عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 24-02-2006, 03:36 PM   #10
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,462
إفتراضي

بين العقل العربي والثقافة

(3)

ان تشبيه الحياة الثقافية بالجزر المنقطع بعضها عن الآخر ، لم يكن تشبيها به مبالغة ، كما راجعني البعض بخصوصه ، بل إن هذا الوضع قد أثر على حياتنا الثقافية الراهنة ، وحاصرها محاصرة شديدة ، فعطل بذلك خدمة الثقافة العربية لأهدافها التي لم تفتأ منذ بداية تكوينها ، على الزعم بأنها تنشد الوحدة ، وتزعم بأنها تنشد سد أبواب الفرقة ..

ولكن استحضار مكوناتها منذ بداية التكوين ، و التسلح بها من أجل خدمة الأهداف ذاتها ، يوقع المثقفين والمفكرين ، في التمترس وراء إحداثيات تكوين تلك الثقافة ، فتصبح كأنها اجترار وتكرار و إعادة تكوين بشكل رديء ، حيث أن قوة تلك الأفكار و بريقها كان يبرر من الأحداث التي أحاطت بها وولدتها ، على لسان مؤرخين أو أدباء صاغوها وفق قراءاتهم لتلك الأحداث ..

فيصبح عقل المثقف الراهن ( كأداة ) لتقييم ما يجري حوله ، و صناعة مخططات المستقبل كمنهاج من قبل جيوش المثقفين و المفكرين الراهنين ، يصبح متأثرا ، بل و أسيرا لرؤية من افتتن بهم من مؤرخين و فقهاء سابقين .

ان النزوع لإعادة كتابة التاريخ الثقافي ، بهدف تمهيد طريق التفكير الوحدوي سواء بروح قومية أو اسلامية ، له ما يبرره إذ :

1 ـ ان تاريخ الثقافة العربية الذي نقرأه من خلال مناهج المدارس و الكليات ، هو تاريخ فرق ، وتاريخ طبقات و تاريخ مقالات وتاريخ رؤى مجزأة ، فهو تاريخ مفرق و ليس تاريخ موحد ، ومن الخطأ الانجرار الأعمى وراءه ، بشكله المقدم الينا من أجدادنا ، دون فهم دواعي تقديمه بهذا الشكل ..

2 ـ ان التاريخ الثقافي العالمي و العربي الراهن هو تاريخ ثقافي متخصص ، في حين كنا نجد بعض الفلكيين من أجدادنا يؤرخوا للفلك والفقه و النحو معا ، كما كان بعضهم يثبت مقالاته في الموسيقى و الطب والشريعة ، لذا فان الإقتداء الثقافي بأحدهم في مجال سيصطدم مع نظرة لا تكون ملزمة للمثقف الراهن أن يأخذ بها في مجال آخر ..

3 ـ ان زمن التاريخ الثقافي العربي الراهن ، هو زمن راكد أشبه ما يكون بالمعرض أو السوق ، تعرض به بضائع قديمة الصنع الى جانب سلع حديثة الصنع ، وتجد كل البضائع مشترين لها وفق خلط لا يكاد يكون ظاهرا في غير الثقافات العالمية .. فالأزمنة الثقافية عندنا متداخلة بشكل لا يولد قديمها جديدها بل يؤاخيه و يزامله و أحيانا يتقدم القديم على الحديث ..

4 ـ كما أن أزمنة التاريخ الثقافي العربي متداخلة ، فإن الأمكنة كذلك متداخلة ، فإن الروايات التاريخية تتناقض من حيث المكان لنفس القضية ، فان أردنا أن نقيم ما حدث في واقعة مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما ، فان كتابات ابن عبد ربه الأندلسي أكثر حيادا من كتابات من هم في أمكنة أخرى .. فهنا قد يرتبط وعينا بأماكن الكوفة و البصرة والقاهرة والقيروان وقرطبة و دمشق ، بتنقل متداخل ، مع تداخل الصور المنقولة لمؤرخين و أدباء تلك الأماكن وغيرها .

5 ـ ان هناك اضطراب و انقطاع بين تاريخنا الثقافي العربي و التاريخ الثقافي العالمي ..وهو على حساب تاريخنا بالطبع ، على حساب دوره ومكانته في التاريخ العالمي ، ففي حين يدعي الغرب بأن أثر أجدادنا ، لا يكاد يرى ، فيؤسسوا لتاريخ أوروبا الثقافي من أيام اليونان الى العصر الحاضر مغفلين أثر العرب ، في تقديم تاريخ أوروبا القديم ، شارحين له و موظبين له بصورة فهمتها الأجيال التي تناولتها من العرب .. فان المثقفين العرب الحاليين غير قادرين على إثبات ذلك الأثر للعالم ، بل وقد يشاركونهم التشكيك بضحالة دور أجدادهم !
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس