عرض مشاركة مفردة
قديم 18-07-2009, 11:24 AM   #1
المشرقي الإسلامي
أحمد محمد راشد
 
الصورة الرمزية لـ المشرقي الإسلامي
 
تاريخ التّسجيل: Nov 2003
الإقامة: مصر
المشاركات: 3,808
إفتراضي مقتطفات نقدية من كتاب جماليات القصيدة المعاصرة-بتصرف

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إشكالية الشعر المعاصر:

يشهد شعرنا العربي اليوم تداخلات وتعارضات شتى ، حيث نجد شعراء يمثلون مدارس الشعر الحديث كلها :الإحياء والبعث ، والتجديد الرومانسي ، والواقعي المعاصر.وهذا يعكس -بالضرورة- سمات خاصة لبنية المجتمع العربي على المستوى الحضاري والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والفكري . نتيجة لذلك لم يكن من الغريب أن يمثل الشعر -فن العربية الأول- صدى واسعًا لكل هذه التناقضات الحادة .
وقد آثر مؤلف هذا الكتاب أن يسمي ذلك الشعر الجديد\ الواقعي (الشعر المعاصر) ، إذ هناك عدة تسميات أو مصطلحات تطلق عليه وهي :
شعر التفعيلة :
يميل الشعر الجديد إلى استخدام تفعيلة أحد الأوزان العروضية الصافية وهي :
الكامل - الرمل - الوافر - الهزج -الرجز-المتقارب- المتدارك ؛نظرًا لأن هذه الأوزان واحدة التفعيلة تتيح للشاعر حرية كبيرة في تشكيل السطر
الشعري -وليس البيت-والتوقف عندما يرى ضرورة فنية لذلك .
الشعر الحر:
أطلق أعداء الشعر الجديد هذه التسمية عليه ،ليشيروا إلى أنه شعر (متحرر) من القواعد العروضية وزنًا وقافية .ومع مضي ّ السنين صارت هذه التسمية من أشيع المصطلحات ، ولم يعد أحد من الباحثين يقصد بها الإساءة من قريب أو بعيد إلى هذا الشعر الجديد(شكلاً ) على تاريخ الشعر العربي .

الشعر الواقعي :
ظهر هذا النسق الجديد من الشعر في ظل المدرسة الواقعية في الأدب ملتزمًا بتصوير قضايا المجتمع الساخنة اجتماعيًا وسياسيًا بعد أن عجزت الرومانسية عن مواكبة الأزمات الحادة التي مر بها المجتمع العربي في منتصف القرن العشرين .. حتى اليوم .(عموديًا كان أم تفعيلة أم نثرًا).
الشعر المعاصر : المعاصرة تاريخيًا تستوعب كل ما ظهر خلال جيل واحد .. والجيل عمره -في المتوسط- ثلث قرن من الزمان تقريبًا ،لكن المعاصرة الأدبية كمصطلح نقدي تعني أن الشاعر أو الأديب يبدع أدبه بأحدث الأساليب الفنية ، التي تتوصل إليها العصر .
والعصر ليس مقصودًا به هنا الواقع المحلي الذي يعيش فيه الأديب فقط ،وإنما عليه أن يواكب سمات التجديد الجمالي ، التي تظهر في الأدب العالمي أيضًا ؛ لأن الأدب العربي اليوم يطمح -جادًا- إلى أن يكون واحدًا من أعضاء جوقة الأدب العالمي .. وأن يعزف في إطار السمفونية العالمية .

قضية الشكل :
من الضروري في هذا الصدد الإشارة إلى أن المعاصرة لاتعني الاستخدام الشكلي لشعر التفعيلة أو الشعر الحر (والذي يراه الكثيرون داخلاً بدرجة أكبر تحت مظلة النثر لا الشعر ) وإنما تعني مواكبة العصر وقضاياه الاجتماعية والسياسية والثقافية ؛فبعض الذين ادّعوا( المعاصرة ) اتسمت أشعارهم بالإلغاز
والتعقيد والتصنع من ناحية أو الرومانسية والذاتية المفرطة ،والبعد عن القضايا الفكرية والقومية من ناحية أخرى .
وفي المقابل كان هناك من شعراء الشعر العمودي من دخلوا وبقوة إلى ميدان الفلسفة الواقعية كالشاعر اليمني الراحل عبد الله البردوني .
إذًا فالقضية ليست قضية شكل بقدر ما هي قضية معالجة فنية وفكرية ... ومن هنا نقف على القاعدة التي من خلالها ننطلق إلى رحاب بعض جوانب النقد الأدبي في عالم الشعر .
تحولات في وعي المتلقي :
أصبح الشاعر المعاصر في موقف تحد شامل حين يبدأ عملية الإبداع ، فهو مطالب في آن واحد بأن يعي شروط الأصالة والمعاصرة ، أي أن يعرف حقيقية الواقع وجوهر التراث ، يعيش داخل وطنه وخارجه ، أن يقرأ ثقافة أمته وثقافة العالم من حوله ، أن يدرك أسرار تشكيل الشعر وصياغة معظم الفنون الأخرى ، أن يمحو التناقض بين الخاص والعام ، وبين الذات والموضوع وبين الماضي والحاضر والمستقبل .
نتيجة لكل هذه المكابدات التي يبذلها الشاعر الجديد سمعنا بعض القراء- وليس النقاد- يتهم القصيدة المعاصرة أحيانًا بالغموض والصعوبة والإغراق في الرمزية ، وفاتهم أن الشعر مثل كثير من الفنون الأخرى لم يعد فنًا جماهيرًا يُنشد في الساحة أو يلقى في الأسواق وإنما صار فنًا متخصصًا يحتاج إلى قارئ -لا مستمع-واع .
ومن هنا فإن فهم القصيدة الحديثة بمعايير البلاغة القديمة وحدها لا يكفي لمعرفة أسرارها وتحليل مكوناتها وفهم إطارها بل يكاد المؤلف القول :إنه قتل متعمد مع سبق الإصرار لروحها الجمالية وطبيعتها الفنية .
لقد أصبحت القصيدة الجديدة -تبعًا لتحولات العصر - بنية حية معقدة ومركبة ، توحد بين الشاعر والعالم من حوله . وتجمع بين الواقع والتراث وتضم الكون في إهاب رحب فسيح يتناغم مع عصر العولمة .
بناء على ذلك كله فقد أصبح للقصيدة المعاصرة جماليات خاصة وسمات جديدة متجددة ولم يعد هناك معيار نقدي جاهز للتطبيق على كل قصيدة.
والنقد الأدبي الحديث ينظر إلى العمل بشكل متكامل ، فهو ينظر إلى العمل ليس في إطاره المجرد وإنما في إطار خصائص العصر الثقافية والفكرية ، والظروف السياسية والاجتماعية ، فبالقدر الذي لايمكن فيه لكاتب أن يعزل شعر الزهد مثلاً عن موجات الزندقة والتحولات الفكرية التي مرت بالمجتمع الإسلامي في العصر العباسي ، لا يمكن لقارئ أن يعزل شعر هذا العصر الحديث عن الظروف الخاصة به .ومعرفة هذه الظروف وظروف حياة ونشأة المبدع نفسه لا تتطلب الغوص في أغوارها والدخول إلى خباياها وإنما يُكتفى بالجانب الواضح الطافي على السطح ، وإلا تحول الأدب إلى مادة موسوعية هي إلى فن التراجم والسيَر أقرب .
غير أن هناك نقاطًا يمكن استخلاصها تتعلق بجوانب شخصية الشاعر قد تكون ظاهرة من خلال بعض النصوص الخاصة به أو من خلال أحاديثه ومقابلاته أو من خلال تفاعلاته الاجتماعية .
فعلى سبيل المثال : يعرف جميعنا ارتباط إبداعات عنترة بن شداد بموقف معين وهو الزواج بعبلة ابنة عمه وما أثار من شجون أدت إلى تفجير طاقة إبداعية عظيمة لدى هذا الشاعر ،والأمر نفسه ينطبق على تأثير العمى على أشعار أبي العلاء المعري.
وهذا الأمر ينطبق على الشعر الحديث ، فقصيدة "لا تصالح"للراحل أمل دنقل أتت إبان اللاحرب واللاسلم كإرهاص(مقدمة) للمعاهدة المشئومة كامب ديفيد ومعرفة ارتباط هذا الموقف بالقصيدة تتيح للناقد الحكم على القصيدة في إطار هذا الظرف الاجتماعي والذي غالبًا ما يكون واضحًا ،أما خبايا وخصوصيات جوانب الحياة الشخصية للمبدع فهي ليست مسئولية الناقد ولا الكاتب ولكن إذا برزت بشكل واضح للجمهور كان الأصح أن يُرجع إليها فيما يتعلق أو يحتمل أن يكون له علاقة بالإبداع الذي أنتجه الشاعر .
__________________
هذا هو رأيي الشخصي المتواضع وسبحان من تفرد بالكمال

***
تهانينا للأحرار أحفاد المختار




المشرقي الإسلامي غير متصل   الرد مع إقتباس