عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 06-06-2009, 10:10 AM   #9
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,414
إفتراضي

تطور القوانين الخاصة بالعشائر لتتماشى مع روح العصر

بادرت بعض الدول العربية الى تهميش القوانين والعادات العشائرية، ففي العراق بالسبعينات من القرن الماضي، حاولت دوائر الأحوال المدنية شطب اسم العشيرة من البطاقة الشخصية للمواطن، واكتفت بالاسم الرباعي دون ذكر عشيرته مثل: (احمد محمد سالم علي)، لدفع حالة التعاطف العشائري والمحاباة في دوائر الدولة الى الاختفاء، ولكن ذلك لم يمنع المجتمع الريفي والبدوي من إبقاء عاداته وتقاليده في فض الخصومات وإحقاق الحق على طريقته، مما اضطر الدولة الى عدم حسم الخلاف بين المتخاصمين في مناطق واسعة من العراق دون أخذ الاعتبار لما هو عليه الحال في مجتمعاتهم، فلم تفرج عن متهم دون إسقاط حق من اتهمه عنه، وإجراءات إسقاط الحق هذه كانت تمر ضمن قنوات تعتمد الأعراف العشائرية.

وقد كان هذا الأمر يتعدى حدود العراق، فكانت الخلافات التي قد تحصل بين مواطن عراقي مع سوري أو سعودي أو أردني، تتم ضمن اتصالات تعتمد الأسلوب العشائري.

وفي الأردن، ونتيجة لتداخل ما هو سياسي وما هو مدني، اتجهت الحكومة الى إلغاء القضاء العشائري عام 1976، وعدم اعتماده من قبل الدوائر العدلية والأمنية، ولكن شيوخ العشائر لم يوافقهم هذا الأمر مما حدا بالحكومة الأردنية لإيجاد صيغ توفيقية، تجمع بين القوانين المدنية واستشارة العشائر، وقد حاولت الحكومة إنشاء محافظات خاصة بالبدو، تترك لهم شأنهم في قضائهم العشائري، في حين لم يكن الاعتراض قد أتي من البدو فقط، بل جاء من مناطق ريفية ومدنية أخرى.

العوامل المؤثرة في تعقيد القضايا

قد يكون الحادث أو الجرم بسيطا في بعض الأحيان، ولا يحتاج الى معونات عشائرية، كحادث مشاجرة أو إصابة بإطلاق نار في احتفالات الأعراس، أو حتى حادث دهس بسيارة، وهي حوادث يستطيع القضاء المدني أو الحاكم الإداري معالجتها دون إحالتها للمعالجة العشائرية. ومع ذلك سنجد أن هناك من الناس ما يجعل من هذا الحدث البسيط مناسبة هامة، ما هي العوامل التي تقف وراء تصنيف الحدث؟

1ـ قوة العشيرة اجتماعيا، فأبناء العشيرة التي لها حضور اجتماعي، سيجدون من حادث (دهس) طفل مناسبة، للتعريف بأهميتهم وكرمهم وكثرة رجالهم، خصوصا إن كانت تلك العشيرة ممن يرغب في تبوء مناصب لها علاقة بالانتخابات، كالبرلمان والبلدية وغرفة التجارة. في حين يكون أفراد العشيرة الضعيفة أو العائلة الصغيرة التي تعيش وسط مجتمع عشائري لا يحبذون المضي قدما في إجراءات التصالح العشائري، لأكثر من سبب أهمها: عدم تلبية وجوه العشائر في مشاركتهم (مشوارهم) وحتى لو قضت تلك الأعراف بإعطائهم حقهم فهم نادرا ما يحصلون عليه.

كما أن أبناء العائلات الصغيرة والفقيرة، إذا ما وقع أحدهم بمشكلة كأن يدهس أحدا، فإن أحد من العشائر الكبرى لن يكفله لأنه ليس باستطاعته القيام بدفع ما يتوجب عليه.

قبل عشرين عاما اصطدمت شاحنة كبيرة بسيارة نقل ركاب تقل خمسة ركاب مع سائقهم، توفي منهم اثنان وجرح البقية وكانوا من مناطق متباعدة، وعندما أشار الناس على سائق الشاحنة (لم تكن الشاحنة له) أن يلجأ للمصالحات العشائرية، حتى يتم إخلاء سبيله من التوقيف، لم يستطع أقاربه أن يدفعوا فواتير المستشفيات، ولم يستطيعوا تأمين سيارات لنقل الوجهاء، مما دفع ذلك العشيرة (الكافلة) أن تعلن انسحابها ـ خلافا للعادات ـ من تكملة المشوار، وأجبر ذلك أهل المصابين والمتوفين أن ينتظروا إجراءات التأمين لتعوض عليهم.

2ـ طمع بعض المصابين والمتأذين بالحصول على المال.
تشاجر ذات يوم جنديان في ثكنتهما، فضرب أحدهما الآخر، وكان الاثنان من عشيرتين ذات أعداد كبيرة ومنهما رجال دولة الخ. وقد حجزت الوحدة العسكرية الضارب حتى تتم إجراءات إسقاط حق المضروب.

وقد اشتركت بثلاث محاولات للصلح، وكانت (الجاهة ) تعد أكثر من خمسين رجلا، وكان في استقبالهم عشيرة (المضروب) وتأكدت أن من الحاضرين ثلاثة من رتبة (عميد متقاعد). ولم تكن الحادثة تحتاج الى كل هذا الجهد، فخرجت في المشوار الثالث ألتمس تفسيرا لتلك التعقيدات، فصادفت شابا سألته ببعض المكر عن (المضروب) وعن السر في عدم (توجيبه واحترامه) لتلك الطقوس. فقال: بصراحة أن (المضروب) يعلم أن من ضربه لن يُفرج عنه ما لم يتم الصلح هنا، وأن (المضروب) يطمع بألف دينار لتسديد أقساط سيارته، ولن يهتم بكل تلك الطقوس إن لم يحصل على المال!

عدت وهمست لأحد الوجهاء بما فهمت طالبا منه أن ينهوا تلك المجادلات العقيمة وعليهم إحضار المضروب الى الديوان، فحضر ووضع يديه على الباب ولم يكن يلبس تحت قميصه الخارجي المفتوح من الأعلى أي لباس، ولم يكن مهتما لا بالرتب العسكرية ولا بالوجوه، وطلب ألف دينار ليسقط حقه عن زميله.

3ـ عدم إخلاص الجاهة لمن يبعثها في مهمة
تشاجر اثنان، أحدهما ابن لرجل اغتنى فجأة وأصبح من أصحاب الملايين، فضرب من اختلف معه بأداة حادة قلعت عينه، وذهب المصلحون وكان من بينهم أربعة نواب في البرلمان ورجال من مختلف أنحاء المنطقة.

ولاحظت عدم تعاطف الجاهة الكبيرة مع والد الجاني، فالأعراف تدلل على أن فقدان رجل أو يد أو عين لها ربع دية القتيل، ولكن (ارتخاء) الجاهة جعل أهل المتأذي يطلبون مبالغ هائلة، مما استدعى عدة مشاورات وعدة جولات، وعندما لاحظت أن الجاهة قبلت بتعويض يزيد عن ثلاثة أضعاف دية القتيل، ذكرت الجاهة بالآية الكريمة (ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن ألا تعدلوا) .. طلب مني الجميع أن أصمت، متذرعين (نريد أن نخلص .. ووالد الجاني لن يتضايق) .. وعندما قلت لهم أنكم تمدون جسرا سيمشي عليه غيركم .. اتقوا الله .. تجاهلوني فخرجت مع ثلاثة ممن لم يعجبهم الأداء..

4ـ تسديد إساءات قديمة ..

أحيانا، يتحين البعض أن يخطئ من أتعبهم في قضية قديمة لينتقموا منه في أي خطأ يقع به، فيعقدون مهمة الصلح.

5ـ ضعف الحاكم الإداري واستجابته للضغوط.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس