عرض مشاركة مفردة
قديم 27-12-2011, 11:29 AM   #14
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي

(40)

مَثُل علوان أمام المحقق الأول، ولكن لم يكن مُساعده (طقم الأسنان) موجوداً، بل كان هناك شخص ضخم حليق الشوارب، وجهه يبعث على عدم النفور..

المحقق الأول: نحن يا علوان، لا نضغط على أحد، ولا نجبره على قول ما لا يريد، ويبدو أنك لم ترتح خلال أسبوع لأسلوبي، فسيكون معك أحد أفضل شبابنا ونتمنى أن تكون متعاوناً، حتى تغادر الى أهلك... ثم نهض المحقق الأول مغادراً..

المحقق الثاني بصوتٍ ودود منخفض رغم ضخامة صاحبه: أهلاً وسهلاً.. كما أنك يا علوان تعمل مهندساً، فأنا أعمل ضابطاً في المخابرات، ليس بيني وبينك قضية شخصية، فأرجو أن تكون متعاوناً، هل تدخن؟
ـ نعم..
ـ ناوله سيجارة، وسأله عن كيفية قهوته، فأجاب..
ـ هناك من يأخذ زينته وهيبته من كرسيه، وهناك من يعطي كرسيه الزينة والهيبة، فحضرتكم تعطي للكرسي هيبة مهنية، في حين صاحبكم كان يلتمس تلك الهيبة من كرسيه..
ـ دعنا من موضوع الكراسي، نحن نعلم أن عملك الحزبي كان مع منظمات عربية، لا تهمنا الأسماء فيها، لأننا لو سألناك عن تلك الأسماء لغيرت وبدلت فيها، وعندها يصعب علينا متابعة تدقيق مثل تلك الأسماء، ولكن ماذا عن رئاسة اتحاد الطلبة لسنتين، وماذا عن إخراجك مسرحية (من هو العبد؟)..
ـ كل ما وردكم صحيح..
ـ ماذا عن استنكارك للانتساب للحزب؟
ـ لن أستنكر، وإذا خرجت من هنا، وتم الاتصال بي، لَلَبَيْتُّ النداء..
ـ هذا سيعرضك، لاعتقال آخر، فأنت تعلم أن حزبكم ممنوع في البلاد..
ـ امسك (الجمل) وخذ (باجه)
طلب المحقق الثاني من المرافق أن يودعه زنزانته..

(41)

لم تكن الثقة قد حلت بين هُمام وعلوان، فكانا يمضيان وقتهما بهمسٍ عندما يجلسان على أرض الزنزانة، فوق أحد البطانيات، يلعبان لعبة الأحرف كل يوم: أسماء دول تبدأ بحرف الكاف، أسماء عواصم تبدأ بحرف الباء، أسماء رؤساء جمهورية لبنان منذ تأسيسها، أسماء أنهر، أنواع ساعات، الخ. كان صوت كل منهما بالكاد يصل الى أذني جليسه، ولكنهما كان يستعملان أصابعهما في عد المطلوب بالسؤال..

كان أحد الحراس يتلصص عليهما، علَّه يستمع لشيء مفيد يرقي رتبته، فأحياناً يلمحا طرف رأسه على ارتفاع شبر من جانب بوابة الزنزانة، وأحياناً في منتصف ارتفاعها، فتزيد متعتهما بذلك..

الحارس: ماذا تعد أنت وهو؟
ـ لا شأن لك بذلك، وهل يمنع استعمال الأصابع في الحديث..
كان يغضب، فيخرجهما لمسح أرضية الحمامات، أو الممرات بين الزنزانات، أو غسل أواني المساجين، كانا يتمتعان في تلك العقوبة لتحريك أرجلهما، فالمسافة بين السريرين والحائط المقابل لا تكفي لتنشيط الدورة الدموية..

لم يكن بإمكانهما معرفة الوقت على وجه التعيين، إلا إذا صاح أحد الحراس أن وقت الصلاة قد دخل، فلا الشمس تصل الى الطابق السفلي، ولا ساعة مع النزيل لمعرفة الوقت، حتى الأيام كانا يعرفانها بواسطة برنامج العشاء (كوسى مع بيض: الأربعاء. زيت وزعتر: الثلاثاء، حمص بطحينة الخميس وهكذا). أما الأشهر، فكانت تُعرف من خلال زيارة (الصليب الأحمر أو حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة)...

(42)

في الصباح الباكر، أخرج الحُرَّاس همام، فظن علوان أن وفد حقوق الإنسان قد يأتي اليوم...

تم تنظيف الممرات، وقضبان الزنزانات، وبدا الحراس الخمسة الذين يحرسون الزنزانات بكامل لياقتهم، ذقون محلوقة وناعمة، ملابس مكوية جداً...

ـ اسمك..
ـ كذا..
ـ أين تسكن؟
ـ في طلعة السوق، بجانب محطة المحروقات، قرب فرن أبو شمسية..
ـ صحتك؟
ـ أعاني من تلبك في المعدة، وقد طلبت إحالتي على طبيب، ولم يتم ذلك..
ـ كيف نوع الأكل الذي يقدمونه لك؟
ـ لماذا أنت موقوف؟
ـ لا أعلم، فلم توجه لي تهمة حتى اليوم!
ـ رقم تلفونك؟
ـ كذا..
تساءل علوان: لماذا تلك الأسئلة التي وصلت الى مسامعه من زنزانة قريبة؟ وهل هم فعلاً حريصون على حقوق الإنسان؟ أم أنهم يتصيدون عملاء وجواسيس بحجة حقوق الإنسان..

وصل السائل الى علوان، فكان رجلاً أشقرا له شوارب شقراء طرفاها مدببان ومعقوفان الى الأعلى، كانت هيئته كهيئة جنرالٍ إنجليزي من الحرب العالمية الأولى حضر حفلاً بملابسه المدنية، ومعه مترجم عربي بشرته مائلة الى السواد.

ـ اسمك؟
ـ علوان..
ـ كيف صحتك؟
ـ الحمد لله، لا أشكو من أي شيء..
ـ كيف الطعام الذي يُقدم لك؟
ـ تعجز زوجتي أن تصنع مثله، فهو طعام متكامل وصحي..
ـ لماذا أنت موقوف؟
ـ هذه قضية بيني وبين حكومة بلادنا، لن أجاوب!
رمقه الأشقر بنظرة غريبة ثم انصرف الى الزنزانة التي بعد زنزانته..
أخرج علوان لفافة تبغ، وتقدم الى شبك البوابة، وهي طريقة لإشعال سجائر المدخنين من النزلاء، كونه لا يسمح لهم بالاحتفاظ بالمقادح، فتفاجأ بصوت مدير المعتقل الذي كان يسير خلف المفتشين بخطوات لا يراها النزلاء الذين توجه لهم الأسئلة، يأمر الحارس: ولع سيجارة الأستاذ..
ـ مرحبا أستاذ!

بعد ساعة تقريباً، أو بعد أن تيقن مدير المعتقل، أن اللجنة قد غادرت، أمر الحراس أن يخرجوا النزيل الذي أعطى التفاصيل..
ـ أخرجوا بارد الوجه... امسحوا فيه الأرض... فرموه أرضاً، وهو من فوقه، مريض؟ الأكل لا يعجبك؟ وأخذوا يسحلوه من مكان لمكان، وهو يولول ويترجى..


__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس