عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 25-02-2010, 03:56 PM   #6
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

ثالثاً: من مسار الدراسة الى ميدان الشغل،
أو الانتقاء الذي يحسم فيه الجمال

يمكن للبروتوكول السابق نفسه أن ينطبق على المحاورة (Entretien) التي تستهدف انتقاء بعض المترشحين، الذين يسعون الى شغل وظائف شاغرة، في بعض المرافق العامة. فقد أنجز الباحث السوسيولوجي (فرانسوا أماديو) الذي يعمل أستاذاً في جامعة باريس الأولى، تجارب ومعاينات ميدانية أفضت الى إثباتات صار من الصعب الطعن فيها. فصورة مترشح ذو وجه معيب، مثلا، تُعد عائقاً يقينياً، يحول بين صاحبها وفرصة انتقائه والمناداة عليه لإجراء المحاورة المرجوة.

يلعب الجمال، إذن، دوراً حاسماً في عملية الانتقاء. ويلاحظ الدارسون أن الجمال أخذ يلعب دوراً في الوظائف الخدمية، فبعض الشركات لا تشغل الناس إلا بالاعتماد الصريح والفاضح على الجانب (الإستيطيقي) للمرشح أو المرشحة لوظيفة، إنها حالة المناصب المرتبطة بمهام الإنابة والتمثيل والتقديم والاستقبال مثلاً أو وظائف (مضيفة في الطيران) أو (مذيعة في التلفزيون) الخ.

غير أن عامل الجمال لا يكون فاضحاً وصريحاً، ولكنه يكون ضمنياً ومستتراً، في حالات من يعملن بصالونات الحلاقة والتجميل وبيع الملابس، فيكون الاختيار للمرشحات أو حتى المرشحين يُراد منه أن ترتبط السلعة أو الخدمة بهيئة من يمارسها أو يعرضها.

وقد لاحظ الباحثون أن الموظفين أو الموظفات الأكثر وسامة تكون دوائر علاقاتهم بالعمل بين زملائهم أكثر سعة وحيوية، بعكس البدين والبدينة أو من هو في شكل به بعض الإعاقة، فإن الاحتكاك بمثل هؤلاء يكون قليلاً وبنفس الوقت يأخذ طابعاً مبتذلاً. وهذا الشيء يؤثر على القضاة في المحاكم أيضاً، حيث يلقى أصحاب وصاحبات الجمال الواضح معاملة مختلفة عن غيرهم.

رابعاً: الجميلون للجميلات والدميمون للدميمات

إن لصاحب الوجه الصبوح، بكيفية بديهية، حظوظاً وافرة ولا متناهية للتمكن من إغواء أنثى أحلامه، أكثر مما لصاحب الوجه الدميم. فجميع الناس لا يملكون (تفيهق) سارتر، ولا ذكاءه الخارق، للتعويض عن هيئاتهم القبيحة. ومن ثم، فإن الانتقاء بواسطة عيار الجمال يبقى واقعاً غير قابل للمعالجة. إن قلة قليلة من الروائيين هي وحدها التي استطاعت، دون تمويه ولا مداهنة، أن تتجرأ على الاقتراب من هذا الموضوع المحرم، وأن توضح كيف يُكره الدميم في الغالب، على أن يوقع في شباك هواه، إلا من كان طوع يديه، أي أولئك اللواتي يشبهنه في الهيئة والمظهر العامين.

وفي هذا الصدد، يحكي الكاتب (روجيه مييه 2005) عن شخصية في غاية القبح الخِلقي، تجد نفسها ـ بحكم الرغبة في تذوق طعم الإغارة والجنس ـ مكتفية بإغواء النساء الدميمات فحسب، حتى أنها تتحول بفعل ذلك بالضبط الى نسخة من (دون جوان) يمكن نعته بدون جوان الدميمات والمنبوذات.

ويربط ميشيل هويليبيك بين المأساة الجنسية، والإحباط العام، الذي تعانيه الشخصية الروائية الذكورية التي لا وسامة تميزها (1994).

ونشير بشأن هذه النقطة الى أن إقرار علماء الاجتماع ينبغي أن يُضاف الى الإثبات الذي تبناه علم النفس التطوري، والى المعاينة العادية التي من شأن أي كان، أن يقوم بها. فضمن علاقات الحب، تولي النساء حقاً قليلاً من الأهمية للمظهر الفسيولوجي العام. لكن المرأة على العموم لا تقع في أحابيل الرجل الدميم جداً، والذي يكبرها سناً، إلا إذا كان هذا الأخير يملك وضعية اجتماعية واعتبارية كُبرى.

بالتأكيد، قد يحدث في بعض الأحيان أن تتعلق إحدى تلميذات الثانوية، أو فتيات الحيـ أو طالبات الكلية، ممن هن أكثر سحراً وجمالاً، بأحد الذكور ذي الهيئة الغريبة: دميم وأبله ودون سحر ولا جاذبية تُذكر، إلا هذا إن حصل، فإن حدوثه غالباً ما يُشكل واحداً من الاستثناءات النادرة، وإلا ما غدا موضوعاً قابلاً للملاحظة ضمن دائرة القاعدة العامة.

والاستثناء نفسه نسجله عند الذكور أيضاً، بحيث يفضل البعض منهم المسنات، أو البدينات، على غيرهن من بقية النساء، في الوقت الذي يظل السن والوزن، على العموم عائقين لا يُستهان بأثرهما في عملية الإغواء والإغراء، بحيث أن لسوق الحب قوانينه، ونظمه المعيارية.

ويمنح الجمال الأنثى، كما الذكر، (رأسمال غواية) ثميناً وباهظاً، نوعا ما. ويُعد هذا الرأسمال من بين عوامل اللامساواة القوية جداً، ضمن دائرة العلاقات الإنسانية، على العموم، وداخل حقل علاقات الحب والغرام، بصفة خاصة. والى جانب ذلك العامل الجائر، يُضاف عاملٌ آخر أشد ضيماً، وهو أن هذا الرأسمال، في الأغلب الأعم، موروث جينياً.

وصفوة القول إنه من المحزن أن يعتبر المرء من الأجدى له أن يكون جميلاً، سواء في المدرسة، أو في ميدان الشغل، أو ضمن علاقات الحب، أو الصداقة، أو داخل حظيرة العلاقات الإنسانية، بصفة عامة. وإن لهذا، بكيفية دالة، أهمية في الأحكام والتصورات، التي يكونها المرء عن نفسه.

ومن ثمة، فإننا نفهم لماذا تنتعش، ضمن هذه الشروط المجحفة، سوق مستحضرات التجميل، وصناعة تقوية العضلات، وأنظمة الحِمية المنحلة للأجسام، والعقاقير المزيلة لآثار العمر على الجسم وتحمي الجلد من التجاعيد، وجراحة التجميل، وكافة أصناف الصناعة الأستيطيقية الممكنة، بحيث صار من المسلم به أن الأهمية التي أضحى المرء يوليها لمظهره العام، هي كل شيء، عدا كونها من الترهات والتفاهات، ذلك أن الجمال هو بمثابة الورقة المربحة، التي لا يستهان بقيمتها، في إطار العلاقات الإنسانية.

انتهى
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس