عرض مشاركة مفردة
قديم 22-09-2010, 07:26 PM   #62
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

الفصل الحادي والخمسون: صورة الآخر في رواية المهدي لكونيل *1..

تقديم: أبو بكر أحمد باقادر .. أستاذ في جامعة الملك عبد العزيز ـ جدة

الصفحات 889ـ 904 من الكتاب

(1)

تُتاح للأديب فرصٌ في تصوير الآخر، أكثر من التي تُتاح لعالم الاجتماع أو السياسي أو المفكر العقائدي، حيث أنه لا يكون مُطالباً بتقديم معلومات يمكن فحصها والتأكد من صحتها في المراجع العلمية المعتمدة. فهو ـ كما المتعارف عليه ـ لا يقدم دراسة تاريخية، بل يقدم عملاً أدبياً.

والأديب، بتلك الحرية، يتحول لفنان يبتدع صوراً قد تكون خيالية، ويتعامل معها وكأنها ماثلة وموجودة (Self-fulfilling Prophecy)، بمعنى خلق عالم خاص خيالي، ولا وجود مناظراً له في الواقع.

وعليه فإن الباحث (أبو بكر باقادر) سيتناول رواية حديثة النشر للروائي الإنجليزي (إ. ج. كونيل) اسمها (المهدي)، وسيقدم إعطاء نبذة مختصرة عن أهم معالم الرواية، وأهم شخصياتها، ويقوم بتحليل الرواية من جانب، ثم يقوم بتقديم قراءات متعددة للرواية متقمصاً أدوار لأربعة من أصناف القراء.

(2)

تبدأ أحداث الرواية، بلقاء (هوك Hawke: ومعناه الصقر) وهو رجل مخابرات أمريكي، ب (برتشارد) وهو رجل مخابرات بريطاني، وهما من مسئولي فروع مخابراتهما بالشرق، وبعد تعارف وحديث، يعلن رجل المخابرات الإنجليزي، أن الغرب أخطأ في زرع الفرقة بين المسلمين، فكان من الأفضل بقائهم موحدين للسيطرة عليهم مجتمعين، لأنهم ـ بنظره ـ سهلين الانقياد، طالما اقتنعوا بمن يحكمهم دينياً.

وبعد اقتناع الأمريكي بوجهة نظر الإنجليزي، واصل الإنجليزي إكمال فكرته، باقتراح اختراعاً يوحد المسلمين، (المهدي المنتظر). أُعجب الأمريكي بالفكرة مشترطاً دخول البريطانيين فيها، لأنها لو فشلت لاستثمر فشلها السوفييت ضد أمريكا.

وبعد نقاش، وعودة رجل المخابرات الأمريكي الى بلده، ومناقشة الموضوع مع مسئوليه، تمت الموافقة على العملية والتي أطلق عليها اسم (ميراج: السرب)، ورسى الاختيار على شخص محترف مهنياً بالمخابرات البريطانية اسمه ( بيتر جيمل) وهو شاب رياضي ومحب للموسيقى الراقية والباليه وله حضور مميز.

ويناقش رجال المخابرات كيف سيقوم المهدي معجزة أمام الحجيج في يوم عرفات ، وهنا ستتدخل (ناسا) باستخدام الأقمار الصناعية التي ستقوم بمعجزة المهدي بواسطة أشعة الليزر.

اكتشفت المخابرات السوفييتية تفاصيل العملية والخطة واشترطت أن تشترك بها وإلا كشفتها.

(3)

ينتقل كاتب الرواية (كونيل) الى المدينة المنورة وجدة ومكة ليرسم لنا شخصية أبو قادر (تحريف لعبد القادر) الرجل الذي سيلعب دور المهدي، وكيف أنه صنيعة المخابرات الأجنبية، كما يلقي الضوء على العمل الدائم لرجال المخابرات الأجنبية من أجل إنجاح العملية بتفاصيلها وتعقيداتها المذهلة. وينتقل بنا الى مختبرات (NASA) والمختبرات الأخرى المتقدمة في تقانة الفضاء، حيث يتم إعداد المعجزة. وبالفعل كانت كل التفاصيل المطلوبة تسير كما هو مرغوب فيه، واستطاعت التقانة الأمريكية المتقدمة جداً أن تصمم جهاز بث لأشعة الليزر من الفضاء يمكن أن يستهدف بدقة فائقة المنطقة المرغوب فيها وأن يفجر نفسه بعد الانتهاء من المهمة.

وهكذا بعد أن ضمنت الجهات المهتمة بالعملية كامل التفاصيل، وقرب موعد الحج، قامت بعملين تفصيليين: أولهما بث الشائعات بمجيء المهدي المنتظر، والتي ابتدأ بثها في قرية من القرى الإندونيسية النائية، وتنتقل بواسطة خطط إعلام غربية منظمة، حتى أصبح العالم الإسلامي مهيئاً للحدث.

وأخيراً يعيش الكاتب مع الحجاج أيامهم الأخيرة في مكة، ثم الذهاب الى عرفات، فالعيد في منى، وكيف يتقدم (المهدي) أمام أنظار ملايين المسلمين الذين قدموا للحج ذلك العام، بأضحيته متوسلاً من الله أن يقدم أمام أنظار الجميع معجزته له. في هذه الأثناء نعيش لحظات ترقب، إذ يخبرنا الكاتب كيف أن برج العمليات في أمريكا يوضح أن جهاز إرسال أشعة الليزر يعاني خللاً فنياً، ولم يتمكنوا من إصلاحه، وتمر الدقائق بطيئة، وفي حالة ترقب وتحفز، إذ لو فشل (المهدي) في الحصول على المعجزة التي بشر بها، ربما قطعته الجماهير المترقبة إرباً باعتباره مهدياً مزيفاً. وفي آخر لحظة، وعلى الرغم من استمرار برج العمليات في أمريكا في المسعى، كان الخلل لا يزال قائماً، ثم ينطلق شعاع الليزر وتحدث المعجزة، ويسجد الجميع شكراً لله واعترافاً بمهدية المهدي، وهنا تنتهي الرواية.

ويستغرب كاتب البحث (أبو بكر باقادر) من مسألتين: الأولى أن من قام بدور المهدي هو (ابن غير شرعي) لرجل المخابرات البريطاني (بريتشارد)، تركه في أرض الجزيرة لتهيئته لهذا الدور، والثانية: إهداء مؤلف الرواية روايته للمسلمين لتحذيرهم من التضليل!

(4)

يتخيل صاحب البحث أربعة نوعيات من القراء لتلك الرواية والكيفية التي سيتأثرون بها بعد قراءتهم.

النوعية الأولى، القارئ الغربي العلماني: سيتأكد هذا القارئ أن هذا المجتمع الإسلامي الذي تنطلي عليه مثل تلك الحيل، هو بحاجة الى مساعدة عالمية يشترك بها الشيوعيون والرأسماليون وغيرهم لإنقاذه مما هو فيه من تخلف.

النوعية الثانية، القارئ الصليبي المتعصب: سيفرح ذلك القارئ بمادة جديدة، تؤكد تصوراته عن الدين الإسلامي، وتؤكد نشاطات من سبقه في وسم الإسلام بالتخلف والعجز وتصديق كل ما من شأنه غيبياً حتى لو كان حيلاً غربية!

النوعية الثالثة، المسلم العادي: الذي أهداه الكاتب في تقديمه للكتاب، والذي يعتقد بتفوق الغرب، والذي يعتبر معظم أو كل الحركات الإسلامية وحتى الحكومات هي ألعوبات في يد الغرب، وهذا سيكون طابوراً خامساً في التبشير برفض كل ما هو له علاقة بالتراث، حتى لو لم يقصد.

النوعية الرابعة، المسلم الغيور الملتزم: سيقوم هذا النوع من القراء بتمحيص الرواية وادعاءاتها، حتى لو كان الظاهر منها هو لتحذير المسلمين. فسيقف عند التبجح بالقوة الغربية وتفوقها على المسلمين، وجمع كل أطيافها من شيوعي وليبرالي وكاثوليكي وبروتستنتي وغيرهم، ليدخل بأدق التفاصيل، والتي تعني بالمسافات بين المدن المذكورة بالرواية وتفاصيل مناسك الحج. ووجود ما يشبه (المهدي المنتظر) في الديانة المسيحية (عودة المسيح) الخ. ليثبت في النهاية أن تلك الرواية ما هي إلا نمط من أنماط الغزو الفكري والثقافي.

خاتمة:

يتساءل الباحث: ماذا نقرأ وكيف نقرأ، وكيف نجيب؟ ومن ذا الذي يجيب؟ ومن ذا الذي يتصدى لتلك الموجات الكبيرة من الجهد المنظم والمفبرك ضد ديننا وأمتنا؟

*1ـ A.J. Quinnell, The Mahdi )London Macmillan 1981
__________________
ابن حوران

آخر تعديل بواسطة ابن حوران ، 22-09-2010 الساعة 07:36 PM.
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس