عرض مشاركة مفردة
قديم 04-02-2010, 12:37 AM   #1
إيناس
مشرفة بوح الخاطر
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2008
المشاركات: 3,262
إفتراضي بإحدى محطات ميترو باريس‏



كنت في طريقي إلى منزلنا بعدما قضيت عدة ساعات في مقر جمعيتي، وهي جمعية تنشط جاهدة لمحاربة العنصرية، حيث نمارس النضال من أجل الحق، واستحلاب الحلول لمشاكل الأجانب في بلد يرفع شعار الأخوة والمساواة والحرية.. شعارات ثورة انسحبت منهزمة من الشارع إلى دفات الكتب، وكل هم هذه الجمعية وأخواتها ليس إلا إرجاع هذه الشعارات إلى موطنها الأصلي، شوارع فرنسا ودروبها. فرنسا التي ما كان أحد ليتصورها تمنع عن أحد أبنائها وظيفة أو سكنا، فقط لأن إسمه محمد أو خديجة.

وأنا جالسة على مقعدي أنتظر مقدم الميترو جلست بجواري امرأة فرنسية عجوز يكاد عمرها يجاوز الثمانين، وبعد أن إستوت على مقعدها أخذت تقلب نظرها يمينا وشمالا، وشمالا ويمينا، وبين النظرة والأخرى تطلق همهمات وزفرات تعبر عن تأفف بالغ.
حاولت أن لا ألتفت إليها، ولا أحيد نظري عن كتابي.. لكن الزفرات والهمهمات تطورت إلى كلمات وتعابير، وفهمت أنها ساخطة على هذا الازدحام وغاضبة من كل هذه الأمواج البشرية، والضغط الذي تعرفه محطات الميترو الباريسية كلما عانق عقرب الوقت ساعته السادسة.

وطبيعي أن أرأف لحالها، وأن يحنو قلبي على عجوز مثلها. حينها قررت أن أشاركها الشعور وأفعل شيئا لأجل التخفيف عنها، ولو كانت كلمة بلهاء تصدر مني دون أن أعني بها شيئا ذا شأن.
قلت :
ـ لا تنزعجي سيدتي فإنه ازدحام عادي، إنها الساعة السادسة والنصف مساءا، وهي ساعة العودة إلى الأوكار.
أهديتها ابتسامة وفي داخلي سمعت صوتا هاتفا مني إلي :
ـ "وما أخرجك أنت يا امرأة من وكرك، في هذا العمر وفي هذه الساعة ؟"

وفيما بدا وكأنها سمعت صمتي، أجابتني بإحتقان شديد :
ـ "أعرف أنها السادسة مساءا وأعرف أنها ساعة خروج العاملين والموظفين والطلاب"...
سكتت لحظة، وإذا بها تهم بتشريح تفاصيل وجهي بتلك النظرات الفاحصة، وبعد أن فرغت من سكرنتي، رمتني بنظرة حادة، يا لهذا السكانير الفاضح، ونتائجه السيئة المحزنة.
وأخيرا استجمعت ما تبقى فيها من قوة وبأس وقالت بفرنسيتها البورجوازية تخاطبني :
ـ "انظري هناك، وأخبريني ماذا ترين ؟" وأشارت بأصبعها.
نظرت يمينا، ولكني لم أر شيئا، لا شيء يستحق الانتباه، كل الأمور عادية هنا، جمع من الناس ينتظرون الميترو.
إلتفت ناحيتها وقلت في استغراب :
ـ "لا أرى شيئا غير أناس ينتظرون مثلنا".
وفجأة، وبدون سابق إنذار صرخت في وجهي :
ـ "ماذا ؟ أناااس ؟"
قلت في ثقة مصطنعة : نعم،"أناس".
وعدت إلى هذا البركان الذي يستعد للثورة في داخلي، كم أكره أن لا أفهم شيئا، أن لا أفهم ما هو حولي، وهذه العجوز التي تصرخ بجواري، أتراها ترى ما لا أرى، أم رفع عنها الحجاب، الثمانينية الغريبة. أهي هلاوس العجائز أم أنها تتجاوز المنظور وما تراه عين فتاة مسكينة مثلي.

انتشلني صوتها من عالم تخيلاتي وهلوساتي وسألتني مرة ثانية، وهذه المرة كانت تشير بأصبعها ناحية الشمال.
ـ "ماذا ترين ؟"
حدقت في عينيها كأنني أود الاطمئنان على عقلها قبل أي شيء آخر، ثم التفت شمالا لأرى.
وكما كان الأمر على يميني، لم أر إلا حشدا من الناس ينتظرون الميترو.
ترددت قبل أن ألتفت إليها، وأصف ما أرى، لعلها تقصد نقطة تختبئ بين تفاصيل المشهد وثنايا الأحداث الصغيرة التي تعرفها محطة ميترو باريس. في البدء كنت خائفة من صفعات نظراتها، لكنني في لحظة إستجمعت كل قواي، وقلت متفادية التحديق المباشر إليها.. وبنبرة خجولة خرج صوتي :
ـ "حتى هنا لا أرى إلا أناس ينتظرون"
وفيما بدا على السيدة الانزعاج، طأطأت رأسي، وخفظت نظراتي هربا إلى ملجأي الآمن، بين دفتي كتاب يستريح على يدي، وذلك حتى لا تعيرني بضعف نظري أو أي شيء آخر، ولكنها اختارت هذه المرة أن تردد في استهزاء :
ـ "أناااس.... أناااس... وهل هؤلاء أناس ؟"
وبدون شعور رفعت رأسي أنظر إليها وأنا لا أفهم ما تقصد.
فأستطردت تقول في سخرية قاتلة :
ـ "وهل تعتبرين هؤلاء السود ـ مشيرة يمينا ـ أناس ؟
وهاته الرؤوس العربية ـ مشيرة شمالا ـ أناس ؟

أنظري يا آنستي الصغيرة، أنا أكره السود، وأكره العرب، وأكره الأجانب."
ثم نظرت إلي وأضافت قائلة :
ـ "وأنت ...؟"

جحظت عيناي من العجب، والاستنكار الشديد يحيلني إلى موجة غضب، وكم تمنيت لو أنهما تتحولان إلى رصاصتين تستقران في رأس هذه العجوز.

ـ "وأنت ؟"
لقد كانت ثواني معدودة، ولكني أحسستها تختلف عن أية ثواني أخرى، ما لهذا السؤال لا يكف عن قض مضجع هدوئي ولحظتي، ويطنطن في رأسي حتى أكاد لا أسمع إلا صداه، وكل خلايا هذا الجسد تهتف مستنكرة.
وأكتشف أن الثمانينية تستعجل الجواب، ولحظتها، لا أدري أية قوة خارقة أنجدتني وقامت بفتح فمي، قلت لها :
ـ أنا فرنسية وأكره فرنسيتك.

وتعالى صوت صفارة، ودون تفكير ركضت مع الناس لأركب الميترو..
وإنطلق هذا الميترو.
وأنا أنظر عبر النافذة الزجاجية، من على مقعدي داخل الميترو، أرى العجوز وحيدة لم تبرح مكانها.
ولا تزال تنظر يمينا وشمالا.



__________________

Just me


آخر تعديل بواسطة عصام الدين ، 04-02-2010 الساعة 02:44 PM.
إيناس غير متصل   الرد مع إقتباس