عرض مشاركة مفردة
قديم 22-03-2011, 01:49 PM   #29
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

أحلام التجديد

(1)

اكتشف الغرب أن خطاب الأخلاق لا يستطيع بناء ميدان عام ديمقراطي في بيئة موسومة بالنزاع السياسي، والصراع الطبقي، والعنف، واللامساواة الرأسمالية.

اعتقد بعض علماء الاجتماع والسياسة الأمريكيين، أن التاريخ الأمريكي قدم إجابة لحل هذا المأزق؛ لأنه أثبت أن مقولات الفردية لا تستطيع أن تقدم تفسيراً غنياً كفاية للحياة الاجتماعية. فالناس لا يَخْلقون أنفسهم بأنفسهم كما يبدو. وهذا ما قاله (روبرت بيلاه Robert Bellah) (( نحن لم نكن، ولسنا أبداً، مجموعة أفراد خصوصيين لا شيء يجمعهم غير عقدٍ واعٍ لتكوين حكومة الحد الأدنى. لقد صار لحياتنا معنى بألف طريقة وطريقة، وأغلبها لا نعيها، بسبب تقاليد يمتد عمرها لقرون إن لم يكن لألف عام. إن هذه التقاليد التي تعيننا على معرفة أهمية اختلاف طبائعنا وطبيعة تعاملنا مع بعضنا بعضاً))*1

لا تشكل الذاكرة الجمعية والتقاليد المنتقاة من (الألفية) أسساً يُعتمد عليها على نحوٍ خاص لبلورة نظرية عن المجتمع المدني، ولكن من السهولة فهم ما تحظى به من جاذبية. فالفضائل التي كانت تسود البلدة الصغيرة في عصرٍ غابر لا تستطيع أن توفر المحتوى الديمقراطي لمجتمع مدني تؤطره قوى اقتصادية جبارة ودولة قوية. ولكن يمكن للتقاليد التراثية أن تمد يد العون.

إن تصور المجتمع بوصفه متكوناً من مجموعات مختلفة تماماً، ولكن مستقلة عن بعضها بعضاً، من شأنه أن يُنتج لغة عن الصالح العام يمكنها أن تقضي بين الحاجات والمصالح المتعارضة، وبذلك تخفف من الأثقال التي ينوء بها منطق الحقوق الفردية*2

(2)

إن البديل الواعد من دولة السيادة ليس مجتمعاً عالمياً واحداً قائماً على تضامن الإنسانية، إنما على مجتمعات وهيئات سياسية متنوعة ـ بعضها أكبر من الأمم وبعضها أصغر ـ تتوزع عليها السيادة. ويرى صاحب هذا القول أنه (إذا لم تستطع الأمة أن تستجمع أكثر من الحد الأدنى من الشراكة، فلا يبدو أن المجتمع العالمي يستطيع أن يفعل ما هو أفضل... صارت السياسة في المجتمع الصغير أهم لا أقل أهمية. فالناس لا يقدمون الولاء الى الكيانات الكبيرة والنائية، أياً تكن أهميتها، إنما يمنحون ثقتهم لتلك المؤسسات المرتبطة بنوع من التنظيمات السياسية التي تعكس هوية المشاركين)*3


يرى أصحاب مثل تلك الآراء، أن مؤسسات المجتمع المدني، كالمدارس، وأماكن العمل والمعابد والنقابات والجمعيات الخيرية، هي المواقع الجديدة للنشاط الديمقراطي في عالم ما بعد الحداثة المكتظ بالعديد من الولاءات والهويات والذوات. وإن التشتت والخصوصية والهوية يمكن أن ترسي فلسفة عامة تعالج ضياع الحكم الذاتي وتآكل الجماعة.

إذا كان الرأي السابق يعود للمدرسة الليبرالية التي تركز على الفرد باعتباره مركز لفلسفتها، فإن هناك مدرسة (الجماعيون) [ أي التي تنأى بالتركيز على الجماعات]، وهي مدرسة أقل عداءً للدولة، لا بل تذهب الى ضرورة حماية قدرة الدولة على رعاية الجماعات، وذلك بحماية تلك الجماعات من مساومات جماعات المصالح. وهي ترى أن دولة إيجابية يمكنها أن تحسن الصالح العام الأكثر أهمية من دفع المدرسة التعددية باتجاه المصلحة الخاصة.

(3)

حاول (روبرت بوتنام Robert Putnam ) أن يفسر ظاهرة تفوق شمال إيطاليا على جنوبها في التجربة الديمقراطية، وهو بذلك كان يبحث كمُنظِّر عن المصادر العميقة للديمقراطية. وقد كشف لنا أن الديمقراطية والمؤسسات السياسية الفاعلة تعتمد على مجتمع مدني متطور تزدهر فيه روابط وسيطة وثقافة مدنية.

يكتب (بوتنام) بأن شمال إيطاليا ووسطها ومركزها الصناعي، قد شهدا مشاركة فاعلة في الشأن العام، ومساواة سياسية واسعة، وانتشار قيم التضامن، والثقة، والتسامح، إضافة الى بنية كثيفة من الروابط ذات الانتماءات المتعددة، وقام في ما بينها تعاضد عالي المستوى، بصورة أقوى بكثير مما شهده جنوب إيطاليا الريفي والمتخلف. فأهل الشمال مشاركون فاعلون في الشأن العام، ويتابعون الصحف بانتظام، وغالباً ما يشاركون في التصويت. وهم راضون عن الهيئات والقادة المحليين.

يفسر بوتنام تلك الظاهرة، بأنه وخلال ألف عام، أرست التجارب (الكومونات) [أي الأشكال الأولية من التنظيم السياسي المحلي، وإدارات محلية سبقت نشوء الجمهورية]، والتي أكسبت السكان مهارات في تنظيم شؤونهم وتمويل القطاعات العامة، ولم تكن الكنيسة (مثلاً) إلا مؤسسة واحدة من بين مؤسسات عديدة، فكانت الروابط الاجتماعية والاقتصادية والمدارس وغيرها تدار بطريقة تنشد التطور والتقدم الذي يرفد الثلاثي (المال، والأسواق، والقوانين).

أما الجنوب، فكان الحال على العكس: فالنظام الملكي المركزي القوي كان ينظم الحياة بأوامر فوقية، وخانقاً المبادرات المحلية، ومعيقاً تطوير تقاليد الروح المحلية. وعملت العلاقات الاجتماعية التراتبية، والكنيسة المتنفذة، وأرستقراطية قوية مالكة للأرض على كبح قيام حكم محلي ذاتي. ما زال الجنوب، الى يومنا هذا، تسوده تقاليد اللامساواة، والتبعية الشخصية. (إن المناطق ذات الروابط المدنية العديدة، والكثير من القرَّاء المتابعين للصحف، والكثير من المصوتين المعنيين بالمسائل الخلافية، وقلة من شبكات الإتباع للسادة والزبائنية، كلها تساعد على ازدهار حكومات أكثر فاعلية). *4

(4)

يُعَبِّر كثير من علماء الاجتماع (الجماعيين) عن مخاوفهم من نظام اجتماعي أمريكي مهترئ. فيعتقد (بوتنام) أن ضعف المجتمع المدني الأمريكي يعود الى تدهور رأسماله الاجتماعي. وعلى الرغم من مستويات التعليم العالية، فإن الناس يدلون بأصواتهم، ويشاركون في الأنشطة السياسية الأخرى بزخم أقل مما كانوا يفعلون من قبل. ومعروف الآن أن ثقتهم بالحكومة أقل من السابق. غير أن التدهور لا يقتصر على السياسة وحدها. فلقد شهدت جموع المواظبين على الحضور الى الكنيسة، وكذلك النشاطات ذات الصلة بها، انخفاضاً ملحوظاً، وتقلصت أعداد المنتمين للاتحادات العمالية ..الخ

ويسخر بوتنام من المنظمات الاجتماعية الحديثة، فيقول إن تلك المنظمات الأمريكية لا تفعل سوى أن تتيح لأفرادها التحدث عن أنفسهم أمام الآخرين.

يُطلق (بونتام) على هذا التدهور (تآكل رأس المال الاجتماعي)، والذي ينذر بتفتيت الولايات المتحدة واندثار بنيتها الاجتماعية، ويسأل لمَ يحدث كل هذا؟ ويتطرق في إجابته الى أن الأجيال الجديدة لا تهتم بشأن عام، فتقضي معظم أوقات فراغها في مشاهدة التلفزيون، وألعاب الكمبيوتر والمحادثات الجانبية غير المهمة. ولكنه يسأل لما يفعلون ذلك؟ فيرجع أسبابه الى طبيعة الدولة وقوانينها التي تجعل من نفسها شيئاً بقدر ما يُعتمد عليه في إدارة شؤون البلاد، بقدر ما تجعل من نفسها مشرعة لقوانين لا حول للمواطن ولا قوة في تغييرها، فتحدث اللامبالاة!




هوامش من تهميش المؤلف
*1ـ Robert N. Bellah et al. , Habits of the Heart: Individualism and Commitment in Amarican Life (Berkeley: University of California Press, 1985 p.282
*2ـ المصدر نفسه، ص 285.
*3ـ المصدر نفسه ص 346.
*4ـ Robert D Puntam, Robert Leonardi and Raffaella Y. Naneti, Making Democracy Work: Civic Tradition in Modern Italy (Princeton University Press, 1993) p 99
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس