عرض مشاركة مفردة
قديم 11-06-2008, 02:12 AM   #4
السيد عبد الرازق
عضو مميز
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2004
الإقامة: القاهرة -- مصر
المشاركات: 3,296
إفتراضي

ولم يکن عيش وشعر عمر الا في الغزل. فمن المعروف ان عمر بن عبدالعزيز نفاه الي جزيره دهلک لفرط تشبيبه بنساء ذوات الأخطار من اهل المدينة. ثم عفي عنه ومات بدمشق بعد المأئة بسنين قليلة.

ميزاته:

ومن ميزات هذا الغزل عدم ثبات الشعراء علي امرأة واحدة بل کانوا دائمي النقلة کالنحلة من زهرة إلي اخري مما دعا الي کثرة الأسماء عندهم کما سار اکثرهم علي نهج قصصى شأن بعض الشعراء الجاهليين، وان کان بعض الدارسين يعدون عمر بن ابي ربيعة، مبتکراً له مجاراة للدکتور طه حسين الذي استنکر واستعبد ان يکون امري القيس رائد الاسلوب القصصى ومن البوادر الجديدة في الغزل الحسى الاموى کثرة الرسل والاشارة الي الرسائل الغزلية مع النساء.

أما الشعر الغزلي الحسى او الصريح کما يسميه بعض الباحثين فهو يصور احاسيس الحب ومغامراته فى المجتمع المتحضر الذى ظفرت فيه المرأة العربية بقدر كبير من التحرر, وكانت لا تضيق بما يقال فيها من غزل. ويتميز هذاالعصر ببعده عن العواطف المجردة والتعبير عن الشهوات الحسية واهتمامه بمحاسن المرأة وجمالها الجسدى ووصف تمتع الشاعر بها. ويري احد الباحثين ان المتمعن في شعر عمربن ابي ربيعة لا يري تلک النزعة الحسية التي يشير اليها کثير من الدارسين، فغاية الشاعر الاولي کانت غاية فنية، يقصد بها أن يفلح في رواية تلک الحرکة المادية النفسية للزائر العاشق، والمزورة المشدودة بين الحب والرجل. وذلک الحوار الدرامي القريب من لغة الحياة. أو لغة النساء، المفصح احياناً عن کثيرمن الخلجات النفسية الدقيقة. ولم يکن هم الشاعر ان يصف متعة او يتحدث عن شهواته، او يصف محاسن صاحبته وصفاً حسياً تفصيلياً… فالقصيدة تنتهي في اغلب الأحيان بالأشارة الي متعة حسية يسيرة لا تناسب مع الجهد الذي صوره الشاعر قبل.

فى هذا المجال يؤکد الدکتور شکري فيصل: ان غزل عمر بن ابي ربيعه، کان ينطبع بطابع الغزل الحضرى، ويعلل رأيه هذا باسباب عدة. منها، " غياب الأطلال في المطلع… فلم يبدأ عمر بها ولم ينطلق منها، ولم يجد انه مربوط ما ارتبط به الجاهليون… وانما کان منطلقة فيما رأينا، ذاته التي حرمت الوصل وعاشت علي المواعيد… ومنها بدا وان عمر خالف عن سنة العربى الجاهلى، وان هذه المخالفة کانت استجابة لهذه الحياة الحضرية التي کان يحياها وتمثيلاً بها وتعبيراً عنها"

کان عمر يقتصر القصيدة علي الغزل فلايکاد يقول الا غزلاً، ثم انه لم يقل الا فى الغزل، ومع ان عمر بن ابي ربيعه لم يبتکر شيئاً من خصائص الغزل العامة، فانه قد جمع معظم هذه الخصائص في شعره واجري الغزل فى قصص وحوار حيناً وفي نقاش وامتناع حيناً آخر. ومثل ذلک فعل نفر کيثرون من الشعراء المغامرين الذين کانوا يتبعون الجمال ويهيمون بالمرأة هياماً يجرون فيه علي مقتضي الطبيعة البشرية

وغزل عمر لذلک بديعٌ، لأننا نتسطيع ان تنفذ منه الي معرفة کثير من المحرکات النفسية للمجتمع العربي فى مكة والمدينة وما أصابه من تبدل تحت تأثير الحضارة الجديدة،ذ أتاح لنا بواسطة هذا الحوار المفتوح في الديوان بين السيدات علي جماله وفتنته ان نتعرف الي کثير من جوانب الحياة المعاصرة له، وخاصة حياة النساء وما نلن من حظوظ في الحرية، وايضاً فانه کشف في احاديثهن عن جوانب کثيرة من نفسياتهن وما يتغلغل فيها من تُرّهات وخلجاف ووجدانات.

ومحور الغزل هو عمر نفسه وعشق النساء له، ولکن سقط في اثناء ذلک کل ما يصور المرأة المعاصرة له في مکة والمدينة بواسطة هذه الأحاديث التي يجريها بين النساء أو هذا الحوار الذي يلفت کل من يقرأ غزله. وبما کانت هذه هي الخاصة الثانية الکبيرة في ديوانه: ففيه حوار مفتوح لاينضب معينه ولاتجِفُّ قطراته في نفسه. ومن هنا کان لغزله طابع ثان يخالف فيه طابع الغزل العربي کله الا مايأتي نادراً، ونقصد طابع القصص والحوار الذى يشيع في شعره، وهو طابع يعدُّ لطابع الأول، طابع المعشوق لا العاشق، فانه اتي النساء في شعره لاليبثهن بتاريخ الحبّ، ولا ليصف جمالهن، ولاليشکو عن هجرهن ويصف آلامه, وانما جاء بهن ليعبرن عما ينفث من لواعج الحب فيهن، وليصفن حسنه البديع، ومايتألمّن به من هجره وصدّه، فهي مصورات في شعره, مشغولات به, هائمات بجماله، تتردّد الأحاديث بينهن في فنه واغرائه

الحوار القصصي:

واما القصص والحوار فنأخذهما بمعناهما العام، فلانفني الروايه بکل ما فيها من فنٍ قصصي وعقدة ومتعة فينة، ولا يعني الحوار التمثيلي الذي يجرى علي المسارح؛ انما نعني الحديث المنظوم الذى يکاد يتفرد فيه ابن ابي ربيعة.

وهذا الحوار معروف في الادب الجاهلى، فقد أتي امرؤالقيس بالقصص والحوار في شعره، الا ان ابن ابي ربيعة قصد الي ذلک قصداً وجعله قوام فنه الشعري، فبسط فيه القول، والقي علي حلاوة ولباقة وبلاغة لم تجمتع لغيره.

و يقوم ابداع عمر في فنه هذا بأن تجرى فيه الدقة الواقعيية، واذا النساءيظهرن فيه بأخلاقهن، واشاراتهن، وحرکاتهن، واذا هن يطلبنه ودائماً، ويتحدثن عنه في غيابه، ويتغزلن به اکثر مما يتغزل بهن، ويلقين عليه النعوت الجميلة فکان عمر لايهتم للفن الشعرى بقدر ما يهتم لأدخال لغة النساء فيه:

بينـما ينعتنـي أبصرننـي
دون قيد الميل يعدو بي الأغـزٍ
قالتٍ الکبري أتعرض الفتي؟
قالت الوسطي «نعم هذا عمـر!»
قالت الصغـري، وقد تيمتُها
«قد عرفناه، وهل يخفي القمر؟»
وعمربن ابي ربيعة، في قصصه وحواره فيکثر من القسم واشهاد الله والاستحلاف، وقد يکون ذلك من خصائص الحديث في ذلک العهد.

بربك هل أتاك لها رسول
فنشاتك ام لتيتً لها حًدينا
فعمر يتحدث معنا بلسان النساء ونفسيتهن، وما يغمرهن من غيرة شديدة حين يتغني شخص بجمال احداهن وما لها من فتنة واغراء.

وغزل عمر ظريف من هذه الناحية، فهو يقصُّ، علينا کثيراً من احاديث النساء وتُرّهاتهن، وما يجول فى اذهانهن، وکل ذلک يمده فيه تربية امه له، وما تعوّده من الجلوس مع المرأة في عصره. واکبر الظن أني لا أغلو اذ زعمت ان عمر به جانب من انعکاس العاطفة وشذوذها، فنحن لا نجد عنده الشاعر الغزل المألوف الذي يعني بوصف حُبّه، وانما نجد شاعراً يعنى بوصف المرأة نفسها وصف احاسيسها، وکان غايته من ديوانه ان يصف المرأة وصفاً نفسياً.

ومعني ذلك ان عمر في ديوانه وغزله معطّل الي حد کبير، اذ حول الغزل من الرجل الي المرأة، فالصوره العامة فى غزله انه معشوق لا عاشق، وعمر في ذلک يعبّر عن تطور جديد فى الحياة العربية، فقبله لم نکن نعرف شاعراً يصبح شخصه موضوع الغزل فى غزله، انما شخص المرأة فهو الموضوع المعروف للغزل، وبعبارة اخري کانت المرأة قبل غزل ابن ابي ربيعة هي المعشوقة، اما في غزله، فقد تحولت الي عاشقة، کما تحول عمر نفسه من عاشق الي معشوق.

ولعل هذا ما جعل عمر ينفرد في غزله بشخصيته واضحة، ولم يستطع احد أن يجاريها، لأن عمر نفسه ليس من السهل ان يوجد مراراً، اذ لابد للشاعر من ظروف کثيرة تحوّله من عالم العاشقين الي عالم المعشوين، لابد ان يکون له ثراء عمر، وان تکون له امه التي عاشت له، وعاشت تعشقه، وايضاً لا بد ان يوجد مجتمع مکة وما فيه من نساء أصبن شيئاً من الحرية، فکثر الاختلاط بينهن وبين الرجال، علي نحو ما کثر بين نسا مکة وابن ابي ربيعة.

واذن لم يکن عمر عاشقاً في غزله، بل کان معشوقاً ولعل ذلک ما يدل بوضوح علي فساد هذا القصص الذى اکثر منه الرواة عنه، والذي حکاه صاحب الاغاني، فاکثره لايتفق وهذه الشخصية التى شذت فى عواطفها ولذلک کنا لانشک في عفّة عمر کما شک القدماء، نمثله في تربيته وعواطفه لايکون اباحّياً، ولعل ذلک کان سبباً مهماً فى ان نساء قريش کنّ يبرُزن له، ويتحدّثن اليه.

والحوار القصصي جعل الشاعر فيها اسير مدرسة شهيرة من مدارس الفن القصصي في الادب الحديث وهي المدرسة الواقعيية التي لا تأنف من تصوير الواقعة كما هي،و اذا اجبنا قياسه بمقياس المدارس الادبية المعاصرة.

والملاحظ ان مثل هذه الحوادث العابرة كثير في قصائد هذا الشاعر،و قد نظمها لذاتها،مسجلا فيها بداوته ومغامراته،كما يفعل من يدون مذكراته اليومية مصورا ما جرى معه خلال اليوم من حوادث واخبار،و لو شئنا ان نقولها من الناحية الفنية القصصية،لرأينا ان الحوار القصصي هو العنصر البارز الذي يطعن فيها على سائر العناصر الاخرى التي يمكن ان تتوافر في القصة،وهذا هو الذي جعل (العقاد) يرى ان عمر لم يبدع-كما يقول بعض النقاد-في فن القصة المنظومة،بل ابدع في الحوار القصصي او ما يطلق عليه الحديث المنطوم.

وبرأيي سبب تسميته بالحديث المنظوم لان هذا الشعر والغزل عند العمر واصحابه لا يصدر عن عاطفة الشاعر الصادقة لذا سمي بالحديث المنظوم بدل الشعرالذي يصدر عن العاطفة الصادقة.

ونستطيع بذلک ان نفهم لماذا لم يکن لعمر مدرسة في تاريخ الغزل العربى، لأنه کما قدمنا کان متفرد الشخصية، وعملت ظروف مختلفة في تکوينه ليس من السهل ان توجد عن غيره، ولاريب في انه ثمرة نهايئة لهذه الخسارة التي دخلت في مکة والمدينة، فأرهفت المشاعر، وطبعت الناس بطوابع جديدة، وقد يکون فيه ضرب من الشدوذ العاطفى، ولکنه مع ذلک استطاع ان ينفذ الي تصوير مجتممه الجديد، فنحن لانقرأ ما يصف به امرأة عصرهِ واقبالها علي حديث الرجال وما يکون بينهما وبينهم من رسل، حتي نطلع علي صوره جديدة للمرأة العربية.

وهذا القول الذي جاء به شوقى ضيف. ان عمربن ابي ربيعه لم يکن له مذهب ومدرسة شعرية برأيى مردود لأننا نجد جاء فىکتاب( کيف أفهم النقد): «هو» عمربن ربيعه «مؤسس المدرسة الواقعية في الادب العربي وان سبقته امرؤ القيس والنابغة الذبياني بقليل من الشعر کان بمثابة الاساس الذي اقام عليه عمر دعائم مدرسته»

ميزة الحب العمري:

انه بوجه عام حب حسي يهيم بالصورة الجميلة ويذهب مذهب الواقعيية، لا يعرف اثراً للمعاناة في العلاقة، ولايعکس شعوراً بالحرمان. المثالية فيه ليست فى القناعة والعفة، بل هي فى الاستجابة للجمال في کل انواعه وقسماته وبکل الجوارح والأحاسيس. وهو کذلک حب متحضر، لايعرف الثبات، ولاقدرة له علي المعاندة يميل الي اللهو العابر، ولا يسعي للامتلاک الدائم. تتجدد اجواؤه، وتنتقل خطاه في عالم الحس وهياكله المختلفة,ليس من طبعه أن يكون عبارة صامتة للروح لأنه اندفاع جري الي الوصال، مليء بالحرکة، مفعم بحرارة الشباب وصولته. وتتکرر هذه الميزات في اکثر قصائده، لتهالکه علي اللون الواحد من الشعر.

المرأة في الغزل الحضرى:

والمرأة العربية في عصر ابن ابي ربيعة هي امرأة متحضرة، وقداتيح لها من الفراغ واسباب زينة الحياة مالم يتح للمرأة الجاهلية.

واذا رصدنا جوانب هذه الحياة الحضرية، فقد نجد کيف نضت عنها ملابس المرأة المتحضرة وحيها وطيبها في اشعار عمر بن ابي ربيعة وارکان مدرسته الأحوص والعرجى. فصورة المرأة کما تعکسها لنا قصيدة الغزل الحضري في العصر الاموي، هي صورة منعمة مترفة، تحف بها الجواري،يسلينها ويعدون لها من افانين الهوي واللعب واللهو، ما تقطع به وقتها قطعاً هنيئاً وفي ظل هذا المجتمع الجديد کانت النساء يصبن شيئاً من الحرية، فکثر الاختلاط بين الرجال وبينهن، مما نحا بالشعراء ان يقفوا وقفة شاهد حى علي تجربة جديدة هي اثر من آثار المدنية ,فلا عهد لنا من قبل بشاعر ليحدث بلسان النساء فأباح بما يملأ قلوبهن من غيره، ومايدور في نفوسهن من خلجات انثوية صادقة.
السيد عبد الرازق غير متصل   الرد مع إقتباس