عرض مشاركة مفردة
قديم 04-02-2010, 07:58 AM   #4
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي



أولاً: هل الجمال قيمة كونية؟

تشير السمات التي نلصقها ـ ضمنياً، وبكيفية مباشرة ـ بموضوع الدمامة، الى معايير الجمال الكُبرى، التي غالباً ما نتمثل من خلالها الموضوع الجميل، على اعتبار أنه جسد يتمتع بحظ وافر من فتوة الشباب، وتتميز أطرافه بالتناسق، وهو ذو بشرة ملساء، كما أنه مستقيم القامة، ونحيف البنية، وممشوق القد. إلا أنه يبقى علينا أن نعرف، ما إذا كانت هذه القوانين العامة، كونية أم لا؟

لقد انقسم الباحثون بشأن هذه المسألة الى فريقين متعارضين: " ليس الجمال الجسدي ـ بالنسبة الى فئة المؤرخين، من أمثال جورج فيغاريلوVegarello 2004. إن فن الرسم والصباغة ليمدان الباحث ببراهين تشير بداهةً، الى الكيفية التي رُسمت بها لوحة (الفضائل الثلاث Trois Graces)، على مر الحقب الزمنية، ليقف بنفسه على حقيقة ذلك الأمر.

كما تُوَفِر كتب الآداب للمهتم بالموضوع كذلك شهادة ثمينة لتأكيد انشداد مفهوم الجمال الى تربة الثقافة: فهذا (رونزارت Ronsart) مثلاً نراه يمجد خاصية (البدانة الإلهية)، التي تميز الحسناء الواقع بغرامها، بينما ينتشي (الكسندر دوما) تحت مفعول السحر، الذي وقع عليه من إحدى العشيقات، التي يصفها بأنها (ذات ورك محدب، وصدر بارز بكيفية فاضحة).

كما أن للأنثروبيولوجيين العديد من الحجج التي تبين بأن المعايير المرتبطة بالجمال هي كذلك نسبية، ورهينة بتنوع المجتمعات البشرية، وتعددها الثقافي. فنساء مورسي (Femmes mursi) مثلاً، واللواتي يلقبن ب (سوداوات الطبق) لا يمكن أن تحظى بإعجاب أبناء الغرب الأوروبي. كذلك ما تكون عليه أقدام النساء الصينيات التي تُجبر أن تكون صغيرة في وضعها داخل أحذية خشبية خاصة، مصدراً لفتنة المرأة الصينية، أو بعض نساء كمبوديا اللواتي يضعن أطواقاً نحاسية على أعناقهن لإطالتها الخ.

لكن ألا يمكن أن توجد، مع ذلك، وبقطع النظر عن التنوع الثقافي والاجتماعي، بعض المعايير الكونية اللصيقة بقيم الجمال؟

خضعت معايير الجاذبية الجسدية، منذ سنوات خلت، للعديد من التجارب. وكانت المنهجية المتبعة في ذلك، تنص على أن يلتمس الدارس من بعض الأشخاص اختيارَ الصورة الأكثر تأثيراً وجاذبية، من بين (بورتريهين) مختلفين. ثم صار من الممكن فيما بعد إدراج بعض التعديلات على ثوابت وجه ما بواسطة الحاسوب، قصد التحقق من الكيفية التي يجري بها أثر هذا التعديل أو ذاك في بعض الأشخاص المختبرين، كأن يتم التركيز على بعض الاستدارات والملامح وتغييرها تحت عين الناظر المختبر الخ.

لقد ظهر في البداية أن بعض الملامح (المدعمصة Neoteniques) للوجه كالأنف القصير والعينين الواسعتين، هي الأكثر جذباً من غيرها، وهو الأمر الذي ظل يتسبب في إقصاء الوجوه المسنة، ذات الملامح المعقدة. وبناء على ذلك، لن يختار المرء بتلقائية منه سوى (البورتريه) الحامل للسمات (الطفولية)، دون غيرها من بقية السمات الأخرى. إن علامات الشيخوخة، بما في ذلك التغضن، وسحنة البشرة، وبعض البقع الطفحية البارزة على الجلد، تفقد حاملها حظوة الفوز بالاختيار.

ويمكن أن يقع عكس ذلك تماماً، بحيث بمقدور بعض الملامح، التي تبدو عليها سمات النضج، لا سمات الطفولة، أن تكون ذات جاذبية كبرى. وعلى كل، فإننا نختار على العموم الوجوه التي ليست لها خدود متهدلة، ولا وجنات بارزة. ثم يُضاف الى ذلك كله خاصية أخرى هي: التناسق. إن الوجه الذي يحكمه قانون التناسق العام، عادةً ما يُشهد له بكونه الأكثر جمالاً.

إن التعارض القائم بين أطروحات القائلين بكونية الجمال ونسبيته، سيبدو لنا بأنه ليس بهذا التبسيط المختزل. لننظر، على سبيل المثال، الى أجساد النساء التي تتصدر أغلفة المجلات أو (بوسترات) الدعاية، فإن الموديل الغالب، هو في سن الشباب، الذي يبرز مفاتن وحيوية وتناسق الجسم.

والأمر نفسه يسري على الرجال أيضاً، بدءاً من صورة الفتى الإغريقي ووصولا الى نموذج الرجل المكتمل النضج الذي روجت له فنون عصر النهضة. إن كافة الأبعاد الفنية التي تجسد أجسام هؤلاء الرجال (الموديلات)، لتؤشر على علامات الصحة والعافية، وعلى علامات القوة والبأس الشديد. ومن ثمة، نلاحظ أن ذوي المنظر الرث والبنية البدينة لم ينالوا أبداً حظوة التحول الى نماذج للجمال تحتفي بها سائر الفنون. وهذا بالضبط هو ما جعل الفتيان يدركون بشكل غريزي بأنه قد يبتسم لهم الحظ، وربما يفوزون ببعض الإعجاب، إذا هم حدوا من بروز البطن، وعملوا على نفخ الصدر بتقوية عضلاته.

يتأثر تقديرنا للجمال، إذن، بتغير الحِقب الزمنية، وبتغير الثقافات، إلا أن هذه المتغيرات، غالبا ما تقوم حول بعض المؤشرات الأستيطيقية الثابتة. إننا لم نرَ قط، في الصور والنماذج الرائجة عن الجمال، وجوهاً مقطبة، وبأسنان غير مرصفة بعناية فائقة، وتنتشر فوق صفحات خدودها البثور، والتجاعيد، وبعض الطفح الجلدي.

ويتندر الكاتب (وليس المترجم ولا أنا طبعاً) قائلاً: وإذا ما حدث أن وقع الاختيار بين وجه كاتب هذه السطور ووجه (جورج كلوني) فإن الحظوظ التي قد تدفع بعض الناس الى اختيار صورة الكاتب، قليلة جداً في العالم (وإلى حين وقوع العكس، أتمنى أن يتم إخباري عن طبيعة هذا الشعب الغريب، الذي فضل الانتصار لصورتي)!

يتبع
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس