عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 12-07-2008, 01:20 PM   #17
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,453
إفتراضي

الفارابي

أبو نصر محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان، ولد سنة 260هـ/873م، في منطقة (فاراب) أو (باراب) كما ينطقها أهلها، وهي ولاية في حوض (سيرداريا) من أراضي (تركستان الحالية) والتي كانت تتبع لما سمي ب (خراسان) في السابق. وللتوضيح فإن خراسان كانت تشمل أفغانستان وإيران وبعض أجزاء من دول آسيا الوسطى وكان من أهم مدن هذا الإقليم (نيسابور)، وكان هذا الإقليم يتبع المذهب السني الشافعي، ثم أُجبر قسم من سكانه على إتباع المذهب الشيعي في أيام الصفويين في القرن السادس عشر.

انتقل أبو نصر من مدينته (وسيج) هو وبعض وجهاءها الى مدينة (حران) [ وحران هذه التي يرد ذكرها كثيرا، هي مدينة في تركيا الآن، إليها هاجر ابراهيم الخليل عليه السلام، من أور (كما جاء في التوراة) وقد فتحها القائد (عياض بن غنم) سنة 639م. وقد أنجبت الكثير من المشاهير منهم (ثابت بن قرة الصابئي الحراني) و (البتاني) و (أحمد بن تيمية) وقد انتقلت إليها مكتبة (أفاميا) المدينة التي تقع الآن في (لواء الإسكندرونة) والتي ورثت مكتبة الإسكندرية، كما انتقل إليها معظم كتب (نيسابور) فأصبحت حران من أكثر المدن المهتمة بالعلوم والفلسفة].

لقد تلقى الفارابي علومه على يد شخصية لا يزال الغموض يكتنفها، وهو (يوحنا بن حيلان)، وكانت شخصية راسخة القدم في المنطق، وكان ذلك في أيام الخليفة العباسي (المتوكل).

ثم ارتحل الى بغداد في أيام الخليفة (المعتضد) وكان هذا العصر مليء بالنشاط والأعلام الكبار منهم (أبو سعيد السيرافي) و (أبو البشر متي بن يونس) الذي سيكون له تأثير على تكوين (الفارابي) حيث كان من المواظبين على حضور حلقاته.

ارتحل الفارابي من بغداد الى حلب حيث (سيف الدولة الحمداني) كان ذلك في 330هـ . وتنقل بين حلب ودمشق ويقال أنه زار مصر وفلسطين عدة مرات، وقد قُتل في منطقة عسقلان على الساحل الفلسطيني سنة 339هـ على يد لصوص، فنقل الى دمشق ودفن هناك بعد أن صلى عليه سيف الدولة.

هيئة الفارابي و سلوكه الخاص

يتصور الرسامون شكل الفارابي على ضوء أوصافه، وهناك صورته التي تظهر على عملة (كازاخستان) استوحاها الرسام مما ذكر عن الفارابي، واعتزاله مباهج الحياة ولبسه الخشن من الملابس وعدم الاهتمام بهيئته، ويذكر (ابن خلكان) أن الفارابي كان زري الملابس يعتمر قبعة (بلقاء) وكان مكبا على العلم، لا يطمع بأعطيات الحكام، وقد عرف الحكام عنه ذلك، فكان سيف الدولة يصرف له يوميا 4 دراهم .. اقتصر عليها لقناعته.

مؤلفات الفارابي

ألف الفارابي والذي لُقِب بالمعلم الثاني (على أساس أن أرسطو هو المعلم الأول) عددا ضخما من الرسائل والكتب والشروح، فُقد منها الكثير، ويمكن تصنيفها بإيجاز شديد الى :

أ ـ في المنطق: 25 رسالة ، و7 شروح على منطق أرسطو.
ب ـ دفاع عن أرسطو 2، وعن أفلاطون 6، و عن بطليموس وإقليدس 2
ج ـ مداخل الى الفلسفة بعامة 5
د ـ ما بعد الطبيعة 15
هـ ـ الأخلاق والسياسة 6
و ـ علم النفس ومتنوعات 3
ز ـ الموسيقى وفن الشعر 7

الفارابي يشرح كيفية بعث الفلسفة اليونانية

كان الفارابي أوسع الفلاسفة المسلمين اطلاعا على الفلسفة اليونانية، وأول من شرحها لغير أهلها، فكتب شروحه بالعربية وانتقلت الى الأمم الأخرى بلغاتهم. يقول الفارابي عن الكيفية التي عادت بها فلسفة اليونانيين الى النشاط: ( إن أمر الفلسفة اشتهر في أيام ملوك اليونانيين، وبعد وفاة أرسطو طاليس، بالإسكندرية الى آخر أيام المرأة!) [ يقصد كيلوباترا حيث حكمت بعد أن حكم 13 ملك بينها وبين العهد الذي وجد فيه أرسطو] فلما غلبها أغسطس الملك من أهل (رومية) واستحوذ على الملك، نظر في خزائن الكتب فوجد فيها نسخا لكتب أرسطو، قد نسخت في أيامه، فكلف (أندونيقوس) في نسخها وجعلها للتعليم وصرف النظر عن غيرها. ولما آل حكم مصر للمسيحيين اجتمع الأساقفة ورأوا أن يُشطب من علم أرسطو ما ينافي معتقداتهم ويبقون على تدريس علم المنطق. ولكن المخزون الذي تم صرف الانتباه عنه نُقل الى (أفاميا ـ أنطاكيا) ثم الى (حران) فداوم على دراسته اثنان (المروزي و يوحنا بن حيلان).

ما يمكن تقديمه بهذه العجالة؟

لغزارة المكتوب عن الفارابي واهتماماته، ولغرض الابتعاد عن الإطالة، وتقديم ما قد يفيد المثقف العربي في هذا الجانب، سنختار بتركيز شديد ما تميز به الفارابي عن غيره، تاركين طول الشرح للمختصين في مجالهم.

البرهان على وجود الله: برهان الممكن والواجب

(( إن الموجودات على ضربين: أحدهما إذا اعتبر ذاته لم يجب وجوده، ويسمى ممكن الوجود. والثاني إذا اعتبر ذاته وجب وجوده، ويسمى واجب الوجود. وإن كان ممكن الوجود إذا فرضناه غير موجود لم يلزم عنه محال، فلا غنى بوجوده عن علة. وإذا وجد، صار واجب الوجود بغيره. وهذا الإمكان إما أن يكون شيئا فيما لم يزل، وإما أن يكون في وقت دون وقت. والأشياء الممكنة لا يجوز أن تمر بلا نهاية في كونها علة ومعلولا، ولا يجوز كونها على سبيل الدور، بل لا بد من انتهائها الى شيء واجب، هو الموجود الأول.
والواجب الوجود متى فُرض غير موجودٍ، لزم منه مُحال. ولا علة لوجوده. ولا يجوز كون وجوده بغيره. وهو السبب الأول لوجود الأشياء))*1

ويستمر الفارابي في تعداد صفات واجب الوجود أي (الله) عز وجل، فيقول في كتاب السياسة المدنية*2(أما الأول فليس فيه نقص أصلا ولا بوجه من الوجوه، ولا يمكن أن يكون وجود أكمل وأفضل من وجوده، ولا يمكن أن يكون وجود أقدم منه ولا في مثل مرتبة وجوده لم يتوفر عليه. فلذلك لا يمكن أن يكون استفاد وجوده عن شيء آخر غيره أقدم منه. .. ويضيف (لا يمكن أن يكون ذلك الوجود الذي هو له لأكثر من واحد)

ويفصل الفارابي حججه الفلسفية تلك بطريقة منطقية، اعتمدها فيما بعد (ابن سينا)، كما اعتمدها (ابن رشد)، لكن الاطلاع عليها عند الفارابي سيضفي عليها بعدا منطقيا، كونه أول من تلقى تلك العلوم من منبعها مباشرة بالاستعانة بأستاذه (يوحنا بن حيلان) وعالجها بطريقة عقلية إسلامية خالصة. ويُنسب عن الفارابي أنه فرق بين حكمة الأنبياء وحكمة الفلاسفة بقوله (إن حكمة الأنبياء تأتيهم من الله عز وجل عِبر رسول ملَك هو جبريل عليه السلام، في حين أن حكمة الفلاسفة تأتيهم من إعمال العقل لديهم فيما ينظرون فيه))

يتبع

هوامش
*1ـ الفارابي: شرح رسالة زينون الكبير ص 3ـ5 حيدر آباد 1349هـ/1930م.
*2ـ السياسة المدنية/ الفارابي/ بيروت 1964/ ص 42ـ 46
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس