الموضوع: شقاء السعادة
عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 05-06-2010, 10:29 AM   #19
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,399
إفتراضي

(50)

حضر سالم سائق سيارة (الكمر) بسيارته، وأوقفها أمام دار أبي صابر، ودخل ليتباحث مع أبي صابر عن بدء عمله، وكان لأبي صابر أربعة حقول اثنان منها مزروعان بالقمح وواحد بالعدس، في حين كان الرابع مرتاحاً (بلا زراعة)، حسب الدورة الزراعية المتبعة في المنطقة.

استغل عكرمة غياب سالم في داخل الدار، فصعد مع صديقه إعْوَيِد، وجلس في مكان السائق، في حين جلس صاحبه في الطرف الثاني للمقعد، أمسك عكرمة مِقود السيارة، وأخذ يضغط على شفتيه ليخرج زفير الهواء ليقلد بذلك صوت محرك السيارة، ويتمايل يمينا وشمالاً وينهض قليلاً ثم يعود ليسند ظهره الى ظهر المقعد.

لفت انتباه إعْوَيِد ، تلك النتوءات البارزة بكثرة (مفاتيح التشغيل)، فأخذ يسأل عكرمة عنها، وعكرمة لا يتوانى في الإجابة ـ الخاطئة طبعاً ـ عن كل سؤال..
لماذا هذا المفتاح ؟
هذا للتشغيل
ـ وهذا؟
ـ هذا لتنبيه من في الطريق..
ـ وهذا؟
ـ لزيادة السرعة..
ـ وهذا؟
ـ هذا لمسح الزجاج الأمامي.
بقي العديد من المفاتيح، في حين لم يبق لدى عكرمة ما يمكن الإجابة به..
ـ وهذا؟
ـ هذا لقلب السيارة، أي لجعلها تتدهور!

خرج سالم من الدار وأمر الأطفال بالنزول من قمرة القيادة. وفي هذه الأثناء، وصل ثلاثة من الفتيان الناضجين الذين بعمر أقل من مرحلة القدرة على الحصاد بقليل، ليقوموا بعملية نقل القش المحصود من الحقل الى (البيدر).

صعد العمال الفتيان الى صندوق السيارة الخلفي، والمشغول من الخشب المحلي، والمصمم تصميماً عربياً، بنقشاته وألوانه وهيئته، في حين صعد عكرمة وصاحبه إعويد على البروز الملحق بصندوق السيارة والذي يعتلي قمرة القيادة. أخرج سالم أداة تشبه حرف z وأدخل طرفها في مقدمة محرك السيارة ولفها بسرعة فائقة، ثم أخرجها من مكانها في نفس الوقت، فانطلق صوت محرك السيارة، وانبعثت رائحة البنزين النفاثة، لتضفي طقساً مستحدثاً على المشهد.

ما أن أخذ السائق مكانه، حتى صعد أبو صابر الى جانبه، منطلقين نحو الحقل، وعكرمة وصاحبه يصيحان بصوتيهما على أترابهما الذين يمرون عليهم في الطرقات متباهين في حظوتهما.

(51)

وصلت السيارة الى الحقل، وأبقى سالم محرك السيارة في حالة شغل، في حين استدار خلف السيارة ليسحب قطعة خشب (لاط) بطول أربعة أذرع وبعرض قدم، وبسماكة تزيد عن سماكة اليد مرتين، ثبت بها قطع خشب عرضية بواسطة المسامير، وتبعد كل قطعة عن الأخرى بقدر نصف ذراع، حتى يستخدمها العمال كسلم كان الناس ولا زالوا يسمونها (سقالة).

فتح سالم الباب الخلفي للسيارة، وثبته بشكل أفقي بواسطة جنزير وشنكل، ووضع السقالة على طرفه، في حين ثبت طرفها الآخر قليلاً بتراب الحقل، وأشار الى العمال أن يبدءوا بتحميل السيارة بالقش.

في هذه الأثناء، تمشى أبو صابر نحو الحصادين في طرف الحقل الذي لم يُنجز حصيده بعد، حاملاً بيده (صرة) بها بعض الحلوى إكراما لجهد الحصادين، وحياهم تحية الفلاحين: صح ابدانهم .. الله يعطيهم العافية.. ردوا التحية.

كان الحصادون يتحايلون على حرارة الطقس وخشونة العمل بأصوات أهازيج (عبثية) لا معنى لها سوى تشجيع أنفسهم، حتى لا يدب فيهم التعب والملل.. وكانت صوت قطع سيقان القمح بحد المناجل يشكل إيقاعاً لأهازيجهم.

(شيخنا .. جاها) ويعيدون هذا المقطع وكل مقطع عشرات المرات، فالنهار طويل.
(بالبير دلاها) (حية حمرا) (مثل الجمرة)
(شيخنا .. صالح) (جاي امبارح) (يزحف زحفة) (باربع رغفة).

كان سالم يحرك سيارته بين (الحلل) و(الحلة) عبارة عن قش محصود، تتواجه سنابله الى الداخل وجذوره الى الخارج، كانت كل حلة بطول ثلاثة أذرع، وارتفاع حوالي ذراع، وعرضها هو مجموع طول الساقين المتقابلين للقمح المحصود. كان على العامل أن يحمل كل حلة على سبع الى عشر دفعات.

وبعد أن امتلأت السيارة بقش الحصيد، صنع العمال حوالي عشر شباك، كل شبكة تأخذ حلة كاملة، ليضعوا تلك الشباك، فوق ظهر السيارة واثنتان منها تقفان على الباب الخلفي المثبت بجنزير، ثم يربط العمال الحبال ليمنعوا القش من السقوط أثناء العودة.

(52)

لم تستأذن (ذيبة: أرملة ياسين) من أبي صابر في حركتها، فبعد أن أكمل صابر والفتيان الذين معه تنزيل السيارة، أخذت مكانها بجانب كوم القش، لتأخذ حزماً من القش وتفرك سنابله لتستخرج بعض القمح لتسلقه لأولادها.

بادر أبو صابر، بدفع قش القمح نحوها بواسطة أداة التقليب (الشاعوب) وأمر عكرمة أن يساعدها في فرط سنابل القمح.
ـ (الله يخلف عليك ولا يخلف على أبي مناور، اللي نهرني ومنعني من الاقتراب من بيدره).
ـ توكلي على الله، خذي ما تحتاجين، فالله أمرنا أن نطعم منه وقت حصاده.

توالى سالم بنقل القش، حتى أصبحت أكوام القش، كأنها تلال قرية صغيرة، يراقبها رسام من بعد. لم يكن الرسام إلا عكرمة، الذي كان يصر عينه ويفتحها، ويتخيل كيف عليه أن يمر على كل سنبلة من هذه السنابل الكثيرة عدة مرات حتى يستخرج القمح منها!


__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس