عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 14-12-2014, 04:11 PM   #8
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,403
إفتراضي

في مسألة التَمَلُك: تعيش معظم جراثيم الثورات

يُعطي النظام الاقتصادي المألوف في كل بلدان العالم المتقدمة اقتصادياً، وفي شكلٍ أكثر تفشياً في بلدان أخرى ـ مع استثناء كوريا الشمالية وكوبا والصين من حيث المرجعية وليس الواقع ـ السلطة الاقتصادية النهائية لأولئك الذين يتحكمون في المصانع والمعدات والأراضي والموارد المالية المتاحة. في زمن ما كان الملاك هم المتحكمون، والآن ثمة تعقيد حصل على إدارة المنشآت الاقتصادية العالمية، تراجع معه مصطلح الرأسمالية (المذموم عالمياً) الى مصطلح (نظام السوق)*1، وعلى العموم فإن المُلكية هي أس التنظير للاقتصاد.

وكانت المُلكية (بفتح الميم أو كسرها)، محط تساؤل الجميع فقراء كانوا أم أغنياء، فإن كان المتسائل فقيراً ينظر بعين الحسد والريبة: من أين جاء صاحب هذا المُلك به؟ هل هو من باب الحلال أو الحرام؟ وإن كان المتسائل غنياً فإنه سيقول: كيف تفوق علي فلان بتلك الحيازات؟ وتترك تلك التساؤلات أثراً بالغاً في نفس الجمهور، فيتردد في طاعة الأغنياء أو يحابيهم أو يتربص بهم للنيل منهم بأي شكل.

(1)

المُلك في اللغة: احتواء الشيء والقدرة على الاستبداد والتصرف فيه. وملك الشيء ملكاً: حازه وانفرد بالتصرف فيه، فهو مالك وفي القرآن الكريم {ولله ملك السموات والأرض}، والمِلكية (بكسر الميم وتسكين اللام) هي المُلك والتمليك، ويقال بيدي عقد ملكية هذه الأرض.

ومن أطرف ما وُجد في لسان العرب لابن منظور، أن الإملاك هو التزويج، ويقال للرجل إذا تزوج: قد مَلَك فُلان، يملك مَلْكا ومُلكاً ومِلكاً (بالفتح والضم والكسر للميم)، وعلينا تصور المشاعر للمالك (المتزوج) كيف يغار على ما يملك، وعلى الآخرين الذين كانوا يصبون للزواج ممن تزوج.

وتعني المِلكية في النهج الاقتصادي العربي الإسلامي: العلاقة الشرعية بين الإنسان والأشياء التي يمكنه التصرف فيها بالطرق الشرعية. فهو والحالة هذه اتصال شرعي بين الإنسان وبين شيء يكون مطلقاً لتصرفه فيه، وحاجزاً عن تصرف غيره فيه*2

وتنقسم الملكية الى ثلاث أنواع:
أـ نوع مخصص للمنافع العامة لا يجوز تملكها أو تمليكها، مثل الطرقات والجسور (وهذا النوع قد أجيز تمليكه في الدول الرأسمالية، وحتى بعض الدول الإسلامية)، والقلاع والحصون.
ب ـ نوع لا يجوز تمليكه إلا بمسوغ شرعي، من ضرورة ملحة، مثل العقارات الموقوفة لبيت مال المسلمين، لا يجوز بيعها إلا في حالات عجز بيت المال وحاجته للأموال.
ج ـ ما عدا هذين النوعين يجوز تملكه وتمليكه وفق أصول معروفة.

أما مصادر بيت مال المسلمين فتأتي من الزكاة وخمس المعادن والغنائم والجزية واللقطات وتركات المسلمين التي لا وارث لها والخراج والفيء والعشور.

(2)

إذا كان رسول الله صلوات الله وتسليمه عليه، والخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم قد أقطعوا الأراضي بعض المسلمين فإنما كان ذلك في وجوه تبررها المصلحة العامة. ونجد منذ صدر الإسلام فريقاً من الصحابة يستغلون بعض الأراضي ويدفعون عنها الخراج أمثال عبد الله بن مسعود والحسين بن علي*3

ولكن لم تخلُ مسألة التمليك من الميل السياسي، وللتدليل على ذلك دعنا نتتبع قضية أملاك (فدك)، التي غُنمت من اليهود. لما تولى أبو بكر الصديق رضوان الله عليه جاءته فاطمة تقول أن رسول الله صلوات الله عليه قد وهب لها (فدك) فطالبته بها، فقال لها هل معك شهود؟ فشهد لها علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأم أيمن، فقال لها: يا بنت رسول الله قد علمتِ أنه لا تجوز إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، فانصرفت، وبقيت (فدك) حقاً لبيت مال المسلمين في عهده وعهد عمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم.

ولما تولى معاوية الحكم وهبها لمروان بن الحكم وبقيت له ولأولاده، حتى اشتراها منهم عمر ابن عبد العزيز وردها الى بيت مال المسلمين.

وبقيت كذلك لسنة 210 هجري، عندما أعادها المأمون (الخليفة العباسي) لأحفاد فاطمة، فاستلمها محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب، وبقيت كذلك الى عهد الخليفة العباسي (المتوكل على الله) فردها منهم الى بيت مال المسلمين*4

من يتمعن في تلك القصة، سيجد أن تقوى الله والتمسك بشريعته هي التي تجعل من مسألة التمليك حقاً شرعياً، وبعكس ذلك تبقى الأمور للأهواء السياسية، وهذا ما قادنا الى ما نحن عليه.

(3)

إن فكرة الخصخصة الحديثة، وبيع جذور ممتلكات الدولة بحجج ضعيفة، وإعطاء وكالات الاستيراد والاستثمار التي تجري في أيامنا هذه كلها من الأسباب التي ولدت الفساد وتركزت الملكيات في أيدي من يحيطون بمركز الحكم.

وما حدث في مصر وليبيا وتونس وسوريا، هو نمط (مُحَّدَّث) للتلاعب بأملاك الأمة، وهو ما يقود الى شعور الشعب بالاستعباد والقهر ويحرك جرثومة الثورة ضد الحكام.



هوامش
*1ـ اقتصاد الاحتيال البريء/ جون كنث جالبرث/ ترجمة: محمد رضا علي العدل/ قدم للكتاب: محمود عبد الفضيل/ القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب 2010 صفحة 28.
*2ـ ذكرها حمدان عبد المجيد الكبيسي في كتابه: مضمون الملكية في النهج الاقتصادي العربي الإسلامي/ جامعة بغداد 1983 صفحة 119، عن المعجم الاقتصادي الإسلامي/ أحمد الشرباصي صفحة 441.
*3ـ مروج الذهب للمسعودي/بيروت: دار الفكر.
*4 ـ فتح البلدان/ أحمد بن يحيى بن جابر الشهير بالبلاذري/ طبع بالقاهرة سنة 1901 صفحات 39ـ 41
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس