عرض مشاركة مفردة
قديم 22-01-2011, 11:33 AM   #27
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

الفصل الثامن

المجتمع المدني والرأسمالية

(1)

لعل المنشقين في أوروبا الشرقية الذين استخدموا لغة المجتمع المدني في هجومهم على الدولة الاشتراكية، معذورون لفشلهم في تقدير خطر السوق الرأسمالية الداهم. وأياً كان مزيج سذاجتهم، ويأسهم، ولامسؤوليتهم، فقد كان لهم خصوم أقوياء تتوجب منافستهم، وحلفاء مهمون يجب إرضائهم، وقلة من مصادر الدعم النظري والنشاط العملي المحلي يستندون إليه. ولعلهم تخيلوا صادقين أن (المجتمع المدني) المعافى يمكن أن تتعايش مع مجموعة من الخدمات الاجتماعية السخية، غير أن آمالهم تبخرت أمام المنطق الحديدي لمتطلبات السوق القاسية.

لقد حققت (الاشتراكية التي كانت قائمة في أوروبا الشرقية) قدراً من الرفاه الاجتماعي (اختفاء البطالة، التعليم المجاني، الصحة المجانية، تأمين السكن الخ)، ولكن الديمقراطية السياسية كانت مسألة أخرى تماماً. وهذا يساعدنا على تفسير السبب الذي دفع الأوروبيين الشرقيين الى التنظير للمجتمع المدني بمصطلحات ليبرالية.

لقد نُحيّت المسائل الاقتصادية جانباً تقريباً، وأما آثارها الجانبية البغيضة فلسوف تعالج بعد إقامة (دولة القانون)، وإعادة توحيد أوروبا. لكن لذلك ثمنه الذي كان يجب دفعه، وسرعان ما وصلت فاتورته. ولكن الأمل في أن يكون الشعب الحيوي قادراً على الدفاع عن مجاله العمومي (Public Sphere) قد تلاشى عندما تبين أن كلاً من السوق والدولة التي وسعته وحمته هما ميدانان للقسر، واللامساواة، والإقصاء. وفي منتصف عقد التسعينيات أخذ الخطاب الجامح عن المجتمع المدني يذوي في أوروبا الشرقية.

عندما أعلن المثقفون في الغرب (نهاية عصر الأيديولوجيا)، وفسروا كيف أن لا مبالاة المواطن تتيح للنخب قيادة المجتمعات الجماهيرية في شروط من الإصلاح الاجتماعي والاستقرار السياسي. كان ثمة مجتمع استهلاكي غير مسبوق تاريخياً آخذاً بالتشكل في الغرب، وساعدت التعددية على تلطيف الجو عندما برهنت على أن المصالح غير السياسية يمكن أن تسهم في الاندماج الاجتماعي.

أسس التعددية

(2)

خرج علم السياسة الأمريكي من الحرب العالمية الثانية وهو واقعٌ تحت تأثير النماذج الاقتصادية، فراح يركز على الفاعل الفرد (Actor) بوصفه العنصر الناشط الوحيد الذي يستطيع أن يفهم مصالحه، ويضع الخطط للوصول إليها.

وقف (ترومان)*1 ليقول: ((أن الفرد في المجتمعات كلها، المُعقد منها والبسيط، يتأثر مباشرة بالمجتمع ككل بصورة أقل من تأثره بأقسام هذا المجتمع الثانوية ومجموعاته)). وأن فهم السياسة يقتضي دراسة التوسطات الناشئة.

قال ترومان: (( عند بلورة تفسير مجموعة ما للسياسة، فلن نكون بحاجة الى تفسير مصلحة شاملة كلياً؛ لأن مثل هذه المصلحة الكلية لا وجود لها))*2. تنشأ السياسة العامة (الحكومية) عن التفاعل بين اداعاءات مجموعات المصالح؛ والقدرة على الوصول الى ما تبتغيه هذه المجموعات يعتمد على موقعها في المجتمع المدني، وتنظيمها الداخلي، وعلى المؤسسات التي توجه إليها جهودها.

وفهم السياسة يعني فهم التفاعلات المعقدة. ((وسواء أكنا نعاين مواطناًَ فرداً أو منتمياً لحزب سياسي، أو مُشرعاً، أو رجل إدارة، أو حاكماً، أو قاضياً، فإننا لا نستطيع وصف مشاركته في مؤسسة الحكومة، دع عنك تفسيرها، إلا بموجب مصالحه التي يحددها لنفسه، وبموجب المجموعات التي ينتمي إليها ويواجهها))*3

(3)

لقد حدد ترومان وسيلتين تنظيميتين تصونان الاستقرار السياسي. أولاهما البنية المعقدة للانتماءات المتعددة والولاءات المتشابكة، وثانيهما مفهوم المصلحة غير المنظمة.

وتتأسس الانتماءات المتعددة في الجماعات المحتملة على المصالح المتبناة والمقبولة التي كانت بمثابة عجلة توازن في نظام سياسي قائم. ومن دون الانتماءات المتعددة يستحيل إيجاد نظام حكم قابل للحياة. وفي نظام سياسي حيوي نسبياً تكون تلك المصالح (غير المنظمة) سائدة بتواتر كافٍ في سلوك قطاعات مهمة في المجتمع.

(4)

يقول صاحب الكتاب: ثمة ثلاثة خلائط من النزعات والمستويات النفسية للنشاط السياسي أطرت التحليل. تميزت الثقافة (الضيقة) ل (العالم الثالث) المتخلف بمستويات منخفضة من المصلحة، ومن النشاط، ومن الولاء. بينما كشفت ثقافة (الإذعان) الشيوعية عن مستويات عليا من المعرفة السياسية عن النشاط الحكومي، ولكنها ثقافة عرجاء بسبب مفهومها المتدني للفاعلية الفردية. وأخيراً، اتسمت ثقافة (المشاركة: Participant) الأنجلوأمريكية بمستويات عليا من المصلحة، والنشاط، والتأثير الفردي.

لقد أوصى (ألموند وفيربا) مؤلفا كتاب (الثقافة المدنية: The Civic Culture) المجتمعات التي يتصف حكمها بالقومية (التحديثية) في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية بأن تتبنى مجتمعاً مدنياً يتألف من التجارب الثلاث كلها.

لقد سعت المدرسة التعددية الى تفسير كيف أن مجموعات المصالح في المجتمع المدني تترجم الانشغالات الفردية الى مصطلحات سياسية، وتساعد في صياغة سياسة عامة. فالانتماءات المتعددة والولاءات المتشابكة تفضي الى التسويات الوسطية والتكامل، لتطمين مدى واسع من المصالح الناشئة في المجتمع المدني من دون وقوع اضطراب سياسي كبير.


هوامش
*1ـ ديفيد بيكنيل ترومان (1913ـ 2003): أكاديمي أمريكي، الرئيس الخامس عشر لكلية (ماونت هوليوك) ـ جامعة كولمبيا.

*2ـ David Bicknell Truman, The Governmental Process; Political Interests and Public Opinion نيويورك 1951، صفحة 51. (تهميش المؤلف).
*3ـ المصدر نفسه صفحة 502.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس