عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 05-01-2009, 03:26 PM   #6
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,414
إفتراضي

الدولة العربية والدور الإقليمي

لوحظ في السنوات الأخيرة، أن الشؤون العربية تناقش في غالب الأحيان مع دول مجاورة للدول العربية، في تجاوز لا يخلو من علامات الاستصغار لشأن دول عربية ظنت وتظن أن وزنها الديمغرافي أو الاقتصادي أو الجيوسياسي كفيل بأن يجعل الآخرين يعترفون بدورها الإقليمي. ففي بحث الشأن العراقي، كانت اللقاءات الأمريكية الإيرانية تحمل في ثناياها نظرة تجاوز لدور الدول العربية. وفي شأن العدوان على غزة لاحظ الجميع كيف أصبحت تركيا قبلة يقصدها الزعماء العرب، اعترافا بترجيح قوة دورها الإقليمي على دور تلك الدول.

ما هو الدور الإقليمي؟


الدور الإقليمي، هو النشاط الذي تقوم به دولة ما، باعتبارها مركزا في إقليم مع الدول المحيطة بها، وتتسع دائرة الدور الإقليمي كلما زادت طموحاتها وزادت مخاوفها في نفس الوقت. فهي لا تسمح بالتغييرات التي تتم في دول الجوار دون مشورتها وموافقتها في كثير من الأحيان، كما يحدث في دول الجوار لروسيا الاتحادية، (جورجيا، أوكرانيا، وغيرها من الدول التي يزداد فيها النشاط الغربي). أو ما يحدث في العلاقة بين سوريا والوضع اللبناني والعراقي، أو باكستان وإيران وما يحدث في أفغانستان الخ.

فمصر (أيام عبد الناصر)، مثلا، كانت تقسم نشاطها الى دوائر: دائرة عربية تشمل الأقطار العربية، والتي كان قسم كبير منها لم ينل استقلاله بعد (دول المغرب العربي، ودول الخليج واليمن الجنوبي) ودائرة إفريقية، تشمل قارة إفريقيا، وكان يُخصص لتلك الدائرة (50 محطة إذاعية) وتستقبل الجامعات والمعاهد المصرية طلبة من دول إفريقيا، ليكونوا لها في المستقبل بمثابة السفراء أو القناصل المعنويين للتبشير بالدور المصري. ودائرة تشمل ما كان يسمى بدول عدم الانحياز، وكان يضم في نشاطه كل من الهند ويوغسلافيا (تيتو) و مراكز نشاط عالمية مهمة.

شروط الدور الإقليمي للدولة

لا تستطيع الدولة ممارسة دور الناشط في الوضع الإقليمي ما لم تتوفر لديها شروط تسمح بمزاولة هذا الدور منها:

1ـ الاستقرار الداخلي، وهدوء الجبهة الداخلية، ففي حين تنكفئ الدول التي تعاني من اضطرابات داخلية، على معالجة تلك الظروف، وتتمثل الاضطرابات الداخلية بعدة مظاهر منها:

أ ـ أزمات اقتصادية تعصف بالمجتمع المحلي، من بطالة، وسوء توزيع للثروات القومية للدولة، وانتشار الفساد، مما يجعل تلك الجماعات المستفيدة من الوضع القائم، تلتف حول الحكم وتنصرف لمقاومة خصومها المحليين.

ب ـ تهديد مستمر من دولة جارة، مما يجعل جل نشاط الدولة منصبا للتعامل مع هذا التهديد، ويعطلها عن البحث عن دور إقليمي، وهذا كان يحدث لفترات طويلة مع معظم الدول العربية المحيطة بالكيان الصهيوني، وهو ما أدى لتراجع دور مصر الإقليمي في عهد السادات الذي تراجع عن دوره العربي والإفريقي وانشغل في الجبهة الداخلية والتعامل مع النصوص التي وردت باتفاقية (كامب ديفيد) التي كان هدفها أصلا، إخراج مصر من ممارسة هذا الدور.

ج ـ المشاكل الإثنية المتعلقة بالتعامل مع المعارضات القومية، كما حدث بين عامي 1972 و1976 في العراق مع التعامل مع القضية الكردية، وكما يحدث في السودان، مع قضايا الجنوب ودارفور وغيرها. وقد تمرست الدوائر الإمبريالية في تفجير مثل القضايا لحرمان الدول العربية من ممارسة دورها الإقليمي، فخرجت السودان من الدور الفعال في الصومال وخرجت العراق من الدور المتعلق بفلسطين.

2ـ اختراق الدوائر الإمبريالية للحلقات الضيقة في رأس الحكم العربي، وجعل بقاء هذا الحكم بوضعه الحالي وكأنه (مِنة) تسكت عنه تلك الدوائر مقابل الصمت فيما يجري إقليميا، وقد تكون بعض دول الخليج كقطر والإمارات المتحدة استثناءا طفيفا لتلك الحالة، حيث يتحرك قادتها في نطاق حسن النوايا ولكنه لا يرتقي الى الدور الإقليمي الفاعل.

3ـ شبكة العلاقات الدولية الحسنة، المحكومة ببراغماتية المصلحة الحرة، وهذه النقطة لم يحسن العرب استغلالها جيدا، فلو نشطت جماعاتهم ـ حتى بوضع الحكومات الحالية ـ في أروقة صانعي القرار بالدول الكبرى لاستطاعوا تغيير شكل النظرة التي تتعامل بها تلك الدول مع القضايا العربية.

4ـ تطوير العلاقات الثنائية للدول العربية المتجاورة، وعدم التفريط بها مبكرا، وإبقائها كرصيد احتياطي يحفظ ماء وجه الحكومة (القُطْرية) أمام شعبها، وأمام المجتمع الدولي، فقد بدت الحكومات العربية بوضع لا تُحسَد عليه في حالة غزة، لا أمام شعوبها، ولا أمام العالم بشقيه الرسمي والأهلي.

5ـ جاهزية الدولة في تلبية حاجات من يستغيث بها إقليميا.
في دول شرق إفريقيا، لوحظ في العقدين السابقين أن هناك الكثير من المسلمين قد استجابوا لحملات التنصير المنسقة سياسيا مع الدول المنطلق منها النشاط التبشيري، ففي موزنبيق (مثلا)، لوحظ في الأرياف والأمكنة البعيدة عن المدن الرئيسية، وجود بعض الأديرة التي تمارس دور التبشير، محاذية لوجود بعض الإرساليات الصحية التي تقدم اللقاحات والعلاجات لسكان تلك الأرياف، وتقديم رأسين من الماعز لكل عائلة تقبل التنصر وإرسال أبناءها لمدارس تلك الإرساليات، وبالمقابل فإن النهب الاقتصادي لتلك المناطق يتم من خلال جهود منظمة يتعاون فيها كل من المبشرين الليبراليين.

بعض الدول قد يكون لها دور إقليمي رغم ضعف إمكاناتها

قبيل اجتياح السلطان العثماني (سليم الأول) للمنطقة العربية وبسط نفوذ العثمانيين عليها، في بداية القرن السادس عشر، كان هناك (إمارة ذو القدر) التي تفصل بين الأراضي التي كان المماليك يحكمونها وبين الأراضي التي كانت تحت سيطرة العثمانيين ، وكان كل منهما يحترم عدم التدخل بشؤون تلك الدولة، لكن المفاجئة أن الصفويين في إيران هاجموا تلك الدولة التي فر أمراءها نحو الأراضي العثمانية مما دفع العثمانيين لمهاجمة القوات الصفوية ووصولهم الى (تبريز) ثم دخولهم الدولة المملوكية وإنهاء حكمها في بلاد الشام ومصر، لأنها برأيهم لم تحمِ تلك الدولة.

هذا الأمر، نجده في سويسرا ولكسمبورغ ومعظم دول الخليج، فلا يجوز الاعتداء على تلك الدول، في سبيل تحسين مواقع دولة طامعة في استغلال ضعف تلك الدول.

لكن في وضع غزة، أي شكل من أشكال مناطق النفوذ ومناطق الطمع؟ نحن لا نقصد الكيان الصهيوني بل نقصد رد الفعل العربي (مبعثرا)

هذا ما سنتطرق إليه في المرة القادمة
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس