عرض مشاركة مفردة
قديم 11-01-2010, 02:11 PM   #3
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,379
إفتراضي




تابع لما قبله

(3)


والخلاصة أن مذهب السنة من حيث محدداته التي تكلمبها العروي، مذهب لا تاريخي وأيديولوجيا تجد لها امتدادها أيضاً في السياسة، خاصة في مبدأ التوحيد، الذي لا تخفى ارتباطاته بالاستبداد. وكما يقول العروي ( في السماء إلهٌ واحدٌ، وفي الأرض حاكم مطلق السلطة ص 165)، من هنا كان مفهوماً أن يرتدي السلطان لباس القداسة في المجتمعات الإسلامية، وهذا ما حصل تاريخياً في العالم المتوسطي الهللينستي المشرقي بعد انهيار الديمقراطية اليونانية والجمهورية الرومانية .. فحكم الواحد ـ في اتساقٍ مع التوحيد ـ أكان فرعونياً أم قيصرياً أم كسروياً، هو ما آلت إليه كل التجارب السياسية التي عرفها التاريخ القديم، وهو الذي هيأ الأذهان في المدار المتوسطي الى اعتناق التوحيد165.

فمذهب السنة ـ كما يقول العروي ـ يميل الى فكرة المستبد العادل، على أساس التوفيق بين السلطة المطلقة (الاستبداد الفردي) والعدل والإنصاف. وهو بهذا يستوحي الثقافة السياسية و الدينية للمدار المتوسطي مع بعض الخصوصية.. وفي السياق نفسه، لا يتصور النسق السني مجتمعاً بلا طبقات، فالتمييز عنده ثابت على جميع المستويات، وفكرة المساواة قد تكون عنده مجرد فتنة مقنعة؛ أما الديمقراطية فهي عين الفوضى.

كما أن السنة دائماً حذرة، دائمة متأهبة، تخشى باستمرار هجمة الخارج أو مروق الداخل (فتتصرف كالسلحفاة كلما استشعرت الخطر تقوقعت لتستمسك وتصمد ص 169)، هذه بعض الملامح المحددة للذهنية السنية ورؤيتها للإصلاح بحسب العروي، وهي ملامح تؤكد ما أسلفنا قوله بمطابقة العروي بين السنة والسلفية، فهما معاً ينفران من التاريخ وينتميان لذهنية واحدة (التقليد)، خاصة في رؤيتهما للإصلاح، تخشى غير المعهود حتى البسيط التافه، في الملبس والمأكل والأثاث، حفاظاً على إسلام نقي وأزلي فوق تاريخي.

وتجديد الإسلام أو إصلاحه أو إحياؤه في هذا المنظور هو العودة الى الأصل المثال، بغض النظر عن عامل التاريخ أو الزمن؛ فالسنة والسلفية بهذا المعنى تسعيان الى طمس معالم الزمن والتاريخ، وعملية الطمس هذه هي التربة التي تنشأ فيها السنة (التزامن الأزلي حضور الماضي في الحاضر والمستقبل) فالزمن والتاريخ هما الخصم والعدو للسنة والسلفية، والتقليد هو أيضاً منبع كل المفارقات والتناقضات التي تواجه المذهب السني.. بل وتواجه كل تفكير تقليدي ص 190. فما هي إذن هذه المفارقات؟

يقول العروي: إن السنة حيث يتعلق الأمر بنشأة الإسلام وبتجربة الوحي، لا تعطي الأجوبة التاريخية، بل جواباً واحداً لا يتغير؛ يتلخص في (دفن الآثار وطمس البشائر ص190)، هي مثلاً لا تجيب عن أسئلة مثل لماذا الوحي؟ لماذا الرسول في هذا المكان وفي هذه اللحظة؟ لماذا الوحي لهذا الشعب وبهذه اللغة؟ .. الخ. فكل ما تقوله غير تاريخي ويتعالى على الواقع، ولا يهدف إلا الى التطمين والحفاظ على الهوية وعلى الماضي، رغم الإخفاقات والهزائم؛ بل إن هذه الإخفاقات تقوي السنة وتغذيها ( كل سُنَة بالنسبة الى العروي تتقوى بإخفاقاتها، وهذه قاعدة عامة عرفتها كل الديانات) بمضمون وأسلوب جديد.

فالحروب الصليبية على الإسلام قوَت السنة، كما قوتها تحركات الاستعمار والحروب مع إسرائيل في العصر الحديث، حيث ترتدي في هذه الحالة ثوب الإصلاح، وترفع شعاراته؛ فالإصلاح يصاحب السنة باستمرار (ص196)، هذا ما يؤكده العروي ويثبته التاريخ.

فالاستعمار كغزو وتسلط وكحدث وراء تجديد السنة والسلفية وتقويتهما، ليس هذا صدفة أن يظهر مشروع الإصلاح عند الأفغاني وعبده والكواكبي وغيرهم في ظل الاستعمار، لأن الاستعمار هو الحدث المفجر للسنة، والسنة في هذا الإطار تعتمد أيديولوجيا وطريقة الاختزال.

وهي بهذا اختزالٌ مستمر ( اختزال الوحي في الشرع، ثم اختزال الشرع في عمل مجموعة محدودة من الأفراد. والغاية تأكيد القاعدة الصارمة التي تقول: ((الطريق السوي هو تقليد الجماعة في الكبيرة والصغيرة والمداومة على التقليد (العض عليه بالنواجذ) جيلاً بعد جيل، دون ميل أو حيد ص 204))

وهكذا، وانطلاقاً من تفكيكه لنسق السنة، يسجل عبد الله العروي ملامحها ومكوناتها كالتالي:

ـ السنة تظهر نفسها على أنها تمثل غالبية موحدة الاتجاه، ولأجل ذلك تبالغ في إبراز وتضخيم تشرذم خصومها ص 162.

ـ هناك ارتباط بين السنة والاستبداد من خلال مبدأ التوحيد.

ـ السنة لا تتصور مجتمعا دون طبقات ودون تمييز، فالتمييز بالنسبة لها واقع ملموس ومشروع على كل المستويات (حاكم/ محكوم، سيد/مولى، شريف/عامي، مؤمن/كافر، عَالِم/ عامي ..الخ ص 166ـ 167).

ـ السنة ملازمة للبراءة والفطرية والقناعة في شؤون الجسم كما في شؤون العقل (ص 167).

ـ تؤسس السُنة بالرفض والإقصاء وتنتعش بالانتقاء والتزكية.

ـ السُنة دائماً حذرة، دائماً متأهبة، تخشى إما هجمة الخارج أو مروق الداخل، تخاف كل لحظة ظهور بدعة جديدة، فهي مشغولة دائماً بنقيضها، أي البدعة.

ـ السنة متناسقة، بل في غاية التناسق، كل جزء منها يأخذ برقاب الأجزاء الأخرى (ص 169)

ـ السنة ذهنية اتباعية، تحتمي بالماضي، تتخذ موقف السلف أسوة ومرجعاً ومعياراً (ص 170).

ـ السنة ترى نفسها كتذكير بحقيقة منسية، تعمل على استعادتها بالمعاودة والتكرار (النموذج النبوي، فترة الخلفاء الراشدين).

ـ السنة تحيل على مبدأ المطابقة، الذي يعني أن الدليل على صحة ما تقوله الآن وهنا، هو أنه قيل بالصورة نفسها سابقاً وفي أماكن متباعدة؛ فهي تقوم على خلط الأزمنة (ص 172)، وعدم تمييز قبل من بعد، وهذا معناه سعي السنة الى طمس معالم الزمن والتاريخ ( السنة تفكير لا تاريخي وانتقائي).

ـ السنة ترفض منهج الصمت ( المنهج الصوفي) والتصديق بالقلب دون اللسان وقتل الشهوة، تتعاطى الجدل، تلخص العقيدة في جمل معدودات، تتطلع لأن تكون أمة وسطا (ص 173)؛ هي إذن تقوم على الجدل والنفي والوسطية.

يتبع
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس