عرض مشاركة مفردة
قديم 06-01-2010, 02:32 PM   #2
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,369
إفتراضي

تابع لما قبله
(2)


إن السنة التي يعنيها العروي في كتابه، لا تنحصر في " الحديث " وما رُوي عن النبي صلوات الله عليه من أقوال وأفعال وأحكام الخ، ولكنها كتقليد وذهنية ومنظومة، تأصلت أولاً في واقع تاريخي (هو ما كان يُعمل به في المدينة وما لخصه مالك بن أنس في كتابه الموطأ) ص 134. وتأصلت ثانياً في واقع إجماعي تميز بنفوذ وتألق أسياد مكة، كما تأصلت ثالثاً في نصٍ واضح مؤكد.

فالسنة (التقليد) إذن بهذا المعنى، هي واقع تاريخي وواقع اجتماعي وواقع نصي (مدون)، أي تفاعل مجموعة من العناصر والمكونات، وعلى حد تعبير العروي، فهي ( تلازم بين التاريخ والمجتمع والنص، وهنا تكمن قوتها وقدرتها على الاستمراية ص 134).

فما هي إذن خصائص السنة/ التقليد؟ وما هي المفاهيم المرتبطة بها في الحقل الإسلامي (لكل ديانة سنتها أوتقليدها)؟ في هذا الإطار، يوضح العروي أن السنة أو التقليد الذي استقر في الحقل الإسلامي، وفرض هيمنته؛ هو الإسلام السني. وهناك في تعارض معه الإسلام الشيعي، والإسلام الخارجي (الخوارج). والأخيران أسسا سنتهما أو تقليدهما ولكن ظل ضعيفاً وأقل تغلغلاً مع الإسلام السني.

والإسلام السني كما يرى العروي، تندرج فيه عدة تيارات وفرق ومذاهب في الفقه والكلام، من مالكية وأشعرية وحنبلية وظاهرية ومعتزلية الخ..؛ حيث تتفق هذه في مفهومها للعلم، وفي إثباتها للتوحيد .. ويذكر العروي من مؤصلي السنة: مالك بن أنس في كتابه الموطأ، والشافعي الذي وضع مبدأ أن القرآن الكريم لا يُفهم مقصده إلا في ضوء السنة (ص141). وابن حنبل في مسنده، وابن حزم مؤسس الظاهرية.

هؤلاء أسسوا لوجهة تجعل المسلم، كما في رأي ابن حنبل (هو من يعيش باستمرار تحت نظر خالقه؛ وبالتالي، من تنعكس في حياته صورة ما من حياة الرسول صلوات الله عليه)، وهكذا، ووفق هذا التوجه، يرى العروي أن كثرة الأحاديث المروية عن النبي صلوات الله عليه تعزز دور التقليد وتبدد مغريات الابتداع (ص 141).

كما أن مبادرات الفرد واستقلاليته تتم محاصرتها والتقليص منها، مقابل إعطاء صلاحيات أوسع للنص وللفقه وأحكامه وللحديث ومروياته، مما يساعد على دواعي الانقياد والخضوع لرأي جماعة معدودة، مؤهلة وحدها لإظهار الحق قولا وفعلا (طريق الجماعة وحده سالك من حاد عنه هالك).

هذا هو الدرس الأول الذي ينبغي للمسلم أن يتعلمه (ص142)، وهذا ما تأسس في مجال الفقه، وهو عينه ما تأسس في مجال علم الكلام، الذي يسجل فيه العروي هو الآخر تراجعاً لدور الفرد والعقل والرأي، لصالح النص والنقل، والباطن لصالح الظاهر (ص 143).

وبخصوص مفهوم العلم ضمن هذه المنظومة، فإن كُتب السنة التي وضعت فصولاً طويلة عن حقيقة العلم وفضائله وتحصيله الخ؛ فإن العلم لديها يظل محصوراً في ما هو شرعي. وهو ـ أي العلم ـ كالإيمان، لا يزيد ولا ينقص، فهو منذ الأزل ثابت، كامل وجاهز؛ وقد اشتغل العقل السني أساساً بتحديد المحمود والمكروه والمباح من العلم (ص 146)، وهناك علوم أخرى اعتاد أهل السنة منذ القرن الثالث الهجري على تسميتها بالعلوم غير الإسلامية (ص148).

والنتيجة ـ كما يقول العروي ـ أن منهج السنة يقوم أساساً على الاتباع ونبذ الابتداع (ص 148)، وأنصار التقليد ورجال السنة ودعاة الاتباع، يعملون في مراحل معينة من التاريخ في عملية تشذيب لهذا المنهج، للتخلص من كل ما تجاوز وتعدى، وكل ما لم يقف عند حد معين ومعلوم (ص149)؛ والحد المعين والمعلوم عندهم هو التأويل والفهم الذي قام به (سادة مدينة رسول الله صلوات الله عليه لسيرته الدنيوية ص 149).

وما فعلوه بالمنهج يفعلونه بالماضي، ثم بعد الماضي بالمستقبل، حيث يقررون ما يجب القيام به حتى يضمن البقاء والاستمرار، جيلاً بعد جيل، لنفوذ أمثالهم، وغلبة تأويلهم الخاص لكلام الله (ص150). وهكذا يقول العروي، يعمل أهل السنة، يمكرون بمكر التاريخ باسم فترة وجيزة، فترة مسطحة ومختزلة ومنقحة (العصر الذهبي)، يُطلب من التاريخ أن يتوقف هو الآخر عند حده، يؤمر بألا يتجدد أبداً ولا يتميز، لا يتنوع ولا يتطور (...) وتحت هذا التأويل (يتعثر التاريخ)، وعندها ـ يقول العروي ـ تتعزز السنة وتغزو كذهنية للتقليد والاتباع كل مظاهر الحياة الفكرية والسلوك (ص 150).

حيث لم يعد يوجد فكر في نهاية القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) في المجتمعات الإسلامية ليس له تقليد خاص به، يخضع له خضوعاً تاماً، وأصبح لكل شيخ، ولكل مفكر مرشد وإمام، ولم يعد هناك مجال لأي إبداع أو مناظرة متعمقة ومفيدة (ص154).

وهكذا، بالتالي، حصل في هذه المجتمعات تطور فكري وذهني وثقافي يقوم على التقليد والمشيخة، والحصر والتضييق والقناعة الخ. وهذا ما تجسد في المذاهب الفكرية والفقهية، حيث انتصر التيار الحنبلي، وهو نواة كل تفكير تقليدي سني، أواسط القرن الثالث الهجري (نهاية القرن التاسع الميلادي)، وانتشر الكلام الأشعري والتصوف، وهما حليفان للسنة. وفي الأندلس، انبعث المذهب الظاهري وأثر في فقهاء المالكية، وهو يمثل لُباب العقيدة السُنية والتنظير القوي والأمتن لها (ص160).

أما عن علاقة السنة بمعارضيها وخصومها، يقول العروي إنها تعاملت مع من رفض الاستتباع بمنطق الإقصاء، وأرغمتهم إما على تأسيس سنة مضادة حال (الغُلاة)، وإما على الرضا بأن يكونوا فريقاً، أو مذهباً غير مجمع على صحته (ص162)، ذلك لأن السُنة تسعى لكي تظهر على أنها تمثل غالبية موحدة الاتجاه، وتبالغ في تشرذم الخصوم وتفرقهم وفرقهم، لذا جعلت من كل رأي أو مقالة فرقة تنعتها، إما بالكفر أو الفسق أو الزيغ أو الضلالة ... (حصرت هذه الفرق في سبعين أو ستين أو ثلاث وسبعين فرقة) (أنظر كتب الفرق للبغدادي والشهرستاني).

يتبع
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس