عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 29-08-2018, 07:47 AM   #1
رضا البطاوى
من كبار الكتّاب
 
تاريخ التّسجيل: Aug 2008
المشاركات: 5,966
إفتراضي قراءة فى كتاب الإنصاف في تمييز الأوقاف

قراءة فى كتاب الإنصاف في تمييز الأوقاف
الكتاب من تأليف السيوطى وهو إجابة على سؤال فى الأوقاف هو:
مسألة - أمير وقف خانقاه ورتب بها شيخا وصوفية وجعل لهم دراهم وزيتا وصابونا وخبزا ولحما فضاق الوقف فهل يقدم الشيخ على الصوفية أو يصرف بينهم بالمحاصة وهل يقتصر على صنف من الأصناف التي عينها الواقف ويترك الباقي أو يأخذون من جميع الأصناف التي عينها الواقف بالمحاصة وهل تجوز الاستنابة في شيء من الوظائف أم لا.
وكانت الفتوى الصادرة من السيوطى هى:
"الجواب - أقول أولا وبالله التوفيق:
الأوقاف قسمان قسم ليس مأخذه من بيت المال ولا مرجعه إليه وهذا الوقف مبناه على التشديد والتحريص لا يجوز تناول ذرة منه إلا مع استيفاء ما شرطه الواقف لأنه مال أجنبي لم يخرج عن ملكه إلا على وجه مخصوص بالشرط المذكور
وقسم مأخذه من بيت المال بأن يكون واقفه خليفة أم ملكا من الملوك السابقة كصلاح الدين بن أيوب وأقاربه، أو مرجعه إلى بيت المال كأوقاف أمراء الدولة القلاوونية ومن بعدهم إلى زماننا هذا وإنما قلنا إن مرجعه إلى بيت المال لأن واقفيه أرقاء بين المال وفي ثبوت عتقهم نظر "
هنا يصنف السيوطى الأوقاف المتواجدة فى بلادنا إلى أوقاف محللة وهى من صنعها بعض المسلمين من أموالهم الحلال وأوقاف محرمة وهى من صنعها الحكام من أموال الشعب ممثلا فى بيت المال ومن ثم فهى وقف ممن من لا يملك والأصل فى الوقف أن يكون الواقف مالكه وأوقاف الحكام ليست من أموالهم الخاصة وإنما من اموال الشعب
والوقف فى الوحى هو حبس المال لتصرف منافعه فى سبيل الله
وهو إما هبة من الواقف إذا كان حيا وهو من باب قوله تعالى بسورة المائدة :
"وتعاونوا على البر والتقوى "
وإما وصية من الواقف إذا حضرته الوفاة أو قبلها كما قال تعالى بسورة النساء :
" من بعد وصية يوصى بها "
ولا شروط فى الوقف من قبل الشرع سوى ألا يكون أذى للورثة كما قال تعالى بسورة النساء :
" من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار"
وأن يكون الشىء الموقوف مباح وليس محرم كما قال تعالى بسورة البقرة :
"أنفقوا من طيبات ما كسبتم "
والشروط يضعها الواقف حسبما يريد فهو قد يجعل الوقف عاما أى يستفيد منه كل الناس المسمين بالفقراء أو اليتامى أو غير ذلك من غير تحديد وقد يجعل الوقف خاصا أى قاصرا على ناس محددين مثل ذريته أو قائمين على عمل ما فى مكان ما وعلى متولى الوقف تنفيذها والحفاظ على الوقف وهو محرم فى الدولة الإسلامية إلا فى المال النقدى جائز فى غيرها من الدول فى الكل
وقد قام السيوطى بجمع بعض المسائل المشابهة للمسألة فى أوقاف المماليك الحكام ومنها:
"وقد ذكر الشيخ تاج الدين بن السبكي في واقعة وقعت بعد السبعمائة وهي عبد انتهى الملك فيه لبيت المال فأراد شراء نفسه من وكيل بيت المال فأفتى جماعة بالمنع لأن ذلك عقد عتاقة وعبد بيت المال لا يجوز عتقه وأفتى آخرون بالجواز لأنه عقد بعوض لا مجانا فلم يضع منه على بيت المال شيء واختار ابن السبكي هذا الثاني أورده في الترشيح فإذا اختلف في جواز العتق بعوض فما ظنك به بغير عوض وإنما لم ينص متقدمو الأصحاب على هذه المسألة بخصوصها لأنها لم تعم بها البلوى في زمنهم وإنما كثر ذلك بعد الستمائة"
والغرض من ذكر تلك الحالة وهى أن العبد المملوك ليس له مال خاص به ومن ثم ما يفعله من وقف غير ممكن لأن المال ليس ماله فهو مال الله كما قال تعالى "وأتوهم من مال الله الذى أتاكم"
ونقل السيوطى حكاية عمر بن عبد العزيز مع أحد أبناء عمومته الذى اعتبره عبد لكون ابن أمة لبيت المال اغتصبها الحاكم وأولدها هذا القريب فقال:
"وقد قام الشيخ عز الدين بن عبد السلام - لما حدث ذلك في زمنه - القومة الكبرى في بيع الأمراء وقال هؤلاء عبيد بيت المال ولا يصح عندي عتقهم، وروى الحافظ أبو القاسم ابن عساكر بسنده عن عمر بن عبد العزيز أنه دخل إليه بعض أولاد خلفاء بني أمية فقال له أعطني حقي من بيت المال فقال له عمر ما أحوجك إلى أن أبيعك وأصرف ثمنك في مصالح المسلمين قال وكيف قال لأن أباك وهو خليفة أخذ أمك من رقيق بيت المال واستولدها إياك ولم يكن له ذلك فهو زان وأنت عبد بيت المال"
وبالقطع الحكاية كاذبة فلم يكن هناك وجود واقعى لخلفاء بنى أمية ودولتهم المزعومة كما أن الاتهام بالزنى يحتاج لشهود أربع
وحكى الرجل قصة المملوك العالم الذى رفض عتق الملك المملوك هو الأخر له لعدم صحة عتقه له وهى:
"وفي طبقات الحنفية في ترجمة بعض علمائهم أنه كان من مماليك الخليفة الناصر فاشتغل بالعلم وبرع وصار إماما قائما بالتدريس والإفتاء فأرسل إليه الخليفة الناصر بعتقه وقال له إنك قائم بنفع المسلمين فرد إليه العتاقة وقال أنا عبد بيت المال فلا يصح عتقي"
ونلاحظ أن السيوطى ومن سبقوه يحرمون أو يمنعون عتق مماليك أو عبيد بيت المال فى الفقرات السابقة والفقرة التالية:
" فإن قال قائل فقد ذكر الأصحاب في الأسير أن الإمام يتخير فيه بين القتل والمن والاسترقاق قلنا لا يصح القياس على مسألة الأسير لأنه يجوز تفويته بالقتل فبالمن أولى ولأنه لم يسرف فيه شيء من بيت المال بخلاف هذا الذي اشترى بثمن منه، وأيضا فقد نص الأصحاب على أنه ليس للإمام ذلك في الأسير بالتشهي بل ينظر ما تقتضيه المصلحة فيفعله وثبوت المصلحة في عتق هذا الجم الغفير من مماليك بيت المال متعذر أو متعسر وإن وجدت في واحد أو عشرة أو مائة لا توجد في ألوف مؤلفة وأي مصلحة في عتقهم وجميع ما يراد منهم يمكنهم فعله مع الرق، إذا عرف ذلك عرف أن مرجع ما بأيديهم إلى أنه مال بيت المال فهذا القسم من الأوقاف مبناه على المسامحة والترخيص لأن لكل من العلماء وطلبة العلم من الاستحقاق في بيت المال أضعاف ما يأخذونه منهم"
وهو موقف غريب من القوم فالوحى ينادى بعتق العبيد من قبل الأفراد فيقول :
"وما أدراك ما العقبة فك رقبة" فما بالنا إذا كانوا عبيد المجتمع أى دولة المسلمين ؟فالمفروض هو عتقهم جميعا على الفور عندما يدخلون فى ملكية المسلمين ما لم يكونوا أسرى حرب فهؤلاء يتوقف عتقهم أى اطلاق سراحهم على توقف الحرب كما قال تعالى " فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا "
وحكى السيوطى أن طلبة العلم لهم الأكل من الأوقاف فقال:
" والدليل على هذه التفرقة أمور منها أن الشيخ ولي الدين العراقي لما حكى قول السبكي في إعطاء وظيفة العالم والفقيه لولده الصغير فرق بين الأوقاف الخاصة والتي ما أخذها من بيت المال وأظن الأذرعي سبقه إلى ذلك، ومنها أنه وقع في بعض كلام البلقيني التصريح بأن طلبة العلم يأكلون من هذه الأوقاف الموجودة الآن على وجه أنهم يستحقون من بيت المال ذلك وأكثر منه ذكر ذلك في مجلس عقد بسبب ذلك أيام الظاهر برقوق، ومنها أنك إذا تأملت فتاوى النووي وابن الصلاح وجدتهما يشددان في الأوقاف غاية التشديد وإذا تأملت فتاوى السبكي والبلقيني وسائر المتأخرين وجدتهم يرخصون ويسهلون وليس ذلك منهم لمخالفة للنووي بل كل تكلم بحسب الواقع في زمنه فإن غالب الأوقاف التي كانت في زمن النووي وابن الصلاح كانت خاصة وإنما حدثت أوقاف الأتراك في أواخر القرن السابع وكثرت في القرن الثامن وهو عصر السبكي ومن بعده وقطعت الأرزاق التي كانت تجري على الفقهاء من بيت المال من عهد عمر بن الخطاب إلى الخليفة المستعصم كل عام فرأى العلماء أن هذه الأوقاف أرصدت لهم من بيت المال عوضا عما كانوا يأخذونه منه كل عام فرخصوا فيها لأنهم كانوا يأخذون ذلك القدر من غير عمل يكلفونه بل على القيام بالعلم خاصة فمن كان بهذه الصفة جاز له فيما بينه وبين الله الأخذ منها وإن لم يقم بما شرطه الواقف، ومن لم يكن بصفة القيام بالعلم اشتغالا وأشغالا حرم عليه الأخذ منها وإن باشر العمل"
رضا البطاوى غير متصل   الرد مع إقتباس