عرض مشاركة مفردة
قديم 18-04-2014, 11:44 AM   #4
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

الموائمة الاضطرارية لدى الشباب في اختيار جماعاتهم

الموائمة: آتية من الجذر (وأم) وهو الموافقة والاقتداء بما تنتهجه جماعة، وفي الأمثال في العصر الجاهلي القديم، لولا الموائمة لهلك الناس.

والجماعة، هي العدد الذي يتجمع فيه أفرادٌ قلوا أم كثروا ، فقد يكونوا ركاب سيارة اعتادوا الذهاب فيها الى عملهم، وقد يكون أمة كثيرة العدد، وهي أحد مصادر الفعل (جَمَع: عكس فرّق)، ومنها يوم الجمعة، حيث كان يجتمع المسلمون فسموا ذلك اليوم بالجمعة في حين كان بالجاهلية يسمى يوم (العَروبة).

والجماعات من حيث نشأتها، منها: الطبيعية كالأسرة والعشيرة والدين والطائفة وغيرها، ومنها ما هو اصطناعي يتم بمحض إرادة الفرد، كالنقابة والحزب والشلة والبرلمان وغيرها*1. ومن حيث مدة البقاء فمنها ما هو دائم كالانتماء للعائلة والنقابة والمواطنة، ومنها ما هو مؤقت كركاب طائرة أو الوفد أو فريق كرة قدم، فما أن ينزل الركاب من الطائرة، لم يعودوا جماعة، وما أن تنتهي المباراة أو الوفد حتى تنتفي صفة الجماعة عن أفراده.

وقد ورد بالقرآن الكريم ذكر الكثير من الجماعات، كالأهل والعشيرة والطائفة والزمرة والفريق والقوم والرهط والأمة والشعب والقبيلة والحزب الخ.

وأهمية الجماعات والبحث فيها، آتية من كونها تمثل الشعب من خلال مسئوليها وتشاورهم مع بعض، فلا عدل يقوم ولا حتى ديمقراطية دون أن يكون هناك جماعات متماسكة تعرف أهدافها وتعرف فن التعبير عن تلك الأهداف.وروي أن عمر ابن الخطاب روى عن الرسول صلوات الله عليه حديثا (عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، ومن أراد بحبحة الجنة فعليه بالجماعة)*2

كيف يختار الشاب جماعته

يندفع الأطفال في بداية حياتهم لتكوين الجماعات، ويكون عنصر الموائمة واضحاً فيها، حتى لو كانت موائمة اضطرارية، فالطفل بحاجة الى اللعب والتواصل مع أقرانه في الحي، وقد يتعرض وهو في تلك الحالة الى سخرية البعض منهم، سواء سخرية لفظية أو مزاح ثقيل لا يحبه الطفل، ولكنه سيدرب نفسه على تحمل تجاوزات المتجاوزين في سبيل بقائه ضمن المجموعة، وقد يجرب الطفل الاستعانة بأهله لمنع تجاوز الآخرين، ولكنه سيكتشف أن تلك الاستعانة لا تسبب له إلا مزيداً من المتاعب، فقد يمنعه أهله من اللعب مع الآخرين ويُحرم من هذا النشاط الطبيعي، أو يتدخلوا في منع الآخرين مما يضعه في موقف مزعج بين أقرانه، فالهدف الأول والأخير من بقائه في دائرة الموائمة هو ممارسته لما يديم حيويته وتواصله مع أقرانه.

أما في مرحلة الشباب، فإن الأهداف سترتقي شيئاً فشيئا، فمنها ما يندرج نحو تنمية مهاراته الدراسية أو الثقافية ومنها ما يندرج في ممارسة هواياته، ومنها ما يندرج تحت باب (التطهر)، وهي المرحلة التي يبدأ فيها تكوين الوعي السياسي، فمن خلال الحديث عن الفساد والواسطة وغيرها، تتشكل أول بؤرة معرفية للتوجه نحو التعامل معها، فينضم لحزب أو جماعة أو يروق له التوجه لسماع أحاديث في هذا المجال فيختار مجموعته في هذا الصدد.

ومن الشباب مَن تختلط عليهم الأهداف مع التوجهات، فيقرر التقرب من جماعة قد تحقق له القبول الجامعي في دولة ما، أو حتى في الدولة التي ينتمي إليها، لكن طموحاته ستتصاعد في الحصول على المنحة أو إتمام دراساته العليا، أو التوظف في مواقع مرموقة، فيضطر للتدرب على موائمة، أغلب الأحيان تكون مخادعة وكاذبة. وقد يتحمل الشاب، أن يكون من يأمره أو يوجهه قليل التهذيب أو حتى قليل الخبرة والثقافة ويقر في قرارة نفسه أنه أضعف من أن يكون مسئولاً، ولكنه يفضل من باب الموائمة الاضطرارية أن يصبر على الانصياع لأوامر ذلك المسئول لتحقيق أهدافه!

المجموعات السياسية

المجموعات السياسية تُقسم الى قسمين: الأول: دعائي، يُبشر بأفكار ويطرح مشاريع مستقبلية للوطن والمجتمع وهذا القسم يشمل الأحزاب السياسية، ومنتديات الفكر ومدارسه المختلفة من مفكرين وفلاسفة وغيرهم، ويبقى دور هذا القسم ناقصاً إذا لم يتناغم مع القسم الثاني. والقسم الثاني: إداري، يُنفذ المشاريع الفكرية التي تأتي من القسم الأول، ويشمل هذا القسم النقابات وغرف التجارة والصناعة والبرلمان والحكومة وغيرها.

ويُقاس تقدم الدول على ضوء تناغم أداء القسمين مع بعض، فأدائهما كأداء أجزاء المصنع أو السيارة، إذا ضُبط تنظيم الحركة في تلك الأجزاء عَمل المصنع وأنتج، وسارت السيارة، ولنا في أداء تلك المجموعات والأقسام عند الدول المتقدمة، خير شاهد، فإذا فاز حزب منافس هنأه باقي الأحزاب وساندوه، حتى لو عارضوه، فتكون المعارضة لمحاصرة الفساد واجتثاثه.

من المؤسف له، أن كل الأحزاب السياسية العربية، تربي المنتسبين لها على التصدي للمنتسبين الى أحزابٍ أخرى، فتُنصِّب منهم (آخراً) لتتبارى معه في الانتخابات النقابية والبرلمانية والبلدية وغيرها. وتبادله الشتائم وإلصاق التُهم الكُبرى، فهذا حزب عميل وذاك حزب مُلحد وآخر يرتبط بالماسونية، وهكذا. فلا يسلم حزبٌ من شرِ انتقادات وهجوم الأحزاب الأخرى. ولا يقتصر التناوش وتبادل التهم بين التيارات (القومية، والإسلامية، واليسارية، والليبرالية) بل ينزل حتى بين فصائل التيار نفسه.

وما أن ينشق واحد أو مجموعة من حزب ما، حتى يبدءوا بفضح أحزابهم، فيتلقف الحزب الآخر كتابات المنشقين ليستعملها كسلاح في يده لتدمير الأحزاب الأخرى. ومن أراد الإطلاع على تلك المهازل فلينظر كتب مثل (أوكار الهزيمة) لهاني الفكيكي، يتحدث فيها عن تجربته بحزب البعث،*3، ولينظر كتاب (سر المعبد) للمنشق عن الأخوان المسلمين ثروة الخرباوي*4. وإن تحدثنا عن بقية الأحزاب فهناك مئات الأمثلة على الانشقاقات فيها*5.

ولم يكتفي المنشقون بإصدار الكتب بل بالمشاركة في أعمال تلفزيونية، كبرنامج أحمد منصور في قناة الجزيرة (شاهد على العصر) الذي استضاف أناس منتقين ك (أحمد صالح العلي) و (حامد الجبوري) لكي يشيطن حزب البعث. وقنوات أخرى استضافت القياديين المنشقين عن جماعة الأخوان المسلمين (كمال الهلباوي) و (عبد الستار المليجي) [قناتي المحور وCBC ].

هذه الأعمال التي يفرح بها الآخرون من الأحزاب، تترك للشاب فرصة ليكفر بكل الأحزاب، ويبرر فرديته وعبثيته، فهو ليس على قدرٍ كافٍ من تمحيص الحقائق وما يُذكر في أقوال المنشقين، أو تجعله مُغلقاً على فكره وعقيدته ويكفر كل الأحزاب والجماعات الأخرى. وليذهب الوطن للجحيم!

ماذا فعل الآخرون بهذا الصدد؟

فمن أجل الوطن، لنا من تجربة (نلسن مانديلا) الذي استخدم عبارة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، عندما أشار لها في حق من سجنوه 28 عاماً،*6 (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، ولنا في عبارة (المهاتما غاندي) عبرة،عندما قال: إذا استخدمنا قاعدة العين بالعين فسيصبح كل سكان الهند (عِوْرَان).


هوامش
*1ـ عبد الرضا حسين الطعان/ البُعد الاجتماعي للأحزاب السياسية/جامعة بغداد 1990 صفحة 17.
*2ـ حافظ بن محمد الحكمي/ الأحاديث الواردة في لزوم الجماعة/ الرياض:دار الصمعي: 2008 صفحة 19.
*3ـ هاني الفكيكي/ أوكار الهزيمة: تجربتي في حزب البعث العراقي/ لندن: رياض الريس 1997.
*4ـ ثروة الخرباوي/ سر المعبد: الأسرار الخفية لجماعة الأخوان المسلمين/ القاهرة: دار نهضة مصر 2012
*5ـhttp://marxlistleninlist.topic-ideas.com/t108-topic
*6ـ نلسن مانديلا/ رحلتي الطويلة من أجل الحرية/ جنوب إفريقيا: جمعية نشر اللغة العربية/ترجمة: عاشور الشامس 1998.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس