الموضوع: شقاء السعادة
عرض مشاركة مفردة
قديم 15-03-2010, 02:17 PM   #13
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي


(36)

لم يشأ أستاذ التاريخ، أن يسأل صابر عن وجهة ذهابهما، فمثل تلك الأسئلة لا لزوم لها، في أماكن لا يكون للوقت قيمة كبيرة.

صعدا في طريقهما الى (تل) يتوسط البلدة، كان الناس في العهود القديمة يقبرون موتاهم فيه، وكان بعض سكان الأجيال القديمة، يسكنون في كهوفٍ صنعوها بحفرهم آباط التل، ليستخرجوا الحجارة منها ليستخدمونها في بناء واجهات لتلك الكهوف أو (المساكن)، ويبدو أنهما اختاروا تلك المنطقة لسكنهم تجنباً للفيضانات، واحترازاً من أخطارٍ يعيقها مثل ذلك الارتفاع.

لم يتمسك أهل البلدة في ملازمة هذا المكان وفاءً لأجدادهم، وربما لم يكونوا من أجدادهم، وهذا ما يفسره سلوكهم في البحث عن الذهب أو اقتلاع الحجارة من ذلك المكان ليكملوا به أبنيتهم في مناطق تبعد عنه. وكثيراً ما كان يصادفهم أن يعثروا على عظامٍ أو جماجم، يرمونها كما يرمي آكل (كوز) الذرة ما تبقى منه. فهم لا يعرفوا على وجه الدقة إن كان من سكن تلك المنطقة أغنياء أم فقراء، ولم يعرفوا ولا أظنهم يريدون أن يعرفوا إن كانت تلك العظام والجماجم لقائدٍ يوناني أو مملوكي.

وربما يكون احتقارهم لذلك المكان هو ما جعلهم يستخدمونه ك (مزبلة) يرمون فيها فضلاتهم التي جل مكوناتها الرماد فقط. فزادت مخلفاتهم المكان ارتفاعاً فوق ارتفاعه.

كان الناس وقت فراغهم ـ وما أكثره ـ أن يرتادوا ذلك المكان ليتربعوا فوق ترابه المسود من أثر الرماد والمتماسك من كثرة ما يجلس فوقه هؤلاء. كانوا يمارسوا فوقه رياضة الصمت والهدوء والنظر الى ما سيصل له بصرهم. ويركز كل واحدٍ منهم على نقطة بعيدة، وكأنه في وضع مراهنة مع آخرين لإطالة وقت التحديق بنفس النقطة دون كلام. ولو مر من أمامه (فيل) ـ وهو مستحيل في تلك البقعة ـ لاخترق بصره حجم الفيل دون أن يلفت انتباهه.

في جو مثل ذلك، يتساوى من يلقي التحية مع من لم يُلقها، انزوى صابر في مكان يبعد عدة أمتار عن مجلس الرجال، وأومأ لأستاذ التاريخ أن يجلس أو يتربع كما فعل.

حاول أستاذ التاريخ أن يلحق ببصره المجال الذي يركز فيه الرجال، عله يعثر على ما يشد انتباههم، لكنه أخفق، فلم يكن أمامه من على التل المرتفع، إلا مروج خضراء تتموج بفعل النسيم الدافئ وتبدو من على بعد وكأن اصفراراً اختلط مع خضارها.

كان يحاول أن يلتقط بعض العبارات التي تخرج من أفواه هؤلاء الرجال، لكن دون فائدة، فالصمت طاغٍ على عباراتهم، وقد يختتم أحدهم نوبة تحديقه في الأفق بلفظ الجلالة موحداً أو داعياً.

اقترح أستاذ التاريخ على صابر أن ينزلا من على التل ويتوجها الى الحقول المترامية شرق البلدة، فوافقه ونهضا.

(37)

لفت انتباههما صياح رجلٍ يركب فرساً ويتدلى من تحته (خُرْج) مصنوع من صوف الأغنام الملون بالأحمر والأصفر والأسود، فتوجها نحوه، إذ كان يجري بينه وبين مجموعة من الفتية جدالٌ صاخب.

كان (السندياني) وهو من غير أهل البلدة أصلاً، ولكنه سكن فيها على إثر رحيل له من بلدته الأصلية بعد نزاعٍ وإراقة دماء ونحو ذلك. كان قد اختار لنفسه مهمة حارس الحقول (المْخَضِر)، لقاء أجرٍ يأخذه على شكل حبوب في نهاية الموسم (بعد الحصاد)، ولم يكن أحدٌ ليعترض على تطوعه هذا، ولم يكن هناك من وقع معه عقد عمل، وكان يفعل نفس الشيء في رمضان، إذ يحمل طبلاً ويوقظ النيام ليتناولوا طعام السحور (مسحراتي)، ليأخذ في نهاية الشهر الكريم ما تجود به الأنفس.

سأله أستاذ التاريخ: ما بال الفتية يا عم؟
ـ وجوههم باردة، يتراكضون بين أعواد القمح، ويكسرونها..
صاح أحد الفتية: لا تقل وجوهنا باردة، احترم نفسك، نحن أحرص على عيدان القمح منك، هذا الحقل لوالدي ونحن نبحث عن نبات (الكزبرة البرية).
ـ حتى لو كان لوالدك، فالأمانة تقتضي أن أحرس الحقول حتى من أصحابها!
ـ يا سلام، لا يكون أنك تفتكر نفسك أستاذاً.
تدخل صابر ونهر الفتى وأمره بالمغادرة.
أراد أستاذ التاريخ أن يطيب خاطر السندياني: بارك الله بك يا عم، هل تعلم يا صابر كم عمر تلك المهنة؟
ـ لا والله .. ليس عندي علم بذلك، لكني وعيت على الدنيا وأنا أرى السندياني يقوم بها، ولم أسمع أن هناك من أبناء البلدة من يعترض عليه. بالعكس فقد سمعت شيوخ البلد يأمرونه بضرب من يخالف التعليمات حتى لو كانوا من أبنائهم.
ـ يُقال أن تلك المهنة من أيام السومريين، وأهميتها تكمن ليس في حراسة الحقول من الأغنام والرعاة، وإنما حراسة حتى الأراضي (البور ) من الرعي فيها.
ـ ولماذا حراسة البور؟
ـ إنه لا يحرس الأرض البور، بل يحرس النباتات الرعوية فيها، ولو تُركت الأغنام ترعى في الأراضي البور قبل تكوين الأزهار والبذور لنباتات الرعي، لاختفت النباتات المستساغة وانقرضت، وعندها لن يبقى في الأرض إلا النباتات الرعوية سيئة المذاق وقليلة الفائدة.

ابتهج السندياني من كلام أستاذ التاريخ، وقال: ما أحلى العلم وما أسوأ الجهل، هاتِ فهم هؤلاء الجهلة ـ يقصد الفتيان ـ الله يكمل هذه السنة على خير، المطر انقطع منذ أكثر من أسبوعين .. اللهم أسقنا الغيث.

(38)

عندما دخل صابر الى ديوان والده، وجد زوج عمته جالساً، فانحنى نحوه وقبله، كان زوج عمته رجلاً بديناً قصير القامة، وجهه مليء باللحم، وشعر لحيته قصيراً أبيضاً ومتباعداً، ليس به غزارة، ولم يكن ممن يحلقون ذقونهم بشكلٍ دءوب ولا هو ممن يربون لحاهم، وكانت شفته السفلى غليظة، لا تطبق على أختها العليا، فيبدو من خلالها صف أسنانه الأسفل ظاهراً ومصفراً، ليتناغم مع تهدل لحم خديه للأسفل، وأنفه المكور الضخم.

كان قليل الكلام، ونادراً ما يزور بيت أبي صابر، كما أنه على خلافٍ دائمٍ مع شقيقيه اللذين يشبهانه لحد كبير.

أزاح برأسه متوجهاً نحو صابر، وثبت عيناه على وجهه، ثم سأله: ألن تعود الى جامعتك قريباً؟

انتبه أبو صابر، فأرسل نظرته الى صابر، ليتحالف استغرابهما حول هذا الاهتمام المفاجئ. فهما يعرفان الرجل جيداً، لم يُسعف محتاجاً في يوم من الأيام، ولم يستدن حتى من شقيقيه إذا ما اضطرته الحاجة، بل يذهب الى (نصراني) في بلدة قريبة يرهن عنده قطعة أرض ويستلف بعض المال، وقد تنازل له عن الكثير من أرضه، وعمل له كجالبٍ للزبائن.

عندما يريد الله أعود للجامعة، أجابه صابر.
توجه الآن بنظرته الى أبي صابر، بع له قطعة أرض (العوصلانة الفوقا) ودعه يكمل دراسته.

توقف الحديث بعدما دخل برهان العقر بطوله وهيبته ولهجته المحببة، بعد أن حياهم بصوت عالٍ، قال: هات البشارة يا أبا صابر لقد عثرت على أحد أرسان أبقار أبي نجم الشركسي.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس