عرض مشاركة مفردة
قديم 24-03-2008, 12:38 PM   #3
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

الجزء الأول: إعادة طرح سؤال قديم.

1ـ تشاؤمنا

(( كان بوسع إيمانويل كانط، على رصانته ورجوح عقله، أن يذهب جادا الى أن الحرب تخدم الأغراض الإلهية. أما بعد هيروشيما فقد بات الناس ينظرون الى الحروب كافة باعتبارها ـ في أفضل الحالات ـ شرا لا بد منه. وقد كان بوسع عالم اللاهوت القديس (توما الأكويني)، على ورعه وقداسته، أن الطغاة يخدمون الأغراض الإلهية، إذ بدونهم تنتفي فرص الاستشهاد.. فبعد تلك الأحداث الرهيبة التي وقعت في قلب العالم التكنولوجي المستنير الحديث، هل لا يزال أن نؤمن بإله يمثل التقدم الضروري أكثر مما نؤمن بإله تتجلى قدرته في صورة عناية إلهية ترقب مسيرة الكون؟ ) إميل فاكنهايم

هكذا يبدأ الكاتب معلنا تشاؤمه، مقالته تحت هذا العنوان .. يمكن القول في ثقة بأن القرن العشرين قد غرس فينا جميعا تشاؤما تاريخيا عميقا. فبعكس الأمريكان الذين يروا أن المستقبل سيكون مشرقا، يرى معظم عقلاء القرن العشرين أنه لا شيء يدفعهم للاعتقاد بأن المستقبل سيكون أفضل، وأن ما يراه الغرب بأن العالم يتقدم نحو تكوين مؤسسات سياسية إنسانية فاضلة تمثلها الديمقراطية الليبرالية. وقد استخلص كبار مفكري العالم، أنه من الأرجح أن تحمل السنون القادمة كوارث لم يعهدها البشر من قبل، وشرورا جديدة لا يمكن تخيلها، كالديكتاتوريات القائمة على التعصب وعمليات الإبادة الدموية وابتذال الحياة بسبب غلبة الروح الاستهلاكية على المجتمعات الحديثة، واحتباس حراري وانتشار نووي الخ ..

يقارن (فوكوياما) ما حدث في القرن العشرين بما حدث في القرن التاسع عشر ليبرر نظرته التشاؤمية، فيقول: بالرغم من أن أوروبا عرفت في بداية القرن التاسع عشر هزات عنيفة سببتها الثورات والحروب، فقد كان القرن في مجمله قرن سلام وزيادة غير معهودة في الرخاء العادي. وكان ثمة أساسان رئيسيان للتفاؤل، الأول: الاعتقاد بأن العلم الحديث سيقضي على المرض والفقر فتتحسن بذلك أحوال البشر، وأن التكنولوجيا الحديثة ستتحكم في الطبيعة التي ظلت دوما عدوة للإنسان وستجعلها أداة في سبيل سعادته. والثاني: أن الحكومات الديمقراطية الحرة سيستمر الى المزيد من أقطار العالم.

ثم يقول المؤلف: بأن الرهان على انتشار مبادئ الثورة الفرنسية أو المُثُل العليا لها في تخليص العالم من ديكتاتورياته والحكم المركزي المطلق وتخليصه من تدخلات رجال الدين وخرافاتهم ووقف الحروب الدموية. وقد انتشرت عدة نظريات في أوروبا بالقرن التاسع عشر تشرح كيف أن البشرية أسرة واحدة ومتماسكة وعلوم أبنائها في خدمة الآخرين.

أسباب التشاؤم في القرن العشرين

يرجع تشاؤم الكاتب الذي ألف كتابه في العقد الأخير من القرن العشرين الى قسوة انهيار المطامع السابقة في القرن التاسع عشر، حيث كانت الحرب العالمية الأولى عاملا حاسما في زعزعة ثقة أوروبا بنفسها، رغم أن الحرب أدت الى نتيجة غياب الإمبراطوريات الألمانية والنمساوية والروسية، إلا أن آثارها النفسية كانت عميقة جدا، وقد خيبت آمال المراهنين على انتشار السلم والرخاء حيث كان يسقط خلف الخنادق يوميا عشرات الآلاف من الجنود ولمدة أربع سنوات.

لقد مهدت الحرب العالمية الأولى لمرحلة تفنن بها القائمون على الدولة الحديثة باستنباط مصطلحات وهيئات وأدوات، دولة شمولية، شرطة سرية، مدفع رشاش، طائرة قاذفة، قنبلة نووية، أسلحة دمار شامل، ضرب هيروشيما، محرقة يهود، الاستيلاء على أراضي كبار الفلاحين في روسيا، الستالينية النازية الخ .

إذا كانت هذه المظاهر والأسلحة تُنتَج في بلاد ادعت الرقي والتباهي بالرخاء والأخلاقيات .. فمن يضمن أنها لن تحدث في دول العالم الثالث إذا ما استطاع القدرة على التشبه بها؟ أو حتى أن تتكرر في دول متقدمة تدعي الديمقراطية؟

إن تجارب القرن العشرين، قد أثارت مشكلة ضخمة حول دعوى التقدم على أساس من العلم والتكنولوجيا. ذلك أن قدرة التكنولوجيا على الارتقاء بالحياة البشرية تتوقف بشكل حاسم على حدوث تقدم مواز في أخلاق البشر. إذ أنه بدون هذا التقدم الثاني يمكن القول بأن قوة التكنولوجيا ستستخدم بكل بساطة لتحقيق أهداف شريرة وستتدهور أحوال الإنسانية عما كانت عليه من قبل.

إن الذين يهللون للتقدم في وسائل الإعلام وتطورها بأنها أصبحت أداة إضافية في محاصرة النظم الديكتاتورية يتوهمون في ذلك، كما توهمت CNN عندما نقلت ما حدث في ميدان (تيانانمن في بكين) .. ولم تدرك أن نقل الأخبار والمعلومات بوسائله الحديثة قد استفاد منه (الخميني) في نشر مبادئه الرجعية ليقضي على حليف الغرب (الشاه).

وإن كان الغربيون يتفاخرون بأن نظامهم الديمقراطي الليبرالي قد انتصر على أعتى الأنظمة الشمولية الفاشية والنازية والشيوعية، فإن تساؤلا يدور بين الغربيين أنفسهم حول مدى صلاحية نظامهم هذا ليكون نظاما عالميا، حيث أنهم هم من أشعل الحربين العالميتين الأولى والثانية ودمر المدنية وأحرق اليهود واستخدم السلاح النووي، وهم الذين يتحيزون ـ دون احترام للغير ـ لنظامهم على أنه هو النظام الوحيد الذي يجب أن يسود (وهي نظرة فوقية تتنافى مع فكرة الديمقراطية نفسها وتفتقد للجانب الأخلاقي) .

شكوك غربية بإمكانية استمرار النظام الديمقراطي الليبرالي

في أوائل السبعينات رأى كيسنجر أن الصراع مع الغير قد يكون لا نهاية له، داعيا الى إعادة النظر بالنظام الديمقراطي الليبرالي ولنتعلم كيف نصرف سياستنا الخارجية بالطرق التي كانت الدول قبلنا تصرفها.

وفي عام 1983 طلع علينا (جين فرانسوا ريفيل) يقول إن "الديمقراطية قد يتضح أنها مجرد مصادفة تاريخية، أو جملة اعتراضية قصيرة انقضى أجلها أمام أعيننا"

ولكن أنصار الليبرالية ظنوا أن " مجتمعا فاشلا" كالاتحاد السوفييتي قد وجد مع ذلك مفتاح السلطة والقوة بفضل اختراع الشمولية اللينينية التي مكنت عصبة صغيرة من " البيروقراطيين المستبدين " من الاستفادة من سلطان التنظيم الحديث والتكنولوجيا في التحكم في أعداد غفيرة من الناس الى مالا نهاية. وقد نجحت الشمولية ليس فقط في إرهاب الشعوب الخاضعة لها، وإنما أيضا في إجبارها على تبني قيم سادتها من الشيوعيين.

ونختار ـ ما اختاره الكاتب ـ في قول (توكفيل) من أن الديمقراطيات تجد صعوبة خطيرة في سبيل انتهاج سياسات خارجية جادة على المدى الطويل. فطبيعتها الديمقراطية ذاتها تشل مساعيها، بسبب تعدد الأصوات فيها وعدم الثقة في النفس والنقد الذاتي الخ .

الفكر الشمولي يهتز هو الآخر في القرن العشرين

كما أن الليبرالية والديمقراطية الغربية قد اهتزت ثقتها بنظامها، فإن الفكر الشمولي (الذي كان يمثله الشيوعيون) قد اهتز هو الآخر، فقد تخلت معظم أو كل الأحزاب الشيوعية الأوروبية (فرنسا، إيطاليا، اسبانيا) عما كان يُعرف بديكتاتورية البروليتاريا، وهي أحزاب كانت تعمل في ظل دول ليبرالية.. كما تسللت الأفكار الرأسمالية الى النخاع الشوكي في جسم كوادر الشيوعيين في الاتحاد السوفييتي والدول الأوروبية الشرقية التي أدت الى انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية. كما أن الصين الحالية لم تعد هي الصين التي كانت أيام (ماو سي تونغ).

لم تهتد الأفكار السياسية في القرن العشرين الى صياغة تقلل من الشعور بالتشاؤم ..
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس