عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 16-10-2008, 04:19 PM   #17
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي




(12)

لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين


بات واضحاً الآن أن الآلية التي بسطنا قواعدها هي في جوهرها تفسير اقتصادي للتاريخ، والواقع أن " منطق العلوم الطبيعية الحديثة " لا يملك قوة في حد ذاته مستقلة عن البشر الذين يريدون استخدام العلوم لتذليل الطبيعة من أجل إشباع احتياجاتهم، أو تأمين أنفسهم من أخطارها. أما العلوم في حد ذاتها (سواء في صورة الإنتاج الآلي، أو التنظيم المنطقي للعمالة).

لقد حاول (فوكوياما) أن يقول لمن كان يؤمن بالأفكار الاشتراكية، بأن الاشتراكية وعلى لسان ماركس بشرت بالعدالة الاجتماعية وتحقيق الرفاهية للناس بطريقة عادلة، أقر فوكوياما بذلك، لكنه سخر من الماركسية بأنها لم تحقق ما بشرت به في حين استطاعت الرأسمالية تحقيق ما عجزت عنه الاشتراكية. وهنا يورد فوكوياما فقرة من المجلد الثالث من كتاب رأس المال لماركس ليؤشر للقارئ ما يريد إثباته:
(( لا يبدأ ملكوت الحرية في الظهور إلا باختفاء العمل الذي تمليه الضرورة والاعتبارات الدنيوية. فهو إذن، وبطبيعة الأشياء، خارج نطاق الإنتاج المادي الفعلي. وكما أن على الهمجي أن يُغالب الطبيعة من أجل إشباع احتياجاته والبقاء على قيد الحياة والتناسل، فكذا على الإنسان المتحضر أن يفعل كل هذا في كافة التشكيلات الاجتماعية وفي ظل كل صور الإنتاج الممكنة. وبتطور الإنسان يتسع مجال الضرورة المادية نتيجة احتياجاته. غير أن قوى الإنتاج التي تشبع هذه الاحتياجات تتزايد هي الأخرى وفي نفس الوقت. ولا يمكن للحرية في هذا المجال إلا أن تقوم على التفاعل مع الطبيعة، بحيث يتحكم الإنسان فيها بدلا من أن يذعن لها إذعانه لقوى الطبيعة العمياء، على أن يتحقق ذلك بأقل جهد ممكن وفي ظل أنسب الظروف للطبيعة البشرية وأجدرها بها. ومع ذلك، فإن الأمر لن يتعدى مجال الضرورة. أما خارجه، فتبدأ تنمية الطاقة البشرية التي هي غاية في حد ذاتها، وهي ملكوت الحرية الحقيقي الذي لا يمكن مع ذلك أن يزدهر إلا باتخاذه مجال الضرورة أساسا له. والشرط الأساسي لهذا هو تقصير ساعات العمل))

لم يكن ل(فوكوياما) أن يكون كريما بهذا الشكل عندما يقتبس تلك الفقرة المطولة، لو لم يعتقد أن فلسفتها تنطبق على (الليبرالية الإمبريالية). فهو يتهكم بعد إدراجها على مصير الحالمين الشيوعيين في الاتحاد السوفييتي وألمانيا الديمقراطية الذين كانوا يحلمون بتقليص ساعات العمل الى أربعة ليقضوا باقي يومهم في التزلج أو كتابة الأشعار ومراقبة المسرحيات والباليه. بل كانوا يقضون باقي ساعات يومهم في طوابير الانتظار للحصول على سلعة أو شرب (الفودكا) وإن حصل وتنزه أحدهم فإنه سيكون بأشبه بنزلاء المصحات الواقعة على شواطئ ملوثة.

ما أراد قوله فوكوياما في موضوع الديمقراطية

ينتهي فوكوياما في هذه المقالة الى أن الديمقراطية ليست متعلقة بالوضع الاقتصادي فحسب، بل هي آتية من إرادة روح الليبرالية وفهمها. ويضرب مثالين: أن أكبر الثورات في العصور الحديثة كانتا في الولايات المتحدة وفرنسا، وهما لم تقوما على هامش التطور الاقتصادي والصناعي بل قامتا بوازع يتعلق بالحرية الليبرالية.

كما أن المعالجات الاقتصادية التي تحاكي النموذج الليبرالي كالصين مثلا، لا توصل الى حالة ديمقراطية. كما يمكن سحب هذا الكلام على (لي كوان يو) في سنغافورة الذي ذهب الى أن الديمقراطية ستكون عقبة في سبيل النجاح الباهر في سنغافورة.

يريد فوكوياما أن يقول للعالم إن تداول السلطة والديمقراطية لن تتحقق بالشكل المطلوب إلا بالصورة التي تسير عليها الولايات المتحدة الأمريكية.

نقد وتعليق

إن النقاط الفلسفية التي اختارها فوكوياما مما اقتطفه من كتاب رأس المال لماركس، صحيحة في جانب وكاذبة في جانب آخر:

1ـ إن الماركسية التي كانت شكلا من أشكال الرفض لسحق إنسانية العمال في بداية الثورة الصناعية، هي وما رافقها من أشكال احتجاج فكري وعملي من خفض ساعات العمل في البيئة الرأسمالية من 14 ساعة لما هي عليه الآن. فلم يكن الضمان الاجتماعي والصحي وتخفيض ساعات العمل كرما من الرأسمالية بل كانت نتيجة صراعات وإضرابات قام بها العمال من اليونان الى أمريكا حتى أصبح الشكل للتعاطي مع قضايا العمال كما هو عليه، وإن الدول التي تناوبت فيها الاشتراكية (المحسنة والمهادنة للرأسمالية) [ الدول الاسكندينافية وألمانيا] هي أكثر ثباتا وقوة من تلك التي انفردت بها الرأسمالية [الولايات المتحدة وبريطانيا]. وما يحصل اليوم من انهيارات مالية هو شاهد كبير.

2ـ إن كان يعاب على النظام الشمولي [الاتحاد السوفييتي وغيره] من أنه يبتعد عن أساليب تناقل السلطة بعدل. فإن هذا العيب موجود بالنظام الرأسمالي الليبرالي، فالديمقراطية المركزية التي كانت تجري في الدول الشمولية تنتخب المندوبين من بين أعضاء الحزب الحاكم في القرى والقصبات لترسلهم الى المدن ومن ثم تنتخب من بين أولئك المندوبين مندوبين أقل عددا لترسلهم للعاصمة، ليختاروا قياداتهم، وهي صورة يطلق عليها أعداء النظم الشمولية بأنها ديكتاتورية الحزب الواحد.

فإن الصورة لا تختلف كثيرا في الدولة الليبرالية، حيث يترشح من يملك الملايين لمتابعة حملته ويقوم (قادة الرأي) للتبشير بهذا القائد الجديد وتتبنى الشركات العملاقة تمويل الحملات بعد أن تتفاهم على عدد مرشحيها مع غيرها من الشركات، فهي ديكتاتورية رأس المال التي لا تعير اهتماما للجمهور، بل تسرقه لإنقاذها (حسب خطة إنقاذ بوش).

إن العيب البارز في النظام الشيوعي في إلغاء المواطن كفرد بشكل نهائي، لا يعطي الأفضلية للنظام الرأسمالي، حيث لا يلغى الفرد فحسب بل تلغى الإنسانية جمعاء لضمان رفاهية نخبة عفنة. والعالم ينتظر نموذجا أفضل ولا بد من ولادته.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس