عرض مشاركة مفردة
قديم 02-09-2008, 07:32 AM   #8
محمد الحبشي
قـوس المـطر
 
الصورة الرمزية لـ محمد الحبشي
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2006
الإقامة: بعيدا عن هنا
المشاركات: 3,527
إفتراضي

..

كتب "ستيفن ليكوك" يقول :

"ما أعجب الحياة ! يقول الطفل : عندما أشب فأصبح غلاما .. ويقول الغلام ، عندما أترعرع فأصبح شابا .. فإذا واتته الشيخوخة ، تطلع إلى المرحلة التى قطعها من عمره ، فإذا هى تلوح كأن ريحا اكتسحتها اكتساحا ، إننا لا نتعلم إلا بعد فوات الأوان ، أن قيمة الحياة فى أن نحياها ، فى أن نحيا كل يوم منها وكل ساعة" .

لقد أوشك "ادوارد إيفانزا" من أهالى ديترويت ، أن يقتل نفسه قلقا واكتئابا ، قبل أن يتعلم أن قيمة الحياة فى أن يحياها ، وأن يحيا كل يوم منها وكل ساعة" .. نشأ إيفانزا فقيرا معدما يكتسب رزقه من بيع الجرائد ، فقد اشتغل كاتبا فى محل بقالة ثم التحق بوظيفة مساعد لمدير مكتبه ، كل ذلك وهو يعول سبعة اشخاص ويكدّ ليوفر لهم القوت . ورغم أن أجره عن عمله الأخير كان ضئيلا فإنه كان يخشى الإستقالة منه مخافة أن يتضور هو وعائلته جوعا .

وانقضت ثمانية أعوام قبل أن يستجمع إيفانزا أطراف شجاعته ، ليبدأ عملا مستقلا . وقد بدأ بدأ عمله المستقلّ برأس مال مقترض قدره خمسة وخمسون دولارا . لكنه اصبح يربح عشرين الف دولار فى العام ! ثم حلّت به نكبة . فقد أمدّ صديقا له بمبلغ كبير من المال فما لبث صديقه أن أفلس !

وفى أعقاب هذه الكارثة حلّت كارثة أخرى . فقد أفلس بدوره المصرف الذى يودع فيه إيفانزا أمواله جميعا . وأصبح إيفانزا فإذا هو مفلس لا يملك مليما واحدا بل أصبح مدينا بمبلغ ستة عشر ألف دولار ، ولم تتحمل أعصابه ذلك كله ، قال لى :

"لم استطع أن آكل أو أنام وانتابنى المرض .. المرض الذى جرّه علىّ القلق ولا شىء غير القلق وبينما أنا اسير ذات يوم أدركنى الإعياء وتهاويت فى عرض الطريق وحملنى الناس إلى بيتى . ولم البث حتى تفجر جسمى بثورا مؤلمة حتى أن مجرد الرقاد فى الفراش أصبح محنة شديدة ، وكان هزالى يزداد يوما بعد يوم ، وأخيرا أنهى إلىّ الطبيب أننى لنم أمكث حيا أكثر من اسبوعين ّ وصدقت ذلك وكتبت وصيّتى ولبثت فى الفراش أنتظر النهاية المحتومة .

لم يعد يجدى إذ ذاك الخوف ولا القلق ، ومن ثم امتثلت للاقدار واسترخيت ورحت فى نوم عميق . ولم يكن مجموع ما قطعته فى النوم خلال الاسابيع الماضية يزيد على ساعتين ! ولكنى وقد أوشكت مشكلتى أن تحل بالموت ، استغرقت فى النوم كالطفل ، وبدأت المتاعب التى كنت أحسها تختفى وعادت إلىّ شهيتى وازداد وزنى مرة أخرى لفرط دهشتى !!

ومرت أسابيع قليلة ، فاستطعت أن أمشى متوكئا على عصايتين ، ثم مرت ستة اسابيع فاستطعت أن أعود مرّة أخرى إلى العمل ! وكنت قبل مرضى أربح عشرين ألف دولار فى السنة ، ولكنى اليوم قانع بعمل يدر علىّ ثلاثين دولار فى الاسبوع . ولقد وعيت الدرس الآن . فمحوت القلق من نفسى وركزت كل وقتى ونشاطى وحماستى فى عملى الجديد .

وقد تقدم إيفانزا فى عمله المتواضع ذلك . فلم تمض سنوات قلائل حتى أصبح مديرا للشركة التى يعمل بها .. شركة "إيفانزا للإنتاج" !
وعندما توفى عام 1945 ، كان يعد رجلا من اشد رجال الأعمال فى الولايات المتحدى نجاحا . وإذا قُدر لك أن تطير يوما فوق جرينلاند فقد تهبط فى "مطار إيفانزا" المطار الذى أطلق عليه اسمه تخليدا لذكراه .

وإليك مغزى هذه القصة :

لم يكن ادوارد ايفانزا ليحرز النجاح الذى أحرزه فى ميدان الأعمال وفى الحياة عموما ، لو لم يُقدر له أن يعيش فى حدود يومه ، وأن يمحو القلق على الناشى وعلى المستقبل .


منذ خمسة آلاف سنة قبل الميلاد ، قال الفيلسوف الإغريقى "هرقليط" :

كل شىء يتغير ، إلا قانون التغير .. إنكم لا تهبطون نهرا بعينه مرتين فالنهر .. فالنهر يتغير كل ثانية ، وكذلك الرجل الذى يهبطه فالحياة فى تغير لا ينقطع ، والشىء الأكيد فى هذه الحياة هو اللحظة التى نعيش فيها ، فلماذا نشوه جمال لحظتنا هذه ويومنا هذا ، بحمل هموم المستقبل الذى يخضع لقانون التغير ؟

وفى هذا المعنى نفسه وضع الرومان الأقدمون مثلا من كلمتين (caros diem) "استمتع باليوم" أو "استمسك باليوم" .

وكان جون راسكن يضع على مكتبه قطعة من الحجر منقوش عليها كلمة واحدة هى "اليوم" .
وأنا لا أضع قطعة من الحجر على مكتبى وإنما ألصق على مرآتى قصاصة ورق مكتوبة عليها هذه القصيدة لكى أطالعها كل صباح .. قصيدة كان سير وليم أوسلر يحتفظ بها على مكتبه ، وهى من نظم الكاتب الهندى الشهير "كاليداسا" :

تحية إلى الفجر

أنظر إلى هذا اليوم ..
إنه الحياة .. جوهر الحياة ..
فى ساعاته القليلة ..
تكمن حقيقة وجودك ..
معجزة النمو ..
ومجد العمل ..
وروعة الإنتاج ..
فالأمس ليس إلا حلما ..
والغد ليس إلا خيالا ..
أما اليوم إذا عشناه كما ينبغى ..
فإنه يحعل من الأمس حلما سعيدا ..
ويجعل من الغد خيالا حافلا بالأمل ..
هكذا ينبغى أن نحيى الفجر ..
__________________

محمد الحبشي غير متصل   الرد مع إقتباس