عرض مشاركة مفردة
قديم 22-08-2007, 02:55 PM   #23
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

تقنين الوقت والجهد


أثناء مراقبتنا لمباراة بكرة القدم، قد تقع أعيننا على نموذج من اللاعبين لا يحسن تقنين جهده ولا يحسن تقدير وقت اللعب مع الجهد المبذول، فقد ترى في فضاء الملعب كرة مقذوفة من أحد اللاعبين، وتقدير المتفرج لها أنها ستقع خارج خطوط ساحة اللعب، ولكن ذلك اللاعب يركض وراءها بسرعة هائلة، لو استخدم عقله لثانية أو جزء من الثانية لما ركض وراءها لتيقنه من أن لن يلحقها ولتيقنه من أن لا خطورة منها على فريقه، ولكنه يركض ويبذل جهدا لن يستفيد منه لا فريقه ولا هو .. فبعد عدة محاولات ركض فاشلة كتلك سيفقد معظم لياقته في اللعب وسيضطر المدرب لتبديله بلاعب آخر!

أحيانا تجد أحدهم يمسك بمطرقة (شاكوش) ويطرق به على مسمار واحد خمسين طرقة، وسيدعي بأنه قد حل به التعب، وهو لم ينجز سوى قدر ضئيل من الإنتاج إذا اتبع نفس الطريقة .. في حين كان يمكن أن ينجز أكثر من ذلك بكثير لو أن كل مسمار احتاج لطرقة واحدة أو طرقتين من نفس العامل!

إن هذا المدخل من الحديث يقودنا الى بحث مسألة (النمطية) التي يلجأ إليها (اليابانيون) في صناعتهم.. وهي تكديس المهارة في شيء محدد .. فمن يشد برغي في جزء من سيارة، لا ينتقل الى غيره من الأعمال، لا من باب الترقية ولا من باب التنويع في اكتساب المهارات، فإذا كان ينجز تسع وحدات في الساعة مثلا، في سنته الأولى من العمل، وأصبح ينجز عشر وحدات في السنة الثانية فإن الوحدة الإضافية الجديدة لها حسابها الكبير في إدارة الصناعة اليابانية ..

إن النمطية لا تعني التقليد الأعمى ولا تعني الالتزام المطلق بنهج بعينه، ولا تعني الابتعاد عن البحث العلمي الذي تتعاون فيه جهات حكومية وأهلية للتوفير في المال الوطني، قبل التوفير بالمال الشخصي، وكلاهما متلازمان في الدول التي تنمو بشكل متناسق ..

سنقرب هذا الكلام ليصبح مهضوما و قابلا لأن تكون الملاحظات بشأنه مفيدة، وتبعث على التفكير .. وسنتناول في هذه الزاوية ما يخص تربية الدجاج اللاحم على سبيل المثال لا الحصر ..

فكلف تربية الدجاج اللاحم تتمثل بثمن الكتكوت بعمر يوم واحد إضافة لكلف العلف المقدم له و ثمن العلاجات البيطرية وأجرة العامل وثمن التدفئة وأجرة المزرعة وبعض المصاريف الأخرى..

سنقارن تلك المسألة بين تربية الدجاج اللاحم في هولندا والأردن، آخذين عام 1997 كعام للمقارنة، مستفيدين من السجلات التي بين يدينا كمتخصصين في هذا المجال ..

كان العامل الواحد في الأردن يستطيع تربية ما بين (7ـ11) ألف طير .. في حين كان العامل الهولندي يستطيع تربية (142)ألف طير.
كان المتر المربع الواحد من قاعات التربية في الأردن ينتج (16كغم) من اللحم في حين كان المتر المربع الواحد في هولندا ينتج (42كغم) من لحم الدجاج.
كانت كلفة علاج (10000) طير في الأردن تحتاج 1500 دولار في حين كانت في هولندا 300 دولار.
كان كل كيلوغرام من الدجاج يحتاج الى 2.4كغم من العلف في الأردن، في حين كان كيلوغرام من الدجاج في هولندا يحتاج 1.7كغم من العلف..
كان طن العلف الواحد في الأردن يكلف 380 دولار، في حين يكلف في هولندا 200 دولار لا غير ..
كانت كلفة التدفئة ل10000 طير في الشتاء بالأردن تحتاج 1500دولار في حين كانت 400 دولار في هولندا بنفس شتاء نفس السنة.

من يتأمل تلك الأرقام وفروقاتها، سيدرك على الفور صعوبة المنافسة بين السلعة المحلية (العربية) والسلعة الهولندية (الدول المتقدمة) .. وهذا سيهدد المنتجين المحليين فيما لو خضعت معاملات التجارة الدولية لبنود اتفاقية (الجات) وما سيتبعها من فتح الأسواق، والتي لن يصمد فيها إلا من كان يبتكر طرقا في تخفيض الكلف ..

إن التقليد الأعمى الذي يتبعه المنتجون للدجاج اللاحم في التغذية، والتي تشكل التغذية فيه 67% من الكلفة العامة للإنتاج، هو سبب قوي في جعل المنتج العربي متخلفا عما هو عليه المنتج الأوروبي .. فاستخدام (الذرة الصفراء، والصويا، ومركزات التغذية) تقليد تسير عليه معظم الدول العربية حتى تاريخ المقارنة التي اعتمدناه، في حين لم تدخل هولندا (الذرة الصفراء) منذ عام 1960 ..

لقد دخلت مختبرات شركة هولندية (هايفيد) وكان فيها عينات ل (450) مادة علفية، منها 11 مادة من الصومال و 81 مادة من السودان، وهناك جذور نباتات من الفيليبين الخ ..

والسبب الآخر في زيادة كلف التربية عندنا كانت مباني التربية الرديئة التي سيترتب عليها استهلاك أكثر لوقود التدفئة، وتمكن الأمراض من الدخول الى قاعات التربية وفتكها بالطيور مما يزيد من الكلفة الإجمالية. ففي حين كانت كلفة الكيلوغرام الواحد في هولندا عام 1997 هي 95سنتا كانت في الأردن 1.5دولار ..

إن تلك المقارنة قد دفعتنا في وقتها للبحث عن طرق تقلل من الكلفة وقد استطعنا خلال عشر سنوات من تخفيض كمية العلف من 2.4كغم الى 1.9كغم عام 2007 .. أي وفرنا في كل 1 كغم لحم نصف كيلو من الأعلاف، واستطاعت شركات أخرى أن تنتج 38كغم من اللحم في المتر المربع الواحد عام 2007 بدلا من 16 كغم عام 1997.

إن البحث العلمي لتقليل كلف الإنتاج لن تكون مسئولية فردية أو تتعلق بشركة واحدة، بل يتطلب تعاون الجامعات والحكومات وممثليات الإنتاج الأهلي ..
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس