المعلومة من عدمها، فإن تلك النظرة عاشت ولا زالت تعيش في نمطية تفكير المثقفين والكتاب العرب، ومن يطلع على أدب (الرحلات) سيجد أن الرحالين العرب ينظرون الى المناطق التي زاروها وفق ما ذكرنا.

ثانيا: ظروف تأسيس الصورة: صراع/استبعاد

كان لمجاورة الحبشة (إثيوبيا) لبلاد العرب الدور الكبير في تأسيس صورة الإفريقي عند العربي. وخصوصا أن الاحتكاك العربي الحبشي استمر زهاء سبعة قرون، بدأت قبل ميلاد المسيح عليه السلام بقرن من الزمان، وقد وجد ما يدل على ذلك في نقوش أكسومية تعود الى (مملكة الشجرى الأثيوبية) قبل المسيح بقرن، حيث نجد أن الملك الحبشي يذيل اسمه وتوقيعه ب (ملك أكسوم وحمير وريدان وحبشة وسلع وتهامة)*1 وانتهت بإحلال الفرس والروم محل الأحباش المستعمرين والحاكمين لجنوب جزيرة العرب (اليمن) والطامحين في محو رموز العربية في الشمال (مكة ـ وغزو أبرهة الأشرم).

ويذكر الجاحظ في كتابه (فخر السودان على البيضان)*2 على لسان الزنج أنهم قالوا: (نحن قد ملكنا بلاد العرب من الحبشة الى مكة وجرت أحكامنا في ذلك أجمع، وهزمنا ذا نواس وقتلنا أقيال حمير، وأنتم لم تملكوا بلادنا.

وبعد أن اندثرت قوة الأحباش وتشتت جموعهم، تحول كم هائل منهم الى عبيد أو مقاتلين مستأجرين لتجار مكة ومن حولها، وقيل لقد أعتق الزبير بن العوام وحده ألفا من العبيد الأحباش*3

لقد اتسمت معاملة العرب للسود بالتجاهل وليس بالعداء أو الاحتكار والتفاخر عليهم. فلم يجد أي باحث في المعلقات السبع ما يشير الى ذكر السود بسوء أو انتقاص.

ويشير التاريخ أن السود لم يكن منهم شعراء كثر ويذكر التاريخ منهم أربعة أو سبعة، إذ أن الشعر كان له وظيفة النطق بلسان الشاعر عن قومه أو قبيلته، في حين أن السود إن نظموا الشعر لا يذكرون قبائلهم ولا يقولون: نحن بل (أنا) وهذا ما نلاحظه بشعر عنترة و خفاف بن ندبة وسليك ابن السلكة وأبو عمير بن الحباب السلمي.

فهذا عنترة يقول:
ينادونني في السلم بابن زبيبة .......... وعند صدام الخيل بابن الأطايب

ويقول في موضع آخر:
وأنا الأسود والعبد الذي .......... يقصد الخيل اذا النقع ارتفع
نسبتي سيفي ورمحي وهما ......... يؤنساني كلما اشتد الفزع

ثالثا: عصر الإمبراطورية العربية ـ الإسلامية :
قبول/استبعاد


أحس العرب أنهم قاموا بتأسيس ما يشبه (العولمة) في إمبراطوريتهم الواسعة، والتي لم يكن للعرب ذكر في اسمها، ولكننا نناقش تلك المسألة في لحظة معاصرة وبأدوات تقييم متأثرة بما يدور حولنا.

حقا كانت السمة الإسلامية سائدة على وصف تلك الإمبراطورية، لكن لم تختف من تلك الأجواء المفاخرة العرقية، ففي حين كان يشعر العربي بأن الفضل في تأسيس أركان تلك الإمبراطورية يعود له وحده، دون مشاركة أقوام أخرى من غير العرب، فهم من هدموا أركان الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية دون مشاركة أحد.

بالمقابل، فإن أقواما أخرى تتطير من إلصاق العروبة بالإسلام على النحو الذي يبرز دور العرب بشكل استثنائي، بل تذهب تلك الأقوام الى أبعد من ذلك حينما تربط التطور العلمي والأدبي والفلكي والفلسفي بما أتت به كأمم اعتنقت الإسلام ولها ماض حضاري عريق (الفرس) أو كقوى لها دورها في الفتوحات العسكرية وتثبيت حدود وشكل الإمبراطورية، (ترك، كرد، أمازيغ).

هذا الأمر جعل العرب يزيدون من تفاخرهم، وإرجاع فضل تلك الثورات العلمية لهم هم كحاضنة أو رافعة هيأت لجهد المجتهدين. ومن يشكك بهذا القول رماه العرب بوصف (الشعوبي).

لنعد الى الأفارقة، وطبيعة التعامل العربي معهم:
لا شك أن ما مررنا عليه لوصف النظرة العربية تجاه الآخر الأفريقي، هو من الأهمية بمكان، بحيث أن مناطق إفريقية سوداء دخلت في الإسلام وتحت كنف الدولة المركزية لكنها لم تحظ بقدر كاف من الرعاية لها، وهذا من وجهة نظر الأفارقة آت من الإهمال المتعمد أو الشعور بالتعالي أو الاثنين معا. والأفارقة محقون بذلك، فقد عرف العرب مثل ذلك السلوك على أيدي الأتراك، عندما اعتنوا بحواضرهم وأهملوا حال المدن والقرى العربية.

مستويات متعددة من موقف الدين أو وصفه للسود:

1ـ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم (الحجرات 13)(الدعوة للالتزام بالمساواة بين المسلمين)
2ـ الناس سواسية كأسنان المشط .. .. لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى (تأكيد موضوع المساواة)
3ـ إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (يوسف 2) .. تخصيص للعربي
4ـ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (التوبة 24) أحقية الفاتح على المهزوم.
5ـ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه(آل عمران 106).. و (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين (الزمر 60) و (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا) النحل 58


إن تفسير تلك الآيات من لدن العلماء لم يشفع كثيرا في إزالة بعض الأذى الذي يلحق بالسود.

كما أن تلك القصة التي تظهر بالتوراة وتتناقلها كتب التاريخ العربي من أن (حام) جد السود كان ينظر الى عورة أبيه (نوح) عليه السلام وقد وشى (سام) بذلك لأبيه فدعا عليه بأن الله (يسود وجهه)!

لقد كتب أستاذ إفريقي مجتهد هو (آرشي مافيجي) عن تلك النظرة المتوطنة عند غير السود تجاههم شيئا جميلا يهمنا منه ما أطلق عليه: القيمة الاستعمالية (Use Value) وهو مصطلح استبدل به مصطلح (فائض القيمة) في الكتابات الاشتراكية.

سنكتفي بهذا القدر في هذا الموضوع.






هوامش:

*1ـ بين الحبشة والعرب/عبد المجيد عابدين/القاهرة: دار الفكر العربي 1947
*2ـ رسائل الجاحظ/ كتاب فخر السودان على البيضان/أبو عثمان الجاحظ/ تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون/بيروت: دار الجيل 1991
*3ـ التحول الاقتصادي والاجتماعي في مجتمع صدر الاسلام/ الحبيب الجنحاني/ بيروت: دار الغرب الإسلامي 1985
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 11-10-2008, 01:56 PM   #22
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

الفصل الخامس عشر: جدل الأنا والآخر: دراسة في تخليص الإبريز للطهطاوي

قدمه: حسن حنفي : أستاذ ورئيس قسم الفلسفة ـ جامعة القاهرة.

أولا: مقدمة، الموضوع والمنهج.

كانت الحضارة الإسلامية عبر التاريخ في علاقة مستمرة مع الحضارات المجاورة، اليونان والرومان غربا وفارس والهند شرقا، قبل الإسلام وبعده، بل إن إبداعات الحضارة الإسلامية هي نتيجة لهذا التفاعل بين الداخل والخارج، بين الموروث والوافد، بين النقل والعقل، بين علوم العرب وعلوم العجم، بين علوم الغايات وعلوم الوسائل، أو بلغة العصر بين الأنا والآخر.

في الفترة الأولى كان الآخر معلما والأنا العربية الإسلامية متعلما، وفي الفترة الثانية كانت الأنا العربية الإسلامية معلما، في حين كان الآخر متعلما، ثم جاءت الفترة الثالثة ليعود العربي المسلم متعلما على يد الآخر المعلم.

في شرح حسن حنفي وتعليقه على كتاب الطهطاوي (تخليص الإبريز) يحاول معاينة العربي لصورة (نفسه) في مرآة الآخر الغربي على لسان الطهطاوي.

ثانيا: الأنا إطار جغرافي للآخر.

رغم أن كتاب الطهطاوي كان المقصود منه وصف الآخر (باريس)، من منظور (متمركز) في القاهرة أو الإسكندرية، ليعمم الآخر الأوروبي على حالة أهل باريس، من منظار من يزعم أنه يمثل الشرق العربي أو حتى الإسلامي. فلا باريس كل فرنسا ولا فرنسا هي كل أوروبا، حيث أن في أوروبا أنماط مختلفة بما فيهم المسلمين في شرقها الذي كان منه جزء من الدولة العثمانية (آنذاك)، وكذلك ليس القاهرة هي كل العرب أو كل المسلمين، فهناك أنماط متعددة من الشرق، الذي سيضم بين ثناياه (الدولة العثمانية) بجزء أوروبي من جغرافيتها!

هذا النهج بدا جليا لا في كتابات الطهطاوي فحسب، بل سبقه إليها من هو أقدم منه، فظهرت بالتراث القديم من خلال كتابات السيوطي في كتابه (منتهى العقول) وكتابات أبي الفداء في كتابه ( تقويم البلدان، وكتابات حاجي خليفة في كتابه (كشف الظنون) وكتابات الخوارزمي في كتابه ( غريب الإيضاح في غريب المقامات الحريرية) والمسعودي في كتابه (مروج الذهب). وكذلك فإن الكتاب الغربيين قد تناولوا الشرق بنفس الروحية وكان هذا واضحا في كتابات البارون دي ساسي في كتابه ( تاريخ الدول) الذي ترجمه للعربية ابن الكرديوس.

هذا النهج الذي اتبعه كتاب الشرق والغرب في نظرتهم للآخر أثر ولا يزال يؤثر في تحديد السلوك شعبيا ونخبويا لكل طرف تجاه الآخر. فلا زال المواطن والواعظ على المنابر ينظر للغرب على أساس أنه (غرب واحد)، فبلغاريا في نظر العربي لا تختلف كثيرا عن فرنسا أو حتى الولايات المتحدة الأمريكية، وإيران في نظر الغرب و الصهاينة هي كالمغرب والعراق و باكستان!

ثالثا: الأنا مرجع تاريخي للآخر

يضع الطهطاوي الأنا في مسار تاريخها الهجري، ويلحق مسار تاريخ الآخر قبل أن يحدث الاغتراب في الوعي العربي الإسلامي ويصبح مسار تاريخ الآخر هو المرجع التاريخي لمسار تاريخ الأنا، فهذا الطهطاوي نفسه يؤرخ لسفره لفرنسا: خرج الطهطاوي من مصر في 8 شعبان 1240هـ الموافق 1826م.

في حين كان العرب يؤرخون لاكتشاف أمريكا بخروجهم من الأندلس، وأرخوا فيما بعد عن الثورة التي حدثت في فرنسا بين أنصار الملكية وأنصار الجمهورية، فأرخوها مع الثورة الهمامية في صعيد مصر التي قادها شيخ العرب (همام) مع الفلاحين العرب ضد الدولة.

رابعا: الأنا والآخر في المرآة الاجتماعية

يتم وصف الأنا والآخر في مرآة الحياة الاجتماعية، وفق الحالة التي يتحدث بها الكاتب، فيكون الآخر منضبطا دقيقا ويكون الأنا منفلتا لا يحترم القوانين، وتكون النساء عند الآخر غير عفيفات بما فيه الكفاية وأزواجهن غيرتهم قليلة. ويكون الاختراع والعمل عند الآخر والكسل والخمول عند الأنا، ويكون البخل وعدم رغبة الآخر في مساعدة غيره، في حين يكون الكرم وحب المساعدة للغير عند العربي. وهكذا مئات بل آلاف الثنائيات التي استخدمت اجتماعيا ولا زالت.

خامسا: الأنا وتعريب الآخر

لما كان التقابل بين الأنا والآخر هو تقابل لغوي، بين اللغة العربية واللغة الفرنسية، فقد استطاعت الأنا تعريب الآخر أكثر مما استطاع الآخر فرنسة الأنا.

فعندما يتحدث الطهطاوي عن باريس يقول: هي كرسي أو تخت فرنسا (تمشيا مع استانبول تخت الدولة العثمانية)، ويقول عن القانون الفرنسي: الشريعة الفرنسية، ويتحدث أمر محتسب باريس الخبازين بصناعة الخبز. ثم إن أراد أن يتحدث عن مبتكرات لغوية لمسائل لم يعرفها الشرق العربي قال (الرسطراطورات) ويقصد المطاعم، وكذلك (الكرنوال) : اي الكرنفال. وقد سبقه العرب عندما عربوا الأمكنة حسب لسانهم فقالوا: قشتالة يعني كاستل.

سادسا: علوم الأنا وعلوم الآخر

لقد تفوقت الأنا في علوم الدين، في حين تفوق الآخر في علوم الدنيا، ويقول لقد كان سبب قوة الآخر هو العلوم الدنيوية فإن سبب ضعف الأنا هو ضياع هذه العلوم منها. لقد كان سبب استعمار الإفرنج لأمريكا قدرتهم على ركوب البحر ومعرفة قواعد علوم الفلك والجغرافيا وحبهم للسفر والطبيعيات بل أتقنوا ما وراء الطبيعيات وأقاموا البراهين على خلود الأرواح واستحقاق الدين والدنيا معا، وقد جهلنا الفنون أو العلوم العامة والخاصة معا.

وإذا كان الغرب قد فرق بين العلم والفن وأبدع في كليهما، فإننا وحدنا بينهما وتأخرنا فيهما. وإذا كان الغرب قد برع في العلوم الرياضية والطبيعية ولم يهتد الى طريق النجاة في الآخرة، فإننا قد برعنا في العلوم الدينية ولم نهتد الى طريق الصلاح في الدنيا.

سابعا: من أدب الرحلات الى علم الاستغراب

ينتهي الأستاذ حسن حنفي مناقشة كتاب رفاعة الطهطاوي (تخليص الإبريز)، بأنه لا يعدو مستوى أدب الرحلات، فهو إسقاطات شخصية على مسائل عامة كبرى، فيقيس الجزء ويسقطه على العام دون برهان ثابت ومطلع. وهذا النوع من الفكر يصلح للتوجه للعامة لا للمختصين. ثم لا يخفي الطهطاوي انبهاره بالغرب وحضارته، فيتحول من رحالة الى مبشر بتقليد الغرب في كثير من الأمكنة في كتابه.

الموضوع أوسع بكثير مما لخصته فيه وأخشى أن يكون تلخيصي يشوه روعة المادة .. اقتضى التنويه
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 28-10-2008, 09:34 PM   #23
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

الفصل السادس عشر: صورة الآخر من خلال تقارير الرحلات السفارية المغربية الى أوروبا..

قدمه: عبد السلام حيمر ..أستاذ في جامعة مكناس/ المغرب

كتب الأستاذ عبد السلام حيمر بحثه هذا بعد مرور 500 عام على خروج العرب من الأندلس، وقد تساءل في بحثه عن مغزى هذا التاريخ ودلالته بالنسبة للحاضر والمستقبل. وأراد أن يلقي الضوء على الرحلات المغربية التي تلت تاريخ خروج العرب من الأندلس، مؤشرا على صورة الآخر من خلال الرؤية التي كان يثبتها كل من هؤلاء الرحالة (بالطبع لن يتطرق الى ابن بطوطة)

أولا: رحلة الموريسكي أحمد بن قاسم الحجري (أفوقاي) 1611ـ 1613م.
(ناصر الدين على القوم الكافرين)

يرى (جاك بارك) أن المغرب حتى القرن السادس عشر، لم يكن بعيدا كل البعد عن السيرورة الحضارية العامة التي هيمنت على بلدان شمال البحر الأبيض المتوسط . بيد أنه ابتداء من القرن نفسه أخذت الشقة الحضارية بينهما تتسع وتتعمق الى الحد الذي يمكن القول معه بأن تقدم أوروبا كان شرطا مرافقا لتأخر المغرب، بل وتأخر كل البلدان العربية*1

من هنا تبرز أهمية النظر بكتاب أحمد بن قاسم الحجري (أفوقاي) : ((ناصر الدين على القوم الكافرين))، كون الكاتب الرحالة كان يعيش حياة (المناددة) لا حياة الشعور بالتخلف عن الغرب، وهو يمثل تصوير المسلم العربي للآخر الغربي الأوروبي.

لقد كانت رحلة (أفوقاي) الى مدن فرنسية وهولندية مثل (باريس و بوردو وتولوز وأمستردام ولاهاي) معرضا لمزاوجة ما ذهب من أجله: وهو استرداد ما سلبه اللصوص الأوروبيين من (الموريسكيين: المسلمين الهاربين من أسبانيا الى المغرب وتونس)، مع انتباهه الى الحوارات والنقاشات الفكرية الدينية مع الرهبان والأحبار وبعض أفراد النخب الحاكمة في فرنسا وهولندا.

من جهته يذكر الرحالة من قابلهم بأنهم أهل (دار الكفر) وعندما يتحدث عن نفسه أو قومه أو من يمثلهم ينعتهم بأهل (دار الإسلام)، لقد كان يتكلم باسم العرب والمسلمين والعثمانيين في مناظراته مع أهل (دار الكفر).

صورة المغربي (العربي/المسلم) في مخيلة الأوروبي

يذكر (أفوقاي) بأن مخاطبات سكان المدن الأوروبية التي زارها له: بقولهم (أنتم االتركيون) ولقبوا أفوقاي بالرجل التركي، لأن الأوروبيين في تلك الفترة كانوا لا يطلقون اسم مسلمين أو عرب أو مغاربة بل أتراك. والصورة عندهم عن هذا التركي بأنه محارب مرعب يسرق ويزني ويجبر زوجته على لبس الحجاب، ومع ذلك يبتعدون عن مباهج الحياة من خمر ولحم خنزير. هذه الصورة التي نقلها (أفوقاي) والذي كان يجيد الإسبانية والفرنسية ولديه اطلاع واسع في الديانات.

صورة الأوروبي في مخيلة المغربي ـ (الموريسكي)

الأوروبي هو أولا وقبل كل شيء مشرك كافر نصراني، خائن للعهود والمواثيق، ودليل (أفوقاي) على ذلك ما فعله ملوك الإسبان بالمسلمين. ثم يمضي (أفوقاي) بوصف التحالف بين الإقطاع والكنيسة (البابا)، فيقول هم وكبار الملاك يستخدمون الخدم والحشم ويقضون أوقاتهم في ترف ونقاشات في الدين وترجمة الكتب بما في ذلك العربية.

ثم يذهب الى وصف المدن فيقول إن مدنهم لم ترق في جمالها وعمارها الى مصاف المدن العربية. لكن مدينة مثل (أمستردام) بها سفن (ذكر 6 آلاف سفينة). ثم يتحدث عن الإصلاح الديني، فيعرج على (لوثر ويسميه هو لطري) وكالفن وبسميه (قلبن). ويذكر أفوقاي (كل واحد من السلاطين النصارى يرتعد ويخاف من سلاطين الإسلام والدين ... وهم السلاطين الفضلاء العظماء العثمانيون التركيون)*2

ثانيا: رحلة الوزير محمد بن عثمان المكناسي توفي 1799م

(الإكسير في فكاك الأسير)

تمت هذه الرحلة عام 1780، وقد جاءت بعد أن حاول المغرب استرجاع (مليلة) عام 1774، حيث اعتقد المغاربة أن انشغال أسبانيا في حروب أمريكا اللاتينية وخلافاتها مع بريطانيا على جبل طارق، يجعل من ذلك التوقيت أمرا مرغوبا يمكن فيه تحقيق النصر، لكن الأسبان دمروا (مليلة) عن بكرة أبيها وألحقوا هزيمة نكراء بالقوات المغربية وأسروا من المقاتلين الكثير، والغريب أن المقاتلين كانوا أتراكا وجزائريين ولم يكونوا مغاربة*3. فذهب الوزير بمهمة استرجاع الأسرى.

الوحدة والتشابه

يتحدث ابن عثمان عن إسبانيا ولا سيما الأندلس بوصفها (دار إسلام) اغتصبها النصارى، فهي ليست بلادا غريبة عنه، إنها أرض الأجداد في رفاتهم ومنجزاتهم الحضارية لا تزال ماثلة للعيان، إنها جزء من تراثه وتاريخه. فالعرب ماثلون في أسوار المدن وأزقتها الضيقة وفي مكتبة الأسكوريال وفي الكتابة العربية التي تزين القصور والأبواب والأضرحة.

ويكتشف ابن عثمان أن الأسبان يشاطرونه حبه وتقديره للآثار العربية الإسلامية، فعندما سأل الأسبان عن شيء تبقى من الآثار، أحضر بعضهم نقودا وخناجر وعندما فاوضهم على شراءها رفضوا ذلك بأي ثمن لأن تلك الآثار التي يتوارثونها عن الأجداد لا تقدر بثمن ولا يمكن التفريط بها.

ويذكر ابن عثمان: أن هناك من جاءه يعلمه بأن أجداده عرب وأقاربهم بالمغرب، فأظهر له أحد أعيان نصارى أشبيلية أنه من أصل عربي وجده اسمه (قردناش) وفي مدينة (أندوخر) قالت له سيدة أنها من بنات (بريس) وأمها بنت (بركاش) وأعمامهم في المغرب.. ويكثر من تلك القصص.

الاختلاف

بعد أن أظهر ابن عثمان ما شاهده من علامات الفرح في وجوه من قابلهم للتشابه بينه وبينهم، يظهر الاختلاف فيما بين العرب والأسبان، من حيث دينهم الذي وصفه بالفساد، من حيث التثليث واقتصار الصوم على الامتناع عن أكل اللحوم، وارتكاب المعاصي والظن أنها تزول بالاعتراف أمام رجال الكنيسة.

ثالثا: الرحلة الإبريزية الى الديار الإنجليزية 1860م
و ((رحلة الى إنجلترا)) للحسن الغسال 1902م

تمت هاتان الرحلتان بعد أن قويت قبضة أوروبا على دول الشاطئ الجنوبي للبحر المتوسط، فتلك حملة نابليون وتلك احتلال الجزائر، وهناك تربص بتونس، وهناك هزيمتان متتاليتان للمغرب في اسلي 1844 وتطوان 1860، فكان من نتائج ذلك اندماج المغرب بالنظام الرأسمالي من جهة وتتالي البعثات السفارية والطلابية الى أوروبا من جهة أخرى، وهاتان الرحلتان من هذا النوع.

لقد تراجع تفكير الرحالة عن أن ما يجري في أوروبا هو من إنتاج المسيحية بعقيدتها وتنظيماتها، الى أن ما يجري هو من تدابير فكرية (اقتصادية واجتماعية وسياسية) واختراع طقوس لم تكن لا في أوروبا ولم يعهدها العالم الإسلامي من قبل، نقابات واختراعات (قطارات وغيرها).

لقد كان السلطان في المغرب بأمس الحاجة الى نقل الرحالة لما يشاهدون في رحلاتهم.

لقد كانت رحلة (الطاهر الفاسي) الى لندن سببها ما كان يُسمع عن الغرب بأنهم وجدوا علاجا للريح الأصفر (الكوليرا) التي انتشرت في (فاس). وهنا كان وصف الطاهر الفاسي للإنجليزي بأنه صانع للأدوات التقانية المذهلة التي يضيق النطق عن الإحاطة بها ووصفها، فقد مر على استعدادات الجيش الإنجليزي وتطوير صناعة الخشب والسفن والقطارات الخ.

ويصف الطاهر الفاسي البابور (القطار) بقوله: (( والحاصل أنهم أتعبوا أنفسهم في إدراك المسائل النظريات، وكابدوا على تحصيلها حتى صارت عندهم ضروريات، ولا زالوا يستنبطون بعقولهم أشياء كثيرة، كما أحدثوا البابور وغيره. وسبب إحداثهم له، أن صبيا كانت بيده ناعورة صغيرة من كاغيد (ورق)، فجعلها متصلة بجعب في فم بقرج على نار، وبعد اشتداد غليان الماء فيه، جعلت تدور بقوة البخار، فرآه رجل وتعجب واستنبط هذا البابور))*4

خلاصة:

إذا كنا قد اختصرنا الكثير مما جاء بالبحث، فإننا نستطيع تلخيص العبرة من آداب تلك الرحلات، أنها تركت انطباعين أحدهما طابع سوء الآخر ورداءة خلقه كما جاء في الرحلتين الأوليتين، واجتهاد الآخر وكده في ابتكار ما ينفعه كما جاء في الرحلات المتأخرة.

وأن آثار ذلك لا زالت ماثلة في أذهان كل العرب، فبين الإعجاب واحترام قدرة الغربي على الابتكار والعمل، وبين الاحتقار واستصغار خلق وطبيعة ذلك الغربي المسبب للكثير من الأزمات في واقعنا.

هوامش:

*1-Jacques Berque, Ulemas, fondateurs, insurges du Maghreb, xvii siècle, la bibliotheque (2) arabe, collection hommes et societes (Paris: Sindbad, 1982 p.18.

*2ـ ناصر الدين على القوم الكافرين/احمد بن قاسم الحجري أفوقاي/ تحقيق: محمد رزوق/ الدار البيضاء: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية. 1987/ صفحة 99.

*3ـ من تعليق مقدم البحث: د عبد السلام حيمر في الكتاب الذي بين يدينا (صورة الآخر: العربي ناظرا ومنظورا إليه/ تحرير: د الطاهر لبيب/ مركز دراسات الوحدة العربية صفحة 317.

*4ـ الرحلة الإبريزية الى الديار الإنجليزية/ محمد بن الطاهر الفاسي/ ص 28
* ـ الهوامش أعلاه ذكرها المؤلف (الباحث)، والهامش الأول كُتب بالحروف الفرنسية، وكون لوحة المفاتيح لا تمكن من الكتابة بالفرنسية، فكتبتها بالحروف الإنجليزية (اقتضى التنويه).
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 21-11-2008, 07:50 AM   #24
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

الفصل السابع عشر: أثر الصورة الذاتية في الموقف العربي من دولة إسرائيل ..
قدمه: مهنا يوسف حداد..أستاذ في جامعة اليرموك/الأردن

مقدمة:

السؤال حول الذات العربية في متغيراتها "الذات الكلية" و "الذات الجزئية"، كون الأولى تمثل الذات العليا، والثانية تمثل الذات الفاعلة، وكما يبدو، سؤال محوري في محاولة فهم التطورات التي مرت بها الأقوام العربية في المائتي سنة الأخيرة. لقد وجد مفهوم القومية العربية أو نحت كذلك في القرن التاسع عشر على غرار المفهوم الغربي للقومية، ولكنه كان من دون محتوى مستمد من واقع الشعوب العربية في ذلك الوقت. وهنا يبرز سؤال: لماذا لم تصل فكرة القومية العربية الى ما وصلت إليه أي من الذوات القومية الأوروبية؟

يقول صاحب البحث: سوف نحاول في هذه الورقة تقديم النظرية حول الذات لتساعدنا في تحليل الذات القومية العربية، والتي من خلالها تفاعلت الذوات المكونة لها، ولو صوريا مع دولة إسرائيل، طارحين السؤال إذا ما كانت محتويات القومية العربية كونها ذاتا كلية هي التي كان عليها أن تشكل المضمون والهوية.

صورة الذات

تشير صورة الذات هنا الى موضوع الفكر، وتحتوي على جميع المعرفة والمعتقدات التي يملكها أو يستخدمها الناس لوصف تلك الشخصية التي يحملونها. هذه الذات الجمعية بحد ذاتها لا تختلف كثيرا عن الذات الفردية، وصورتها لدى الجماعة تبدي الخصائص نفسها التي تبرزها الذات الفردية مع الاختلاف بأن تصور هذه الذات يوجد لدى تعدد من الجماعات الإنسانية من أن يوجد لدى فرد إنساني واحد. وفي حالة مثل الذات العربية تتطور بناء على التطورات السياسية وتأثير الذوات الفردية الأخرى في الذات (للفرد).

وبقدر ما تتراكم آثار المؤثرات الخارجية المحيطة في الذات الفردية فإنه سيظهر عدة مستويات من الانسجام مع داخل الذات أو الآخر:
1ـ عدم الانسجام، المثاليات الخاصة.
2ـ عدم الانسجام مع الأهداف الأخلاقية الخاصة.
3ـ عدم الانسجام مع مثاليات الآخر.
4ـ عدم الانسجام مع الأهداف الأخلاقية للآخر

سنحاول تبسيط المسألة من خلال الابتعاد عن لغة المختصين، وتحويلها ـ بقدر الإمكان ـ لموضوع قابل لفهمه، معتذرين عن القفز عن الأمثلة المدعومة بقول علماء الاجتماع (العالميين) الذي استشهد بهم الباحث.

1ـ الذات الكلية العربية: البداية والمثال (1798ـ 1908)

جاءت فكرة القومية العربية ردة فعل على التعسف التركي وتقليدا لحركة القومية أو القوميات في أوروبا خلال القرن التاسع عشر وقبله*1.

لقد أدخل (نابليون بونابرت) عاملين هامين في تكوين الذات العربية، هما: آلة الطابعة ومقاومة الاحتلال، مما هيأ للنخب ومن بعدها شرائح الشعب أن تلتف فيما بعد حول محمد علي باشا وابنه ابراهيم الذي استنهض الهمة العربية لبناء ذاتها من خلال استلهام ما عند الأوروبيين وبعيدا عن حالة التسليم والخنوع للإرادة التركية التي تجاهلت الشخصية العربية، وانصرفت لبناء المركز التركي دون الالتفات للأطراف العربية.

إن انتباه أسرة محمد علي لإرسال البعثات التعليمية، الى أوروبا، وتأسيس نظام تعليمي في البلدان التي بسطوا نفوذهم عليها أوجد مناخا وبيئة ظهر منها رواد يهتمون بإحياء التراث و تمجيد القومية العربية .. فكان جناح إحياء التراث الإسلامي يتمثل ب (جمال الدين الأفغاني ورشيد رضا والكواكبي ومحمد عبده وغيرهم) وجناح القومية العربية الذي تصاعد فيما بعد وبالذات بعد أن ظهرت بوادر الهجرة اليهودية لفلسطين، مع ظهور الحركة الطورانية الداعية لتتريك الشعوب التي تحت الحكم العثملني ومنهم العرب.

بالمقابل، فإن ظهور دعوات الكتابة والحديث باللهجات المحلية والابتعاد عن الفصحى، ومحاولات إحياء الفرعونية والشامية والإقليمية بشكل عام، كل هذا أوجد أرضية خصبة لنمو فكرة القومية العربية.

إلا أن الاختلاف بين القومية العربية والقوميات الأوروبية، أن الأخير كان نموها رأسيا متتابعا، في حين أن القومية العربية كان نموا متعرجا مفتعلا منقطعا، كما أن القومية في أوروبا كانت صبغته علمانية حسمت قطع علاقتها بالدين، في حين أن القومية العربية التزمت باستعادة الافتخار بقوة أمجاد الدولة الإسلامية.

2ـ الذوات الفرعية: الوطنيات القومية

لم تستطع الذات الكلية بمحتوياتها المتناقضة مع واقع المنادين بها أن تحقق ذاتها، فهي لم تمتلك آليات تشكيل تحقيقها في زمن لم يكن ليتناسب مع تلك المحتويات. وقبل أن تصل لنقطة بلورة ذاتها، عرفت الذوات القومية المناوئة (الخارجية وغير العربية) ومعها الذوات الوطنية والدينية (العربية والإسلامية) كيف توجه الأمور في اتجاه مغاير يختلف عن الطريق الذي انتهجه رواد النهج القومي.

فبعد الحرب العالمية الأولى ظهرت كيانات وتوجهات إقليمية لم يرق لها تقوية الذات القومية الكلية. فالهبة التي كانت في شرق المتوسط والتي قاد لوائها أبناء شريف مكة (الحسين بن علي) كانوا على غير الخط الذي كان في الجزيرة العربية ممثلا بآل سعود. كما أن انفصال السودان وانشغال أهل مصر بتلك القضية مع تثبيت وتطوير استقلال مصر. وكذلك فإن المناطق التي كان يشغلها نضالها من أجل تحررها من الاستعمار (الأقطار المغاربية) . كل ذلك أوجد شخصيات كيانات وطنية تقدم همها القطري على همها القومي، فتلتقي مع الهم القومي وتتناقض معه في نفس الوقت.

لكن، كل تلك الحراكات التي وإن بدت متناقضة وغير مفهومة، اتفقت على عدوانية الصهيونية والنظر لها كآخر لا يمكن الوقوف في وجهه إلا في الاستناد لذات أكبر من الذات القطرية أو الوطنية. كما اتفقت على أن وحدة اللسان واللغة العربية هي نقطة تقدم النظام القطري (نخبه ودولته) الى المجتمع القطري أو المجتمع العربي الأوسع كورقة مرور لمشاغلة الذات في حالة تكوينها.

كان هذا الشكل من السلوك إزاء الذاتين (الوطنية والقومية) والذي اتصف بعدم وضوحه واكتمال صورة ما يريد، هي ما أعطت صفة الوهن وعدم القدرة على إنجاز تكوين الذات القومية.

لقد كان الفكر العربي بكتاباته بين فترة 1948 و1978 يكتب بمثاليات تتوحد فيه الصبغة الكتابية عند كل الكتاب في النظرة العدائية للصهيونية، في حين كان السلوك الرسمي يتماهى مع فكرة واقعية اتفقت عليها معظم الأنظمة العربية، أقل ما يقال فيها أنها لا تمت بصلة لما كان يكتب في المثاليات الأدبية.

3ـ الفترة الثالثة: بين الذوات المحورية والذوات الأقطاب

استغلت الذات اليهودية حالة التناقض في المحيط العربي، وانتصرت في حرب 1967، مما جعل الخطاب القومي يتراجع خجلا من عجزه ووهنه. وقد علت مكانة القدرة الصهيونية لما دعاه (حامد عبد الله) ب (ربيع الظاهرة العبرية)

ثم جاءت حرب أكتوبر 1973، بدأت بنصر وانتهت بالإدعاء بالنصر، وأخرجت مصر من الذات الكلية العربية، لتخفت أو تموت فكرة التحرير، عند الدول الوطنية. وأصبحت العلاقة بين دول الطوق (سوريا، لبنان، الأردن، فلسطين، مصر) وبين الدول النفطية الثرية، التي لا يفتأ أبناء دول الطوق أن يرددوا أنهم من أسس بنيان دول الخليج من تعليم وبناء ومؤسسات وغيره.

فإن كان هذا الكلام يحمل شيئا من الصحة قبل عام 1978، فإنه تحول الى (بزنس) واغتنام الأموال من تلك العلاقة، على حساب الرسالة التعليمية والرسالة الأخوية. وقد اكتشف أبناء دول الخليج الدوافع المستجدة من أبناء دول الطوق، وعلموا كيف أن تلك العلاقة قد أوجدت لديهم حالة من الكسل والاتكال على غيرهم، وما دامت الأمور كذلك، لماذا لا يبحثون ـ هم بدورهم ـ عمن يخدمهم بأسعار أقل (جنوب شرق آسيا)، ولماذا لا يبحثون عن علاقات استراتيجية مع دول تحميهم وتضمن أمنهم!

هذا ما حدث في الشرق العربي إزاء الآخر (الصهيوني، اليهودي، الإسرائيلي)، بدأ بخطاب لمنعه من الهجرة، ثم تطور الى التهديد باقتلاعه، ثم تطور الى القبول بقرارات الأمم المتحدة، ثم مطالبة المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل للقبول بها، ثم معاهدات صلح وتطبيع الخ.

أما في الأقطار المغاربية، فكان تفاعل تلك الدول لا يرقى هو الآخر عن مرحلة التعاطف الوجداني مرة بشكل قومي (يستحي) من الإثنيات في تلك الأقطار، ومرة بشكل إسلامي ليبرر لتلك الإثنيات ضرورة التعاطف
.


هوامش
*1ـ انظر: الشخصية العربية بين صورة الذات ومفهوم الآخر/ السيد ياسين/ بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر 1981
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 16-12-2008, 02:47 PM   #25
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

الفصل الثامن عشر: صورة الإسرائيلي لدى المصري ـ بين ثقافة العامة والدراما التلفزيزنية

عبد الباسط عبد المعطي: رئيس قسم علم الاجتماع في كلية البنات/جامعة عين شمس ـ القاهرة

ليس الإسرائيلي بالنسبة للمصري، كأي آخر، فالآخرين غير الإسرائيلي تصعد علاقاتهم مع المصريين وتهبط جودة وسوءا وفق معايير آنية، أما الآخر الإسرائيلي، فهو المرتبط بالعقيدة الدينية وهو المرتبط بالاعتداءات المتواصلة حاليا في فلسطين، ومصريا ببحر البقر، فإسرائيل لها اسم استفزازي دينيا وسياسيا وقوميا لدى المصريين.

لقد قام الدكتور الباحث، بانتقاء عينات مختلفة من المصريين، منهم من تحت الثلاثين ومنهم من فوق السبعين، ومنهم من يعمل بقطاع النقل والسياحة ومنهم من خاض معارك بالجيش المصري ضد العدو الصهيوني، وركز في بحثه على مادة مسلسل (رأفت الهجان) ذائع الصيت.


أولا: موجهات نظرية ومنهجية

1ـ تتكون صورة الآخر من خلال موجهات أيديولوجية وسياسية وخبرات مباشرة، في الذات الفردية أو الجماعية. كما أن الآخر كمادة (للآخر) يسهم في تشكيل تلك الصورة.

2ـ في لحظات تجلي الهوية الجماعية، يتم التركيز على سلبيات الآخر، الغدر والخيانة والبخل. وفي لحظات انحسار تجلي الهوية، يتم التركيز على إيجابيات الآخر، وهذا يحدث عند مخاطبة الذات لنفسها (جماعية أم فردية) فافتخار الأم بابنها أمام الآخرين، لا يمنعها من مقارنته بابن الجيران المجتهد، وكذلك يحدث بالسياسة عندما نلوم نحن العرب أنفسنا ونقارن وضعنا بوضع أعداءنا الذين يتناقلون السلطة فيما بينهم بطريقة أفضل.

3ـ في موضوعنا، من المنطق استدعاء الثوابت التاريخية في تاريخ المصريين مع اليهود (الإسرائيلي).

4ـ ثمة مصادر محددة أثرت في مدخلات إدراك صورة الإسرائيلي لدى المصريين، بجانب الخبرة المباشرة بمقدمتها النصوص الدينية والثقافة الشعبية والتعليم الرسمي ووسائل الإعلام المختلفة، والمنتجات الفنية والأدبية حول الإسرائيلي.

5ـ يتأثر استيعاب الفرد الاجتماعي المصري لما قدمته هذه المصادر من معلومات، بمستوى تعليم ذلك الفرد وكونه ينتمي للحضر أو الريف إضافة لعمر الفرد المعني.

ثانيا: الوصل والفصل بين الديني والسياسي، في تكوين صورة الإسرائيلي.

عرف عن المصريين تاريخيا تسامحهم الديني، تجاه بعضهم وتجاه الآخرين. وإن كانت البلاد قد شهدت بعض ملامح التعصب الديني خلال عقدين من الزمن، فهو من قبيل التعصب المُصَنَع والآني، والذي سرعان ما استوعب المصريون دوافع إنتاجه.

إن حاملي الثقافة الشعبية والمثقفين المحافظين ذوي المرجعية الدينية يقومون بوصل بين ما هو ديني وما هو سياسي في تكوين الصورة عن الآخر (الإسرائيلي)، لدرجة التطابق، في حين يميز رجال الأعمال والمثقفين ثقافة جامعية بين ما هو سياسي وما هو ديني، لدرجة أن بعضهم يعول على بعض الهيئات المدنية الإسرائيلية أن تتعاطف مع القضايا العربية.

ثالثا: الأسماء: المغزى والدلالات

الأسماء عند العرب و منهم المصريين لها دلالات، فمنها له علاقة دينية كأسماء الأنبياء، ويكون اسم يعقوب ويوسف وموسى وابراهيم أسماء متداولة عند المسلمين والمسيحيين واليهود، ويكون للمهنة دور في تكملة الاسم كفلان الحداد أو النجار أو الخياط، أو المحامي الخ، أو يكون للجد (عرقيا) كالأسماء المتصلة بأصل تركي (عصمت، حكمت، عفت الخ).

أما اسم (كوهين) مثلا، فله دلالة وقعها يوحي بالمكر والخداع فوق أنه يهودي، وعند المصريين (كهين، كهن) تطلق على الماكرين الخبثاء.

رابعا: الخصائص الظاهرة والتوظيف الأيديولوجي للجسد

باستثناء العينة من المتعلمين تعليما عاليا التي شملها البحث، والتي لم تذكر فروقا بين اليهود وغيرهم من البشر من حيث الشكل واللبس، اللهم تلك القلنسوة التي يضعها البعض من اليهود على قمة رأسه، فإن الغالبية وضعت تصورها عن اليهود كما يلي:

1ـ اليهودي الذكر، أصلع أو قليل الشعر، أذنه طويلة، أنفه بارز، قصير لكنه ممتلئ. في حين كانت صورة الأنثى لدى العينات العامة ممشوقة القوام طويلة الشعر متسعة العينين دقيقة القسمات.

2ـ ملابس اليهود داكنة سوداء أو بنية غامقة، ونسائهم بلا ملابس أو يتباهين بعريهن، هذا ما أكدته العينة عن السائحات الإسرائيليات في مصر، حتى لو كن بعيدات عن الشواطئ.

3ـ تخبرنا العينة (في البحث) أن صوت اليهودي خافت، ويميل لاستخدام أنفه في مخارج الحروف حتى يظهر وكأنه (أخنف) . وتفسر العينة هذا السلوك لدى الإسرائيليين ليبينوا أنهم لطفاء ومساكين ليستدرجوا ضحاياهم. وكذلك تفعل نسائهم خصوصا في مخاطبتهن للآخرين على الهاتف.

خامسا: الآخر سلوكيا وقيميا

أجمعت معظم العينات على أن اليهودي يتاجر بكل ما هو ممنوع ومحرم، وهو مرابي ومسوق لكل ما هو غير أخلاقي، وأناني لا يحب إلا نفسه، وبخيل ويفاصل في الشراء ويبخس من قيمة ما يشتريه ولا يلتزم بصفقة.

هذه صورة الإسرائيلي في نظر المصريين.
[وقد شهدت فصلا قد تم في مكتب هندسي، كان يعمل به أحد المصريين الأقباط كمراسل براتب شهري قيمته (100 دولار)عام 1988، فسأل المهندس ذلك الشاب المصري (القبطي) لماذا لا تذهب وتعمل في إسرائيل براتب أفضل من راتبك هنا بكثير، فاغرورقت عينا الشاب المصري (الوافد) وصرخ غاضبا: أنا أذهب لإسرائيل وأعمل عند هؤلاء (الجزم)؟ (دول جزم يا بيه). وهذه الواقعة شهدتها بنفسي وتدلل على وحدة رؤية الشعب المصري بمسلميه وأقباطه تجاه إسرائيل]
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 24-01-2009, 02:35 PM   #26
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

الفصل التاسع عشر: الذات العربية المتضخمة:
إدراك الذات المركز والآخر الجواني

قدمه: سالم ساري/أستاذ في جامعة فيلادلفيا ـ الأردن

لقد تضخمت الذات العربية، شكليا، وكان التغزل بالمكان والتاريخ والأمجاد يتجلى في كتابات المثقفين والتربويين، وكان يصور الآخر (العدو) بأنه مهزوم لا محالة وأن المسألة هي مسألة وقت لن يطول. كان هذا قبل حرب الخليج الأولى (دخول الجيش العراقي للكويت).

لقد كان أولى بحركة الفكر العربي أن تتوقف عند تضخيمها لذاتها، وتتلمس إشكاليات الخلاف المسكوت عنه قبل أن تتفجر أي أزمة، ولكنها استمرأت التغني بالذات العربية دون الالتفات لبواطن الأزمات المرشحة للتفجير.

وبعد تتبع لجذور أزمة الكويت الأخيرة وتطوراتها، وتمحيص لدوافعها وأبعادها، ترسخت قناعة متزايدة لدى بعض علماء السياسة والاجتماع بأن ما شهدته بلاد العرب مؤخرا، ليس في حقيقة الأمر إلا حرب إدراك خاطئ مارسته بلذة عجيبة، الذات العربية الواحدة نحو ذاتها المجزأة*1

تراجع تجسيد الآخر من الخارج الى الداخل

بعد تلك الحرب، تضاءلت الإنجازات الحضارية وانحسرت القضايا المصيرية، وتراجعت الطموحات في الوحدة والتكامل والحرية والديمقراطية والأمن. وارتدت الذات العربية بإحباط مذهل لتنشغل بنفسها تفتيتا وتجزيئا مستبدلة آخرها الخارجي القديم العتيد (الغرب الثابت تاريخيا وثقافيا وسياسيا) بآخر داخلي جديد (العربي العائم ذهنيا ونفسيا ومجتمعيا).


مبررات الدراسة

بعد أن يؤكد الباحث ما سبقه من الباحثين أن الذات المركزية يتم التعرف عليها عادة من خلال تصور الآخر، يذكر مبررات تلك الدراسة التي أجراها بصبر على 200 عينة (أردنية وفلسطينية) بأعمار مختلفة ومهن مختلفة وجنس مختلف، لن نتوقف عند جانبها المهني وطريقة التحليل الإحصائي لها، رغم أهميته، لكننا سنحاول ربط موضوعه بمجموعة المواضيع المطروحة سابقا والتي ستطرح لاحقا، فيقول:

إن العالَم الاجتماعي الثقافي السياسي اليوم لا تحكمه الأفكار العقلانية فقط، وإنما الأفكار العاطفية والإدراكات الزائفة أيضا. ولا تتحكم في علاقات أفراد المجتمعات المختلفة التصورات والصور الواقعية الصائبة فحسب، وإنما، بالقدر نفسه، تلك المغلوطة المشوهة أيضا.

أولا: إدراك الذات العربية (المركز) لذاتها

نصنع الذات الثقافية صناعة، عبر عملية التنشئة الاجتماعية الثقافية، كعملية تراكمية تفاعلية مستمرة من التأثير والتأثر. ويكون المجتمع، في هذه العملية الدينامية المتطورة، إطارها وبناءها المحدد، وتكون الثقافة مادتها ومحتواها، كما تكون الشخصية أداتها وهدفها في آن معاً.

وعند اتخاذ المواقف من أي مسألة (خصوصا مسائل الخلاف بين العرب، والكاتب هنا يركز على أزمة حرب الخليج الأولى) فإن المواطنين العرب من المحيط الى الخليج سيفكرون من خلال ثقافتهم المتكونة وبواسطتها، وهو ما سمي بالمنظومة المرجعية (Reference System)، وبالتأكيد فإن شحن تلك المرجعيات سيتم قطريا (في كل بلد) وفق المتيسر من المعلومات والمواقف الشعبية والنخبوية السائدة.

1ـ الهوية الثقافية

في سؤاله عن الهوية والانتماء تلقى الباحث 53.5% من الإجابات بأنا (عربي) و 18% (أنا مسلم) و 16% (أنا أردني) و الباقي 12.5% أجاب عن مهنته كما فهم السؤال (أنا طالب، موظف، طبيب الخ).

2ـ القيم الراسخة

في سؤاله عن أنماط المبادئ الراسخة التي يتمسك بها من سألهم، جاءت إجابات 35.5% بأنهم متمسكون بمبادئ عربية، وجاءت إجابة 27.5% بأنهم متمسكون بالحفاظ على المبادئ الإسلامية، في حين من يتمسكون بالمبادئ الشخصية 21.5% ومن يتمسكون بمبادئ وطنية 15.5%.

3ـ صورة الإنسان والمجتمع العربي ـ كنمط مثالي

في سؤاله عن مواصفات العربي المثالي، جاءت الأجوبة 28.5% من يحافظ على القيم العربية الأصيلة، و 27.5% من ينتمي عربيا، و 20% من يلتزم دينيا، و 17.5% من يعتز ببلده والمحافظ وطنيا، و 6.5% من ينفتح على الثقافات الأخرى.

أما سؤاله عن صورة المجتمع العربي المثالي، كانت الأجوبة 33.5% المجتمع العربي الديمقراطي الوحدوي، و 33% المجتمع العربي الإسلامي حقا، و 15.5% المجتمع العربي الخالي من الشرور، و 10.5% المجتمع الراقي حضاريا، المحترم دوليا، و 7.5% المجتمع المحافظ على تاريخه وقيمه الأصيلة.

وعندما تم طرح سؤال ما هي التضحيات التي تفرضها العروبة؟ أجاب 47.5% من أجل المستقبل العربي، و 27% من أجل فلسطين، و 17.5% من أجل المبادئ الإسلامية، في حين أجاب 8% من أجل المبادئ العربية.

وعن سؤاله: ما هي هموم المواطن العربي اليوم؟ أجاب 52.5% الانحطاط السياسي، و 24% الرضوخ للأجنبي، و 11% الجهل والطبقية والإقليمية، و 6.5% الابتعاد عن الدين والقيم، و 6% الانهزام النفسي والخلقي.

4ـ صورة العربي ـ العربي

رغبت كل العينات أن يؤخذ الإنسان العربي الجديد أمام العالم الخارجي، مأخذا جديا باعتباره صاحب حضور وحضارة، وأن تُحترم خصوصياته وأن تُثمن إنجازاته الماضية مع احترام طموحاته المستقبلية.

وعند الإجابة على سؤال عن الصورة المفضلة للعربي أمام العالم الخارجي، أجاب 37.5% بأنه العربي العريق حضاريا، الواعي بتحديات المستقبل، وأجاب 26% بأنه القوي سياسيا، المستقل فعلا، وأجاب 15% بأنه القوي بدينه، الغني بقيمه، وأجاب 13% الوحدوي الديمقراطي، و 6% الأصيل ذو الصفات التقليدية و 2.5% ذو الهوية الوطنية المميزة.

ثانيا: مصادر تكوين صورة الآخر

تكونت صورة العربي كآخر أمام أخيه العربي، خلال حرب الخليج الأولى من خلال مصادر مختلفة تم الإجابة عنها من قبل العينات، بأن 23% من العينة أجابت بأن الصورة تكونت خلال حرب الخليج ومواقف الدول والشعوب، و20% حديث الأقرباء والأصدقاء المتعاملين معه، و 13% وسائل الإعلام المحلية، و 10.5% ممن أقاموا وعملوا في دول الخليج، و 10.5% من وسائل إعلام خليجية، و10% لكل ممن كونوا صورتهم من خلال لقاءات تمت في الخارج، ومثلها ممن اعتمدوا على وسائل إعلام أجنبية، في حين كان 3% ممن أجابوا بأن لديهم وسائلهم الخاصة.

يتبع
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 24-01-2009, 02:37 PM   #27
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

ثالثا: البحث عن مساحة لفهم الآخر

في الحديث مع العينات، والبحث عن نقاط الالتقاء بين أبناء الوطن العربي، وعن أوجه التشابه فيما بينهم، أجاب 32.5% بأنهم يلتقون في روابط العروبة، وأجاب 22.5% بأن اللقاء يتم في رباط الدين، وأجاب 22.5% أيضا، بأن اللقاء يتم في التاريخ والتراث واللغة، و12.5% أجابوا بأن اللقاء يتم في التشابه بالشكل الاجتماعي. في حين أجاب 10% بأنه لا لقاء في أي شيء.

أما عن الأحاديث التي تدور بين أبناء العرب عندما يتحادثون أجاب 25% بأنها متعلقة بالعروبة والإسلام، و 12.5% عن ضرورة الوحدة العربية وإشاعة الديمقراطية، و12% حول السياسة وفساد أنظمة الحكم والتبعية، و 11% عن حديث تقليدي غير محدد، و7.5% حول تمويل المشاريع والمال والأعمال، و 3% عن السلوكيات السيئة في الخارج، في حين رفض 29% فتح أي حديث.

وعن إمكانية التعايش فيما بين العرب، أجاب 15% بنعم لأنه عربي مثلي، و10% نعم لأنه فيه جوانب مشرقة، و10% نعم أثناء العمل فقط، و7.5% نعم بشرط الاحترام المتبادل، و 2.5% نعم ـ يمكن إصلاحه واحتواءه.

في حين أجاب 27.5% ب (لا) لعنصريته وغروره وظلمه للعرب، و 10% لا لأنه غادر خائن خداع، و10% لا لاختلافات اجتماعية وفروقات مادية، و 7.5% لا لجهله وضيق أفقه ولا مبالاته. *2





هوامش
*1ـ عبد الخالق عبد الله: (أزمة الخليج: خلفية الأزمة، دور الإدراك الخاطئ) ورقة قدمها للندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية في تشرين الثاني/نوفمبر 1991، نشر في مجلة المستقبل العربي بالعدد 153(ص 85ـ93).

*2ـ كانت هذه الحلقة مأخوذة من الصفحات 373ـ 395
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 04-02-2009, 11:02 PM   #28
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي


الفصل العشرون: تونس والعالم: موقف الشباب التونسي من البلدان الأخرى..

قدمه: ميخائيل سليمان .. أستاذ العلوم السياسية في جامعة ولاية كنساس

هذه الدراسة هي محاولة لاكتشاف نظرة الشباب التونسي الى ذاته، وهذا ما يدل ضمناً على أنهم يعتقدون أن هناك اختلافاً بينهم وبين الآخرين. وترتكز الدراسة على معلومات وبيانات تم جمعها في بحثين ميدانيين استقصائيين وقد أجري البحث الأول على 1618 طالب من الصف الرابع الابتدائي الى الصف التاسع، كان ذلك عام 1988.

أما البحث الثاني فقد كان على المعلمين وعلى موظفين في وزارة التربية والتعليم، من خلال مقابلات متعمقة أجريت عام 1994.
وقد تم اعتماد مقياس لايكرت (Likert-Scale) في تقييم الأجوبة بالنسبة للدراسة الأولى. حيث تم طرح سؤال عن ميولهم تجاه 22 بلدا مختلفا من بينها 8 بلدان عربية هي: السعودية، فلسطين، المغرب، مصر، الجزائر، سوريا، ليبيا والعراق. في حين تم سؤالهم عن 14 بلدا غير عربي هي: اليابان، فرنسا، جنوب أفريقيا، سويسرا، الصين، الولايات المتحدة الأمريكية، الهند، أسبانيا، باكستان، البرازيل، اليونان، كندا، (الاتحاد السوفييتي) و إسرائيل.

(1) موقف الشباب التونسي من البلدان الأخرى (نسبة مئوية)

في حساب النقاط، حصلت السعودية على المرتبة الأولى بين الدول ال 22، بنسبة قدرها 69.3% وهي الدولة العربية الأولى في نظر من تم توزيع الاستبيان عليهم، في حين كانت فلسطين ثانية(62%) والمغرب ثالثة(60.8%) ومصر رابعة(58.6%) والجزائر خامسة(58.3%) وسوريا سادسة(47.9%) وليبيا سابعة (46.7%) والعراق ثامنة والأخيرة بين الدول المفضلة عربيا(45.7%).

أما الدول غير العربية، فاحتلت اليابان المرتبة الأولى (38.1%) وليلاحظ القارئ الكريم كم هو الفارق بينها وبين آخر دولة عربية(العراق). واحتلت فرنسا ثانيا (30.6%) وهي دولة استعمرت تونس زهاء 75 سنة، أما الولايات المتحدة فكان ترتيبها 14 بين الدول كلها ونسبتها 28.1% ومن الدول الإسلامية (باكستان 25.4%) وترتيبها 17 من الدول ال 22، في حين جاءت إسرائيل في آخر مرتبة 22 و بنسبة 7.1%.

(2) العوامل المؤثرة في إجابات الشباب

هناك عوامل عديدة لها تأثير مهم في موقف الشباب التونسي من البلدان الأخرى، منها: السن، والمستوى التعليمي، والخلفية الاجتماعية ـ الاقتصادية للوالدين، والجنس (ذكر/أنثى) وغيرها.

فالموقف من السعودية وفلسطين لم يختلف من حيث الجنس والعمر والخلفية الاجتماعية والاقتصادية، فقد بقيت السعودية في المرتبة الأولى للدول المفضلة، إلا عند أولئك الذين كانوا في الصف التاسع حيث احتلت المرتبة الثانية، في حين احتلت فلسطين المرتبة الأولى. والسبب في ذلك (حسب رأي الباحث) أن السعودية وما لها من علاقة وطيدة بمبعث الرسالة ووجود الكعبة وأصل العرب وغير ذلك من العوامل جعلها في المرتبة الأولى، لكل الفئات العمرية، وفلسطين بما تحتله قضيتها في الوجدان الشعبي وكونها قضية حية، جعلها تحتل المرتبة الثانية باستمرار عند كل الفئات، عدا الحالة التي أشرنا إليها.

وعند كل الفئات جاء الكيان الصهيوني (إسرائيل) في المرتبة الدنيا عند كل الفئات مع ابتعاد واضح عمن سبقها باعتبارها أسوأ كيان. وتلاها بعد ذلك الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي.

(3) تأثير جنس الطلاب في الموقف من البلدان الأخرى

اتضح من الدراسة أن الإناث غالبا ما يفضلن الدول الغربية على سواها من البلدان، وقد لوحظ أن الطالبات اللواتي يعبرن عن موقف إيجابي إزاء كل من سويسرا وأسبانيا وكندا وفرنسا واليونان، يفوق عدد الأولاد، وربما يكون السبب (حسب الباحث) أن الشابات التونسيات يجذبهن غالبا سحر هذه البلدان وجمالها الطبيعي الرائع، وربما يكون لانتشار المساواة بين الجنسين.

لكن، اتفقت الإناث مع الذكور على اعتبار أن إسرائيل هي الأسوأ بين الدول المذكورة في الاستبيان، وإن كان بحدة أقل.

خلاصة

إن الترابط العربي، جعل الإجابات تجعل من الدول العربية المطروحة في الاستبيان في مقدمة الدول المفضلة، في حين رأينا كيف أن باكستان وإن كانت ترتبط دينيا مع العينات المشمولة بالاستبيان لم تحتل مكانة متقدمة، حتى على الدول الأجنبية.

احتلت اليابان والصين والبرازيل المراتب العليا بين الدول الأجنبية، كونها دول جادة اقتصاديا وأثرها السيئ على القضايا العربية، بعكس ما هي عليه دول أخرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. كما أن الهند احتلت مرتبة أعلى من باكستان، لدوافع الإعجاب باستقرار الوضع السياسي وتناقل السلطة، والسرعة الهائلة في التقدم الاقتصادي ومعدلات الإنتاج.

ومن الملاحظ أن فرنسا وإن كانت قد أثرت لعقود طويلة في الحياة التونسية، لم تحتل مكانة استثنائية، بل كانت مثلها مثل أي دولة من تلك غير المميزات في ميزان التقييم المعتمد في الدراسة.

يتضح من الدراسة أن الشباب التونسي على قدر من الوعي الذي يعطي لشخصيته أبعادا تعرف حدود موقعها وتعلم امتدادها الحضاري والجغرافي وتعلم من هم أعداءها ومن هم غير ذلك.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 24-02-2009, 03:43 PM   #29
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

الفصل الحادي والعشرون: البعد الجغرافي وصورة الآخر: مقاربة أمبيرقية ..
قدمه: مصطفى عمر التير .. أستاذ في جامعة الفاتح ـ طرابلس ـ ليبيا

(الصفحات 419ـ 429) من الكتاب

فرضيات الدراسة

يحمل أي باحث تصورا يكون محورا لفرضياته التي كونها قبل إجراء دراسته. والأستاذ مصطفى عمر التير صاحب البحث، يذكر أنه اطلع على كتاب جمال حمدان الذي يحمل اسم (شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان) والصادر عن عالم الكتاب عام 1980 بأربعة أجزاء مقتبسا منه [ أن المصري يحب أن يسمع عن نفسه فقط عبارات الإطراء، ويكره أن يُذَكَر بعيوبه وأن يوصف بأوصاف سلبية حتى ولو كانت هذه حقيقة]*1 ويضيف اقتباسه عن جمال حمدان [ فنحن معجبون بأنفسنا أكثر مما ينبغي والى درجة تتجاوز الكبرياء الصحي الى الكِبر المرضي... فنحن نضخم من ذاتنا الى حد السخف]*2

كما يذكر الباحث اطلاعه على دراسة مماثلة لسعد الدين ابراهيم تصف حالة التمجيد لأبناء الأقطار العربية لأنفسهم وما أسماه (التمركز حول الذات) إذ يقتبس منه [ هناك اتجاه غلاب نحو تمجيد الشعب الذي ينتمي إليه المبحوث واعتباره أفضل الشعوب على الإطلاق]*3

من هنا، افترض الباحث أن الشعب الليبي يتماشى مع تلك القاعدة الواردة في البحثين الذي اقتبس منهما الباحث ما أشار إليه.

تقنيات الدراسة

اختار الباحث عينات من طلاب وطالبات وأساتذة جامعتي (طرابلس وبنغازي) مناصفة وكانت أعمار المبحوثين بين 20ـ45 سنة، واختار نصفهم من الشق الغربي لليبيا والشق الشرقي.

واختار الباحث خمسة دول أربعة من الدول العربية، هي (مصر: شرق ليبيا) و(تونس: غرب ليبيا) ولبنان: كونها من أكثر الدول العربية في الإنتاج الثقافي( حسب الباحث) وكونها عانت من حرب أهلية، وأخيرا الكويت: كونها بلدا بعيدا عن ليبيا وشغلت قضيتها مع الغزو العراقي اهتمام العرب أينما كانوا. ومن الدول غير العربية اختار سويسرا، كونها لم يُسجل عليها أذى للبلدان العربية قد يتأثر المبحوث منه.

طبيعة الأسئلة العشرة الموجهة للمبحوث

استخدم الباحث تطويرا على مقياس (لايكرت) في توجيه الأسئلة وأعطى خمس درجات لكل سؤال. والأسئلة تمثلت في صفات الذكاء والاجتهاد والأمانة والصدق في القول والكرم والشجاعة والنفاق والطموح والأنانية. وكان من بين الدرجات الخمس في التقييم (لا أعرف).

نتائج الدراسة باختصار شديد

احتلت صورة المواطن الليبي المرتبة الأولى بين العينات كلها، لكن بنسبة 8/20 لكل العينات، و 11.8/20 بالنسبة للذكور. كما احتلت صورة المواطن السويسري المرتبة الثانية 7.2/20 من كل العينات، و 10.5/20 من الذكور.

أما صورة المواطن المصري فاحتلت المرتبة الخامسة بين الدول الست، وتونس المرتبة الأخيرة السادسة بين الدول، في حين احتلت لبنان المرتبة الثالثة والكويت الرابعة.

(لا أعرف) بين الإجابات

يُفترض أن تكون مجموع عدد الأسئلة لكل صورة ألف سؤال، فكانت نسبة لا أعرف عن صورة السويسري 42.3% تلتها صورة اللبناني 29.1% صورة الكويتي 25.3% ثم التونسي 15.9% والمصري 13.3% وأخيرا الليبي 10.6%.

تفسير الاندهاش في الإجابات

كان في تصور الباحث أن تكون إجابات الليبيين عن صورة الليبي تفوق ما جاءت عليه، فهي لم تبلغ حتى 50% من كل العينات، لكنه لم يوضح تفسيره لتلك النتيجة المتواضعة.

كان في تصور الباحث، والذي شرح في الدراسة الانفتاح الليبي على العرب واستقبالهم للوافدين العرب العاملين والمقيمين، أن تكون صورة المصري والتونسي أكثر مما جاءت عليه، فكانت صورة السويسري تتفوق على كل العرب وكانت دولتا الجوار (مصر وتونس) في المرتبتين الأخيرتين.

يقف الباحث عند تفسير رداءة صورة التونسي والمصري عند الليبي، فيعود لدراسة وضعها (نادر فرجاني) تظهر أن كثرة الاختلاط بين أبناء دول الجوار لا يؤدي بالضرورة الى تحسن صورة كل منهما لدى الآخر، وهي بنظر الفرجاني ترتبط ببعض ما يكون قد علق بالذاكرة من ذكريات قد لا تكون سارة*4


هوامش:
*1ـ جمال حمدان، شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان ص 26/ج1
*2ـ المصدر السابق صفحة 27
*3ـ سعد الدين ابراهيم، اتجاهات الرأي العام العربي نحو مسألة الوحدة: دراسة ميدانية/بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية 1980 صفحة275.
*4ـ نادر فرجاني، سعيا وراء الرزق: دراسة ميدانية عن هجرة المصريين للعمل في الأقطار العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية 1988 صفحة255.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 14-03-2009, 09:36 AM   #30
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

القسم الثالث: ما وراء الحدود: نظرة الآخر الى العرب..

الفصل الثاني والعشرون: العلوم الاجتماعية والاستشراق : صورة المجتمع العربي الإسلامي..

قدمه: محمد نجيب بوطالب أستاذ علم الاجتماع بجامعة تونس

تنطلق هذه الدراسة من فرضية: أن الصورة التي ترتسم الآن في الرأي العام الأوروبي حول العربي المسلم، والتفاعلات مع تلك الصورة بتشوهاتها وحقائقها، ما هي سوى استمرارية وشبه استجابة للصورة التي تكونت عبر التاريخ الوسيط والحديث حول الشرق عموما، والعرب خصوصا.

الصورة أو الصور المشوهة عن العرب (الشرق)، تبرز كلما بدا للعيان ترهل الأداء الحضاري العربي، فتكثر الدراسات لتنتهي بأن هذا النمط من الناس يحمل مواصفات (أنثروبولوجية) تجعل من الطبيعي أن يكون أداء الناس الحضاري بهذا المستوى المتدني والهزيل.

لقد ساهم المستشرقون في تهيئة الأجواء أمام المثقفين الغربيين ليثبتوا تلك الصور عن الشرق، خصوصا أولئك المستشرقون الذين ظهروا في القرن 19 وقد كانت دراساتهم مغلفة بمصداقية مصنعة حسب نظريات علم الاجتماع فكانت شهاداتهم كشهادات الأطباء الذين يحذرون من نوع من الطعام أو يمتدحون صنفا من معجون الأسنان.

المركزية الأوروبية

لقد أقام الأوروبيون منذ القدم (ثنوية) تعارضية بين الشرق والغرب، وضمنوها نزعة مركزية أوروبية تمجد الغرب وتحط من شأن الشرق. وقد اصطبغت تلك النزعة بألوان متباينة، فكانت في البداية شعور بالنقص تجاه الإسلام والعرب الذين كانا متفوقين على الغرب، وأحيانا شعور بالخوف من هذا الشرقي أن يبسط نفوذه على الغرب (أوروبا).

وأحيانا يكون الشرق مصدرا للإلهام لبعض الشعراء (غوته، لامارتين) وبعض المفكرين والأدباء (ديوالد، فولتير ...)، بل كان الإعجاب بالشرق يصل حتى حركات الإصلاح الديني الأوروبي، الذين كانوا يتطلعون الى النموذج في الإمبراطورية العثمانية على أنه رمز للعدالة، وهو أفضل من الاضطهاد البابوي.

أما بعد التقدم الاقتصادي والسياسي والعلمي عند الأوروبيين، فتراجعت الصورة عن الشرقي ليصبح رمزا للتخلف والكسل، ويصبح موضوعا جديرا بالدراسة، شأنه شأن أي ظاهرة بيولوجية عند النباتات أو الحيوانات!

الرسالة التمدنية

أشار (فورييه) مساعد (نابليون بونابرت) في الحملة الفرنسية على مصر، أن غزو مصر هدفه " إنقاذ مصر من بربريتها وإعادتها الى عظمتها الكلاسيكية " و " تلقين الشرق طرائق الغرب الحديث " .

إن فكرة الرسالة التمدينية ( Mission Civilisatrice) انطلقت كمبرر أيديولوجي لبدايات أزمة الرأسمالية التقليدية. ولذلك ظهرت بشكلٍ مُرَكَز في العشرينات من القرن التاسع عشر. وقد شارك في حملها كل التيارات (بيسارها ويمينها)، كما تجسدت لدى مُنظري الحقبة الاستعمارية، وارتبطت بشكل جلي بالاعتبارات الدينية (نشر المسيحية ومقاومة انتشار الإسلام). وقد وصف (كليرمون توتيز) استعمار فرنسا للجزائر بأنه (( عملٌ عظيم أنعمت به العناية على فرنسا لتمدين العرب وجعلهم مسيحيين)).

المؤثرات الاستشراقية في سوسيولوجية فيبر
حول الإسلام (1863ـ 1920)

سنأخذ نموذجا من المستشرقين الذين تركوا أثرا في توجيه السياسات الاستعمارية لدى الغرب، كما أثروا على علماء الاجتماع والسياسة في تشكيل صورة العربي والمسلم لديهم. إنه عالم الاجتماع الألماني ذائع الصيت (ماكس فيبر)، وسنختصر ما دونه وما لاقى من اعتراض فيما يلي:

الصور والأفكار والتبريرات التي خرج فيبر متأثرا بفرضيات المستشرقين:

1ـ انحطاط العالم الإسلامي وبناه الاجتماعية ونظمه السياسية المتصفة بالاستبداد. ويقول: (( الديانتان اليهودية والمسيحية كانتا ديانتين بورجوازيتين، بينما ليس للديانة الإسلامية سوى دلالة سياسية)) [ يقصد النزعة العسكرية التوسعية]

2ـ غياب الطبقات الاجتماعية المحققة للتحولات (الطبقة الوسطى)، وكذلك غياب الصراعات التاريخية، الطبقية، وأيضا غياب المدينة المستقلة ذاتيا.

3ـ ارتباط الدولة الدينية الوشيج بالأفراد وتحكمها فيهم، وفي سن القوانين، فهو يقول: ليس الإسلام كعقيدة للأفراد هو الذي أعاق التصنيع، ولكن بنية الدولة الإسلامية وتركيبة موظفيها وقوانينها وأجهزتها التي كانت مشروطة دينيا هي العائق. ويفسر الأسباب التي تقف وراء هذا الركود هي:

أ ـ تَحَكُم الإقطاعية الشرقية عبر شرائح عسكرية تتميز علاقتها بالسلطة المركزية بالتضارب والصراع على الجباية.

ب ـ اعتبر (فيبر) أن هذه التطورات داخل الدولة الإسلامية كانت السبب الرئيسي في فشل التحول التجاري والتطور الرأسمالي.

ج ـ لقد أدى العجز في التوسع (الغزو) الى العجز عن دفع رواتب الجيوش وموظفي الدولة الشرقية، وهذا العجز يعني توقف الولاء للمركز. فالأزمة المالية متأتية من الإقطاع العسكري والتزام الضرائب*1

نقد وتقييم لنظرية فيبر

من أهم الذين ردوا على فيبر المستشرق الفرنسي (مكسيم رودنسون) الذي أشار الى مبالغة فيبر عندما اعتمد على الأخلاق الدينية كمحرك للاقتصاد. وقال: أن الإسلام نفسه عرف قيم التقشف والعمل والربح، وبالتالي ازدهرت التجارة في العهود الأولى من الإسلام وتطور الاقتصاد معتمدا ليس فقط على الضرائب، بل كذلك على الإنتاج وتطور المبادلات، فضلا أن الإسلام حث على العلم والمعرفة وقد أشار المستشرق الفرنسي الى القرآن الكريم الحاث على إعمال العقل { أفلا تعقلون} وطلب العلم الخ.

ويرى (هشام جعيط) في كتابه (أوروبا والإسلام) أن الغزو الاستعماري للمنطقة العربية استمد حركته من وعي موروث من القرون الوسطى، وعي يقوم على أسس انفعالية لتمثل الإسلام. وأن اطلاع (فيبر) على الإسلام قليل وقاصر ولم يكن اطلاع الباحث المجتهد.*2

هوامش
*1ـ هذه الفكرة الأخيرة صائبة الى حد كبير، وهي لا تزال متداولة عند الأوساط العلمية العربية التي تبحث في أسباب سقوط الدولة العباسية. أنظر: محمد نجيب بو طالب/ الصراع الاجتماعي في الدولة العباسية/ سوسة: تونس: دار المعارف للطباعة 1990 [ تهميش المؤلف الباحث].

*2ـ جعيط: أوروبا والإسلام: صدام الثقافة والحداثة، الفصل1. كما يمكن الرجوع الى إدوارد سعيد: الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء، ص 290. [تهميش الباحث].


__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .