عرض مشاركة مفردة
قديم 21-04-2015, 09:57 PM   #4
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

الفصل الثالث: تطور الطبقات..



تهيمن مسألة تنوع الوظائف والنشاطات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وبالذات العسكرية، على تكوين الطبقات، فتقسيم العمل بالمجتمع وتنوعه يؤدي الى تفاوت في إبراز أهمية الطبقة وتموضعها بالتراتب الاجتماعي.

علاقات التبعية

أول مظاهر حالات التبعية، هي تبعية رجل لرجل، ومن ثَمّ تبعية أسرة لأسرة، ونجد في التاريخ أمثلة على ذلك، حيث كان التمييز قائماً في روما بين الأشراف ومواليهم. فقد كان الأشراف يكونون أسراً تتجمع في وحدة اجتماعية تحت زعيم واحد هو (عاهل الأسرة Pater Familias)، وكان يُعد بالنسبة للموالي كما يُعد صاحب العمل اليوم (Le Patron). وفي الواقع كانت تتركز في يده جميع السلطات، فهو الكاهن والقاضي والمشرع والقائد العسكري في وقت الحرب.

كما أن الزعيم، هو من يدير أموال وأراضي الأسرة، وهو الذي يقدم القرابين أمام المذابح، وهو الذي يحكم بنفي أو التضحية بأحد أبناء الأسرة. ومهما يكن فرع الشريف فإنه بالإمكان أن يصبح زعيما..

أما الموالي، فالأمر يختلف كل الاختلاف، فهو مهما صعد فلن يجد في أسلافه إلا الموالي والعبيد، ويمكن أن يزرع الأرض بوصفه وكيلاً، ولكن لن يسمح له بامتلاكها..وعلى المولى والعبد أن يتبعا دين أسيادهم..

تبعية شعب الى شعب

وقد حدث في التاريخ أن تكونت العلاقات بين شعب وشعب، إثر غزو شعب لشعب آخر وتحويله كله أو جزء منه الى أرقاء وعبيد، يزرعوا ويعملوا لحساب الشعب الغازي (المنتصر). والأمثلة على ذلك كثيرة..

نتائج تقسيم العمل

الى جانب الظروف الاستثنائية كالحروب وغيرها، فإن تقسيم العمل سواء إداري أو إنتاجي، ففي جزائر (ساندويتش) مثلاً، وجدت في المجتمع أربع مراتب: الأولى للملك والعائلة المالكة، والثانية حكام الجزر ورؤساء التقسيمات الإدارية الكبرى؛ والثالثة رؤساء القرى والمناطق الذين يدفعون إيجارات ثابتة بدل استغلال الأراضي للطبقة التي هي أعلى منهم؛ أما المرتبة الرابعة، فهي صغار الفلاحين والصناع والموسيقيين وغيرهم.

وفي روسيا القيصرية، كان سكان الأرياف يعتنون بالزراعة، وسكان المدن بالصناعة والتجارة، في حين يكرس عمل الرهبان لخدمة الكنائس، أما الوظائف العامة (الحكومية) فكانت تقتصر على طبقة النبلاء، وكان في هذا التقسيم مرسوم صريح من القيصر.

تأثير النظم العسكرية

في بدء حياة كثير من المجتمعات وعلى الأخص اليونانية والرومانية والهندية، وجدت طبقة من الأرستقراطية العسكرية قوامها النبلاء الذين كانوا مرشحين بفضل مجدهم لتقلد المناصب العسكرية والوظائف الإدارية الكبرى، وهم من سلالات الأسر العريقة في أثينا والأشراف في روما وأمراء الإقطاع في أكثر من دولة.

لم تكن الدولة في العصور اليونانية القديمة أو الرومانية، هي من تسلح الجيش وتزوده بالخيل، بل كان الفرسان هم من يقوم بذلك،[وقد بقيت هذه الظاهرة في إيران لقبل تولي الشاه رضا بهلوي، أي مع انتهاء عصر ناصر شاه القاجاري].

وكانت القوانين في أثينا وروما تحظر على تلك الطبقة بالعمل بالتجارة، وعندما كانت تقوم الحروب، فمن لم يستطع إحضار جواد وسلاح وخوذة كانت تُناط به مهام أدنى كالتجديف بالسفن مثلاً، وكانت الفلسفة العامة لتلك النظرة أن من يملك من العقارات والأراضي والمزارع سيدافع عن ممتلكاته بقوة واندفاع بعكس من لا يملك شيئا ويُجبر على التجنيد.

تأثير النظم المدنية

لم تكن النظم العسكرية وحدها هي التي تصنع الطبقات، بل كانت النظم المدنية تقوم بذلك أيضاً، فظهرت في العصور الوسطى طبقة (القانونيين وموثقي العقود) وطبقة (الماجستيراه، والدكاترة) التي أصبحت بعد قرون درجة للشهادات الجامعية، وهي طبقة المثقفين من غير رجال الدين التي تجتهد في الارتقاء بالدولة علميا وصناعيا وسياسيا وفكريا. وقد تعاظمت تلك الطبقة حتى أحدثت في فرنسا الثورة الفرنسية المعروفة1789.

وقد أثرت تلك الطبقة ولا تزال في مسألة تعقيد التشريع وسن القوانين، تلك المسألة التي كانت قبل ظهور هذه الطبقة تتم ببساطة.

تأثير النظم الدينية

يقول (جيزو) في كتابه: تاريخ الحضارة الأوروبية أن المسيحيون الأوائل كانوا يجتمعون ليذوقوا لذة اتحادهم في العواطف والعقائد الدينية دون أن يكون لهم مجموعة من المذاهب المقررة والقواعد المنظمة أو هيئة من رجال الكهنوت.

لكن، ما لبث أن ظهر بين المسيحيين نوع من التنظيم، فظهر القسس أو القدماء (anciens ) والرعاة (serveillants) وخدام الكنيسة الذين كانوا يجمعون التبرعات ويوزعونها على الفقراء. ومع ذلك ظلت السلطة العليا في يد كتلة المؤمنين الذين يجتمعون في جمعية عامة (ecclesia) لانتخاب القسس والأساقفة، وما أن يأتي القرن الثالث الميلادي حتى كوّن القسس والأساقفة هيئة طائفية أخذت تحتكر كل ما يتصل بالعقيدة والوعظ والتعليم. وشكلت بذلك طبقة كانت منفصلة عن باقي المجتمع.


تأثير الثروة والثقافة

هما عاملان، قد يؤثرا وهما متحدين أو يؤثر كل منهما بتكوين الطبقة، لننظر أولا في أثر الثروة. فقد كان أغلب أمراء الإقطاع ممن كانوا يكونون الأرستقراطية العسكرية في العصور الوسطى ممن كانوا يملكون الأراضي الواسعة وهم بنفس الوقت من يتولى المناصب الإدارية الكبرى، كان لهم الحق بالتمتع بريع المزارع الكبيرة، لذا تكونت لديهم ثروات طائلة مكنتهم من تحصين قصورهم والإنفاق على حامية من الجنود، وإنشاء الاصطبلات للخيول والبغال وغيرها...

وأحيانا تكون الثروة وحدها عاملا في تكوين طبقة، كما كان عند التجار الذين يجوبون البحار ببواخرهم، فإنهم أثروا ثراء فاحشا في البرتغال واليونان وأنشئوا إسطبلات الخيل واشتركوا في المهرجانات وسباقات الخيل وغيرها.

وقد حدث في روسيا السوفيتية، عندما قرر (لينين) العودة للاقتصاد الحر بعد مجاعة عام 1921، بسبب تجميع كل الأراضي بيد الدولة، وعندما تمكن الفلاحون من السيطرة على السوق مرة أخرى عاد الشيوعيون واستولوا على منتجاتهم وشتتوا شملهم، لتعود ملكية الأرض للدولة.

وبالرغم من الزعم القائل عند السوفييت بإنهاء الطبقية، فقد كانت طبقة الكوادر الشيوعية تسكن الفلل الفخمة وتتمتع بالاستجمام وغيره من وسائل الرفاهية، في حين كان أكفأ الحرفيين غير الشيوعيين يعيشون في درجات أقل أهمية بعشرات المرات من كوادر الحزب.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس