عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 18-02-2006, 02:51 PM   #9
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,461
إفتراضي

بين العقل العربي والثقافة

(2)

عندما ذكرنا في موضوع تعريف الثقافة ، بأنها ما يبقى بعد أن ينسى كل شيء ، فإن الذي ينسى لا يعدم بل ، سيخزن في اللاشعور و يستخدم في المسألة الإيبستمولوجية ، أي إكتناه المعرفة أو معرفة المعرفة و النظر اليها نظرة تقييمية سواء بالقبول أو التنافر والتضاد ..

ولتقريب تلك المسألة ، سنذكر على وجه السرعة ، ما نظر اليه كل من (جان بياجي ) و ( فرويد ) و(كروباسكايا ) .. للتأسيس على ما نرمي اليه في هذا الجزء من الحديث عن العقل العربي .

لقد حدد (جان بياجي) أن ما ينسى من الثقافات ، يخزن في (اللاشعور) ودون علم من خزنه ، والكيفية التي تم التخزين بها ، أو الكيفية التي يستخرج منها ذلك المخزون لاستعماله في الحكم على الأشياء ، أكبر ، أصغر ، أحلى ، أبشع ، أقوى ، أضعف ، أصعب ، أهون ، الخ من تلك الثنائيات التي يتخذ إزائها حكم بلمح البصر ..

تماما كما حدد فرويد تلك المسألة بالنسبة للعاشق و المعشوق ، لا يعلم لماذا يؤثر المعشوق دون الآخرين على عاشقه ، ويحدث له كما هائلا من الاختلاجات والهيام ، ولا يدري الكيفية التي تتم بها تلك التفاعلات الداخلية ، وقد تكون تلك الاختلاجات مثارا لانتقادات بعض المتعقلين ، الذين يسفهوا من فعل العاشق ، تجاه معشوقه ، في حين يقومون هم بنفس الاختلاجات مع معشوق آخر ، ولا يمكن تفهم تلك المشاعر دون أن يمر الشخص بتجربة مشابهة مع معشوق بعينه وهذه لا تتكرر في حالات الأفراد ..

أما (كروباسكايا) ، فإنها تقرر أنه لا يمكن أن تضاف معرفة أو عناصر معرفة جديدة الى معرفة الفرد ، الا إذا كان هناك نتوءات معرفية تستقبل تلك المعرفة الوافدة حديثا ، والمقصود بذلك أن الديانة مثلا عند الطفل تكون نتوءا معرفيا ، فالطفل المسلم لا يتقبل معرفة الديانة البوذية و يضيفها اليه كونه لا يملك نتوء معرفي خاص بها ، و طالب التاريخ ، لا يستطيع استيعاب أو مواصلة قراءة كتاب عن النظرية النسبية .. ما لم تستحدث نتوءات معرفية في كل الحالات !!

قد يقول قائل : وما علاقة كل هذا الكلام في مسألة العقل العربي ؟ .. لقد أوضحنا في الإيجازات الثلاثة السابقة ، حالات إثارة و إشغال إحساس الفرد كفرد ، ونحن هنا في حالة مناقشة عقل أمة ، إذا صح التعبير .. ففي حالة الفرد قد نستطيع تحديد زمن تكون الحالة الثقافية أو المعرفية أو حتى العاطفية ، على وجه التقريب ، لكن في الأمة ، كيف سيحدث ذلك ؟

لو أخذنا حالة الغرب ، كونه يضايقنا في ثقافتنا وعقلنا ووجودنا ، كمقياس للمقارنة ، فإننا نرى أن الغرب يحدد في حديثه عن نشاطه العقلي و الفكري في التاريخ الميلادي ، فعندما يحكي عن فيلسوف قديم يقول في عام 456ق م ، أو قسم تاريخ نشاط عقله الى العصر القديم و العصور الوسطى و عصر النهضة أو التنوير والعصر الحديث ، ويجد القارئ أن الحديث مترابط ، وكل عصر يدفع باتجاه الذي يليه ، ولا يتخاصم معه ، بل كل العصور على علاقة خدمية واضحة أو علاقة سلالاتية ان صح التعبير ..

في حين ، نؤرخ نحن حسب الحكم ، فنقول العصر الجاهلي و الأموي والعباسي ، ونغيب عدة قرون قد تصل الى ثمانية ثم نتحدث عن العصر الحديث أو عصر النهضة .

ونلحظ تداخل الأزمنة الثقافية في نفسية المثقف ، بشكل كبير ، وتخرج علينا في كل قرن دعوات قوية و مصرة ، لنسف كل ما استحدث على عصر من العصور . وتجد مثقفنا مثقفا جوالا متغيرا يوم علماني و يوم متدين ويوم ليبرالي و يوم يساري ويوم يميني ..

إن عدم التواصل في التطور هو ما جعل ثقافتنا و مواطنها أشبه بالجزر غير المربوطة ببعض عبر جسور ، فيقفز المثقف من جزيرة الى أخرى ، الى غير رجعة ، بل ويصنع قطيعة وعداءا مع سابقتها ، لقد تعامل المثقف مع تاريخه الثقافي ، كتاريخ ممزق ، فيستخرج أحيانا مقولات قديمة و يطرحها كمقولات حديثة ، ويستقبل مقولات دخيلة من غير حضارتنا و يطرحها على أساس بديل لا بد من اتباعه ..

لقد كان المفكرون من أجدادنا ينهون مقالاتهم ، ب ( والله أعلم ) ، وهي دلالة على تواضعهم وتقريرا عن عدم انتهاء البحث فيما قالوا.. ولكن المثقفون في هذا اليوم ، ينهونها ، ب ( و إن لم يعمل الناس بتلك الفكرة فالويل والثبور لهم ) .

لو أنهينا مقالتنا باستعارة مصطلح (ابراهيم بن سيار النظام ) . . بأن زمن الثقافة ليس ( مدة تعدها الحركة ) وحسب بل هو كذلك ( مدة يعدها السكون ) .. كما في انطلاقة السهم ، لا بد من ذكر حركة التوتر و شد القوس قبل الانطلاق !
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس