عرض مشاركة مفردة
قديم 13-01-2010, 03:21 PM   #4
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي



تابع لما قبله

(4)

والمؤلف في كتابه كان ـ كما في مؤلفاته السابقة ـ وفياً لمنهجه (التاريخاني) النقدي الذي لا يقبل بالتصالح مع التفكير التقليدي، سواء أكان ذهنية سنية أم سلفية من منطلق أن الحداثة عنده لا يمكن أن تتأسس في المجتمعات العربية دون إحداث قطيعة مع التقليد، كما أن المجتمعات العربية لا يمكنها أن تتجاوز حالة التأخر التاريخي دون نقد النزعة التراثية والذهنية السنية والسلفية وتجاوزهما في إطار تحول أو ثورة ثقافية.

هذا ما قاله في أواخر الستينات من القرن الماضي في كتابه (الأيديولوجية العربية المعاصرة 1967)، وهذا ما أعاده في جل كتبه ومقالاته وفي كتابه (مفهوم العقل 1996)، وهو ما يؤكده في كتابه الذي بين أيدينا (السنة والإصلاح). فالكتاب هو استمرار على المنهج نفسه، ومن أجل نقد وإبراز مفارقات السنة (التقليد)، فهل يعني أن العروي يعيد ويكرر نفسه؟

كجواب، نقول إن العروي لا يكرر نفسه، بل هو مُفكر ومُثقف مُجَدِد ملتزم بقضية الحداثة، وهو ما أكده في كتابه (مفهوم العقل)، حيث قال إن أعماله، بما فيه سلسلة مفاهيمه عن الحرية والدولة والتاريخ والأيديولوجية تمثل جميعها فصولاً من مُؤلَفٍ واحد حول مفهوم الحداثة.

من هنا، تصح قراءة أعمال ومؤلفات العروي كنصٍ واحد يشكل سيرته الفكرية وقصته مع الحداثة المستعصية الى حد الآن في الحقل العربي، هذه الحداثة التي تستحضر من ضمن ما تستحضره من مفاهيم وقيم مركزية، مفهوم العلمنة، التي يراهن عليها العروي في كتابه السنة والإصلاح، للوقوف في وجه التأويلات التي فرضها التقليد والسنة على الدين.

فالعلمنة، هي الحل بالنسبة إليه لأنها (السلطة المحايدة التي تنزع الحدود وتُلْزِمْ كل طرف باحترامها). لكن لا يُخفي العروي الصعوبات التي تواجه هذا الرهان، ومن ضمنها التمثلات والفهم الخاطئ للعلمانية في الفكر والذهنية العربية، حيث وكما قال ( لحقت هذا المفهوم وأُلصقت به إشاراتٌ قدحية ص 210)، مما جعله يؤدي دوراً سلبياً في مسار الفكر العربي الحديث، ويلقى الصدود والنفور.

والسبب كما يرى العروي، هو الخطأ في الترجمة؛ فاختيار لفظ علماني الذي يقابل في الاصطلاح السياسي كلمة (لائكي) الفرنسي و (Secular) الإنجليزية، هو خطأ. وتمنى العروي لو أختير لفظ مثل (دنيوي مقابل آخروي) أو (معاملاتي من المعاملات مقابل العبادات)، أو (سلطاني مقابل شرعي الخ ص 211).

غير أن هذا الرأي في كون صعوبة إدماج العلمنة في الفكر والمجتمع العربي راجع الى مُشكلٍ لغوي أو خطأ في الترجمة، وبسبب استعمالاته المشحونة بنزوعات لا دينية، ولفصله بين الديني والدنيوي والسياسي، ينبغي أن لا يفهم على أنه العائق الوحيد.

وإجمالاً، فإن علاقة الدين أو المقدس بالتاريخ ـ وهو صلب الإشكالية التي عالجها المؤلف في كتابه السنة والإصلاح ـ في أبعادها المختلفة، هي من ضمن انشغالات المثقف الحداثي؛ سواء في السياق الحضاري العربي الإسلامي؛ أو في السياق الأوروبي.

لقد جاءت دعوة العروي الى نقد السنة كمؤسسة بشرية، وباعتبارها الإسلام كما تجسد وتطور في التاريخ؛ إلا أن هذه الدعوة الجريئة في ظرفية تعرف تنامياً للمد الأصولي السني والسلفي بمختلف تنويعاته وأيديولوجياته، وجزر الفكر النقدي والحداثي لا محالة تضع صاحبها وكل المثقفين ممن يشاركونه الالتزام نفسه بالقضية نفسها في وضعية صعبة تتسم بالهامشية. ونعني هنا (أي حين يتخذ المثقف موقفاً غير مستوعب في بيئته)، من منطلق قيامه بدوره كمثقف وكمفكر من مهامه أن يحاول تحطيم قوالب الأنماط الثابتة والتعميمات الاختزالية التي تفرض قيوداً شديدة على الفكر الإنساني.

وهذه القوالب والأنماط الثابتة والتعميمات الاختزالية الاتباعية، هي ما يُشكل ثقافة الأغلبية في المجتمعات العربية الإسلامية، وواسع شرائحها، وتحظى بالتالي بدعم ومساندة المؤسسات الرسمية ونخبها الحاكمة؛ لأن هذا النمط من البنيات الثقافية، وبحكم التداخل بين الحقلين الديني والسياسي في هذه المجتمعات، فهي بمثابة تربة ملائمة للسلطة الاستبدادية، ومنها تستمد شرعيتها واستمراريتها.

وعبد الله العروي المفكر والمثقف، يدرك جيداً أن خوض المعركة ضد الاستبداد ومعاقله في هذه المجتمعات، يبدأ من ساحة الثقافة بالنقد والمساءلة التاريخية من أجل نزع القداسة عما هو بشري (الاستبداد محاط بهالة من القداسة)، حتى يمكن بعدها تعبيد الطريق للمجتمعات العربية نحو الديمقراطية والحداثة السياسية.

وهذا ما سعى إليه في كتابه (السنة والإصلاح)، كتكملة لمؤلفاته الأخرى التي تؤسس لمشروعه التاريخي النقدي الذي يلح على الفكر التاريخي لقراءة التراث والماضي والإسلام وقضاياه؛ لأنه على حد تعبيره في كتابه (العرب والفكر التاريخي)، لا خلاص إلا باعتماد الفكر التاريخي، لأن الفكر اللاتاريخي (كما هو معتمد في السلفية والفكر التقليدي) لا يؤدي إلا العجز عن إدراك الواقع، والى التبعية واستمرار التأخر التأريخي.

انتهى
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس