عرض مشاركة مفردة
قديم 05-11-2007, 10:45 PM   #6
youcefi abdelkader
كاتب ساخر
 
الصورة الرمزية لـ youcefi abdelkader
 
تاريخ التّسجيل: Oct 2007
المشاركات: 223
إفتراضي قصة العم ابن دحمان (الجزء الاول)

قصة العم ابن دحمان ( الجزء الاول)
لم يكن يفارق دكاننا فكانت أذن أبى تطرب لسماع حديثه و يشكو له ما يجد من الوجد و الهيام لجارتنا 'زبيدة '. بيد أن الوالدة سامحها الله و قد صارت في العقد الثانى من العمر وبدأت ملامح الشيخوخة تغزو وجهها، و لم يجدي معها طلاء أو زيت زيتون ، كانت تنكر عليه صحبة الشيخ ابن دحمان و ملازمته له كظله . لم تكن تتردد في استراق السمع لهما و تقول هذا الشيطان سيوقع أباكم في الهاوية و ما كنت افقه شيئا مما كانت تعنيه و يبدو أن حياتها مع الوالد كانت قاب قوسين أو أدنى من الطلاق و قد صار الوالد ياخد من أطراف لحيته في اليوم أكثر من مرة و يكثر النظر للمرآة ،و يتابع قصص العشاق في التلفاز، فينفرد به من دوننا ، ويزيد قلقها حين تراه يفرغ قنينة العطر في يومين و يبادر لاقتناء أجود أنواع العطور و أغلاها ثمنا ليوقع جارتنا ' زبيدة' في حباله .
إنها امرأة ثيب لا تزال في عز شبابها و من أجمل ما رأت العيون، مات زوجها اثر مرض عضال أقعده الفراش عام.
ترملت فتنافس المشايخ في طلب ودها، بعد أن شابت لحاهم و لم يعد لهم في ود الفتيات نصيب و لو تسنى لأحدهم لهتك أستار الجيران و هدم الحيطان. كانت إذا مرت برهط منهم افترسوها بأعينهم و كثر همزهم و لمزهم . تمشي مشي الحمامة ،مائلة مميلة ،تهز اردافها هزا خفيفا،فتخفق لها قلوب المشايخ . ترميهم بنظرة ازدراء، ما رأيت احدهم أغض طرفه و حفظ بصره، فلا تزال أنظارهم مشدودة إليها حتى يغيب عنهم طيف خيالها في الزحام .
,أقضت مضجع الحاج محمود ،جزار الحي،فكان يختلس النظر إليها بين الفينة و الأخرى عبر نافذة حجرته ثم يعوى كالذئب . قيل انه كاد يفصل إبهام يده اليمنى بساطور حين دخلت حانوته تبغي لحما،فجال ببصره في وجهها و لم يصرف نظره عنها حتى اشتد الم أصبعه و قد سال منها دم كثير .و قد حدثني أخي و قرة عيني الحاج علي ،أن هذا الجزار راود نسوة كثيرات في الحي عن أنفسهن فاعرضن عنه لذمامة في جهه و استعصى عليه استمالة قلب زبيدة له رغم إنفاقه مالا كثيرا .
ذبحت والدي من الوريد إلى الوريد ، كانت إذا دخلت الحانوت و كشفت شعرها،ألقى ما في يده و جعل ينظر إليها ويمسح عيناه ليلتقط لها صورة أوضح ، يحتفظ بها في ذاكرته الضعيفة أياما ،و حين يغيب عنه طيف خيالها، يدخل الدار معكر المزاج، فيحمل علينا، يضرب هذا ضربا مبرحا و يسب ذاك من رأسه إلى أخمص قدميه،لأتفه الأسباب ، ثم ينزوي في غرفته و يشعل سيجارة ليرتشف دخانها و هو يدندن .
كنت استرق السمع لحديث دار بين عمى ابن دحمان و بين أبي ذات ليلة ، فسمعته يقول، إن إحدى الروميات شتمته على ملاء من المارة و بلسان أعجمي فصيح ،فعجز أن يلقمها حجرا و لو بكلمة أو كلمتين تثلج صدره ،فأصابه الغم .انتابتني نوبة من الضحك لا عهد لي بها و لازلت اضحك حتى استلقيت على ظهري نقام والدي فضربنى بمرفقه على ام راسي جزاه الله عني خيرا.
نكح ابن دحمان من نساء الحي امراتين و عشق منهن عددا لا يحصى. قيض الله له من الأولى ثلاث بنات و هي ثيب عشقها عشقا مبرحا و ورزق من الثانية أربع من البنين أصغرهم جذعا في الحول السابع ،ثم شغف شغفا عظيما بفتاة في الثامنة عشرة من العمر.يحكى انه كان يترصدها من درب، لدرب ،و يتلطف في الحديث معها . خطبها من أبيها فأبى أن ينكحها رجلا يكبرها بأربعين عاما ولازال يلح عليه و يبعث له الوفود تلو الوفود من شتى القبائل إلى أن أجابه إلى طلبه على مضض، و ما استطابت له الدنيا حتى أوقعها في شباكه فرضيت به بعلا و كان عمره آنذاك نحو ستين عاما و نيف.
باع كبشا و قدم لها ثمنه صداقا.أولم بشاتين و أقام حفلا كبيرا ، عزفت فيه الأنغام و تسابق الفرسان على ظهور الخيل.و دوت طلقات البارود في سماء البلدة،و زغردت النسوة فكانت فرجة لنا نحن غلمان الحى ،فسرنا نتراقص كالظباء على وقع عزف الناي و دقات الطبول حتى لاح الصباح .
في غمرة ذاك الحفل بأهازيجه ، فرت العروس في اثوابها البيض و حليها ،فرار الأرنبة منثعلب ماكر و اختفت إلى يومنا هذا.ذكر شهود عيان أن الفتاة كانت تنوي قتل نفسها لكنهاترددت ، وجدوا في حجرتها قنينة سم، و مكتوبا بخط يدها باحمر الشفاه على الحائط ٌُ تركت لكم الجمل بما حمل " .
كثرت الإشاعات حول قصتها و نسجت الأكاذيب و الخرافات فزعم بعضهم أن الفتاة سافرت لبلاد أخرى و لجأت لأحد الدور المشبوهة لتحترف الرذيلة مقابل دراهم معدودة.لكن صاحب شرطة البلدة توعد أباها بالعقاب إن تعرض لها باذا و قال :
" سأخسف بك الأرض إن مسستها بسوء". حزن شيخنا لفراقها حزنا كبيرا ،هجر زوجاته شهرا كاملا.
ضاقت عليه الدنيا بما رحبت ،فاعتزل الناس و لزم داره، و تناقلت النسوة أخبار ما آل إليه حاله . صار يقضى طرفا من النهار و زلفا من الليل قابعا تحت جدار بيته لا يحرك ساكنا و ربما وضعت حمائم الحي فضلاتها على كتفيه ظنا منها انه جدار أو عمود. مكث على هكذا حال أعوام لا يكلم أحدا من القوم و كأنه نذر لله صوما عن الكلام، أصيب بحزن شديد و هزال وزادته الفاقة سوءا فقسمت ظهره
.................................................. .................................................. ...........يتبع
youcefi abdelkader غير متصل   الرد مع إقتباس