عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 09-12-2014, 11:51 PM   #7
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,424
إفتراضي

الأثر الثوري للرسالة السماوية في أرض العرب

(1)


من يتأمل إعجاز القرآن الكريم ودقة معانيه وروعة نظمه، فهو سيقر بقدرة الله وصنعه البديع، ومن يطلع على شرح وتفاسير المفسرين واجتهاد المجتهدين وعمل علماء النحو والصرف والبلاغة وعلماء الحديث منذ وقت النزول حتى اليوم، سيعترف برجاحة عقل الشعب الذي نزل في وسطه القرآن الكريم، وقدرته على الفهم (قبل كل تلك الشروح) حتى وإن كان الكلام ليس على حروفه (نُقط) ولم يكن مُشكلاً أو مزوداً بعلامات الوقف والمد والتجويد كما هو اليوم.

إن اختصاص الله عز وجل بتنزيل القرآن بلسان عربي مُبين على هذه الأمة هو تدليل على اكتمال الاستعدادات النفسية والثقافية والسياسية والاجتماعية لاستقبال مثل تلك الرسالة السماوية العظيمة، وأين نزلت؟ في مكة حيث بؤرة السيادة وتكوين الدولة منذ قرن ونصف قبل نزول الرسالة، ولماذا في مكة؟ ليكتمل التحدي والفعل الثوري حيث تحتدم الصراعات المختلفة.

لقد سبق نزول الرسالة حالات تململ على أكثر من مستوى، فالشعور بالامتهان الوطني والقومي من قبل أمم محيطة لا تريد الخير بالعرب (أحباش؛ روم؛ فرس). ولم يتأخر الرسول صلوات الله وتسليمه عليه في ربط روحية الرسالة بتلك المسألة، فعندما طلبت قريش من عمه أبي طالب أن يسأل ابن أخيه الكف عن شتم آلهتهم، قال صلوات الله عليه (أي عم: أولا أدعوهم الى ما هو خير لهم منها كلمة يقولونها تدين لهم بها العرب ويملكون رقاب العجم...)*1

وتُعد ظاهرة الصعاليك في مجتمع ما قبل الإسلام مؤشراً لخروج الفرد على نظام القبيلة من جهة، وسخط الفقراء المعدمين على الأغنياء وامتيازاتهم من جهة أخرى، ومن يبحث في ظاهرة الصعاليك يجدهم ينقسمون الى ثلاثة أقسام: طائفة الخلعاء والشذاذ الذين طردتهم قبائلهم وقطعت صلتها بهم مثل: (حاجز الأزدي) و(قيس بن الحدادية)؛ وطائفة (الأغربة: السود) مثل (الشنفري) و(السليك بن السلكة)، وطائفة الفقراء المتمردين مثل (عروة بن الورد)*2

لقد اكتسب العرب من خلال فكرة التآلف التي وردت في سورة قريش (لإيلاف قريش)، اكتسبوا مهارات في إدارة الدولة وتنظيم الأسواق والمهرجانات، ويذكر ابن الأثير في كتابه (الكامل) أن أصحاب الإيلاف كانوا أربعة إخوة وهم بنو عبد مناف أحدهم (هاشم) كان يؤالف ملك الشام حيث أخذ منه خيلا فأمن به في تجارته الى الشام، والثاني عبد شمس وكان يؤالف الى الحبشة، والثالث المطلب وكان يرحل الى اليمن، والرابع نوفل وكان يرحل الى فارس*3. كما اختمرت فكرة التأمل والتساؤل في الأديان، مما هيأ لظهور مؤيدين لرسالة الإسلام.

(2)

لقد كان الإسلام ثورة على الشرك، وثورة على الظلم، وثورة على أكل مال الآخرين، وثورة على الربا، وثورة على امتهان المرأة، وثورة على العصبية القبلية، وثورة على التكبر والجبروت، وثورة على أكثر من صعيد.

لقد اتبع المؤمنون الدين الجديد، عندما رأوا التطابق بين ما ينادي به الدين وبين ما يسلكه القائمون عليه، فانجذبوا إليه، ولقد آمنت شعوب جنوب شرق آسيا، والساحل الشرقي لإفريقيا، دون أن تقوم هناك أي معركة بين المسلمين وسكان تلك المناطق، بل أُعجب هؤلاء السكان بصدق تعامل المسلمين وإيفائهم لعهودهم، في عمليات التجارة، فاتبعوا الدين الذي حمله التجار المسلمون ولا زالوا، دون أن يسجل التاريخ منذ دخول هؤلاء الدين الإسلامي أي تصادم يُذكر لا بينهم وبين المسلمين ولا بينهم وبين العرب.

في حين، عندما اختلطت العنعنات العصبية والقومية في بسط وتنفيذ الحكم مع الشرائع الدينية، حدث ارتكاس وردة دفينة بين شعوب لم يحفظ الدين ودها لا مع العرب ولا مع المسلمين ( الأندلس، وفارس نموذجان). وإن كان النموذج الفارسي أقل سوءاً من النموذج (في شبه جزيرة أيبيريا: اسبانيا والبرتغال)، وقد يعود ميل الجانب الفارسي للتقارب في الاستعداد للتلاقح الروحي، بين شعوب شرقية متجاورة ومتداخلة في العادات والتقاليد وغيره، فعلى الرغم من قصر فترة حكم العرب لفارس (حوالي قرن من الزمان)، إلا أن المظاهر الإسلامية لا تزال قائمة ـ بغض النظر عن مظاهر الاختلاف الطائفي ـ بعكس الأندلس والتي استمر فيها الحكم أزيد من سبعة قرون، فإنها سرعان ما نفضت عنها الطابع الإسلامي..

(3)

لم يكن نوع الحكم السياسي هو المشكلة، كما يزعم البعض، فليس هناك أفضلية لنوع حكم على حكم، لكن الاقتراب من تحقيق ما يُسمى ب(العدالة الاجتماعية) هو الفيصل، ونحن نعرف أن الإسلام دين عدل، وأعداؤنا يشهدون بذلك، لكن التطبيق هو المهم، فليس المهم ورع الحاكم وطيبة قلبه بل المهم قدرته وهمته على تحقيق العدل بقوة، فلذلك يُشهد للخلفاء الراشدين إحقاقهم الحق، ويشهد للخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز بذلك.

وقد شهد بعض المسلمين لحكومات أجنبية في عدلها، فالإمام محمد عبده عندما زار أوروبا، قال وجدت إسلاماً ولم أجد مسلمين، في حين يوجد في بلادنا مسلمين ولكن لا يوجد إسلام، وكذلك يذكر رفاعة الطهطاوي في كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز)*4

إذن نحن نقر أن الإسلام دين عدل وتكافؤ، ولم يترك صغيرة أو كبيرة من أمور الدين والدنيا، إلا وأعطى رأيه القاطع النافع فيها، وكلما التزم القائمون على المجتمع الإسلامي بتلك الآراء الفقهية كلما قويت دولتهم وساد العدل في ربوع مجتمعاتهم، والعكس صحيح.

كيف إذن تفككت الحالة القوية وأصبحت ضعيفة ومهانة؟ وكيف السبيل الى إعادة تلك القوة بروح عصرية وبسرعة كافية؟








هوامش

*1ـ ابن الأثير الكامل (2/65)
*2ـ الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي/يوسف خليف/ مصر: دار المعارف 1959 صفحة 89.
*3ـ ابن الأثير الكامل (2/84).
*4ـ رفاعة رافع الطهطاوي/ تخليص الإبريز في تلخيص باريز/ القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة 2012
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس