عرض مشاركة مفردة
قديم 11-06-2008, 02:10 AM   #3
السيد عبد الرازق
عضو مميز
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2004
الإقامة: القاهرة -- مصر
المشاركات: 3,296
إفتراضي

خصائص الغزل الحجازى:

ان شعر الحب في العصر الاموى سواء اكان عذرياً ام حسياً، قد اسقط كثيراً من التقاليد الشعرية التي ورثها الاسلاميون عن الجاهليين، فنادراً ما نجد الشاعر الغزل يستهل قصيدته ببكاء الأطلال، فان فعل ذلك لم يجعل الاستهلال لمجرد تقليد لايتصل بموضوع ابياته، بل جعله ضمن نسيج شعره الغزلي، واستأثر الغزل بقصيدة الشاعر يعبر بها عن موقف نفسى واحد. فلم تتسع لاى غرض آخر من موضوعات الشعر التى كانت تضمها القصيدة الجاهلية بصورة تقليدية، كوصف الرحلة بكل ما فيها من صحرا وحيوان، ووصف الراحلة، فان حدث شي من هذا فى بعض قصائد الغزل المطولة- وقلما يحدث- حرض الشاعر علي ايجاد رابطه بين غزله ووصف رحلته وراحلته.

كذلك استأثر الغزل بشعراء فى هذا العصر، لم يتجاوزوا هذا الفن الي غيره، فكان العشق عندهم وجوداً اوحياة، فاستقلت بشعر الغزل دواوين كاملة، كما نري فى ديوان عمربن ابى ربيعة، جميل بن معمر وقيس بن ذريح وغيرهم، اوكان هذا الفن الغالب علي دواوين آخرين من الشعراء العذريين اوالحسيين.
غلب اللين الحضارى علي لغه شعر الغزل حتي عند شعراء البدو، فسهلت الألفاظ ورقت الي حد بعيد، نأت عن الغرابة وقوة الأسر، وكذلك الامر بالنسبة للجملة الشعرية التي اقتربت في تركيبها من لغة الكلام العادية، وخاصة عند ما حاكي الشعراء اقوال النساء بكل ما فيها من لين وضراعة.

خلاصه القول: «انه(الغزل) لم يخلص من السذاجة البدوية، ولم يبرأ من تأثير الحضارة الجديدة، ففيه من البداوة سذاجة تستخفك وتستصيبك، وفيه من الحضارة طلا يبعث فى نفسك الميل الي الاستقساء والاستطلاع. وانت تجد بعد هذا كله عذوبة ولذة فى هذا المزاج الذي يتألف منه الغزل الاموى، والذى يمثل لك هذا الشعب البادى وقد اخذ يحضر ويترف، ويحس علي بداوته كما يحس الحاضرون والمترفون.

زعيم الغزل الحجازى:

اول من تعهر فى شعره من العرب وشبب بالنساء، انما هو امرؤالقيس باجماع الرواة. وكان قبل امرؤالقيس خاله مهلهل، ولم يجيء بعد هذين الشاعرين من يتهالك في غزله غير النابغة الذبياني. وقد افحش فى بعض نسيببه افحاشاً كأنه رومى او فارسى، لطول ما صحب المناذرة والغساسنة.

فكان عمر زعيم الغزل الحضرى، فيما كان جميل زعيم الغزل البدوى، ولكن شعر جميل قد ضاع ولم يبق لنا منه الا شيء قليل جداً، فلم يبق سبيل إلي المقارنة بينه وبين عمر الذي حفظ الدهر لنا شعره كله او اكثره، والذي استقامت لنا اخباره وصحت لنا طائفة من الحوادث المتصلة بحياته، فاصبح من اليسير أن ندرسه ونعلن فيه رأياً صحيحاً او مقارباً. ومهما تكن مكانة جميل من شعراء البادية والحاضرة، فليس من شك فى ان عمر بن ابى ربيعة كان مقدماً عليه عند اهل عصره. ويجب ان يظل مقدماً عليه من الوجهة الفنية، أننا لانعرف شاعراً عربياً اموياً افتن فى الغزل افتنان عمر. فعمر إذن زعيم الغزليين الامويين جمعياً لانستثني منهم احداً، ولانفرق منهم بين اهل البادية واهل الحاضرة. بل نحن نذهب الي ابعد من هذا فنزعم ان عمر بن ابي ربيعة زعيم الغزليين فى الادب العربى كله، علي اختلاف ظروفه وتباين اطواره، منذ كان الشعر العربى الي الان.

الغزل الأباحي أُو الحضري أو العمري:

تعددت الدلالات علي طابع هذا الغزل عند النقاد، سماه بعضهم الأباحي، واعتبره البعض الآخر غزلاً مادياً ودعاه طه حسين «غزل المحققين» ولا تخلو نسبته الي هذه الظواهر المختلفة من الصدق.

فهو حضري لأنه ظهر في المدن، وکان شعراؤه من اهل الحضر الذين نالوا نصيباً کبيراً من ترف الحياه ونعيم العيش؛ وهو اباحي لأن منشديه لم يتورعوا فيه عن وصف لذائذ الوصال بين المرأه والرجل، وبالغوا في ذلک احياناً ولم يجدوا حرجاً في کثير من الأوقات. وهو مادي لتلک الأسباب التي ذکرنا، لأنه يصور أحاسيس الحب المادية.

وهو غزل واقعي، لأنه يعکس واقع المجتمع الحضري، ونفسية المرأة في ذلک العصر، ويدخل بنا الي ردهات تلک الحياة الناعمة، حيث لاذکر الا الهوي، ولا حديث الا عن العلاقة، ولا اهتمام الا بشؤون القلب وقدشاء الدکتور طه حسين ان يهتم بالجانب الذي يمس الغزليين في هذاالشعر فسمي اصحابه «المحققين» لأنهم اهتموا بالناحية العملية من الحب، وقصدوا الي الوصال ولم يذهبوا کالعذريين الي تصوير اليأس والحرمان واظهار العفة والبراءة.

هؤلاء الشعراء انقطعوا للغزل، او کادو ينقطعون له ولکنهم لم يلتسموا الحب في السحاب، ولم يتخذوا العفه مثلهم الأعلي، وانما عبثوا ولهوا واستمتعوا بالحياة، وتغنوا هذا العبث واللهو وقصروا شعرهم عليها، او جاوزوهما الي فنون اُخري من الشعر، ولکنهم لم يبلغوا منها ما بلغوا من الغزل. زعيم هؤلاء الشعراء عمر بن ابي ربيعه.

الغزل العمري تعبير عن طبقه متحررة منطلقة، تضع شهواتها وملاذها فوق کل شيء وتلوب في حياتها تنشد هذه الملاذ والشهوات. انها لم تنس نصيبها من الدنيا ولکنها نسيت نصيبها من الآخرة ولم تبتغ الدار الآخرة وانما ابتغت الفساد في الأرض… طبقة من سادة قريش وغير قريش وهو شبابها. عادت الي شي من حياة فيها غير قليل من بقايا الجاهلية فغلب عليها الخمر والفساد والاماء واتيت من هذا النحو.

فهو ايضاً التعبير عن العاطفة التي تکالبت علي اللذة في غير حرمان، فأصبح حکاية حال، ووصف الوان واشکال. وذکريات في غير حنين، تشکيات في غير أنين، وتصريحاً في غير اقتصاد، وتلبية لکل هو في غير تردد ولاغناء. ومن ثم فهو التجربة التي لايصقلها الألم، ولا يحرق أنفاسها الوجد والجوي، وهذا النوع من الشعر يحفل بمظاهر الحضارة الأناقة، وأساليب الأغرار والتحايل، ولکنه بعيد عن اغوار النفس، يمتد في العرض والهول، ضاحکاً في آلامه واعماله، حياً في حرکاته وحواره، جذاباً في لينه وعنائيته، الا انه قلما ينقل التجربة المؤثرة التي تهز الکيان وتبعث الأشجان.

وما من شک ان قصيدة الغزل الحضري في العصر الاموي تمتد بجذورها الي قصيدة الغزل الحضري التي عرفت عند امري القيس والأعشي علي وجه الخصوص، في العصر الجاهلي، غير انه ما من شک ايضاً، انها تجاوزتها بالآلاف الأشواط، وذلک لتجاوز الحياة الحضرية في العصر الاموي حضارة الماضي الجاهلي بالأشواط ايضاً.

يؤکد عميد الادب العربي، أن عمر بن ابي ربيعه هو زعيم الغزليين، وزعيم الشعراء العرب قاطبة إلي يومنا هذا، لأنه استطاع ان يمثل العصر الذي کان يعيش فيه، والبيئة التي کان يحيا فيها، فشعره يصور الحياة الحضرية في الحجاز علي حقيقتها، حيث کان سراة قريش والحجاز يقضون حياتهم الهادئة الفارغة، ويصلون بعضهم بألوان الصلاة المختلفة الحلوة. کذلک يصور حياة المرأة المترفة الارستقراطية، وحياة الشباب الحجازي الساعي إلي لهو ابناء السادات وترفهم الذين ضاق بهم الساحه السياسية، فأسرهم نعيم العيش وأسرهم. فضلاً عن ذلک، فعمربن ابي ربيعة، کان يعيش عيشة الرجل المترف الذي اتيحت لهم اسباب اللهو ووسائله، غير انه كان مقيداً بشرفه ومكانته وما الف الناس من الاوضاع الاجتماعية، بحسب رأي طه حسين، ولهذا اتي شعره صورة صادقة، وربما ناطق عن عصر اندرجت فيه الحضارة من الوضيع إلي الرفيع.

واذا کان لطه حسين ان يقابل بين عمر بن ابي ربيعة، واي شاعر آخر، فقد جعله بازاء شاعر الحب الفرنسي «الفرد دي موسيه «الذي انتجته الحضارة الفرنسية»».

فالحب الحسي الذي هو اثر من آثارالحضارة الفرنسية عند الفرد دي *موسيه توافر ايضاً لزعيم العربي عمر بن ابي ربيعة الذي کان يمتليء بالحب الحسي، بحسب رأي طه حسين، نحن نري في ذلک شاهداً آخر علي عمق الأثر الحضري في شعر ابن أبي ربيعة.

الى هنا ذكرنا ان عمر ابن ابي ربيعة كان زعيم الغزل الاباحي ولكن نجد قد جاء في كتاب قصة الادب في الحجاز في العصر الجاهلي ان"سحيم عند الحسحاس هو الذي فتح باب الغزل المدي على مصراعه وهو لم يكن عربيا مما يدل على ان نشأة هذا الغزل المادي كانت اجنبية عن العرب فهو عبد اسود نوبي اشتراه عبد الله بن ابي ربيعة وعرضه على عثمان فرده واشتراه بنو الحسحاس وتأثر خطاه عمر بن ابي ربيعة وان لم يفحش مثله.

وبرأيي بما ان نرى نضوج هذا الجنس الشعري في العصر الاموي وخاصة عند عمر بن ابي ربيعة ولذا نعتبر عمر مبدع هذا الجنس الادبي.

وجملة القول: ان مدرسة الغزل الحضري، اذا کان لها ان تنهض بزعيمها عمر بن ابي ربيعة وبأرکانها العرجي والأحوص و*يزيدبن*الطئرية، فلأن هؤلاء کان لهم أن ينشأوا في حجور الحضارة العربية في العصر الاموي، وإن ينقطعوا للحياة في جبناتها فيشربوا من مائها ويناموا علي فراشها، مما اسهم في انتاج هذا اللون من شعر الغزل الذى جعل الحب يندرج علي الشفاه وينمو بين الحنايا، دون أن يزول.

منشأ هذا اللون من الغزل في حواضر الحجاز، بينا کانت نشأة الغزل العذري في بواديه، وترتبط هذه النشأة بالظروف التي احاطت بالحجاز منذ خلافة عثمان حتي قيام الدولة الاموية، والسياسة التي ترتبت عن انتقال الحکم من الخلافة الدينية القائمة علي الشوري الي ملک قائم علي الوارثة.

کان هدف السياسة الاموية- تجاه المعارضة القوية في الحجاز- عزل هذا الاقليم عن شؤون الدولة وسياستها، ووقف النشاط السياسي في الحجاز، لمکانة هذا الاقليم وتاثير آرائه وميوله في سائر الأقطار الاسلامية. ولم يکن بوسع الامويين دائماً اتباع سياسة العنف في الحجاز، منعاً لتفجر الموقف وازدياد خطورته لأن سكانه هم الذين نهضوا بالدعوة، وبذلوا للفتح. فعمد الامويون الي اساليب خاصة لتحقيق هذه العزلة کان في مقدمتها نقل عاصمة الخلافة إلي الشام. وبذلک ضمنوا تحويل النشاط الادارى عن مدن الحجاز، بحيث بات اقليماً عادياً، فخسر مرکز الزعامة الذي کان له ايام الراشدين، ثم احاط بنوامية هذا الاقليم بجو من الدعة حين هيأوا له اسباب اليسار والثروة، ووفروا فيه عومل اللهو.

وقد تلاقي هذا المنهح السياسي مع الشعور الذي کان يغمر الحجاز، وهو مزيج من الخيبة واليأس في ناحية، والنقمة والحقد في ناحية ثانية، فکان لابد للحجازيين من الاستکانه والاذعان للأمر الواقع. حقاً انهم اصحاب الحق-ولکنه غير قادر علي المقاومة، وشرعي الشرعيه لکنها بلاسلطه. فليکن اغراق في النعيم وتعويض عن وجاهة الزعامة، بوجاهة الغني والبذخ، وتحول من حياة الجهاد الي حياة الترف.

و هکذا أقبل الحجاز، سواء في ذلک انصار بني امية ومعارضوهم، راغبين او کارهين، علي هذه الحياة الجديدة، حيث کثرت الجواري وشاع الغناء، واتجه الشعر مع هذا الاتباع علي الغزل، يري فيه الحجازيون وسيلة لعلاج مشاعر الحقد والقنوط.

وان مؤلفي قصة الأدب في الحجاز في العصر الاموي يران ان الاماء وثأثيرها على الشعر كانت موجودة في العصر الجاهلي وفي الادلاء بآرآءهما قد جاءا بهذا الكلام"و الظاهر انه نشأفي البيءة الحجازية من تأثير الاماء اللواتي كن لا يتحررن ولا يبالغن في العفة وكن لا يأتين الى الحجاز من طرق شتى.و يكفي ان نعرف ان جوائز الملوك الشعراء تكون من الاماء بعض الاحيان.و قال النابغة يمدح النعمان بأنه يبذل الاماء المنعمات في هباته جنبا الى جنب مع الابل الغلاط الشداد:

الـواهب المأئة المعكاء زينها

سعـدان توضح في اوبارها اللبد

الراكضـات ذيول الريط فانقها

برد الهـواجر كالغرلان بالجـرد

و بسبب شيوع الغناء، وشيوع مدارس وجوقاته واجوائه واندائه ومنتدياته في جميع مدن الحجاز ونواحيه کان لابد من ظهور فريق من الشعراء بجانب المغنيين والمغنيات. يمدونهم بالقصائد والاشعار التي هي مادة الغناء الاولي.و قد وجد شعراء المدرسة الحضرية انفسهم وهم يلازمون هؤلاء المغنيين والمغنيات، ويقدمون لهم احدث القصائد والمقطوعات التي تتلاءم مع ذوق الخاصة والعامة، في ظلال النعيم والدعة والفراغ.

ان شعر عمربن ابي ربيعة واصحابه الحجازيين مع مداره علي الغزل فقط ومع قربه مرة من الخلاعة لم ينحط ابداً الي الفحش والمجون المحض الکثير، وجوده في غزل شعراء عهد العباسيين ثم من الجدير بالذکر ايضاً انّ عمر بن ابي ربيعة واکثر شعراء الحجاز لاسيما مکة في زمن الامويين الي اوائل القرن الثاني امتنعوا عن باب الخمريات في شعرهم امتناعاً تاماً ولم يذکروا الخمر الا في التشابيه، وذلک مع ان شرب الخمر غير مجهول في ذلک العصر بالمدينة.
السيد عبد الرازق غير متصل   الرد مع إقتباس