عرض مشاركة مفردة
قديم 16-05-2009, 04:07 AM   #33
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

23ـ ((واقعية)) لا تستند الى واقع

((ذلك أن الآلهة التي نؤمن بها، والناس الذين نعرفهم، تحتم طبيعتهم عليهم أن يحكموا دائما حيثما كانت السلطة لهم. وهذا هو الحال معنا. ذلك أنه حيث إننا لم نسن هذا القانون، ولا كنا أول من طَبقه حين طُبِق، وإنما وجدناه قائما ونتوقع أن نتركه قائماً أبد الدهر، فإننا نستخدمه، مدركين أنكم وغيركم، متى كانت لكم السلطة ـ التي هي الآن لنا ـ فستفعلون الشيء ذاته))
............. من خطبة لأهل أثينا في أهل ميلوس

اختيار (فوكوياما) لتلك الفقرة يسهل للقارئ معرفة معظم أركان فلسفته التي تعتبر امتدادا للذرائعية الأمريكية المتطورة. هو ينفي وجود حكم عقلاني، وينفي انتهاء علاقة السيد بالعبد وهو ينفي على ضوء ذلك علاقة الدولة السيدة على الدول التابعة لها والسائرة في ركبها، ويقر بوجود هواجس الخطر المستمر، ويقر بسباق الدول في التسلح مهما كانت عقائدها ونظم الحكم فيها لدرء خطر ربما لم يكن قائما أثناء الاستعداد لدرئه. وقد تكون (أرض أمريكا المستكشفة قبل خمسة قرون، منبعا أكثر وضوحا لتلك الهواجس).

(1)

يسمي البعض ذلك النمط من التفكير بالواقعية، وأحيانا تسمى السياسة الواقعية سياسة القوة. والواقعية (سواء سُميت عن وعي بهذا الاسم أم لا) هي الإطار الغالب لفهم العلاقات الدولية، وهي التي تُكيف اليوم تفكير كل المتخصصين في السياسة الدولية في كل العالم تقريبا.

لقد كان (مكيافيللي) أول من بشر بالواقعية، إذ كان يؤمن بأن على الناس ألا يقتدوا بما يتخيله الفلاسفة عن السبيل الأمثل للعيش، وإنما بكيفية حياتهم هم في الواقع، وبأنه على (خير) الدول أن تتبنى سياسات (أسوأ) الدول إن هي أرادت البقاء.

وقد تطورت الواقعية حتى أصبحت أكثر وضوحا بعد الحرب العالمية الثانية، ويعتبر (هنري كيسنجر) أفصح المدافعين عنها، وهو الذي قال عندما تولى منصب وزير الخارجية الأمريكية، بأنه سيعلم الجمهور الأمريكي في المدى الطويل كيف يتخلى عن الليبرالية التقليدية للرئيس (ويلسون) وكيف يتبنى فهما أكثر واقعية للسياسة الخارجية.

ونقطة البداية في كل النظريات الواقعية، هي افتراض أن الافتقار الى الإحساس بالأمن هو المظهر الدائم للنظام الدولي بسبب الطابع الفوضوي المستمر لهذا النظام، ففي حين لا يكون ثمة حاكم للعالم، تظل كل دولة عرضة للخطر من قبل كل دولة أخرى، ولن يكون هناك علاج إلا باستخدامها السلاح للدفاع عن نفسها.

(2)

السعي وراء امتلاك القوة، لا يخص نمطا من الدول دون غيرها، فقد تكون الدولة دينية أو فاشية أو ديكتاتورية أو ديمقراطية أو شيوعية. فلم تتغير روسيا التي كانت في عهد القياصرة في نزعتها التوسعية واستعدادها العسكري عن روسيا الشيوعية، ولم تتغير اليابان عندما كان يحكمها ديكتاتورية عسكرية عن اليابان المهيمنة بقوة مالها واقتصادها على معظم آسيا.

استغلال فرص القوة عند أي دولة لا يتوقف عند تاريخ. والثنائيات في العالم على مر التاريخ قد تكون أكثر ضمانا لإحداث استقرار دولي، فمنذ حالة توازن (أثينا واسبرطة) الى حالة توازن (الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفييتي) في الحرب الباردة.

(3)

أكثر صور الواقعية تطرفا، هي تعامل الدول القومية وكأنها كرات البلياردو التي لا يمكن التنبؤ بحركتها على ضوء محتواها الداخلي المختفي وراء قشرتها الكثيفة. فعلم السياسة الدولية لا يشترط معرفة المضمون الداخلي، ولا يحتاج المرء فيه إلا الى فهم القوانين الفيزيائية الميكانيكية التي تتحكم في تأثير كل منها في الآخر: مثل ما ينجم عن ارتطام كرة البلياردو بطرف الطاولة وانحرافها في زاوية، أو ارتطام أكثر من كرة في بعضها.

ويحاول فوكوياما بهذا المثل، أن يعزل عوامل التحريك للكرات، فإن كانت كرة واحدة وعصا واحدة يسهل توجيهها كيفما أراد اللاعب، وإن كانت كرتان احتاجت بعض الاحتراف الإضافي، أما كثرة الكرات لا يضمن توجيها سديدا!

(4)

يدخل فوكوياما بتفصيل وصفة الواقعية بأربع قواعد: (1) الحفاظ على ميزان القوى ضد الأعداء المحتملين. والاعتماد على السلاح، وعدم الركون للقوانين الدولية، فلم تستطع (عصبة الأمم ) منع اليابان من احتلال منشوريا، ولا تستطيع هيئة الأمم المتحدة الحالية تأديب دولة جامحة.

(2) القاعدة الثانية في الواقعية، هي اختيار الحلفاء على أساس قوتهم، لا على أساس أيديولوجيتهم، فالتحالف مع الشيوعيين في الاتحاد السوفييتي ضد هتلر هو من هذا الباب، والتحالف مع سوريا ضد العراق في حرب الكويت هو من هذا الباب.

(3) على الساسة وهم يقيمون الأخطار الخارجية أن يدرسوا بعناية أكبر القدرات العسكرية لا النوايا. فإن كان هناك دولة تُعد من الأصدقاء، فإن الحال قد يتغير غدا، أما أعداد طائراتها ودباباتها ومدافعها لا يتغير. [ هذا ما يفسر تعطيل الكثير من صفقات الأسلحة مع دول عربية تعتبر صديقة للولايات المتحدة].

(4) القاعدة الأخيرة، هي استبعاد النزعة الأخلاقية من السياسة الخارجية.

يختتم فوكوياما مقالته هذه، بالقول الى أن الواقعيين أكثر الناس ميلا الى حل وسط مع الأعداء الأقوياء.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس