عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 26-05-2006, 08:36 PM   #28
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,451
إفتراضي

( 2 )

إذا سجلنا اعترافا لليونانيين بأنهم أول من فكر بعلم ( الفلسفة والمنطق ) ووضع له أسس و تدرج في نموه .. فان علينا تسجيل الاعتراف للعرب بأنهم أول من فكر بعلم اللغة وتقعيدها .. أي وضع أصول القواعد لها ..

عندما انتشر الإسلام بشكل واسع ، واتسعت أركان الدولة الإسلامية ذات الصبغة العربية ، من خلال لغتها التي هي لغة القرآن الكريم .. وعندما أصبح الأفراد غير العرب هم الأكثرية ، وعندما أصبح خبراء الدولة وإنشاء دواوينها هم من غير العرب ، عند كل ذلك برزت مشاعر الخوف من ضياع اللغة و كثرة التلحين ، فظهرت تلك المشاعر عند أناس غير مركزيين ، أي لم تنتدبهم الدولة الى أن ينبروا لتلك المظاهر .. بل بادروا من تلقاء أنفسهم ، وبذلوا الجهد المضني و دفعوا من أموالهم الخاصة ، للتصدي لتلك الظاهرة التي استشعروا خطورتها منذ وقت مبكر ..

فظهر كوكبة من المتصدين لتصويب تلك الظاهرة ، منهم الليث بن نصر بن سيار المتوفى في اواسط القرن الهجري الثاني ، وحماد الراوية ، و الخليل بن أحمد

لقد كان وجه الإعجاز في موضوع تدوين اللغة ، في استخدام العقلية الرياضية في ذلك التدوين ، فاتجه الخليل بن احمد الى افتراض ان هناك ألفاظ في اللغة العربية ، تتكون من حرفين أو ثلاثة حروف أو أربعة أو خمسة حروف ، فعندما استخدم ما يشبه التوافيق و التباديل في الألفاظ ، ظهر لديه هو وفريق العمل الذي معه ، ما يزيد عن اثني عشر مليون لفظا ، فأسقط المستهجن منها ، و تتبع ما يمكن أن يكون لفظا مستعملا .

فعندما يظهر لفظ مثل شغظ أو صثر ، يستبعد مثل تلك الألفاظ و يتتبع ألفاظ معقولة مثل ضرب و خبز و ساجل الخ .. وهي طريقة أشبه باستخدام المنطق الرياضي و إخضاعه للواقع اللغوي .. وإن كان هناك من أخذ على هذا المنهج وعاب عليه ..

لقد أدرك أوائل الرواد بأن لغة و ألفاظ الحواضر ( المدن) والأرياف قد تلوثت بالتلحين لاختلاط أهلها بغير العرب .. فكان توجههم الى البادية ، حيث النقاء وعدم الخلط ، فكان أكثر الناس إقبالا من قبل رواد التدوين ، هم أكثر الناس خشونة و أكثرهم فقرا ، الحفاة الجياع البعيدين عن مظاهر الحضارة ..

لقد اكتشف أهل البدو ، أهمية صفاتهم أثناء فترة التدوين ، فأصبحوا يطلبوا ثمنا بدل بضاعتهم المطلوبة .. فكان قسم من رواد التدوين يرتحل عند البدو ، ليقوم بعمله ، وقسم من أهل البدو يرتحل الى الحواضر ليبيع سلعتهم المطلوبة .

لقد كان كتاب العين أول معجم في اللغة العربية ، أو قد يكون أول معجم في كل اللغات في الأرض .. وبغض النظر عن القصص التي أوردها الكثير ممن يشككون بأن من وضع هذا العمل هو الخليل أو الليث ، فتلك قصة لسنا في صددها *، بل سنحاول تتبع أثر هذا العمل في منهجة طبيعة التفكير ، أو طبيعة إطلاق العقل و تشغيله (كأداة ) ..

لقد أخضع الرواد الأوائل اللغة الى عملية تصنيع ، وبدوافع قومية و دينية قوية ، فلو سلمنا بالرواية التي تقول أن الليث بن ( المظفر) بن نصر بن سيار ، هو من قام بوضع هذه المنهجية ، للمسنا وجاهة القول بهذا النوع من التشكيك ، خصوصا إذا عدنا الى ( النصر بن سيار) والي الأمويين الداهية ، في خراسان ، والذي طالما حذر حكام بني أمية مما استشعره من خطر فارسي على العروبة ، وعلى الحراك الذي كان يحاك في خراسان لقلب نظام الحكم ( العربي) .

قد لا يتفق مع هذه الرؤية ، الكثير من الكتاب الذين لا يروا أن هناك عقلا عربيا ، ولا هناك زمنا ثقافيا ، كما طرح ذلك الدكتور هشام غصيب في كتابه الموسوم ب ( هل هناك عقل عربي؟) .. والذي وضعه لتفنيد ما جاء في سلسلة الدكتور محمد عابد الجابري ..*

إن نهج اللغويين هذا قد أثر في النحاة ( أهل النحو ) فأخذوا يتسابقون معهم صوب الأعراب ( سكان البادية ) .. وقد يتساءل القارئ : ولماذا كل هذا التسابق نحو الأعراب ، إذا كان الهدف منه حماية الدين واللغة ، فلما لم يتم التوجه الى القرآن نفسه ؟

لقد خشي الرواد الأولون من عدم قدرتهم على تحصين القرآن من القرآن نفسه ، لأنه جاء على سبع قراءات ، ولو أنهم توجهوا إليه لدخلوا في تخريجات (تأويل ) .. قد لا يعطيهم التحصين الكافي للقرآن ، فأرادوا الذهاب الى منابع اللغة التي نزل بها القرآن .. فاتجهوا الى المعزولين من العرب (البادية ) حيث لا اختلاط و لا تلحين .. كما اهتموا في ذات الوقت لجمع الشعر الجاهلي ، كمنبع ثابت و تقني من منابع اللغة .

لكن لا بد من تثبيت مسألة هنا ، وهي أن قولبة اللغة بالقالب البدوي ، والابتعاد عن المصادر الحضرية ( قريش مثلا ) وهي تتفوق على البدو في استعمال اللغة ، وبني إياد عرب العراق ، حيث تلتقي لغتهم كثيرا مع لغة أهل قريش .. كل ذلك أثر ولا يزال يؤثر في وسائل التعبير لدى العرب .

ــــــــــــــــ
مراجع :
الكامل في التاريخ ابن الأثير .. ص 1120 وصفحة 1192
العين : صفحة 1 و صفحة 214
هل هناك عقل عربي .. د هشام غصيب المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1993
تكوين العقل العربي .. د محمد عابد الجابري ص 82 ـ85/ مركز دراسات الوحدة العربية / بيروت ط5 1991
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس