عرض مشاركة مفردة
قديم 21-04-2011, 01:11 PM   #30
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

الفصل التاسع: المجتمع المدني والسياسة الديمقراطية

(الحلقة الأخيرة)

الصفحات 437 حتى نهاية الكتاب

(1)

اتفق المفكرون وأصحاب العقائد المناصرون لفكرة المجتمع المدني، منذ أيام أرسطو الى يومنا الحاضر، على أن المجتمع المدني دعامة هامة وضرورية لحماية الديمقراطية وتناقل السلطة بين الجميع دون تقنينٍ أو قسر. فهو بنظرهم جميعاً يُفترض أن يُحيي دور الجماعات، وأن يُدرب المواطنين الناشطين، وأن يؤسس تقاليد الاحترام والتعاون، وأن يوفر بديلاً أخلاقياً من المصلحة الذاتية، وأن يحد من البيروقراطيات الطفيلية، وأن يُنشط الميدان العام.

لقد تأثر الغرب بما كُتب وقيل عن المجتمع المدني، وحوَّل تأثره الى إجراء يتطور مع تطور ما كان يقال وما يزال. وقد يكون التأثر ب (توكفيل) هو الأكثر والأطول عمراً. ومع ذلك فإن الدعوات للمجتمع المدني واعتماده أسلوباً ناجعاً ما زال يكتنفه بعض الغموض والضبابية.

ففي خطابٍ له صرح (كولن باول) في مؤتمر القمة الرئاسية (1997) عن مستقبل أمريكا قائلاً (إن مجتمعاً مدنياً هو مجتمع يحرص أعضاؤه على رعاية بعضهم بعضاً، وعلى رفاه الجماعة كُلها)... (فالتسامح والاحترام والسلوك المتحضر يمكن أن تبنيها خدمات طوعية للجماعة؛ ذلك لأننا نساعد الجيل القادم من الأمريكيين على أن يُنشئوا مواطنين صالحين، ونعرّف الجيل الراهن مرارا وتكرارا، بالحاجة الى تجاوز عوائق العرق والطبقة والسياسة التي تفرقنا)*1

(2)

ظهرت منذ البدء، إشكاليتان في التعامل مع مفهوم المجتمع المدني. الإشكالية الأولى: الموقف المتذبذب للسلطة منه، ففي حين نظر اليونانيون الى غيرهم من الشعوب على أنهم (برابرة) لأنهم في أحد أشكال تعاملهم مع المجتمع المدني لا يولون اهتماماً خاصاً، بل ينكرون حق تنظيم المجتمع لنفسه. وهذه النظرة لا زالت قائمة حتى اليوم، فإذا أرادت دولة كبرى كالولايات المتحدة مثلاً أن تتهم دولة أخرى بخرق لوائح حقوق الإنسان، فإنها تبحث في القضايا التي تشكو منها منظمات المجتمع المدني من نظامهم السياسي. وبنفس الوقت تقمع مثل تلك الدول أي نشاطات تتعارض مع سياساتها، (تلوث البيئة، الاحتباس الحراري، سياسات التسابق في التسلح النووي، شن الحروب الخ).

والإشكالية الثانية: صعوبة التنسيق بين محاور نشاطات منظمات المجتمع المدني. فما الذي يجمع منظمة تهتم برعاية نوع من السلاحف مهدد بالانقراض، مع منظمة تهتم بالمحاربين القدماء أو منظمة تهتم بشؤون الناجين من سمك القرش؟

ترعى بعض الدول أو كلها أحياناً نوعاً معيناً من منظمات المجتمع المدني، ويتسابق أفراد الأسر الحاكمة بتسلم رئاسة مثل تلك المنظمات لتسوق نفسها على أنها أنظمة متحضرة، رءوفة برعاياها ومحبة للنشاطات الإنسانية. (اتحادات رياضية، منظمات نسائية لدعم نشاط اقتصادي أُسري الخ). في حين تلاحق وتضطهد أفراد آخرين ينشطون بمجالٍ لا تحترمه تلك الأنظمة (نساء معارضات للحرب على العراق، مجتمع محلي يعارض التجارب النووية في بعض مناطق العالم الخ).

(3)

يتفق الليبراليون والماركسيون على أن المجتمع المدني يصب في جهود الارتفاع بالديمقراطية لمستويات أفضل. فالليبراليون يرغبون بإيجاد منظمات مجتمع مدني تنضوي تحت حكم مركزي يحد من تسلط هذا الحكم وتفرده، في حين يرى ماركس بعقيدته الثورية (إن المجتمع المدني هو إشكالية يجب حلها بدلاً من كونه حلاً يجب العثور عليه). فقد استمد الماركسيون ارتيابهم من أن الأسواق غير المنظمة (الحرة أو الفالتة) تستطيع أن تدمر إمكانية الحياة المتحضرة نفسها*2

ولتبيان أهمية منظمات المجتمع المدني، يسوق المؤلف (جون إهرنبرغ) مثالاً حدث في الأرجنتين عندما خرجت نساء تتبع لمنظمة (Mothers of the Plaza de Mayo) وهن نساء اختطف النظام الأرجنتيني أطفالهن بين عام (1976ـ 1983) خلال ما سُمي ب (الحرب القذرة) وعدد هؤلاء الأطفال حوالي ثلاثين ألفاً وقتلهم جميعاً لأن آباؤهم من اليساريين المناهضين للنظام، فخرجت الأمهات والجدات لابسات الملابس البيضاء (رمزاً لحفاظ الطفل)، وهذا ما جعل النظام الأرجنتيني مفضوحاً أمام العالم وأمام شعبه.

ولكن المؤلف يسوق مثالاً آخراً، يبين التلاعب في نوعية المزايا التي تتحقق من تلك المنظمات، فيذكر أن مطالب كثيرة قام بها الأهالي المجاورون لأراضي زراعية تملكها الحكومة الفدرالية الأمريكية يطالبون بتمليكها للمزارعين للاستفادة منها، وبعد تلك المطالبات تم توزيع الأراضي واستفاد منها كبار المزارعين بشكل كبير في حين لم يستفد صغار المزارعين إلا بالنزر اليسير.*3

(4)

يتناول المؤلف قضية مهمة جداً، وهي أنه من يهتم بالمجتمع المدني؟ هل يهتم به المُشرد والكادح والفقير؟ أم حتى أنه هل تهتم به نسوة هذه الأيام اللواتي لم يعدن يجلس ببيوتهن، لقسوة الظروف الاقتصادية، بل يعملن وأزواجهن لا يقل عن 12 ساعة في اليوم.

ويذهب أبعد من ذلك، عندما يُجبر أشخاص لحضور اجتماعات تناقش قضايا المجتمع المدني (والإجبار هنا، بحكم العلاقة بين الداعين للاجتماعات وتابعية المدعوين وعدم قدرتهم على رفض طلبات من دعوهم). وتكون المعلومات والحقائق محجوبة (بخبث أو بطيب نية) عن المدعوين، فيتداول مناقشتها متنافسون يعلمون سبب حضورهم!

ويذهب صاحب كتاب (الصوت واللامساواة) الى القول: (المشاركة السياسية بدءاً من التصويت، مروراً بكتابة الرسائل، والانتماء الى التنظيمات السياسية، والدعم بالأموال، والمشاركة في المظاهرات، موسومة بدرجات من اللامساواة أعلى من أشكال النشاط العام الأخرى.) ويصل في حديثه عن المجتمع المدني على أنه (مخترق كلياً بالعلاقات الطبقية، أما اللامساوة في توزيع الموارد السياسية فهي دالة الحياة الاقتصادية)*4

إن المشاركة الديمقراطية المثمرة تقتضي أن تكون أصوات المواطنين في السياسة واضحة وعالية ومتساوية: واضحة حتى يعرف المسئولون ما يريده المواطنون وما يحتاجونه؛ وعالية حتى تكون حافزاً للمسئولين لإيلاء العناية بتلك المطالب؛ ومتساوية حتى لا يُنتهك المثال الديمقراطي.

(5)

يمر المؤلف على إحصائيات تدلل على أهمية الاقتصاد في تحفيز المواطنين الأمريكان في الاشتراك بالديمقراطية، أو منظمات المجتمع المدني. فيقول: أنه وقت تأليف كتابه كان 1% من الأمريكان يملكون ثلثي الثروة في الولايات المتحدة. وأنه في نفس التاريخ انخفض دخل نصف الأمريكان الى أقل بكثير مما كان عليه في عام 1973. وأنه في عام 1998 وحدها اتحدت مجموعة شركات بما مقدار رؤوس أموالها (التريليون من الدولارات).

ويصف جورج سورس (George Soros) وهو واحد من أكبر أصحاب النفوذ الإعلامي في العالم، ومن أكبر المدافعين عن المفاهيم الليبرالية الأمريكية، يصف الوضع بقوله في مقالة نافذة في (أتلانتيك مونثلي Atlantic Monthly في 2/2/ 1997) (( إن الزيادة الكثيفة في ما تتمتع به رأسمالية المنافسة الحرة من انفلات من رقابة الدولة وانتشار قيم السوق في نواحي الحياة كلها يعرضان مجتمعنا المفتوح للخطر؛ أن العدو الرئيس للمجتمع المفتوح، على ما اعتقد، هو الخطر الرأسمالي لا الشيوعية)).

انتهى عرض الكتاب بحمد الله





هوامش من تهميش المؤلف

*1ـ Colin L. Powell, "Recreating the Civil Society – One Child at a Time," Brookings Review, vol. 15, no. 4( Fall 1997), pp. 2-3
*2ـ Karl Polanyi, The Great Transformation (Boston: Beacon Press1957
*3ـ McConnell, Private Power and American Democracy, p349
*4ـ Sidney Verba, Kay Lehman Schlozman and Henry E. Brady, Voice and Equality: Civic Voluntarism in American Politics (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1995) p522
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس