عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 12-02-2010, 03:47 PM   #6
المشرقي الإسلامي
أحمد محمد راشد
 
الصورة الرمزية لـ المشرقي الإسلامي
 
تاريخ التّسجيل: Nov 2003
الإقامة: مصر
المشاركات: 3,808
إفتراضي

كأنني إزاء المثل الجاهلي القديم الجميل الذي جددته بأسلوبك الخاص :"إنك لا تجني من الشوك العنب" ، وذلك في النصف الثاني من القصيدة .وهذه القصيدة الأقرب إلى الومضة تتسم بالمقابلة والتضاد . والذي لا ينظر إلى النص بدقة قد يظن أن النص مكرر بشكل مقلوب ، لكن هذه العملية كانت واعية لتصل بالقارئ إلى حكمة مفادها أن الزرع الطيب إذا كان ثمره مرًا ، فمن باب أولى أن يكون الغراس المر أشد مرارة إذا لا يتوقع أن تطّرد القاعدة العكسية ، ففي الحالة الأولى كانت نتيجة هذا الغراس مرة ولكن ليحذر المخاطب من أن يعكس المعادلة ،لكي يجد النتيجة المرتجاة. إن المرآة تعكس الصورة ، ولكن الصور البائسة لا تنعكس ، والملاحظ للعمل يجد نتيجة مؤداها أن المر(الهجر-الفراق-الحزن) في كلتا الحالاتين هو السيد للموقف. والحكمة إذ تكون بسيطة فإنها تحتاج إلى أدوات غير معقدة للوصول إلى الهدف بأقصر الطرق وأسرع الأساليب وهذا الاقتصاد في الأدوات والوسائل أتى من خلال الاعتماد على صورة بلاغية بسيطة نوعًا ما في دنيا المجاز وهي إتيان النظير (أثمر خوفًا وعتابًا )وتأتي جملة (مواعيد وعيد) لتزيد النص ألمًا من خلال تناقض الدال والمدلول . فالمواعيد -في التصور الذهني للقارئ- ترتبط بالغرام والرقة والدعة ..إلخ ولكن حينما تكون المواعيد تخبئ وعيدًا فإن الدهشة والألم يمتزجان في صورة مواعيد الوعيد ، والجناس الذي كان في النص زاد من جمال التناغم الموسيقي . النص يحوي حكمة تلك التي لا تصاغ في شكل تقريري خطابي وإنما في همسة رقيقة هادئة للمتلقي ، وهذا التناول يجعل القصيدة في المنطقة الرمادية أي المنطقة التي يفهمها القراء من كافة الثقافات والرؤى والأجناس والأعراق . وانتحاء هذا المنحى يجعل النص يتسم نحو العمومية والتجرد و(العالمية) أي أنها مشاعر لكل إنسان من حيث هو إنسان . والذي يتراءى لي أن القصيدة لمسة حانية على الأنثى تلك التي تزرع العنب والنخيل لتجني الصدود والوعيد ، ثم لما يحين العطاء من الآخر يكون العطاء وعيدًا وصدودًا ..لسان حال القصيدة قول أبي فراس الحمداني رحمه الله : أمن بعد بذل النفس فيما تريده أثاب بمر العقب حين أثاب ؟ كما أن القصيدة تبدو كقول حكيم اشتكى إليه هذا المحب ، ولم يكن يعلم أن الأنثى ليست بهذه السذاجة التي تجعلها تتقبل المر أخذًا وعطاء ، وكأن ثمة ردة فعل لها مخبأة بين أسطر هذه الكلمات يدل عليها السؤال الاستنكاري :هل تزرع خوفًا ووعيدًا وصدودًا .. النص دعوة إلى الترشد وإعمال العقل وإعادة ما يبدو كأنه (ثوابت) لدى بعض فئات المجتمع ، وليست قضيته الأنثى فحسب بل قضية الإنسان الذي يتبرم من الخطوب الملمة به مع أنه هو المخطئ وتبقى كالحكمة الخالدة وتنعي هذه الأنانية والهروب من تحمل المسئولية وهي دعوة إلى إعادة فهم الحياة مرة أخرى . وهكذا الفن ..رؤية وتجربة ، وإيجاز . عمل رائع ، دمت مبدعًا لك منا خالص الشكر والتحية.
__________________
هذا هو رأيي الشخصي المتواضع وسبحان من تفرد بالكمال

***
تهانينا للأحرار أحفاد المختار





آخر تعديل بواسطة المشرقي الإسلامي ، 12-02-2010 الساعة 09:02 PM.
المشرقي الإسلامي غير متصل   الرد مع إقتباس